Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском
الحجرات
Аль-Худжурат
Комнаты · Мединская · 18 аятов
49:1Страница 515
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١
О те, которые уверовали! Не опережайте Аллаха и Его Посланника и бойтесь Аллаха, ибо Аллах - Слышащий, Знающий.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإننا في هذا اليوم الخميس الأول من شهر رجب عام (١٤١٦هـ) نلتقي مع إخواننا اللقاء المسمى: لقاء الباب المفتوح، وهذا هو اللقاء التاسع بعد المئة.
وقد أكملنا في آخر لقاء تفسير جزء عم سورة النبأ، ورأينا أن نعود فنبدأ بتفسير سور المفصل التي تبتدئ من سورة (ق) عند بعض العلماء أو من سورة الحجرات عند آخرين.
وسنتكلم على سورة الحجرات لما فيها من الآداب العظيمة النافعة، التي ابتدأها الله بقوله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات ١].
واعلم أن الله تعالى إذا ابتدأ الخطاب بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إما خيرٌ تُؤمَر به، وإما شَرٌّ تُنْهَى عنه، فأرعِه سمعَك واستمع إلَيْه لما فيه من الخير»[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠) موقوفًا من حديث ابن مسعود.]]، وإذا صَدَّر الله الخطاب: بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ دلَّ ذلك على أن التزام ما خوطب به من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته نقص في الإيمان.
يقول عزَّ وجلَّ: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قيل: معنى ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ أي: لا تتقدموا بين يدي الله ورسوله، والمراد: لا تسبقوا الله ورسوله بقول أو بفعل، وقيل: المعنى: لا تقدموا شيئًا بين يدي الله ورسوله، وكلاهما يَصُبَّان في مَصَبٍّ واحد، والمعنى: لا تسبقوا الله ورسوله بقولٍ ولا فعل، وقد وقع لذلك أمثلة، فمن ذلك قول النبي ﷺ: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩١٤)، ومسلم (١٠٨٢ / ٢١) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن الذي يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين كأنه تقدم بين يدي الله ورسوله، فبدأ بالصوم قبل أن يحين وقته؛ ولهذا قال عمار بن ياسر: «من صام اليوم الذي يُشَكُّ فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ »[[أخرجه أبو داود (٢٣٣٤)، والترمذي (٦٨٦) واللفظ له، من حديث عمار بن ياسر.]].
ومن ذلك -أي: من التَّقَدُّمِ بين يدي الله ورسوله- البدعُ بجميع أنواعها، فإنها تقدُّمٌ بين يدي الله ورسوله، بل هي أشد التقدم؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ»، وأخبر «أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»[[أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، من حديث العرباض بن سارية.]]، وصدق عليه الصلاة والسلام، فإن حقيقة حال المبتدع أنه يستدرِك على الله ورسوله ما فات مما يدعي أنه شر، كأنه يقول: إن الشريعة لم تكمل، وأنه كملها بما أتى به من البدعة، وهذا معارض تمامًا؛ لقول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣] فيقال لهذا الرجل الذي ابتدع: أهذا الذي فعلته كمال في الدين؟
إن قال: "نعم" فإن قوله هذا يستلزم تكذيب قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، وإن قال: "ليس كمالًا في الدين" قلنا: إذن هو نقص؛ لأن الله يقول: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢] فالبدعة كما أنها ضلالة في نفسها فهي في الحقيقة تتضمن الطعن في دين الله، وأنه ناقص، وأن هذا المبتدع كمله بما ادعى أنه من شريعة الله عز وجل.
فالمبتدعون كلهم تقدموا بين يدي الله ورسوله ولم يبالوا بهذا النهي، حتى وإن حَسُن قصدُهم فإن فعلهم ضلالة، قد يُثاب على حُسْنِ قصده، ولكنه يوزر على سوء فعله؛ ولهذا يجب على كل مبتدع عَلِمَ أنَّه على بدعة أن يتوب منها، ويرجع إلى الله عز وجل، ويلتزم سنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده.
والبدعة أنواع كثيرة: بدع في العقيدة، بدع في الأقوال، بدع في الأفعال.
أما البدع في العقيدة فإنها تدور على شيئين: إما تمثيل، وإما تعطيل.
إما تمثيل: بأن يثبت لله الصفات لكن على وجه المماثلة، فإن هذا بدعة؛ لأنه لم يكن من طريق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخلفائه الراشدين فيكون بدعة، فمثلًا يثبت أن للهِ وجهًا، ويجعله مماثلًا لأوجه المخلوقين، أو أن لله يدًا ويجعلها مماثلة لأيدي المخلوقين، وهلُمَّ جَرًّا هؤلاء المبتدعة بلا شك، وبدعتهم تكذيب لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، ولقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ٤]، ولقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم ٦٥].
أما التعطيل فهو على العكس من هذا؛ التعطيل: أن ينكر ما وصف الله به نفسه، فإن كان إنكار جحد وتكذيب فهو كفر، وإن كان إنكار تأويل فهو تحريف، وليس بكفر إذا كان اللفظ يحتمله، فإن كان لا يحتمله فلا فرق بينه وبين إنكار التكذيب، فمثلًا: إذا قال إنسان: إن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة ٦٤] والمراد باليدين النعمة؛ نعمة الدين ونعمة الدنيا، أو نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، فهذا تحريف؛ لأن النعمة ليست واحدة ولا ألف ولا ملايين؛ ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨] فليست النعمة اثنتين لا بالجنس ولا بالنوع، فيكون هذا تحريفًا وبدعة؛ لأنه على خلاف ما تلقاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه وأئمة الهدى من بعدهم، هذا بدعة في العقيدة.
البدعة في الأقوال: مثل أولئك الذين يبتدعون تسبيحات، أو تهليلات، أو تكبيرات لم تَرِدْ بها السنة، أو يبتدعون أدعية لم ترد بها السنة، وليست من الأدعية المباحة.
وأما الأفعال فكذلك أيضًا مثل: الذين يصفقون عند الذكر، أو يهزون رؤوسهم عند التلاوة، أو ما أشبه ذلك من أنواع البدع، وكذلك الذين يتمسحون بالكعبة في غير الحجر الأسود والركن اليماني، وكذلك الذين يتمسحون بحجرة النبي ﷺ؛ حجرة قبره الشريف، وكذلك الذين يتمسَّحون بالمنبر الذي يقال: إنه منبر النبي ﷺ في المسجد النبوي، وكذلك الذين يتمسَّحون بجدران مقبرة البقيع أو بغير ذلك.
المهم: أن البدع كثيرة: العقدية، والقولية، والفعلية، وكلها من التقدم بين يدي الله ورسوله، وكلها معصية لله ورسوله، فإن الله يقول: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:« «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ».»
ومن البدع ما يُصنَع في رجب كصلاة الرغائب التي تصلى ليلة أول جمعة من شهر رجب وهي ألف ركعة يتعبَّدون لله بذلك، وهذه بدعة لا تزيدهم من الله إلا بُعْدًا؛ لأن كل من تقرَّب إلى الله بما لم يَشرَعْه فإنه مبتدع ضال، لا يقبل الله منه تعبده؛ لما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]].
ومن التقدم بين يدي الله ورسوله: أن يقول الإنسان قولًا يحكم به بين عباد الله أو في عباد الله وليس من شريعة الله؛ مثل أن يقول: هذا حرام، هذا حلال، هذا واجب، هذا مستحب بدون دليل، فإن هذا من التقدم بين يدي الله ورسوله، وعلى مَنْ قال قولًا وتبيَّن له أنه أخطأ فيه عليه أن يرجع إلى الحق، حتى لو شاع القول بين الناس وذاع وانتشر وعمل به مَنْ عمل من الناس؛ فالواجب عليه أن يرجع، وأن يُعلِن رجوعه أيضًا، كما أعلن مخالفته التي قد يكون معذورًا فيها إذا كانت صادرة عن اجتهاد، فالواجب الرجوع إلى الحق، فإنْ تمادى الإنسان في مخالفة الحق فقد تقدَّم بين يدي الله ورسوله.
ثم قال عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ وهذا تعميم بعد تخصيص؛ لأن التقدُّم بين يدي الله ورسوله مخالف للتقوى، لكن نصَّ عليه وقدَّمه لأهميته، ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: اتخذوا وقاية من عذاب الله عز وجل، وهذا لا يتحقق إلا إذا قام الإنسان بفعل الأوامر وترك النواهي؛ بفعل الأوامر تقرُّبًا إلى الله تعالى ومحبة لثوابه، وترك النواهي خوفًا من عقاب الله عز وجل.
ومن الناس مَنْ إذا قيل له: اتَّقِ الله أخذته العزة بالإثم فتصاعد في نفسه، وعزَّ في نفسه وأوغل في الإثم، وانتفخت أوداجه، وقال: أمثْلِي يقال له: اتق الله؟! وما عَلِم المسكين أن الله خاطب مَنْ هو أشرف منه، ومن هو أتقى عباد الله لله فأمره بالتقوى، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب ١]، وفي نفس السورة قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب ٣٧]، ومن الذي لا يستحق أن يؤمر بتقوى الله؟ كل واحد منا يستحق أن يؤمر بتقوى الله عز وجل، والواجب أنه إذا قيل له: اتق الله أن يزداد خوفًا من الله وأن يراجع نفسه، وأن ينظر ماذا أُمِرَ به؛ إنه لم يُؤْمَر أن يتقي فلانًا وفلانًا، وإنما أُمِرَ أن يتقي الله عز وجل، وإذا فسَّرنا التقوى بذلك أي: بما قلنا من أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره تقرُّبًا إليه ومحبة لثوابه، وتركِ نواهيه خوفًا من عقابه، فإن أيَّ إنسان يترك واجبًا فإنه لم يتق الله، وقد نقص من تقواه بقدر ما حصل منه من المخالفة، فتركُ الصلاة مثلًا ترتفع به التقوى نهائيًّا؛ لأن تارك الصلاة كافر، كما دل على ذلك كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأقوال الصحابة، حتى إن بعض العلماء حكى إجماع الصحابة على أن تارك الصلاة كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، ومنهم التابعي المشهور عبد الله بن شقيق رحمه الله؛ حيث قال: «كان أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يرون شيئًا من الأعمال تركُه كفرٌ غيرَ الصلاة»[[أخرجه الترمذي (٢٦٢٢) عن عبد الله بن شقيق قال: كان أصحاب محمد.]]، وكذلك نقَلَ إجماعهم إسحاق بن راهويه، ولم يصح عن أي صحابي أنه قال: إن تارك الصلاة في الجنة، أو إنه مؤمن، أو ما أشبه ذلك، فالتقوى مخالفتها تختلف، قد تكون مخالفتها كفر، وقد تكون دون ذلك، الزاني لم يتقِ الله؛ لأنه زنى فخالف أمر الله وعصاه، السارق لم يتقِ الله، شارب الخمر لم يتقِ الله، العاق لوالديه لم يتقِ الله، القاطع لرحمه لم يتقِ الله، والأمثلة على هذا كثيرة، إذن فقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ كلمة عامة شاملة تشمل كل الشريعة.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ هذه الجملة تحذير لنا أن نقع فيما نهانا عنه من التَّقَدُّم بين يدي الله ورسوله أو أن نخالف ما أمر به من تقواه، ﴿سَمِيعٌ﴾ أي: سميع لما تقولون، ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: عليم بما تقولون وما تفعلون؛ لأن العلم أشمل وأعم؛ إذ إن السمع يتعلق بالمسموعات، والعلم يتعلق بالمعلومات، والله تعالى محيط بكل شيء علمًا ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران ٥].
يقول العلماء رحمهم الله: إن السمع الذي اتصف به ربنا عز وجل ينقسم إلى قسمين: إلى سمع إدراك، وسمع إجابة.
فسمع الإدراك معناه: أن الله يسمع كل صوت؛ خَفِيَ أو ظهر، حتى إنه عز وجل يقول لنبيه ﷺ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة ١] قالت عائشة رضي الله عنها:« الحَمدُ للَّهِ الَّذي وسِع سمعُه الأصواتَ، لقد كنت في الحجرة » -أي حجرة النبي ﷺ- «والمرأة تجادله وهو يحاورها وإنه ليخفى عليَّ بعضُ حديثها»[[أخرجه النسائي (٣٤٦٠)، وابن ماجه (١٨٨) من حديث عائشة.]]، والله عز وجل أخبر بأنَّه سمع، ويسمع كل ما جرى بين هذه المرأة وبين رسول الله ﷺ، هذا نقول له: إنه سمع إدراك.
ثم إن سمع الإدراك قد يُرادُ به بيان الإحاطة والشمول، وقد يراد به التَّهديدُ، وقد يراد به التأييد، فهذه ثلاثة أنواع: قد يراد به بيان الإحاطة والشمول مثل هذه الآية.
وقد يراد به التهديدُ مثل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران ١٨١]، وانظر كيف قال: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ حين وصفوا الله تعالى بالنقص قبل أن يقول: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ﴾ مما يدل على أن وصف الله بالنقص أعظم من قتل الأنبياء، هذا سمع يراد به أيش؟ التهديد.
الثالث: سمع يراد به التأييد ومنه قوله تبارك وتعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، فالمراد بالسمع هنا التأييد؛ يعني: أسمع فأؤيدك أسمع ما تقولان وما يقال لكما.
أما سمع الإجابة فمعناه: أن الله يستجيب لمن دعاه، ومنه قول إبراهيم: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩] أي: مجيب الدعاء، ومنه قول المصلي: سمع الله لمن حمده، يعني: استجاب له، استجاب لمن حمده فأثابه، ولا أدري أنحن ندرك معنى ما نقوله بصلاتنا؟ أو أننا نقوله تعبدًا ولا ندري ما المعنى، عندما تقول: الله أكبر في تكبيرة الإحرام يعني: أكبر من كل شيء عز وجل ولا نحيط بذلك؛ لأنه أعظم من أن تحيط به عقولنا، وعندما نقول: سمع الله لمن حمده؛ يعني: استجاب الله لمن حمده، ليس المعنى أنه يسمعه فقط؛ لأن الله يسمع مَنْ حمده ومن لا يحمده إذا تكلم، لكن المراد أنه يستجيب لمن حمده بالثواب، فهذا السمع يقتضي الاستجابة لمن دعاه.
أما قوله تعالى: ﴿عَلِيمٌ﴾ فالمراد أنه ذو علم واسع قال الله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢].
عندما تؤمن -أيها الأخ- بأن الله سميع وأن الله عليم، هل يمكن وأنت في عقلك الراشد أن تقول ما لا يرضيه؟! لا؛ لأنه يسمع، فلا ينبغي لك أن تُسمِع الله ما لا يرضاه منك، أسمعْه ما يحبه ويرضاه، إذا كنت مؤمنًا حقًّا بأن الله سميع، أعتقد لو أن أباك نهاك عن قول من الأقوال، فهل تتجرَّأ أن تسمعَه ما نهاك عنه؟ لا.
فالله أعظم وأجل، فاحذرْ أن تُسمِع الله ما لا يرضاه منك، إذا آمنت بأنه بكل شيء عليم، وهذا أعم من السمع؛ لأنه يشمل القول والفعل وحديث النفس، حتى ما توسوس به نفسك يعلمه عز وجل، إذا علمت ذلك هل يمكن أن تفعل شيئًا لا يرضيه؟ لا.
لأنه ليس المقصود من إخبار الله عنا بأنه عليم بكل شيء أن نعلم هذا ونعتقده.
المقصود هذا والمقصود شيء آخر وهو الثمرة والنتيجة التي تترتب على علمنا بأنه بكل شيء عليم، إذا علمنا بأنه بكل شيء عليم هل نقول ما لا يرضاه؟ لا؛ لأنه سوف يعلمه، إذا علمنا بأنه بكل شيء عليم هل نعتقد ما لا يرضى؟ لا؛ لأننا نعلم أنه يعلم ما في قلوبنا، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة ٢٣٥]، بل قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال ٢٤] يَحُول بينك وبين قلبك.
فعلى كل حال: يجب علينا -يا أيها الإخوة- أنه إذا مرَّ بنا اسم من أسماء الله أو صفةٌ من صفات الله، أن نؤمن بهذا الاسم وهذه الصفة، وأن نقومَ بما هو الثمرة من الإيمانِ بهذا الاسم أو الصفة.
أسأل الله تعالى أن يرزقَنا وإياكم الاستقامة في ديننا ودنيانا، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.
49:2Страница 515
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٢
О те, которые уверовали! Не поднимайте ваши голоса над голосом Пророка и не обращайтесь к нему так же громко, как вы обращаетесь друг к другу, а не то ваши деяния окажутся тщетными, и вы даже не почувствуете этого.
تكلَّمْنا على قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات ١]، وهذا أدب عظيم وجَّه الله تعالى عباده إليه.
أما الأدب الثاني ففي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات ٢].
فالآيةُ الأولى فيها النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله في أي شيء، سواء من الأقوال أو الأفعال أو غيرها، وبينَّا ما تدل عليه الآية فيما سبق، أما الثانية فهي في رفع الصوت وإن لم يكن هناك تقدم في الأحكام من تحليل أو تحريم أو إيجاب، الصوت يقول الله عز وجل: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ فإذا خاطبك النبي ﷺ بصوت فاخفض صوتك عن صوته، وإذا رفع صوته فارفع صوتك، لكن لا بد أن يكون دون صوت الرسول عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾، ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ يعني: لا تنادونه بصوت مرتفع كما ينادي بعضكم بعضًا، بل يكون جهرًا بأدب وتشريف وتعظيم يليق به صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا كقوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣] يعني: إذا دعاكم لشيء فلا تجعلوا دعاءه كدعاء بعضكم لبعض، إن شئتم أجبتم وإن شئتم فلا تجيبوا، بل يجب عليكم الإجابة، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال ٢٤] وهنا قال: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾.
كذلك أيضًا لا تنادونه بما تتنادون به، فلا تقولون: يا محمد! ولكن قولوا: يا رسول الله! يا نبي الله! وما أشبه ذلك، ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ يعني: كراهة أن تَحْبَط أعمالكم؛ يعني: إنما نهيناكم عن ذلك عن رفع الصوت فوق صوته، وعن الجهر له بالقول كجهر بعضكم لبعض كراهة أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون، ففي هذا دليل على أن الذي يرفع صوتَه فوق صوت النبي ﷺ أو يجهر له بالقول كجهره لبعض الناس فيه أنه قد يحبط عمله من حيث لا يشعر؛ لأن هذا قد يجعل في قلب المرء استهانة بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والاستهانة بالرسول ردة عن الإسلام توجب حبوط العمل.
ولما نزلت هذه الآية كان ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه كان جهوريَّ الصوت، وكان من خطباء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلما نزلت هذه الآية تغيَّب في بيته، وصار لا يحضر مجالس النبي ﷺ، فافتقده الرسول وسأل عنه فأخبروه أنه في بيته منذ نزلت الآية، فأرسل إليه رسولًا يسأله فقال إن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ وأنه قد حبط عمله، وإنه من أهل النار، فأمر النبي ﷺ فدعا به، فحضر وأخبره النبي ﷺ أنه من أهل الجنة، وقال: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ حَمِيدًا، وَتُقْتَلَ شَهِيدًا، وَتَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟» قال: بلى، رَضيتُ»[[أخرجه ابن حبان في صحيحه (٧١٦٧)، والحاكم في المستدرك (٥١٠٥)، والطبراني في الكبير (١٣١٠) من حديث ثابت بن قيس.]]، فقُتِلَ رضي الله عنه شهيدًا في وقعة اليمامة، وعاش حميدًا وسيدخل الجنةَ بشهادة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك كان ثابت رضي الله عنه ممن يُشهَد له بأنه من أهل الجنة بعينه؛ لأن كل إنسان يشهد له النبيُّ ﷺ بأنَّه في الجنة فهو في الجنة، وكل إنسان يشهد له بأنه في النار فهو في النار، وأما من لم يشهد له الرسول فنشهد له بالعموم، نقول: كل مؤمن في الجنة، كل كافر في النار، ولا نشهد لشخص معين بأنه من أهل النار أو من أهل الجنة؛ إلا بما شهد له الله ورسوله.
* وفي هذه الآية الكريمة: بيان تعظيم الرسول ﷺ، وأنه لا يجوز للإنسان أن يجهر له بالقول كجهره لسائر الناس، وأنه لا يجوز له أن يرفع صوته على صوت الرسول عليه الصلاة والسلام، ولما نزلت هذه الآية تأدَّب الصحابة رضي الله عنهم بذلك حتى كان بعضهم يكلمه مسارَّة، ولا يفهم الرسول ما يقول من إسراره حتى يستثبته مرة أخرى.
* وفي هذه الآية: دليل على أن كل من استهان بأمر الرسول عليه الصلاة والسلام فإن عمله حابط؛ لأن الاستهانة بالرسول عليه الصلاة والسلام ردة، والاستهزاء به ردة، كما قال الله تعالى في المنافقين الذين كانوا يستهزئون برسول الله ﷺ قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة ٦٥] وكانوا يقولون: ما رأينا مثل قُرَّائنا هؤلاء -يعنون الرسول ﷺ وأصحابه- يقولون: ما رأينا مثل قُرَّائنا هؤلاء أرغب بطونًا -يعني: أوسع- ولا أجبن عند اللقاء، ولا أكذب ألسُنًا[[انظر تفسير الطبري (جامع البيان) ط هجر ( ١١ / ٥٤٣).]].
فأنزل الله هذه الآية، ولما سألهم الرسول عليه الصلاة والسلام عن ذلك قالوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ -يعني: نتكلم بكلام لا نريده ولكن لنقطع به عنا الطريق- فأنزل الله هذه الآية: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة ٦٥، ٦٦].
ولهذا كان الصحيح: أن من سبَّ الرسول عليه الصلاة والسلام فهو كافر مرتد، فإن تاب قَبِلْنا توبته لكننا لا نرفع عنه القتل، بل نقتله أخذًا بحق رسول الله ﷺ، وإذا قتلناه بعد توبته النصوح الصادقة صلينا عليه كسائر المسلمين الذين يتوبون من الكفر أو من المعاصي.
49:3Страница 515
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصۡوَٰتَهُمۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمۡتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡ لِلتَّقۡوَىٰۚ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٌ ٣
Воистину, сердца тех, которые при Посланнике Аллаха понижают свои голоса, Аллах очистил (или раскрыл) для богобоязненности. Им уготованы прощение и великая награда.
ثم أثنى الله تعالى على الذين يغُضُّون أصواتهم عند الرسول ﷺ فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات ٣] لما نهى عن رفع الصوت فوق صوته، وعن الجهر له بالقول كجهر بعضنا لبعض، أثنى على الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله، أي: يخفضونها، ويتكلمون بأدب، فلا إزعاج ولا صخب ولا رفع صوت، لكن يتكلمون بأدب وغض، قال الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ أعاد الإشارة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾ تعظيمًا لشأنهم، ورفعة لمنزلتهم؛ لأن أولاء من أسماء الإشارة الدال على البعد، وذلك لعلو منزلتهم، وإلا لكان الكلام يتم لو قال: إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله هم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، لكن أتى باسم الإشارة بيانًا لرفعة منزلتهم وعلوها.
﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ قال العلماء: معناه أخلصها للتقوى، فكانت قلوبهم مملوءة بتقوى الله عز وجل، ولهذا تأدَّبوا بآداب الله الذي وجه لها، فغضوا أصواتهم عند الرسول ﷺ.
ثوابهم: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ مغفرة من الله لذنوبهم، وأجر عظيم على أعمالهم الصالحة، وفي هذه الآية إشارة إلى أن الصلاح صلاح القلب؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: «التَّقْوَى هَاهُنَا وَأَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٦٤ / ٣٢) من حديث أبي هريرة.]] الذي هو محل القلب ثلاث مرات؛ التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، ولا شك أن التقوى تقوى القلب، أما تقوى الجوارح وهي إصلاح العمل ظاهرًا فهذا يقع حتى من المنافقين، ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون ٤]، لكن الكلام على تقوى القلب، هي التي بها الصلاح، نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم ذلك.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ يفعل بعض الناس المعاصي وإذا أنكرتَ عليه قال: التقوى هاهنا، كأنه يزكي نفسه، وهو قائم بمعصيةِ الله، فنقول له بكل سهولة: لو كان ما هاهنا متقيًا لكانت الجوارح متقية؛ لأن النبي ﷺ يقول: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]] تلاقي شخصًا مُصِرًّا على معصية ما، كإسبال الثوب، حلق اللحية، شرب الدخان، وتنهاه وتخوفه من عقاب الله، فيقول لك: التقوى هاهنا، والجواب أن نقول: لو كان ما هاهنا فيه تقوى، لكان ما هاهنا فيه تقوى الدليل: قول النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».
49:4Страница 515
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلۡحُجُرَٰتِ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٤
Воистину, большинство из тех, которые зовут тебя из-за пределов комнат, не разумеют.
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات ٤] هذه الآية تشير إلى قوم أَتَوْا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكان معهم قوم جفاة، لا يُقدِّرون الأمور قدرها، فجعلوا يُنادُون النبي ﷺ من وراء حجراته أي حجرات نسائه، ويرفعون أصواتهم بذلك، يريدون أن يَخْرُجَ النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليهم، يقول الله في هؤلاء: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ يعني: ليس عندهم عقل، والمراد بالعقل هنا عقل الرشد، لأن العقل عقلان: عقل رشد، وعقل تكليف.
فأما عقل الرشد فضده السفه، وأما عقل التكليف فضدُّه الجنون، فمثلًا إذا قلنا: يشترط لصحة الوضوء أن يكون المتوضئ عاقلًا مميزًا، فالمراد بالعقل هنا عقل التكليف، وإذا قلنا: يشترط للتصرف في المال أن يكون المتصرِّفُ عاقلًا أي: عقل رُشْدٍ يحسِن التصرف.
فالمراد بقوله هنا: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون عقل رشد، لأنهم لو كانوا لا يعقلون عقلَ تكليف لم يكن عليهم لوْمٌ ولا ذم؛ إذ إن المجنون فاقد العقل لا يلحقه لوم ولا ذم، وهذا واضح.
وقوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ يُفهَم منه أن بعضهم يعقل، وأنه لم يحصل منه رفع صوت، بل هو متأدب مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
49:5Страница 516
وَلَوۡ أَنَّهُمۡ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخۡرُجَ إِلَيۡهِمۡ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥
Если бы они потерпели, пока ты выйдешь к ним, это было бы лучше для них. Аллах - Прощающий, Милосердный.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحجرات٥] أي: من بيتك، وتكلمهم بما يريدون، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ خيرا لهم في أيش؟ خيرًا لهم في أنهم يلتزمون الأدب مع النبي ﷺ وحاجتهم سوف تقضى؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يأته أحد في حاجة إلا قضاها إذا كان يدركها، وهو أحق الناس بقول الشاعر:
مَا قَالَ لَا قَطُّ إِلَّا فِي تَشَهُّدِهِ ∗∗∗ لَوْلَا التَّشَهُّدُ كَانَتْ لَاؤُهُنَعَمُ
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إشارة إلى أن الله غفر لهم ورَحِمَهم، وهذا مِنْ كَرَمِه جلَّ وعلا أنه يغفِر ويرحَم، وقد أخبر اللهُ تعالى في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: ما سوى الشرك ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨] فكل أحدٍ أذنب ذنبًا دون الشرك مهما عظُم فإنَّه تحت مشيئةِ اللهِ، إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له ما لم يتُبْ، فإذا تاب فلا عذاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٦٨ - ٧٠].
هنا قلنا: إن الآية تدلُّ على أن الله غفر لهم ورحمهم، فمِن أين نأخذ هذه الدلالة؟ نأخذها مِنْ أنَّ الله ختم الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهذا يدلُّ على أنَّه غفر لهم ورحِمهم، ولذلك قال العلماء في قول الله تعالى: في الذين يحاربون الله ورسوله ويسعَوْن في الأرض فسادًا قال: جزاؤهم ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٣، ٣٤] أخذ العلماء من هذه الآية: أن هؤلاء المفسدين المحاربين لله ورسوله إذا تابوا قبل القُدْرَةِ علَيْهِم سقط عنهم العذاب، واستدلوا بأن الله ختم الآية بقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: قد غفر لهم ورحمهم، وهذه نكتة ينبغي لطالب العلم أن ينتبه لها في الآيات؛ أن ختم الآية بعد ذكر الحكم دليل على ما تقتضيه هذه الأسماء التي خُتِمَت بها الآية،؛ ولهذا قرأ رجل قول الله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله والله غفور رحيم)، فسمعه أعرابي عنده، فقال له: أعد الآية. فأعادها وقال: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله غفور رحيم)، قال له: أعد الآية. فأعادها فقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة ٣٨] فقال: الآن -يعني: الآن أصبت- ثم علَّلَ؛ قال: لأنه لو غفر ورحم ما قطع، ولا تتناسب المغفرة والرحمة مع القطع، لكنه عزَّ وحكم فقطع.
فتأمل هذا الفهم فإنه مفيد لك جدًّا.
الشاهد من هذا أن قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات ٥] أن الآية تدل على أن الله غفر لهم ورحمهم.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии