Ибн УсейминГафир · 40:30–31

Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском

Гафир 40:30–31, продолжение

لكن على كل حال الإنسان ينبغي له أن يركز، وأنا في نظري أن أهم ما أركز عليه هو القرآن الكريم، القرآن كنوز عظيمة، كلما أخذت آية وصرت تتأملها انفتح لك من العلوم فيها ما لا يعلمه إلا الله، ثم القرآن سند، يعني ليس القرآن ككتاب أي عالم من العلماء، هو سند يحتج به الإنسان أمام الله عز وجل؛ لأنه كلام الله سبحانه وتعالى، فلهذا أنا أرى أن نركز على علم التفسير، ثم على معرفة ما صح عن النبي ﷺ.

وأنتم تعرفون أن ما نسب إلى الرسول ﷺ يحتاج إلى جهد قبل أن يكون دليلًا، الجهد هو أن نعرف صحته إلى الرسول؛ لأنه ما أكثر الأحاديث التي رواها ضعاف الناس رواية، إما لقلة أمانتهم أو لسوء حفظهم أو ما أشبه ذلك، بل ما أكثر الأحاديث الموضوعة المكذوبة على الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الأهواء كثرت فصار من لا يخاف الله يضع ما شاء من الأحاديث وينسبها للرسول ﷺ، تحتاج السنة إلى عناية كبيرة في ثبوت صحتها عن الرسول ﷺ.

أما القرآن فلا يحتاج إلى هذا؛ لأنه ثابت بالنقل المتواتر الذي ينقله الأصاغر عن الأكابر، فالعناية بالكتاب والسنة هو أهل شيء، لكن لا يعني ذلك الإعراض عما كتبه العلماء، لا بد من الاستعانة بآراء العلماء وكيفية استنباطهم للأحكام من القرآن والسنة، ونقتصر على هذا.

* * *

* طالب: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر ٣١ - ٣٣].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نبدأ هذا الصباح في درس التفسير، وينبغي أن نلم بشيء من قواعد التفسير، فنقول:

أولًا: التفسير مأخوذ من الفَسْر، فَسَرَت الثمرة عن قشرها؛ أي: اتضحت وبانت، وهو عبارة عن توضيح كلام الله عز وجل، والتفسير يُراد به التفسير اللفظي؛ يعني أن تفسر اللفظة بقطع النظر عن سياقها، ويُراد به التفسير المعنوي بأن تفسر اللفظة بحسب سياقها.

فمثلًا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠]، إذا فسرنا القوة التفسير اللفظي صار معناها ضد الضعف، لكن الرسول ﷺ قال: «إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»[[أخرجه مسلم (١٩١٧ / ١٦٧) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.]]، وعلى هذا فنقول معنى القوة ضد الضعف، هذا باعتبار اللفظ، والمراد بها الرمي، هذا باعتبار المعنى المراد.

ومثله أيضًا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]، الزيادة معناها الفضل، زيادة الشيء على الشيء، هذا من حيث اللفظ، لكن المراد النظر إلى وجه الله عز وجل كما فسره النبي ﷺ، إذن التفسير اللفظي غير المراد، المراد يعينه السياق أو يبينه النبي ﷺ أو ما أشبه ذلك، وأما اللفظ فأنت تفسر الكلمة باعتبار معناها منفردة، دون النظر إلى سياقها.

والقرآن الكريم يفسر بالمعنى الأول ولّا بالمعنى الثاني؟ بالمعنى الثاني؛ أي: بما أراد الله به.

ثانيًا: هل المراد يخالف الظاهر أو هو الظاهر إلا بدليل؟ المراد هو الظاهر، يعني أن الله يريد بكلامه ظاهره، ولا بد، ولا يمكن أن نعدل عن الظاهر إلا بدليل، فمن عدل عن الظاهر إلى غيره بدون دليل كان ممن يحرفون الكلم عن مواضعه.

مثال هذه القاعدة قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤]، ظاهر قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي: علا عليه علوًّا يليق بجلاله وعظمته، وهو علوٌّ خاص بالعرش، وليس هو العلو العام على جميع المخلوقات، فإذا جاء الإنسان وقال: استوى على العرش؛ يعني استولى عليه، فإننا لا نقبل منه، لماذا؟ لأن هذا خلاف الظاهر بلا دليل، فإذا كان خلاف الظاهر بلا دليل فإنه من باب تحريف الكلم عن مواضعه، وإن تَسَمَّى أهله بأنهم مؤوِّلة فإنما يسمون أنفسهم بذلك من أجل قبول قولهم، وتسهيل خطئهم على الناس؛ لأنه فرق بين أن تقول: هذا مؤول أو هذا محرف، وإلا فالحقيقة أنهم محرفون.

ولهذا تجدون شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عبر في العقيدة الواسطية بقوله: من غير تحريف. ولم يقل: من غير تأويل؛ لأن التحريف مذموم بكل حال، والتأويل منه صحيح ومنه فاسد.

فإن دل دليل على أن المراد خلاف الظاهر فسرناه بالمراد، مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل ٩٨]، معنى قرأت؛ يعني: أردت أن تقرأ، وليس المعنى إذا فرغت، لو أننا فسرنا اللفظ بظاهره لقلنا: إذا قرأت؛ يعني: إذا انتهيت من القراءة فاستعذ بالله، ولكن هذا غير مراد، ما الذي يبيِّن أن هذا غير مراد؟ فعل النبي عليه الصلاة والسلام فإنه كان يستعيذ قبل أن يبدأ القراءة، هاتان قاعدتان.

القاعدة الثالثة: إلى من يُرجع في تفسير القرآن؟ هل يرجع إلى اللغة والحقيقة اللغوية أو يُرجع إلى الحقيقة الشرعية أو ماذا؟

نقول أولًا: يُرجع في التفسير إلى تفسير من تكلم به، وهو الله عز وجل، فيرجع في التفسير أولًا إلى كلام الله، فإذا كانت الكلمة مجملة في موضع من القرآن مفصلة في موضع، فإنه يُرجع إلى ما فُصِّل بالقرآن نفسه، إذا كانت مبهمة في موضع لكنها مبينة في موضع آخر نرجع إلى الموضع الآخر، فيُفَسَّر القرآن أولًا بالقرآن؛ لأن المتكلم به أعلم به من غيره، ففي قوله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة ١ - ٣] ما هي القارعة؟ بينها الله بقوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة ٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧، ١٨]، فسرها بقوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار ١٩]، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق ١٥] أي: ناصية هي؟ كل ناصية يسفع الله بها؟ لا ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق ١٦] وعلى هذا فَقِسْ، فنرجع أولًا إلى تفسير من تكلم به وهو الله، أي إلى تفسير القرآن بالقرآن.

ثم بعد هذا نرجع إلى تفسير القرآن بالسنة؛ لأن أعلم الناس بكلام الله رسول الله ﷺ، فنرجع إلى تفسيره، ولا نقبل تفسير غيره، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]، فقد فسرها صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنها النظر إلى وجه الله، لو جاءنا جاءٍ وقال: (وزيادة) أي: زيادة في الحسن، قلنا له: لا نقبل قولك، وإن كانت الكلمة من حيث معناها اللفظي تحتمل ما قلت، لكنّا لا نقبل، لماذا؟ لأن النبي ﷺ فسرها بأنها النظر إلى وجه الله، وهو أعلم الناس بمراد ربه، فلا نقبل قولك.

ثالثًا: نرجع إلى تفسير الصحابة؛ يعني إذا لم نجد في القرآن ولا في السنة رجعنا إلى تفسير الصحابة؛ لأن الصحابة أعلم الناس بمراد الله ورسوله، حيث إنهم في عصر التنزيل، وشاهدوا الأحوال والقرائن الدالة على المراد، ولا شك أن المشاهد للشيء ليس كالغائب عنه، الآن ربما أتكلم أنا بكلام منفعل فيه، وأقول: أتفعلون كذا؟ ولمَ كذا؟ تجدونني منفعلًا، والذي يسمع كلامي وهو لم يشاهدني يظنه كلامًا عاديًّا، ولا يعرف؛ لأنه ما عنده قرينة، فلهذا نقول: الصحابة أعلم الناس بتفسير كلام الله ورسوله؛ لأنهم قد شاهدوا الأحوال وعرفوا القرائن فيرجع إلى تفسيرهم.

مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء ١٢]، فهنا فسر أبو بكر الكلالة بأنه من ليس له ولد ولا والد، بأنه الميت يموت ليس له ولد ولا والد؛ يعني لا أصول ولا فروع، هنا نأخذ بتفسير أبي بكر، لماذا؟ لأنه من الصحابة، والصحابة أعلم الناس بتفسير كلام الله عز وجل، ومعنى قولنا هذا أنه لو جاء أحد من المتأخرين، وفسر القرآن بخلاف ما فسرت به الصحابة فإننا لا نرجع إلى قوله أبدًا.

بعد ذلك الرابع: إذا لم نجد في القرآن ولا في السنة ولا في كلام الصحابة نرجع إلى أقوال التابعين، ولا سيما من عُرِف منهم بالتلقي عن الصحابة، مثل مجاهد بن جبر رحمه الله، فإنه قال: «عرضت المصحف على ابن عباس مرتين أو أكثر أقفه عند كل آية وأسأله عن معناها»[[أخرجه الدارمي (١١٦٠) بسنده عن مجاهد، قال: لقد عرضت القرآن على ابن عباس رضي الله عنهما، ثلاث عرضات أقف عند كل آية أسأله فيم أنزلت، وفيم كانت؟".]]، فمثل هذا يؤخذ بقوله؛ لأنه أخذ عن الصحابة، وإن كان بعض التابعين قد لا ينال هذه المرتبة لعدم أخذه عن الصحابة، لكن على كل حال التابعون أقرب إلى المعنى الصحيح ممن بعدهم، إلا أنهم كما عرفتم يقلون مرتبة عن الصحابة.

الخامس: نرجع إلى المعنى الحقيقي للكلمة، وهو المعنى اللغوي؛ يعني نرجع إلى معنى الكلمة في اللغة العربية، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف ٣] يعني: تفهمون المعنى، وهذا إحالة من الله عز وجل إلى اللغة العربية، وأن عقل القرآن يكون بمقتضى اللغة العربية، ولنا حجة، فإذا قال قائل: ما دليلك على أن معنى هذه الكلمة هو كذا؟ قلنا: هذا معناه في اللغة، والقرآن نزل باللغة العربية، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان ٥٨] إلى غير ذلك من الآيات الواضحة.

فإن اختلفت الحقيقة اللغوية والحقيقة الشرعية رجعنا إلى الحقيقة الشرعية، يعني الحقيقة الشرعية واللغوية لا شك أنها تتفق في أشياء كثيرة، فالسماء سماء لغة وشرعًا، والأرض أرض لغة وشرعًا، والإبل إبل لغة وشرعًا، وما أشبه ذلك، فإن تعارضت الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية نقدم الحقيقة الشرعية؛ لأن هناك كلمات نقلها الشرع من المعنى الأصلي اللغوي إلى المعنى الشرعي، مثال ذلك الإيمان، الإيمان في اللغة هو الإقرار والاعتراف أو التصديق على خلاف بين العلماء في التفسير، لكنه في الشرع غير ذلك، الإيمان في الشرع أوسع من هذا، يشمل المعنى اللغوي ويشمل ما سواه، مثل الأعمال، الأقوال، الأفعال، التروك، كل هذه من الإيمان شرعًا، ومثل الصلاة وجدنا في القرآن: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة ٤٣]، على أي شيء نحمل الصلاة؟ على المعنى اللغوي الذي هو الدعاء أو على المعنى الشرعي؟ على المعنى الشرعي؛ لأن الشرع نقل بعض الألفاظ العربية إلى معنى جديد ليس مستعملًا في اللغة العربية فنأخذ بما أقره الشرع.

أخذنا الآن خمسة: نرجع في التفسير إلى القرآن، السنة، الصحابة، التابعين، المعنى اللغوي، وإذا تعارض اللغة والشرع قدمنا المعنى الشرعي، وهذا هو المبحث أظن المبحث الثالث.

المبحث الرابع: هل يجوز لنا أن نفسر القرآن دون الرجوع إلى كلام العلماء المكتوب أو المسموع؟

هذا ينظر، إذا كانت الكلمة لها معنى لغوي، ولم نعلم أن لها معنى شرعيًّا يعارضه فلنا أن نفسر القرآن بمقتضى اللغة، إذا لم نعلم أن لها معنى شرعيًّا نُقلت إليه؛ لأن القرآن كما قلنا واستدللنا نزل باللغة العربية، فإذا فسرته بمقتضى اللغة العربية فلا بأس، لكن بشرط أن يكون لي علم باللغة العربية، ما هو أي عامي ييجي يفسر القرآن.

أما إذا فسرت القرآن بما يوافق رأيي مع مخالفته للقواعد السابقة، فهذا جاءت الأحاديث بالوعيد فيه، «وأن من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار»[[أخرجه الترمذي (٢٩٥١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: «اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار».]]، ولهذا أمثلة كثيرة عقدية وفقهية، كثير من العلماء فسروا القرآن بآرائهم؛ أي: بما يناسب مذاهبهم، وهذا في العقائد مشهور معروف، مثل: يفسر قول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر ٢٢] أي جاء أمر ربك، يفسر قول الله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة ٦] بأنه الكلام المخلوق، يفسر قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] يعني: استولى عليه، يفسر قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥] أي: بقدرتي، وما أشبه ذلك، هذا قائل في القرآن برأيه لا شك؛ لأنه لا فسره بمقتضى اللغة، ولا بمقتضى الشرع، وإنما بمقتضى رأيه الذي يطابق ما هو عليه من المذهب أو من الطريقة.

في هذا أمثلة كثيرة؛ عقدية وفقهية؛ كثير من العلماء فسَّروا القرآن بآرائهم؛ أي: بما يناسب مذاهبهم. وهذا في العقائد مشهور معروف:

يفسر قول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر ٢٢] أي: جاء أمر ربك.

يفسر قوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة ٦] بأنه الكلام المخلوق.

يفسر قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] يعني: استولى عليه.

يفسر قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥] أي: بقدرتي وما أشبه ذلك، هذا قال في القرآن برأيه لا شك؛ لأنه لا فسره بمقتضى اللغة، ولا بمقتضى الشرع، وإنما بمقتضى رأيه الذي يطابق أيش؟ ما هو عليه من المذهب أو من الطريقة.

فالتفسير بالرأي إذن مُحَرَّم ومن كبائر الذنوب، وهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام ٢١]؛ لأن هذا المُفَسِّر يقول: إن الله أراد بهذا هذا، فيكون صادقًا أو كاذبًا؟ يكون كاذبًا، فيكون ممن افترى على الله كذبًا؛ حيث قال: إن الله أراد كذا؛ ثم هو ممن اعتدى في حق الله حيث قال: لم يُرِدْ كذا؛ شوف الخطر، إذا قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ قال أراد الله: وجاء أمر ربك، فيكون كذب على الله، قال: ولم يرد أنه جاء بنفسه. يكون اعتدى على كلام الله وتجاوز حده، من قال لك: إن الله لم يرد هذا، وهذا ظاهر كلامه؟ فيكون هذا معتديًا محرفًا والعياذ بالله.

وكذلك أيضًا في المسائل الفقهية مثلًا: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة ٦] قال الرافضة: يعني أن الله أمرنا أن نمسح الأرجل بدل الغسل، فيقال: هؤلاء قالوا برأيهم؛ لأنهم أهملوا قراءة النصب ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ ولم يعملوا بها، ثم خالفوا المراد بقراءة الجر، وهي أنها تُمْسَح الرجل على الوجه الذي بينته السنة، وما الذي بينته السنة؟ أن الرجل تُمْسَح إذا كان عليها خُفَّان أو جوربان أو ما أشبه ذلك؛ فتبين الآن أن التفسير بالرأي من كبائر الذنوب؛ لأنه يتضمن مفسدتين عظيمتين:

إحداهما: تحريف الكلم عن مواضعه.

والثاني: الكذب على الله والتعدي في حقه؛ حيث قالوا: إنه لم يردْ كذا وأراد كذا.

المبحث الخامس: أهمية التفسير، التفسير من أَجَلِّ العلوم وأعلاها قَدْرًا؛ لأن الإنسان يحاول أن يفهم به معنى كلام الله عز وجل، والعلوم تَشْرُف بحسب موضوعها، ولا أشرف من موضع تفسير كلام الله عز وجل، فيكون التفسير من أَجَلِّ العلوم إن لم نَقُلْ: هو أجل العلوم وأعظمها قدرًا؛ لأنه عناية بكلام الله عز وجل، ولأنه إتباع لطريق السلف الذين لا يجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، ولأن الإنسان إذا فَهِمَ كلام الله ذاق له طعمًا، وصار يقرؤُه وهو يجد حلاوة معناه والأنس به أكثر من إنسان أُمِّيٍّ لا يعلم الكتاب إلا أماني.

ففي علم التفسير يطمئن القلب وفي علم التفسير يعرف الإنسان قَدْر هذا القرآن العظيم الذي وصفه الله بعدة أوصاف عظيمة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر ٨٧]، وأكثرنا -عفا الله عنا- لا يعتني بالتفسير، ولا يهتم به، ربما يستشرف كتاب عالم من العلماء يخطئ ويصيب، ويتأمل هذا الكتاب منطوقًا ومفهومًا وإشارة وإيماء وغير ذلك من أنواع الدلالة، لكن كلام الله لا يعتني به، ولولا أنه يَتَبَرَّك به في أَجْرِه لما عَرَّج عليه أصلًا إلا أن يشاء الله، وهذا غلط.

حتى في طلبة العلم الآن مَنْ لا يهتم بالتفسير، تجده يهتم بكتب الفقه، يهتم بكتب الحديث، يهتم بكتب الرجال، ويُعْرِض عن هذا اللي هو الأصل، أصل الأصول الذي يجب علينا أن نعرفه، والذي سنُحَاسَب عليه، «الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٢٢٣ / ١) من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه. ]] استوقف شخصًا من أكبر طلبة العلم، عندي آية من القرآن قل له: ما معناها؟ ما يقول؟ إما أن يكون جريئًا فيقول: أراد الله بهذا كذا وكذا، وهو لم يرده، أو أنه يكون وَرِعًا ويقول: لا أردي، لكن لو أن طلبة العلم أخذوا القرآن من أَوَّلِهِ يقرؤونه ويتدبرونه ويتأملونه لوجدوا خيرًا كثيرًا، وانفتح لهم من أبواب المعرفة ما لا يخطر على البال.

والله عز وجل في القرآن الكريم يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر ١٧] ما هو صعب، القرآن إذا أقبلت عليه حقيقة بقلب ونية جازمة فهو سهل، أسهل من جميع الكتب؛ لأنه يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧].

هذه نُبَذٌ تَكَلَّمْتُ بها أسأل الله تعالى أن ينفع بها في مقدمة التفسير؛ لأن بعض إخواننا قد لا يكونون حضروا مثل هذه القواعد التي سوف تفيدهم إن شاء الله تعالى، أما الآن فإلى الدرس الذي نحن بصدده.

* طالب: يقول بعضهم: إن هناك شيئان ليس لهما سند التفسير والتاريخ؛ ما صحة هذا القول؟

* الشيخ: نعم، هذا يذكر عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وقال هي ثلاثة: المغازي والسير والتفسير، ومراده بذلك أنه ليس لها سند أن الناس يتناقلونها بدون إسناد، فمثلًا يقول: قال مجاهد كذا، قال ابن عباس كذا، بدون إسناد هذا المعنى، كذلك التواريخ تجد مثلًا يتكلم الناس في هذا في غزوة أحد، لكن لا تجد الرجل يقول: حدثني فلان عن فلان عن فلان حتى يصل إلى الغزوة، وكذلك يقال في السير، هذا مراد الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وقصده بذلك أنك إذا سَمِعْت مثل هذا الذي اشتهر ونُقِلَ أن تتأكد منه.

* طالب: لو أن شيخا الآن أو مدرسًا عرض على طلابه تفسير آية، وقال: ما تقولون في هذه الآية؟ وهو عالم بها، يجلس التلاميذ فيقول هذا بقول وهذا بقول، هل يدخلون في ضمن (...)؟

* الشيخ: لا، هذا لا يدخل في ضمن؛ لأن هذا الذي قال: معنى الآيات: كذا. لا يريد أن هذا المعنى مستقر، لكن يعرضه على شيخٍ أعلم منه، فكأنه حينما يقول: أراد الله كذا، كأنه يقول بلسان الحال: هل أراد الله بهذا كذا؟ فهذا لا يُعْتبر تفسيرًا للقرآن بالرأي ولا محرمًا.

* طالب: بعض الناس يتركون التفسير ويتبعون السنة وآثار الرجال وما أشبه ذلك، ويعللون يقولون: إن أهل البدع يستدلون بعمومات القرآن، فنقرأ السنة لكي نبين هذه العمومات (...) السنة، فما رأيكم في هذا؟

* الشيخ: رأيي صحيح أننا لا نزهد في السنة ولا في معرفة الرجال ولا في معرفة المصطلح، لكننا نرى أن هناك أولويات، وهناك أهميات قَبْلَ المهمات، وأما ما ادعاه من أن القرآن لم يُبَيِّن الرد على أهل البدع، والسنة بَيَّنَت فهذا غير صحيح، القرآن ليس فيه دليل واحد لأي بدعة من البدع أبًدا، بل إن شيخ الإسلام رحمه الله قال في كتابه درء تعارض العقل والنقل قال: أي دليل يستدل به شخص على بدعة فأنا أجعل هذا الدليل دليلًا عليه. وصدق.

أضرب مثلًا لكم: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام ١٠٣] استدلَّ بهذه الآية من يرى أن الله لا يُرَى، عرفتم؟ والحقيقة أنها تدل على أن الله يرى، استدل بها وهي دليل عليه؛ لأن نَفْيَ الأَخَصَّ يستلزم وجود الأعم؛ ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ إذن تراه، ولو كانت لا تراه لقال: لا تراه الأبصار، أما أن يعبر بـ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ عن لا تراه فهذا لا شك أنه تعمية وإلغاز، ولا يمكن أن يكون هذا في كلام الله الذي جعله الله تبيانًا لكل شيء، عرفت؟

استدلوا بقول موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ قالوا: هذا يدلُّ على أن الله لا يرى؛ نقول: هذا دليل عليكم، موسى سأل الرؤية في الآخرة ولا في الدنيا؟ في الدنيا، كيف تنقلونها أنتم إلى الآخرة؟! ولهذا قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ يعني: الآن ليس بك قدرة على أن تتحمل رؤيتي، ورؤية الله تعالى مستحيلة في الدنيا لا لأمر يتعلق بالرؤية، لكن لأمر يتعلق بالرائي، الرائي لا يتحمل؛ ولهذا ضرب الله مثلًا لموسى فقال: ﴿انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف ١٤٣] جَلَّ وعلا، ماذا صار؟ ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾، هذا الجبل العظيم الذي لا تدكه القنابل صار دَكًّا بمجرد أن الله تجلى له؛ ولهذا خَرَّ موسى صعقًا، عجز أن يتحمل الموقف فضلًا عن رؤية ربه عز وجل.

فالمهم أن الآية الآن فيها دليل عليهم؛ لأن موسى إنما سأل الرؤية متى؟ في الدنيا لا في الآخرة.

ثم إن موسى سأل الرؤية وأنتم تقولون: رؤية الله مستحيلة، إذن أنتم أعلم بالله من موسى؛ يعني: إما أن تكونوا أعلم بالله من موسى؛ لأن موسى ما سأل شيئًا مستحيلًا، يرى أن الله يُرى، لكن البشر لا يتحملون ذلك، فإما أن يكون جاهلًا بقدر الله وأنتم عالمون به، وإما أن يكون معتديًا على الله حيث سأل ما لا يحل له سؤاله.

فأقول لكم يا إخواني: من قال: إن البدع لا تُدْفَع إلا بالسنة أو لا يتم دفعها إلا بالسنة فقد أخطأ، وهذا يدل على قصور فهمه للقرآن أو على تقصيره في تَفَهُّمِ القرآن، وإلا فالقرآن نفسه لا يمكن أن يوجد بدعة إلى رَدَّ عليها، أبدًا، ولو لم يكن من ذلك إلا قوله: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١] هذه الآية قاضية على كل بدعة، كل بدعة تُبْطَل بهذه الآية سواء كانت عقدية أو قولية أو فعلية.

* طالب: قلتم: إن تفسير القرآن بالقرآن ثم بالسنة ثم بالصحابة، لكن لو أراد الإنسان أن يتتبع كل آية فينظر من أقوال الصحابة والسنة وكذا لضاع عليه الوقت، لكن (...) كتاب تفسير من كتب الأئمة المعروفين (...) حتى يحفظه.

* الشيخ: هذا يكون تقليدًا؛ يعني: كوني أمسك تفسير ابن كثير أو غيره من العلماء هذا تقليد، لكن أنا أريد تفسير المجتهد، أما مَنْ لم يجد إلا ميتة فيأكل الميتة للضرورة؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ينبغي أن نعلم أن التقليد بمنزلة أكل الميتة، إن اضطررت إليه فقلد وإلا فاجتهد، أدل إلى البئر بمثل ما أدلى به الناس، أدلِ بدلوك، والحقيقة أن التقليد لا يجوز إلا عند الضرورة وعند العجز، وإلا مَنْ أمكنه أن يأخذ الأحكام أو العقائد من كتاب الله وسنة رسوله فليفعل؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص ٦٥] هذه تحتاج إلى جواب، ولولا قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦] لقلنا: يجب على كل إنسان أن يجتهد، وأن يأخذ الحُكْمَ من القرآن والسنة، لكن الحمد لله وسع الله علينا ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وإلا لقلنا: يجب أن كل واحد يأخذ من الكتاب والسنة؛ لأننا سنُسْأَل عن القرآن والسنة.

* الطالب: ما أفضل كتب التفسير التي تمشي على القواعد التي ذكرتم حتى يتبين للطالب ويتمرن عليها؟

* الشيخ: هو أحسن شيء فيما أرى من التفاسير التي تعتني بالأثر تفسير ابن كثير، تفسير ابن كثير من أحسن ما يكون من الكتب التي تعتمد على التفسير بالأثر، لكن تعلمون أن القرآن -سبحان الله- القرآن واسع، لو اجتمع الناس كلهم على أن يدركوا معناه ما استطاعوا، تجد مثلًا هذا يبحث في القرآن من الناحية اللغوية، وهذا من الناحية العقدية، وهذا من الناحية الفقهية، وهذا من ناحية البلاغة، علوم شتى كثيرة في القرآن الكريم؛ ابن كثير مثلًا في الآثار لا شك أنه جيد، لكن في كثير من أمور اللغة يكون قاصرًا، أيضًا في استنباط الأحكام قليل جدًّا أن يتكلم عن الأحكام، نجد مثلًا القرطبي يعتني بالأحكام ويُفَرِّع على الآية وما أشبه ذلك، المهم: كل عالم له منهج في تفسير كلام الله عز وجل.

* طالب: (...) القرآن الكريم لا تُفَسَّر إلا باللغة، فهل نجزم بأن التفسير اللغوي هو الصحيح؟

* الشيخ: يعني إذا وجدنا كلمة لم تفسر بالقرآن ولا بالسنة ولا بأقوال الصحابة، على كل حال نرجع للغة؛ لأن القرآن كما قال الله عز وجل: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥] ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾ [الزخرف ٣] أي: صيرناه ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي: باللغة العربية ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف ٣]، شوف الآيات الثانية: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٩٨، ١٩٩] لماذا؟ لأنهم لا يفهمون معناه.

* الطالب: (...) فكيف نجمع بين هذا وحديث النبي ﷺ: «إِذَا اجْتَهَدَ الْعَالِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»؟

* الشيخ: إي، إذا اجتهد، والذي يُفَسِّر القرآن برأيه ما اجتهد، وأنا ضربت لكم عدة أمثلة من التفسير بالرأي، ليس معنى التفسير بالرأي أن تُفَسِّر القرآن حسب ما تقتضيه اللغة العربية، التفسير بالرأي أن تحمل معنى القرآن على رأيك، وهذا إنما يكون فيمن؟ في المتعصبين لمذاهبهم الذين يحاولون أن يَلْوُوا أعناق النصوص إلى ما كانوا عليه.

* طالب: الفقهاء يقولون: إن الذي تزوج امرأة في عدتها وبنى بها تحرُم عليه تحريمًا مؤبدًا؟

* الشيخ: من الفقهاء؟

* الطالب: العلماء يقولون: في كتب الفقه.

* الشيخ: كتب من؟

* الطالب: الكتب المعرفية.

* الشيخ: هذه -بارك الله فيك- على مذهب الحنابلة لا تحرم، لكن قد رُوِيَ عن عمر أثر بأنه حَرَّمها على مَنْ تزوجها عقوبة له، عقوبة له ما هو تحريم نسب ولا مصاهرة لكن عقوبة له، ولعلها مرت عليك قاعدة ابن رجب: (من تعجل شيئًا قبل أوانه -على وجه محرم- عوقب بحرمانه) هذه قاعدة مفيدة لطالب العلم.

* الطالب: هل هو يدخل تحت هذه القاعدة؟

* الشيخ: إي نعم.

* * *

* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر ٣٠ - ٣٤].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾ أبهم الله سبحانه وتعالى الذي آمن حيث إنه من أول القصة ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر ٢٨] فما زال الحديث عنه بلفظ الإبهام؛ لأنه لا حاجة إلى تعيينه باسمه، فإن تعيين الاسم قد يكون فيه شيء من الضرر، والمقصود هو المعنى وما تتضمنه هذه القصة.

﴿قَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ ﴿يَا قَوْمِ﴾: معروف أن (يا) النداء إذا دخلت على نكرة مقصودة فإنها تُبْنَى على الضم كما إذا دخلت على معرفة، وهنا لم تكن مبنية على الضم بل آخرها الكسر، فيقال: إن أصلها: يا قومي، ولكن حُذِفَت الياء للتخفيف، وفي قوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾ تَلَطُّف لدعوتهم، وإلا فهم معادون له؛ لأنهم كفار وهو مؤمن، لكن من باب التلطف في الدعوة إلى الله عز وجل قال لهم: يا قوم.

﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ أكَّد الجملة وإن كانت مستقرة في نفسه، لكن المخاطب بها فعلُه فعلُ المنكِر لها.

(﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ أي: يوم حزب بعد حزب) وإنما قال الشارح: (حزب بعد حزب)؛ لأن هذه الأحزاب ليست مجتمعة في آن واحد أو مكان واحد، بل نجد قصة نوح وحدها، وهود وحدها، وصالح وحدها وهكذا؛ ولذلك فَسَّر المؤلف قوله: ﴿يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ بقوله: (يوم حزب بعد حزب).

﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ ﴿مِثْلَ﴾ هذه بدل من ﴿مِثْلَ﴾ التي قبلها، ﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ﴾، والبدل أحد التوابع الأربعة المعروفة، أو من قول ابن مالك:

يَتْبَعُ فِي الْإِعْرَابِ الْاسْمَاءَ الْأُوَلْ ∗∗∗ نَعْتٌ وَتَوْكِيدٌ وَعَطْفٌ وَبَدَلْ

وعلامةُ البدل أنه يصح أن يحل محل المُبْدَل منه؛ يعني: يصح أن يُحْذَف المبدل منه ويحل محله البدل.

فإن قال قائل: ما الفائدة من أن نأتي بالمبدل منه ثم بالبدل؟ لماذا لم نأت بالبدل من أول الأمر؟

نقول: لا بد أن يكون هناك فائدة؛ إما تفصيل بعد إجمال، أو تبيين بعد إبهام، أو ما أشبه ذلك، ولا بد أن يكون للبدل فائدة.

﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ إلى آخره، مثل دأبهم، هو لا يريد مثل دأبهم، يريد مثل جزاء دأبهم؛ لأن هناك دأب وهناك جزاء؛ فالجزاء من الله، والدأب من الأمم أو من الأحزاب، مثل دأب مثل جزاء دأبهم، فما دأبهم؟ بَيَّن الله تعالى دأبهم بقوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [آل عمران ١١] هذا هو دأبهم.

﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ هؤلاء كلهم دَأْبُهم أيش؟ التكذيب بالرسل والكفر بهم.

﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ من بعد مَنْ؟ من بعد قوم نوح وهي أول الأمم، وعاد وثمود.

قال المفسر: (﴿مِثْلَ﴾ بدل مِن ﴿مِثْلَ﴾ قبله؛ أي: مثل جزاء عادة مَنْ كفر) فأفادنا المؤلف رحمه الله أنَّ في الكلام تقديرًا، أي أن في الكلام شيئًا محذوفًا، ما هو؟ جزاء، مثل جزاء دأبهم؛ لأن هذا هو الذي يخاف منه، أن ينال هؤلاء القوم عقوبة كما نال هؤلاء.

فإذا قال قائل: كيف يُطْلَق العمل على الجزاء؟ قلنا: لأنه سببه، وهذا يوجد في القرآن كثيرًا؛ أن الله تعالى يُطْلِق العمل على الجزاء مثل: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت ٥٥] المعنى: ذوقوا جزاء، لكن يُعَبَّر به أي: بالعمل عن الجزاء؛ لأن الجزاء من جنس العمل، وحتى يحذر الإنسان من عمله كما يحذر من عقوبة عمله.

يقول: (مثل جزاء عادة مَنْ كفر قبلكم من تعذيبهم في الدنيا).

قال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ (ما) نافية وهي تميمية أو حجازية؟ تميمية، القرآن تميمي ولا حجازي؟

* طالب: القرآن عربي لكن أحيانا تأتي بعض الآيات على لغة تميم وأحيانا تأتي على لغة..

* الشيخ: أنت من تميم؟

* الطالب: لا.

* الشيخ: ما تقولون في هذا؟

* طالب: حجازية.

* الشيخ: حجازية؛ لأن هذا القرآن باللغة الحجازية، انظروا إلى قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ ولم يقل: ما هذا بشر، فنحمل كل ما كان على شاكلتها عليها، وإلا صحيح أن ما الله يريد ظلمًا للعباد ما تَتَبَيَّن أنها حجازية أو تميمية؛ لأن الخبر جملة ليس مفردًا يظهر فيه النصب، لكن يُحْمَل ما لا يظهر فيه الإعراب على ما ظهر فيه الإعراب وهو قوله: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾، ثم اعلم أن القرآن إنما كُتِبَ بلغة قريش كما قال عثمان رضي الله عنه للذين كبتوا المصاحف قال: «إن اختلفتم في شيء فاجعلوه على حرف قريش»[[أخرج البخاري (٣٥٠٦) عن أنس أن عثمان دعا زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيِّين الثلاثة: إذا اختلفتُم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم ففعلوا ذلك.]]. يعني: على لغتهم.

﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾.

* في هذه الآية من الفوائد: بيان نُصْحِ هذا الرجل المؤمن؛ حيث حَذَّر قومه من عذاب الله.

* وفيه: دليل على التلطف في الدعوة إلى الله، وأن الإنسان لا يستعمل في الدعوة إلى الله عاطفته؛ لأنه إن استعمل عاطفته أخذته الغَيْرَة ففعل ما لا يحمد عقباه، وإنما يُحَكِّم العقل وينظر إلى العواقب والنتائج، ولا ضير على الإنسان إذا أصابه ذُلٌّ في أول الأمر إذا كانت النتيجة طيبة، ولا أظنه يخفى عليكم ما حصل للنبي ﷺ وأصحابه في غزوة الحديبية من الشروط التي ظاهرها الإهانة ولكنها كانت نتيجتُها طيبة حتى إن الله تعالى سماها فتحًا ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد ١٠]، فالحاصل أنه ينبغي للإنسان عند الدعوة إلى الله ألا يُحَكِّم العاطفة فتزل قدمه، ولكن يُحَكِّم العقل وينظر إلى العواقب والنتائج.

* ومن فوائد هذه الآية: بيان أن ذِكْرَ الأمم السابقة ينتشر في الأمم اللاحقة، إما بواسطة الكتب المُنَزَّلة، وإما بواسطة التاريخ المنقول، ويدل لذلك قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ [غافر ٣٠]؛ لأنه لا يمكن أن يُخَوِّفَهُم بأمر لا يعرفونه، ولو كان الأمر كذلك لقالوا: ما هذه الأيام أو ما هذا الجزاء.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English