Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском
Гафир 40:17–18
40:17Страница 469
ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۚ لَا ظُلۡمَ ٱلۡيَوۡمَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٧
Сегодня каждая душа получит только то, что она приобрела, и не будет сегодня несправедливости. Воистину, Аллах скор в расчете!
ثم قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر ١٧]
﴿الْيَوْمَ﴾ ظرف متعلق بأيش؟ بـ﴿تُجْزَى﴾، والظرف والجار والمجرور لا بد لهما من متعلق؛ لأنهما لا يقعان إلا معمولين أو معمولًا فيهما، لذلك لا بد لهما من عامل يتعلقان به.
قال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾، ﴿تُجْزَى﴾ أي: تكافأ؛ لأن الجزاء بمعنى المكافأة، جازيته على عمله أي كافأته عليه، فمعنى تجزى أي تكافأ كل نفس بما كسبت من خير وشر، ولكن هذا الجزاء في الآخرة يختلف عن جزاءات الدنيا التي يجازى به الناس بعضهم من بعض.
فالجزاء هناك ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر ١٧].
﴿لَا ظُلْمَ﴾ (لا) نافية للجنس، وظلم اسمها.
قال أهل النحو: والنفي للجنس ينفي هذا الجنس مطلقًا، أي: قليله وكثيره، واحده ومتعدده.
ولهم (لا) أخرى يسمونها نافية الوحدة، ونافية الوحدة لا تعمل عمل (إن)، بل تعمل عمل (ليس)، تقول: لا رجل في الدار، أي ليس في الدار رجل واحد، بل ثلاثة رجال مثلًا، أما إذا أردت الجنس فقل: لا رجل في الدار، أي: لا واحد ولا متعدد.
وهي –أي: النافية للجنس- نص في العموم، أي أنها دالة على العموم بالنص، فيكون ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ أي: لا ظلم واقع من الله، ولا ظلم واقع من الخلق بعضهم لبعض، بل كل واحد من الخلق يفر من الآخر ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر ١٧] أي: سريع محاسبة الخلائق على أعمالهم.
وبين المفسر -رحمه الله- هذه السرعة فقال: (يحاسب جميع الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا؛ لحديث ورد في ذلك) يحاسب جميع الخلائق كلهم في مقدار نصف يوم، لكن من أيام الدنيا؟! هذا يحتاج إلى تحقيق؛ لأن يوم القيامة يوم مقداره خمسون ألف سنة، يفرغ الله سبحانه وتعالى من حساب الخلائق في نصف ذلك اليوم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، ومعلوم أن القيلولة تكون في نصف النهار، وهذا يدل على أنه لا ينتصف النهار إلا وقد فرغ الله سبحانه وتعالى من الخلائق من حسابهم، وصار كل واحد إلى ما آل إليه، لكن هل هو كيوم الدنيا أو هو يوم القيامة الذي مقداره خمسون ألف سنة.
* في الآية الكريمة هذه: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾ [غافر ١٧].
* وفيه: أن كمال الجزاء يكون ذلك اليوم، وذلك أن الجزاء قد يكون في الدنيا، قد يجازي الله الإنسان في الدنيا فيعطيه بالحسنة حسنات، ويؤاخذ الظالم بظلمه، وهذا واقع كثيرًا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٠]، وهذا يدل على أن الإنسان قد يجازى في الدنيا على عمله، لكن الجزاء الأكمل الأوفى يكون يوم القيامة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النفس لا تجازى إلا بما كسبت، وبماذا يكون الكسب؟ يكون الكسب إما بالقول، وإما بالعمل، أما مجرد النية فليست كسبًا، أو مجرد حديث النفس فليس بكسب، فالكسب قول أو عمل، وأما مجرد حديث النفس فليس بكسب؛ لأن الإنسان لم يركن إليه، ودليل ذلك: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِى مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧ / ٢٠١) من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: على قول بعض العلماء أن إهداء القرب لا يصح، يعني: لو عملت عملًا صالحًا وأهديته إلى غيرك فإنه لا يصح؛ لأن الغير الذي أهديته له لم يكسبه إلا ما دلت السنة عليه، فهو مستثنى، وإلى هذا ذهب كثير من العلماء أنه لا يُهدَى من القرب إلا ما جاءت به السنة.
وذهب آخرون إلى جواز إهداء جميع القرب، وقالوا: إن ما وردت به السنة قضايا أعيان، إذا ثبت الحكم فيها ثبت في نظيرها؛ لأن الشريعة لا تفرق بين متماثلين، وقد وردت السنة بإجزاء العبادات المالية والبدنية والمركبة من مال وبدن.
أما العبادات المالية ففي قصة الرجل الذي قال: يا رسول الله، إن أمي افتُلِتَت نفسها -افتلتت يعني: أخذت بغتة- وإنها لو تكلمت لتصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: «نَعَمْ» »[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٨٨)، ومسلم (١٠٠٤ / ١٢) من حديث عائشة.]].
وكذلك سعد بن عبادة رضي الله عنه كان له مخراف -أي: بستان يخرف- فتصدق به على أمه بإذن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. هذه العبادة المالية.
أما العبادة البدنية فقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧ / ١٥٣) من حديث عائشة.]]، وهذه عبادة بدنية محضة.
وأما المركبة منهما فالحج، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام للمرأة التي سألته عن أمها: إنها ماتت (...) أن تحج، قال: «حُجِّي عَنْهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٥٢)، ومسلم (١٣٣٤ / ٤٠٧) واللفظ للبخاري من حديث ابن عباس.]].
وهذا مذهب الإمام أحمد، أعني جواز إهداء القرب إلى الغير بشرط أن يكون المهدى إليه مسلمًا، أما إن كان كافرًا فإنه لو أهدي إليه لا تُقبل؛ لأن الكافر لا يُقبل له عمل؛ لا من نفسه ولا من غيره.
وهذا القول أقرب إلى الصواب من القول بالمنع.
ولكن مع ذلك لا نحبذ أن الإنسان يهدي إلى أمواته شيئًا؛ لأن هذا لم يكن من عادة السلف، ولا سيما الإكثار منه كما يفعله بعض الناس اليوم، تجد بعض الناس في رمضان يختم القرآن عدة مرات، كل ختمة يجعلها لواحد من أقاربه، هذه لأمه، وهذه لأبيه، وهذه لأخيه، وهذه لعمه، وما أشبه ذلك، هذا في الحقيقة خلاف عادة السلف.
ونقول: إن أردت أن تنفع ميتك نفعًا محققًا فاعمل بما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حيث قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»[[أخرجه مسلم (١٦٣١ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]]، هذا هو الذي نحبذه ونقول: أكثر من الدعاء لأمواتك، أما إهداء القرب فاجعلها لنفسك؛ لأن هذا هو السنة، وأنت أيها الحي سوف تحتاج إلى هذه الأعمال الصالحة كما أن الأموات أيضًا يحتاجون إلى زيادة الأعمال الصالحة؛ كما جاء في الحديث: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ إِلَّا نَدِمَ؛ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَدِمَ أَلَّا يَكُونَ ازْدَادَ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا نَدِمَ أَلَّا يَكُونَ اسْتَعْتَبَ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٠٣) من حديث أبي هريرة.]].
إذن نقول: ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر ١٧] استدل بها بعض العلماء على أيش؟ على أن من أُهدي إليه شيء من القرب فإنه لا ينتفع به؛ لأنه ليس من كسبه إلا ما جاءت به السنة، ولكن الصحيح أنه ينتفع به.
فإذا قلت: إن هذا هو الصحيح فكيف الجواب عن الآية؟
الجواب عن الآية أنها تدل على أن النفس تُجزى بما كسبت، لكن لا تدل على أنها لا تنتفع بعمل غيرها، الشيء المضمون تمامًا هو ما كسبت، وأما ما أهداه الغير لها فهذا شيء آخر، وله أدلة أخرى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: انتفاء الظلم في ذلك اليوم؛ لقوله: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر ١٧]، ولكن الإنسان يُجازَى بحسب عمله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢] قال المفسرون: ظلمًا في زيادة سيئاته، وهضمًا في نقص حسناته.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحساب، المحاسبة أن الله يحاسب الخلائق، وهذا كما أنه مدلول النصوص فهو مقتضى الحكمة؛ إذ ليس من الحكمة أن يُؤمَر الناس ويُنهوا ثم يذهب هذا الأمر والنهي هدرًا لا يحاسب عليه العبد، هذا في الحقيقة لو ثبت لكان عبثًا، والله تعالى منزه عنه؛ كما قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥]، وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة ٣٦] فلا بد من مجازة، لا بد من محاسبة حتى يتبين ما للإنسان وما عليه.
* ومن فوائد هذه الآية: تمام قدرة الله جل وعلا وقوته، مأخوذة من قوله: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر ١٧]؛ لأن السرعة تدل على القدرة والقوة، كيف يحاسب هذه الخلائق التي لا يحصيها إلا هو عز وجل في نصف يوم، هذا تدليل على كمال القدرة وكمال القوة.
فإن قال قائل: كيف يكون الحساب؟
قلنا: الحساب يختلف باختلاف المحاسَب، أما المؤمن فإن الله تعالى يضع عليه كنفه -أي: ستره- ويخلو به ويقرره بذنوبه، ويقول: فعلت كذا وكذا في يوم كذا، حتى يقر، فإذا أقر واعترف قال الله تعالى: «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]] فيذهب طليقًا.
أما الكفار فإنهم لا يحاسبون حساب من تُوزَن حسناته وسيئاته؛ لأنهم ليس لهم حسنات، ولكن تُحصَى أعمالُهم، فيوقفون عليها ويُقرَّرون بها، ويُخزون بها ويُوبَّخون عليها ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك ٨، ٩] فيوبَّخون زيادةً في حسرتهم والعياذ بالله، وبيان أنهم لم يظلموا، فالحساب إذن يختلف.
* يستفاد من هذه الآية من الناحية المسلكية: تحذير الإنسان من المخالفة، وحثه على الموافقة، من أين تأخذ؟
* طالب: من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر ١٧].
* الشيخ: لا، تحذيره من المخالفة وحثه على الموافقة؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿تُجْزَى﴾ [غافر ١٧].
* الشيخ: بس تجزى؟
* الطالب: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى﴾ [غافر ١٧]
* الشيخ: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر ١٧] هذا يوجب للإنسان إذا أمن به أن يحرص على موافقة الأمر وعلى طاعة الله؛ لأنه يكسب.
وأنا أسالكم كما أسأل نفسي: هل نحن إذا صلينا -نعتقد، لا مو نعتقد- يكون في نفوسنا شعور بأننا سنأخذ أجرًا على هذه الصلاة، أو الشعور السائد أننا أدينا ما يجب علينا فقط؟ الثاني، ولهذا لو كان عندنا الشعور الأول أننا سنُجازَى على هذه الصلاة، وبقدر ما أتقنا فيها، لكنا نتقنها جيدًا؛ لأننا نعلم أن الجزاء من جنس العمل، ابذل دراهم كثيرة يأتك سلعة طيبة، لكن ابذل قليلًا يأتك سلعة رديئة.
لهذا ينبغي لنا – ونسأل الله أن يعيننا ويعيذنا من الغفلة- ينبغي لنا أن نشعر حين نعمل العمل الصالح أننا سوف نجازى عليه؛ حتى يكون ذلك أشحذ لهممنا في إتقان العمل؛ لأن الإنسان إذا علم أن عمله هذا هو جزاؤه فسوف يتقن العمل، سوف يأتي به على حسب ما يرضي الله سبحانه وتعالى.
40:18Страница 469
وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡأٓزِفَةِ إِذِ ٱلۡقُلُوبُ لَدَى ٱلۡحَنَاجِرِ كَٰظِمِينَۚ مَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ حَمِيمٖ وَلَا شَفِيعٖ يُطَاعُ ١٨
Предупреди их о приближающемся дне, когда сердца подступят к горлу, и они будут опечалены. Не будет у беззаконников ни любящего родственника, ни заступника, которому подчиняются.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ [غافر ١٨] يوم القيامة، (أزف الرحيل: قرب).
﴿أَنْذِرْهُمْ﴾ الضمير فاعل يعود على من؟ على الرسول، والمفعول به الناس، يعني أنذر الناس هذا اليوم، وهذا العامل استوفى مفعولين: الهاء هي المفعول الأول، ويوم الآزفة المفعول الثاني.
وقوله: ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ أي: اليوم الآزف، فهو من باب إضافة الموصوف إلى صفته، أي: أنذرهم اليوم القريب.
وإن شئت فقل: الآزفة صفة لموصوف محذوف، والتقدير: يوم القيامة الآزفة. والآزفة بمعنى القريبة، قال الله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم ٥٧، ٥٨].
وقال الشاعر:
أَزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أَنَّ رِكَابَنَا ∗∗∗ لَمَّا تَزُلْ بِرِحَالِنَا وَكَأَنْ قدِنْ
أي: وكأن قد زالت.
فالحاصل أن الأزف بمعنى القرب، فالآزفة: القريبة، وهو يوم القيامة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى ١٧]، فهي قريبة مهما طال الوقت، فهي قريبة لو تبقى الدنيا ملايين الملايين الملايين من السنين فهي قريبة، وإذا شئت أن يتبين لك ذلك فانظر ما تستقبله الآن، إذا أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى المستقبل، المستقبل تنظر إليه نظر البعيد، فإذا به يأتي بسرعة كأنه برق خاطف، هكذا مستقبل الدنيا كلها قريب، فإن أدركته أدركته، وإن لم تدركه قامت قيامتك قبلها، فقيامتك قريبة وإن بقيت إلى القيامة الكبرى فهي أيضًا قريبة.
إذن كل آتٍ قريب، وكل ماضٍ بعيد، الماضي ولو كان قبل وقتك بساعة بعيد؛ لأنه لا يمكن يرجع، والمستقبل قريب.
إذن سُميت القيامة آزفة لقربها، ووجه قربها وإن كان بيننا وبينها ما لا يعلمه إلا الله من السنين فإن المستقبل مهما بعُد قريب.
﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر ١٨].
﴿إِذِ الْقُلُوبُ﴾ (إذ) بدل من يوم الآزفة، يعني أنذرهم يوم الآزفة، أنذرهم إذ القلوب لدى الحناجر، و(إذ) ظرف لما مضى من الزمان، وتأتي ظرفًا، وتأتي تعليلًا على حسب ما جاءت معانيها في اللغة العربية.
وقوله: ﴿الْقُلُوبُ﴾ [غافر ١٨] (أل) هنا للاستغراق، أي: كل القلوب.
وقوله: ﴿لَدَى﴾ [غافر ١٨] يقول: بمعنى (عند).
قال المفسر: (﴿إِذِ الْقُلُوبُ﴾ ترتفع خوفًا ﴿لَدَى﴾ عند ﴿الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ ).
قال الله تعالى: ﴿إِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾ في عام الأحزاب ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب ١٠] وهذا شيء معلوم محسوس؛ أن الإنسان كلما اشتد به الخوف ارتفع قلبه وانكمش وازداد خفقانه، فيوم القيامة ترتفع القلوب حتى تصل إلى الحناجر، الحنجرة هذه ما بين الترقوتين.
﴿كَاظِمِينَ﴾ (ممتلئين غمًّا حال من القلوب، عوملت بالجمع بالياء والنون معاملة أصحابها)
﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ القلوب كما تعلمون جماد، هي نفسها جماد، والجماد لا يجمع بالواو والنون؛ لأنه لا يجمع بالواو والنون إلا العاقل، علمًا كان أو وصفًا، وقد مر عليكم في شروط جمع المذكر السالم أن يكون علمًا أو وصفًا لعاقل، فهنا القلوب ليست عاقلة، القلوب جزء من البدن، ما هي عاقلة، فكيف توجيه الحال التي جاءت منها بجمع على صيغة جمع المذكر السالم؟
يقول المؤلف: لأن المراد بها أصحاب القلوب ﴿الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ والكاظم صاحبها، واضح؟ وهذا حق؛ أن كاظمين حق من القلوب باعتبار أصحابها.
والكاظم يقول: الممتلئ غمًّا، لماذا يمتلئون غمًّا؟ لشدة الأهوال والمخافة، قلوب مرتفعة، أنفس ممتلئة غمًّا.
﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر ١٨].
﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾ (الظالمين) هم الكافرون هنا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤]، وليس المراد مطلق الظلم، بل المراد الظلم المطلق، وهو ظلم الكفر، فالظالمون في ذلك اليوم ليس لهم حميم.
والحميم هو المحب كما قال المؤلف، وقيل: القريب؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء ١٠٠، ١٠١] أي: قريب، ولا نقول: ولا صديق محب؛ لأنه ما من صديق إلا وهو محب ولولا المحبة ما صادقك، وعلى هذا فنقول: إن الأولى أن تفسر الحميم بالقريب.
والغالب أن الذي يحامي عنك ويدافع عنك ويشفع لك هو القريب، هذا الغالب.
يقول: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر ١٨] شفيع بمعنى شافع، فهي فعيل بمعنى فاعل؛ كسميع بمعنى سامع.
ومن هو الشافع؟ الشافع من شفعك، أي: صار معك حتى تكون بعد الفرد شفعة، ولهذا يقال: الشافع هو من توسط لك بجلب منفعة أو دفع مضرة، هذا هو الشافع.
التوسط للغير بجلب الخير أو دفع الضير، هذا الشافع، التوسط، الشفاعة يعني، الشفاعة هي التوسط للغير لجلب الخير أو دفع الضير، هذا إذا أردت أن تأتي بها على سبيل السجع، تكون أريح، فهذا هو.
ففي يوم القيامة ليس لهم شفيع، لا يشفع لهم أحد؛ لأن من شرط الشفاعة أن يكون الله راضيًا عن الشافع وعن المشفوع له.
قال: ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر ١٨] قال: (لا مفهوم للوصف؛ إذ لا شفيع لهم أصلًا، لقوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء ١٠٠]، أو له مفهوم بناء على زعمهم أن لهم شفعاء أي: لو شفعوا فرضًا لم يقبلوا)
الآية الكريمة: ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ كلمة يطاع جملة فعلية في محل جر صفة، لأيش؟ لشفيع، ولو حولناها لاسم فاعل لكان التقدير: ولا شفيع يطاع، فهل هذه الصفة، هل هي قيد بمعنى أن لهم شفيعًا لا يطاع، أو هي بيان للواقع، والمراد نفي الشفيع؟
ذكر المؤلف احتمالين: الأول: أن يكون المراد ليس لهم شفيع مطلقًا، واستدل لذلك بقوله تعالى عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء ١٠٠، ١٠١].
أو أن المعنى: لو قدر أن لهم شفعاء، فإن هؤلاء الشفعاء لا يطاعون، وهذا بناءً على قولهم: إن الذين يعبدون من دون الله يكونون شفعاء لهم، والآية تحتمل ما قال المؤلف.
أما إذا قلنا بالأول، بالوجه الأول، وهو نفي الشفعاء مطلقًا، فالأمر ظاهر ما فيه إشكال.
أما الثاني أن يقام لهم شفعاء، ولكن ترد شفاعتهم، فهذا من أجل التخجيل لهم، أن يخجلوا حيث تقام الشفعاء الذين يدعون أنهم شفعاء لهم، ثم ترد الشفاعة، هذا أبلغ في خجلهم وفي ردهم وعدم انتفاعهم بآلهتهم، والله أعلم.
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج ٤٧]، وقال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة ٥] لكن يوم القيامة لم يرد فيه إلا خمسون ألف سنة: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج ٤] وفي الحديث الصحيح في قصة مانع الزكاة:« «فِي يَوْمٍ مِقْدَارُهُ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ»[[أخرجه مسلم (٩٨٧ / ٢٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
وعلى هذا فاليوم الذي عند ربنا كألف سنة ما ندري ما هذا اليوم، هو يوم مجهول لنا، أما: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة ٥]، فهذا لأن ما بين السماء والأرض خمس مئة سنة، فإذا كان ما بينهما خمس مئة سنة فإن صعود الأمر إلى الله ثم رجوعه يكون ألف سنة.
فالأيام ثلاثة: يوم مقداره خمسون ألف سنة، وهذا يوم القيامة، ويوم عند الله لا نعلم ما هو مقداره ألف سنة، ويوم مقداره ألف سنة في تدبير الأمر من السماء إلى الأرض ثم عروجه إلى الله عز وجل.
* طالب: (...) قلنا: الوجه الثاني في ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر ١٨] أن يقام ثم يرد، ما حال الشفيع الذي يقام ثم يرد، هل هو من تقبل شفاعته أو أنه هو مثله ؟
* الشيخ: لا، تمثل لهم أصنامهم حتى الذي يعبدون عيسى يمثل لهم عيسى عليه الصلاة والسلام.
* طالب: (...).
* الشيخ: هو لا يعارضه لأن يوم القيامة كما تعرف خمسون ألف سنة.
* طالب: (...).
* الشيخ: يفرغ منهم في نصف يوم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، الساعة تطلق على الزمن القليل والكثير إلا إذا فصلت، مثل من جاء في الساعة الأولى من يوم الجمعة من جاء في الثانية من جاء في الثالثة.
* طالب: قوله يا شيخ: (بالجمع بالياء والنون) الياء والنون تعود على أيش؟ الياء والنون قول المفسر؟
* الشيخ: ﴿كَاظِمِينَ﴾ [غافر ١٨] ما قال: إذ القلوب لدى الحناجر كاظمة؛ لأنه لو جرى الوصف للقلوب لقال: إذ القلوب لدى الحناجر كاظمة ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ [النازعات ٨]، وأنا ذكرت لكم أنه لا يجمع جمع المذكر السالم بالواو والنون إلا العاقل.
* طالب: كل آت قريب: (...)؟
* الشيخ: ما سمعنا بهذا إلا صباح هذا اليوم، الذي نسمع والذي يريده الناس إذا قال: كل آت قريب أن المستقبل قريب.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) حتى واحد يوعدك، يقول: إن شاء الله أمر عليك بعد ستة أشهر، قال: بعيد رجال، قال: كل آت قريب، هذا الذي يستعمله الناس.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [غافر ١٩ - ٢٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ [غافر ١٨] ما معنى أنذرهم؟
* طالب: الإنذار هو التخويف.
* الشيخ: نعم التخويف، وإن شئت فقل: الإعلام بتخويف، أن تخبرهم إخبارًا مقرونًا بالتخويف. طيب.
* الشيخ: ما المراد بيوم الآزفة؟
* طالب: يوم القيامة.
* الشيخ: ما معنى الآزفة؟
* الطالب: الآتية.
* الشيخ: لا.
* الطالب: القريبة.
* الشيخ: القريبة طيب.
قوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ [غافر ١٨] ما هي الحناجر؟
* طالب: الحناجر..
* طالب آخر: الحناجر هي: طرف في الحلق، ما بين الوجه والصدر.
* الشيخ: الرقبة يعني؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لا.
* طالب: ما بين الترقوتين.
* الشيخ: ما بين الترقوتين، نعم هذه الحناجر.
ما معنى قوله: ﴿لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ [غافر ١٨]؟
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ترتفع القلوب إلى الحناجر من شدة الخوف.
تكلم المؤلف رحمه الله عن كاظمين؟
* طالب: أنها حال من صاحب القلوب.
* الشيخ: حال من القلوب؟
* الطالب: من صاحب القلوب.
* الشيخ: وين أصحاب القلوب؟
* الطالب: (...) من جامد.
* الشيخ: لا.
* طالب: حال من القلوب باعتبار أصحابها.
* الشيخ: حال من القلوب باعتبار أصحابها.
لماذا اضطر إلى القول باعتبار أصحابها؟
* طالب: لأن أصحاب القلوب هم الذين يمتلئون غمًّا.
* الشيخ: لا.
* طالب: لأن جمع المذكر السالم لا يكون إلا للعاقل، والقلوب ليست عاقلة، فنقلت إلى أصحاب القلوب.
* الشيخ: طيب صحيح.
كاظمين ما يقال: القلوب كاظمين، يقال: الرجال كاظمين، أو ما أشبه ذلك، لكن لما كان المراد بالقلوب أصحابها، صح، مجيء الحال منها.
ما معنى كاظمين؟
* طالب: ممتلئين.
* الشيخ: ممتلئين غمًّا.
ما معنى قوله: ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر ١٨]؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لكن ما معنى قوله: ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: كلمة يطاع؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لكن قوله: ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾، هل معناه أن هناك شفعاء لا يطاعون، أو ما المعنى؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما راجعت الظاهر.
* طالب: أقول: فيها وجهان: إما أنها صفة كاشفة، يعني ليس هناك شفعاء، أو أنهم تمثل لهم أصنامهم ولكن لا تشفع لهم، وكذلك عيسى بن مريم عليه السلام كما ادعوا..
* الشيخ: يعني لا تطاع هذه الأصنام ولو شفعت طيب؛ وعلى هذا فتكون الصفة مقيدة ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر ١٨] أي: يشفع ولكن لا يطاع.
لماذا لجأنا إلى هذا التأويل؟
* طالب: لجأنا إلى التأويل لورود الآية الثانية، الشفاعة وانتفاء الشفاعة.
* الشيخ: ما هي الآية الثانية؟
* الطالب: قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ [الشعراء ١٠٠].
* الشيخ: نعم ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨]، وهؤلاء لا يرتضيهم الله.
* الشيخ: نرجع الآن إلى استنباط من الآية الفوائد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ [غافر ١٨].
يستفاد من هذه الآية فوائد:
* منها: وجوب الإنذار على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لقوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾، والأصل في الأمر الوجوب، لا سيما أن الرسول ﷺ مكلف بذلك.
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للداعية أن يكون مخوفًا أحيانًا ومبشرًا أحيانًا.
أما البشارة أحيانًا ففي آيات كثيرة: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٢٣]، ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة ٢٥] وما أشبه ذلك.
وأما الإنذار فكذلك في مثل هذه الآية، فالداعية ينبغي أن يكون منذرًا مبشرًا من أجل أن يحرك القلوب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي في الإنذار أن يذكر الناس أحوال يوم القيامة وأهوالها؛ لقوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ﴾ [غافر ١٨].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآية قريبة؛ لقوله: ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ [غافر ١٨]، والقرب هنا يعني أن الوقت يمضي بسرعة حتى لا يشعر الإنسان إلا وقد قامت القيامة؛ إما قيامته هو وتسمى القيامة الصغرى أو القيامة العامة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان هذا التمثيل العظيم في حال الناس ذلك اليوم ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ [غافر ١٨].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الحال عامة للمؤمنين وللكافرين، دليل ذلك عموم قوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ﴾ [غافر ١٨]، ثم قوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾ [غافر ١٨]، فدل ذلك على أن الآية عامة، ولكن هل يلحق المؤمنين شر من ذلك اليوم؟ لا؛ لقول الله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ [الإنسان ١١]، ومجرد الغم والهم لا يلزم منه الشر والضرر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القلوب عند شدة الخوف ترتفع حتى تبلغ الحناجر، وهذا يشهد به الواقع، قال الله تبارك وتعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب ١٠]، والإنسان في نفسه أيضًا يحس أنه إذا خاف خوفًا شديدًا، وكأن قلبه قد علق في حنجرته.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس في ذلك اليوم مع شدة الخوف يمتلئون غمًّا؛ لقوله: ﴿كَاظِمِينَ﴾ [غافر ١٨]، والغم هو التحزن أو التهيؤ لما يستقبل، فالغم في المستقبل، والهم والحزن في الماضي.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تقطع الأسباب بالظالمين فلا يجدون حميمًا ولا شفيعًا؛ لقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر ١٨] والمراد بالظالمين ما سبق، وهم الكافرون.
فإن قال قائل: الظلم أعم من الكفر، فكيف فسرتم الظلم هنا بالكفر؟
قلنا: لأن الله تعالى قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤]، ولأن ما دون الكفر من المعاصي تمكن فيه الشفاعة، فإن الشفاعة ثابتة لأهل الكبائر من هذه الأمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحذير هؤلاء الكفار من ذلك اليوم، فإنهم في الدنيا يجدون من يناصرهم ويواليهم ويساعدهم ويعاونهم، ولكن في الآخرة لا يجدون شيئًا من ذلك.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии