Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском
Аль-Маида 5:106–108
5:106–108Страница 125
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَٰدَةُ بَيۡنِكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ حِينَ ٱلۡوَصِيَّةِ ٱثۡنَانِ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ أَوۡ ءَاخَرَانِ مِنۡ غَيۡرِكُمۡ إِنۡ أَنتُمۡ ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةُ ٱلۡمَوۡتِۚ تَحۡبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعۡدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ لَا نَشۡتَرِي بِهِۦ ثَمَنٗا وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰ وَلَا نَكۡتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡأٓثِمِينَ ١٠٦
О те, которые уверовали! Если к кому-нибудь из вас явится смерть, и он оставит завещание, то его свидетельствуют двое справедливых мужей из вас или двое других не из вас, если смерть постигнет вас, когда вы странствуете по земле. Задержите их обоих после намаза, и если вы усомнитесь, то они должны поклясться Аллахом: «Мы не покупаем за них мирскую выгоду, даже если он является нашим близким родственником, и не скрываем свидетельства Аллаха. В противном же случае мы принадлежим к числу грешников».
فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٧
Если будет обнаружено, что они оба повинны в грехе, то пусть двое других самых близких родственников из числа тех, кто имеет законные права, займут их место и поклянутся Аллахом: «Наше свидетельство вернее их свидетельства, и мы не преступаем границы дозволенного. В противном же случае мы принадлежим к числу беззаконников».
ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِٱلشَّهَٰدَةِ عَلَىٰ وَجۡهِهَآ أَوۡ يَخَافُوٓاْ أَن تُرَدَّ أَيۡمَٰنُۢ بَعۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡمَعُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ١٠٨
Поступить так лучше для того, чтобы они принесли истинное свидетельство или устрашились того, что другие клятвы будут принесены после их клятв. Бойтесь Аллаха и слушайте! Ведь Аллах не ведет прямым путем людей нечестивых.
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ إلى آخره، هذه الآية في قصة، سافر كافران مع رجل مسلم، ثم حضرته الوفاة، وليس معهم مسلم، فأشهدهما على وصيته، فهل تقبل شهادة هذين الرجلين أو لا تقبل؟ الحكم يعرف من هذه الآية، والمسألة مسألة ضرورة؛ لأنه لا يوجد مسلم، فإذا لم يوجد مسلم اضطررنا إلى قبول شهادة الكافر، وللحديث سبب مذكور، فلنفسر الآية ونقرأ السبب إن شاء الله.
﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ يعني إذا مرضتم مرض الموت، وليس المراد حضور الأجل بالفعل؛ لأنه إذا حضر الأجل بالفعل فقد لا يُعتبر قول الإنسان.
﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ قوله: ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ متعلق بـ﴿شَهَادَةُ﴾؛ لأن (شهادة) مصدر تعمل عمل الفعل، فيصح أن يتعلق بها الظرف والجار والمجرور، يعني شهادتكم حين الوصية إذا حضر أحدكم الوصية اثنان.
﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي: صاحبا عدل ﴿مِنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون، فالخطاب هنا (منكم) للمؤمنين عمومًا، وهذا لا إشكال فيه أن يشهد الإنسان على وصيته كم؟
* طلبة: اثنان.
* الشيخ: أن يشهد اثنان ذوا عدل ما فيه إشكال.
﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ثم ذكر الله تعالى الصورة التي دعت الضرورة إلى إشهاد من ليس بمسلم ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، كلمة ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ تشمل كل ملل الكفر، وإن كانت القضية وردت في اثنين من أهل الكتاب لكن العبرة بعموم اللفظ.
﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ يعني: سواء كانوا من أهل الكتاب أو من غيرهم.
﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ نعم قبل أن نتجاوز.
قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ هل هي للتخيير أو للتنويع؟
اثنان من أهل الكتاب، لكن العبرة بعموم اللفظ؛ ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة ١٠٦] يعني سواء كانوا من أهل الكتاب أو من غيرهم.
قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ هل هي للتخيير أو للتنويع؟
الثاني؛ للتنويع؛ يعني: أو آخران من غيركم إن لم يوجد ذوا عدلٍ منكم.
﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم.
﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ هي كقوله: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة ١٠٦]؛ يعني: أيقنتم أنكم ميِّتون لكون المرض مرضًا مخوفًا لا يُرجَى بُرؤُه.
﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ هذا كالتفصيل لقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾؛ يعني: عند أداء الشهادة تحبسونهما؛ أي: الآخرَيْنِ من غيرنا، والمراد بالحبس: الإيقاف؛ توقفونهما.
﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ أي: من بعد صلاة العصر؛ لأن الصلاةَ صلاةَ العصر هي أفضل الصلوات، وهي الصلاة الوسطى، وآخر النهار أقرب في إجابة الدعاء من أول النهار، لا سيَّما إذا كان ذلك في يوم الجمعة.
﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ أي: صلاة العصر. فإذا قال قائل: لماذا جعلتم (أل) للعهد الذهني ولم تجعلوها للجنس فتقولوا: ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ أي: أيِّ صلاة؟
قلنا: «لأن النبي ﷺ حبس الرجلين الشهيدين من بعد صلاة العصر»[[أخرجه الطبري في التفسير (٩ / ٨٩) عن عكرمة.]]، فتكون السُّنَّة هي التي عيَّنت هذه الصلاة.
﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أي: يحلفان به.
﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ يعني: شكَكْتم في شهادتهما.
﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ أي: لا نشتري بهذا اليمين ثمنًا ولو كان المشهود له ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي: صاحبَ قَرابة.
وحاصل هذا القَسَم أنهما يُقسمان بأننا على حقٍّ، وشهادتنا حقٌّ، ولا يمكن أن نشهد بباطلٍ لأجل شيء من الدنيا ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾.
﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ معطوفة على ﴿فَيُقْسِمَانِ﴾؛ أي: ونحن لا نكتم شهادةَ الله؛ أي: الشهادةَ التي حمَّلنا الله إياها على ما حصلت به الوصية.
﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ يعني: إنا إن كتمنا شهادة الله لَمِن الآثمين، والجملة هنا مؤكدة باثنين وهما: (إنَّ) واللام، ومعنى ﴿مِنَ الْآثِمِينَ﴾ أي: من الواقعين في الإثم، وإنما يقولان ذلك زيادةً في التوكيد أنهما شَهِدا بحقٍّ.
﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ [المائدة ١٠٧] ﴿إِنْ عُثِرَ﴾ يعني: تبيَّن أنهما استحقَّا إثمًا، وذلك بشهادة الزور؛ أي: تبيَّن أن شهادتهما زور وكذب.
﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ يعني في الشهادة ليرُدَّا شهادتهما، من أين هذان الآخران؟ يقول: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ لأن الشهادة بالوصية تستلزم أن يؤخذ من نصيب الورثة لمن؟ لمن أُوصِيَ له، فيكون ما شَهِد به الأوَّلان مستحَقًّا على هؤلاء الورثة.
وقوله: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ يعني هما الأوليان؛ يعني: أَوْلى الناس بإرث هذا الذي شُهِد على وصيَّته.
﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ من هما؟ الشاهدان اللذان هما من ورثة الموصي.
﴿يُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ اللام هنا في قوله: ﴿لَشَهَادَتُنَا﴾ واقعة في جواب القسم. ما هي شهادتهما؟ شهادتهما نفي هذه الوصية، وشهادة الأوَّليْنِ إثبات الوصية، ﴿يُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾، وإذا كانت الحقَّ لزِم أن تبطل شهادة الشاهدَيْنِ الأوَّلَيْنِ، وهما كما قرَّرنا أولًا ليسا مسلمَيْنِ، بل هما من غير المسلمين.
﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ يعني: ما اعتدينا بالاعتراض وإبطال الشهادة.
﴿إِنَّا إِذًا﴾ يعني: إن اعتدينا ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ لأن شهادتهما استلزمت شيئين؛ الشيء الأول: القدح في شهادة الشاهدَيْنِ الأوَّلَيْنِ، والثاني: الظلم، ظلم من؟ ظلم الموصَى له، فلذلك قال: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ [المائدة ١٠٨] أي: ذلك المذكور أقربُ أن يأتوا بالشهادة على وجهها؛ يعني: على الوجه الصحيح.
﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ يعني أن الذين شهدوا أولًا إذا علموا أنه لا بد أن يتعقَّبهم مِن الورثة مَن يتعقَّبهم فإنهم سوف يحرصون غاية الحرص أن يأتوا بالشهادة على وجهها، أو إن لم يأتوا بالشهادة على وجهها ﴿يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾، ﴿أَيْمَانٌ﴾ أيمانُ مَنْ؟ الورثة، ﴿بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: أَيْمان الشهداء.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾ أمر الله تعالى بأن نتقيه بالتزام أحكامه، وأكَّد هذا بقوله: ﴿وَاسْمَعُوا﴾؛ أي: اسمعوا ما أقول لكم وآمركم به وهو تقوى الله عز وجل.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ لا يهدي القوم الفاسقين الخارجين عن طاعته، وهذا سيأتي إن شاء الله في الفوائد أنه وعيدٌ شديدٌ أن الفاسق عُرضة لأنْ لا يهديه الله عز وجل، هذا معنى الآية الكريمة.
ويحسن أن نقرأ القصة حتى يتبيَّن أكثر، من معه تفسير، ابن كثير.
* طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال ابن كثير: (اشتملت هذه الآية الكريمة على حكمٍ عزيزٍ، قيل: إنه منسوخ، رواه العوفي عن ابن عباس. وقال حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم: إنها منسوخة. وقال آخرون..).
* الشيخ: أتدرون ما هي؟ يعني شهادة الكافر، وهذه سنذكرها إن شاء الله في الفوائد؛ أن بعض العلماء قال: إنها منسوخة. ولكن ليس بصحيح؛ (المائدة) يقولون: ليس فيها شيء منسوخ لأنها مِن آخر ما نزل.
* الطالب: (وقال آخرون -وهم الأكثرون فيما قاله ابن جرير-: بل هو محكَم، ومن ادَّعى النسخ فعليه البيان؛ فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ هذا هو الخبر لقوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾؛ فقيل: تقديره: شهادةُ اثنين؛ حُذِف المضافُ وأُقيمَ المضاف إليه مقامه. وقيل: دلَّ الكلام على تقدير: أن يشهد اثنان.
وقوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ وصف الاثنين بأن يكونا عدلين.
وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: من المسلمين، قاله الجمهور؛ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ منكم﴾ قال: من المسلمين. رواه ابن أبي حاتم[[تفسير ابن أبي حاتم (٤ / ١٢٢٩) ( ٦٩٣٣).]] ثم قال: ورُوي عن عبيدة، وسعيد بن المسيب، والحسن، ومجاهد، ويحيى بن يعمر، والسدي، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحوُ ذلك. وقال ابن جرير(...)).
* * *
* الشيخ: نقرأ.
* الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* الشيخ: استمعوا إلى الحديث لأنه يعين على فهم الآية.
* الطالب: قال ابن كثير رحمه الله تعالى: (اشتملت هذه الآية الكريمة على حكمٍ عزيزٍ؛ قيل: إنه منسوخ. رواه العوفي..).
* الشيخ: (عزيز) يعني: قليل الجنس.
* الطالب: (رواه العوفي عن ابن عباس. وقال حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم: إنها منسوخة. وقال آخرون -وهم الأكثرون فيما قاله ابن جرير[[تفسير الطبري (٣ / ٣٨٥).]] -: بل هو محكَم، ومن ادَّعى النسخ فعليه البيان).
* الشيخ: بل هي محكمةٌ الآية، وهذا هو الصواب، وقد ذكرنا لكم أنه لا نسخ فيما في سورة المائدة، كلها محكمة، على أن أيَّ إنسانٍ يدَّعي في أيِّ نصٍّ من القرآن أو السُّنة أنه منسوخ فعليه الدليل.
* الطالب: (فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ هذا هو الخبر لقوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾؛ فقيل: تقديره: شهادةُ اثنين؛ حُذِف المضاف وأُقيمَ المضاف إليه مقامه. وقيل: دلَّ الكلام على تقدير: أن يشهد اثنان.
وقوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ وصف الاثنين بأن يكونا عدلين).
* الشيخ: يعني كأن اللي قالوا: لا بد من تقدير، قالوا: إنه لا يمكن أن تكون الجثة خبرًا للمعنى، و(الشهادة) معنى، و﴿اثْنَانِ﴾ شخصان؛ فقالوا: إنها على تقدير مضاف: شهادةُ اثنين، أو: أنْ يشهد اثنان، والصحيح أنه لا حاجة إلى هذا وأنه إذا فُهِم المعنى فهو المقصود، ولهذا يقولون: الليلةَ الهلالُ، فيخبرون بالظرف عن الجثة لأن المعنى مفهوم، ولا حاجة إلى أن نُقَدِّر: الليلةَ طلوعُ الهلال، فالصواب أنه لا تقدير في الآية وأنَّ الآية معناها واضح.
* الطالب: (وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: من المسلمين، قاله الجمهور؛ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ منكم﴾ قال: من المسلمين. رواه ابن أبي حاتم[[تفسير ابن أبي حاتم (٤ / ١٢٢٩) ( ٦٩٣٤).]] ثم قال: رُوِي عن عبيدة، وسعيد بن المسيب، والحسن، ومجاهد، ويحيى بن يعمر، والسدي، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحوُ ذلك.
وقال ابن جرير: وقال آخرون: عنى ذلك ﴿ذَوَا عَدْلٍ منكم﴾ أي: من حيِّ الموصي، وذلك قولٌ رُوِي عن عكرمة وعبيدة وعدَّة غيرهما.
وقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾..).
* الشيخ: لا شك أن القول الأول متعيِّن؛ لأنه يخاطب المؤمنين يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ منكم﴾ يخاطب مَن؟ المؤمنين، وليس يخاطب حيَّ الذي وقعت فيهم القضية.
* الطالب: (وقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثنا سعيد بن عون قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد قال: حدثنا حبيب ابن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال: من غير المسلمين؛ يعني أهلَ الكتاب.
ثم قال: ورُوِي عن عبيدة، وشريح..).
* الشيخ: قوله: (يعني أهلَ الكتاب) فيه نظر، والصواب أنه شاملٌ لأهل الكتاب وغيرهم؛ لأن كل من ليس بمسلم فهو من غيرنا.
* الطالب: (ثم قال: ورُوِي عن عبيدة، وشريح، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، ويحيى بن يعمر، وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وقتادة، وأبي مجلز، والسدي، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، نحوُ ذلك.
وعلى ما حكاه ابن جرير عن عكرمة وعبيدة في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ -أي المراد: من قبيلة الموصِي- يكون المراد هاهنا ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي: من غير قبيلة الموصِي، وقد رُوِي عن ابن أبي حاتمٍ مثلُه عن الحسن البصري[[تفسير ابن أبي حاتم (٤ / ١٢٣٠) ( ٦٩٣٦).]] والزهري[[تفسير ابن أبي حاتم (٤ / ١٢٢٩) ( ٦٩٣٥).]] رحمهما الله.
وقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ وهذان شرطان لجواز استشهاد الذِّمِّيِّينَ عند فقد المؤمنين: أن يكون ذلك في سفر، وأن يكون في وصية؛ كما صرَّح بذلك شريح القاضي.
قال ابن جرير[[تفسير ابن جرير (٩ / ٦٤).]] : حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن شريح قال: لا تجوز شهادة اليهودي والنصراني إلا في سفر، ولا تجوز في سفر إلا في الوصية.
ثم رواه عن أبي كُريب، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق السَّبيعي قال: قال شريح، فذكر مثله.
وقد رُوِي مثله عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وهذه المسألة من أفراده، وخالفه الثلاثة فقالوا: لا تجوز شهادة أهل الذِّمَّة على المسلمين. وأجازها أبو حنيفة فيما بين بعضهم بعضًا.
وقال ابن جرير[[تفسير ابن جرير (٩ / ٦٨).]] : حدثنا عمرو بن علي قال: حدثنا أبو داود..).
* الشيخ: ولا يضر أن ينفرد الإمام أحمد بالمسألة إذا كان معه الدليل؛ لأن من معه الدليل فهو جماعة وإن كان واحدًا، وغالب ما انفرد به الإمام أحمد رحمه الله بالتتبع هو الصواب، هذا بالتتبع، وليس كل ما انفرد به، بل غالب ما انفرد به هو الصواب.
* الطالب: (وقال ابن جرير[[تفسير ابن جرير (٩ / ٦٨).]] : حدثنا عمرو بن علي قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري قال: مضت السُّنَّة أنه لا تجوز شهادة كافرٍ في حَضَرٍ ولا سفرٍ، إنما هي في المسلمين.
وقال ابن زيد: نزلت هذه الآية في رجل تُوُفِّي وليس عنده أحدٌ من أهل الإسلام، وذلك في أول الإسلام والأرض حربٌ والناس كفَّارٌ، وكان الناس يتوارثون بالوصية، ثم نُسِخت الوصية وفُرِضت الفرائض وعَمِل الناس بها. رواه ابن جرير، وفي هذا نظر، والله أعلم.
وقال ابن جرير: اختُلِف في قوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ منكم أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ هل المراد أن يُوصِي إليهما أو يشهدهما على قولين:
أحدهما: أن يُوصِيَ إليهما؛ كما قال محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيط قال: سُئِل ابن مسعود رضي الله عنه عن هذه الآية قال: هذا رجلٌ سافر ومعه مالٌ فأدركه قَدَرُه، فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تَرِكَته وأشهد عليهما عدلين من المسلمين. رواه ابن أبي حاتم[[تفسير ابن أبي حاتم (٤ / ١٢٢٩) (٦٩٣١).]]، وفيه انقطاع.
والقول الثاني: أنهما يكونان شاهدَيْنِ، وهو ظاهر سياق الآية الكريمة، فإن لم يكن وَصِيٌّ ثالثٌ معهما اجتمع فيهما الوصفان: الوصاية والشهادة؛ كما في قصة تميمٍ الداريِّ وعديِّ بن بَدَّاء، كما سيأتي ذكرها آنفا إن شاء الله، وبه التوفيق.
وقد استشكل ابن جرير كونهما شاهدَينِ؛ قال: لأنَّا لا نعلم حُكمًا يحلف فيه الشاهد. وهذا لا يمنع الحكم الذي تضمَّنته هذه الآية الكريمة، وهو حكمٌ مستقلٌّ بنفسه لا يلزم أن يكون جاريًا على قياس جميع الأحكام، على أن هذا حكمٌ خاصٌّ بشهادةٍ خاصَّة في محلٍّ خاصٍّ، وقد اغتُفِر فيه من الأمور ما لم يُغتفَر في غيره، فإذا قامت قرائن الرِّيبة حلف هذا الشاهد بمقتضى ما دلَّت عليه هذه الآية الكريمة.
وقوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: يعني صلاة العصر. وكذا قال سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وقتادة، وعكرمة، ومحمد بن سيرين. وقال الزهري: يعني صلاة المسلمين. وقال السُّدي عن ابن عباس: يعني صلاة أهل دينهما. والمقصود أن يُقام هذان الشاهدان بعد صلاةٍ اجتمع الناس فيها بحضرتهم.
﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أي: فيحلفان بالله ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي: إن ظهرتْ لكم منهما رِيبة أنهما قد خانا أو غلَّا فيحلفان حينئذ بالله ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾ أي: بأَيْماننا، قاله مقاتل بن حيان. ﴿ثَمَنًا﴾ أي: لا نعتاض عنه بعوضٍ قليلٍ من الدنيا الفانية..).
* الشيخ: قوله: (بأَيْماننا) فيه نظر؛ لأنه قال: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾ هذا مفرد، كيف يُفسَّر بجمعٍ، لكن إذا جعلناه عائدًا على اليمين فالمعنى ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾ أي: بالقَسَم الذي نُقسِم به، فهو عائد على القَسَم.
* الطالب: (﴿ثَمَنًا﴾ أي: لا نعتاض عنه بعوضٍ قليلٍ من الدنيا الفانية الزائلة.
﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي: ولو كان المشهود عليه قريبًا إلينا لا نحابيه.
﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ أضافها إلى الله تشريفًا لها وتعظيمًا لأمرها، وقرأ بعضهم: (وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةً آللَّهِ) مجرورًا على القَسَم؛ رواها ابن جرير عن عامر الشعبي، وحُكي عن بعضهم أنه قرأ: (وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةً اللَّهَ)[[تفسير الطبري (١١ / ١٧٧).]]، والقراءة الأولى هي المشهورة.
﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ أي: إن فعلنا شيئًا من ذلك من تحريف الشهادة أو تبديلها أو تغييرها أو كتْمِها بالكلِّية.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ أي: فإن اشتهر وظهر وتحقَّق من الشاهدَيْنِ الوصيَّينِ أنهما خانا أو غلَّا شيئًا من المال الموصَى به إليهما وظُهِر عليهما بذلك ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ هذه قراءة الجمهور: ﴿اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ ، ورُوي عن عليٍّ وأُبَيٍّ والحسن البصري أنهم قرؤوها: ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾. وقد روى الحاكم..).
* الشيخ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ هذا القراءة المشهورة.
* الطالب: جعل الجمهور ﴿اسْتُحِقَّ﴾ .
* الشيخ: ﴿اسْتَحَقَّ﴾، عندك بالضم؟
* الطالب: بالضم.
* الشيخ: هي قراءة لكن بس ما أدري قراءة غير الجمهور ولَّا..
يقول في قراءة: ﴿اسْتُحِقَّ﴾ ، وفي قراءة: ﴿اسْتُحِقَّ عَلَيْهِم الْأَوَّلِينَ﴾ .
* الطالب: جعل الأولى قراءة الجمهور.
* الشيخ: إي والله غريبة.
* الطالب: (وقد روى الحاكم في المستدرك[[ (٢ / ٢٥٩).]] من طريق إسحاق بن محمد الفروي، عن سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ قرأ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾. ثم قال: صحيحٌ على شرط مسلم ولم يخرجاه.
وقرأ بعضهم ومنهم ابن عباس: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوَّلِينَ﴾، وقرأ الحسن: (مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوَّلَانِ) حكاه ابن جرير، فعلى قراءة الجمهور يكون المعنى بذلك أي: متى تحقَّق ذلك بالخبر الصحيح على خيانتهما فلْيَقُم اثنان من الورثة المستحقين للتركة وليكونا من أَوْلى من يرث ذلك المال ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ أي: لقولُنا: إنهما خانا، أحقُّ وأصحُّ وأَثْبَتُ من شهادتهما المتقدمة ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ أي: فيما قُلنا من الخيانة ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: إن كنَّا قد كذبنا عليهما.
وهذا التحليف للورثة والرجوع إلى قولهما والحالة هذه كما يحلف أولياء المقتول إذا ظهر لَوْثٌ في جانب القاتل، فيُقسم المستحقون على القاتل فيُدفع برُمَّته إليهم، كما هو مقرَّر في باب القَسَامة من الأحكام.
وقد وردت السُّنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة؛ فقال ابن أبي حاتم[[تفسير ابن أبي حاتم (٤ / ١٢٣١) (٦٩٤١).]] : حدثنا أبي، قال: حدثنا الحسين بن زياد، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن أبي النضر، عن باذان -يعني أبا صالحٍ مولى أم هانئ بنت أبي طالب- عن ابن عباس، عن تميمٍ الداريِّ في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ قال: برئَ الناسُ منها غيري وغير عَدِيِّ بن بَدَّاء. وكانا نصرانيَّيْنِ يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام بتجارتهما، وقدم عليهما مولًى لبني سهم يُقال له بُدَيلُ بن أبي مريم بتجارة ومعه جامٌ من فضة يريد به الْمَلِك وهو عُظْمُ تجارته، فمَرِضَ، فأوصى إليهما..
* الشيخ: هو أيش؟
* الطالب: (وهو عُظْمُ تجارته).
* الشيخ: (عُظْمُ) يعني هو أعظم تجارته التي معه، الجام: الإناء.
* الطالب: (فمَرِض، فأوصى إليهما وأمرهما أن يُبلِّغا ما ترك أهلَه. قال تميمٌ: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ثم اقتسمناه أنا وعَدِيّ بن بَدَّاء، فلما قدِمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام فسألونا عنه فقلنا: ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره. قال تميم: فلما أسلمتُ بعد قدوم النبي ﷺ المدينة تأثَّمتُ من ذلك، فأتيتُ أهلَه فأخبرتهم الخبر ودفعتُ إليهم خمس مئة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فوثبوا إليه أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحَلَف، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾، فقام عمرو بن العاص ورجلٌ آخر منهم فحلفا، فنُزِعت الخمس مئة من عَدِيِّ بن بَدَّاء.
وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي[[الترمذي (٣٠٥٩).]] وابن جرير[[تفسير ابن جرير (٩ / ٨٨).]] كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق به فذكره، وعنده: فأتوا به رسول الله ﷺ فسألهم البيِّنة فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحَلَف، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾، فقام عمرو بن العاص ورجلٌ آخر فحلفا، فنُزِعت الخمس مئة من عَدِيِّ بن بَدَّاء.
ثم قال: هذا حديث غريب، وليس إسناده بصحيح، وأبو النضر الذي روى عنه محمد بن إسحاق هذا الحديث هو عندي محمد بن السائب الكلبي، يُكنَى أبا النضر، وقد تركه أهل العلم بالحديث، وهو صاحب التفسير؛ سمعت محمد بن إسماعيل يقول: محمد بن السائب الكلبي يُكنَى أبا النضر.
ثم قال: ولا نعرف لسالمٍ أبي النضر روايةً عن أبي صالحٍ مولى أم هانئ، وقد رُوي عن ابن عباس شيءٌ من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه:
حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن أبي زائدة، عن محمد بن أبي القاسم، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميمٍ الداري وعَدِيِّ بن بَدَّاء، فمات السهمي بأرضٍ ليس فيها مسلمٌ، فلما قدما بتركته فقدوا جامًا من فضة مخوَّصًا بالذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ، ووجدوا الجام بمكة..
* الشيخ: (مخوَّصًا بالذهب) يعني: مُرصَّع عليه مثل الخوص من الذهب؛ يعني مُزَركش، وهو من فضة.
* الطالب: (فأحلفهما رسول الله ﷺ، ووجدوا الجام بمكة، فقيل: اشتريناه من تميمٍ وعَدِيٍّ. فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحقُّ من شهادتهما وإن الجام لصاحبهم، وفيهم نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. وكذا رواه أبو داود عن الحسن بن علي عن يحيى بن آدم به[[أخرجه أبو داود في سننه (٣٦٠٦) من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس.]].
ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وهو حديث ابن أبي زائدة[[جامع الترمذي (٣٠٦٠).]].
ومحمد بن أبي القاسم كوفيٌّ قيل: إنه صالح الحديث. وقد ذكر هذه القصة مرسلةً غير واحد من التابعين منهم: عكرمة، ومحمد بن سيرين، وقتادة، وذكروا أن التحليف كان بعد صلاة العصر؛ رواه ابن جرير[[تفسير الطبري (١١ / ١٨٧).]]، وكذا ذكرها مرسلةً مجاهد والحسن والضحاك، وهذا يدل على اشتهارها في السلف وصحتها.
ومن الشواهد بصحة هذه القصة أيضًا ما رواه أبو جعفر بن جرير قال: حدثني يعقوب قال: حدثنا هُشيم قال: أخبرنا زكريا، عن الشعبي أن رجلًَا من المسلمين حضرته الوفاة بدَقُوقاءَ. قال: فحضرته الوفاة ولم يجد أحدًا من المسلمين يُشهِدُهُ على وصيَّته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب. قال: فقدما الكوفة فأتيا الأشعريَّ -يعني أبا موسى الأشعري رضي الله عنه- فأخبراه، وقدما بتركته ووصيَّته، فقال الأشعري: هذا أمرٌ لم يكن بعد الذي كان في عهد النبي ﷺ. قال: فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدَّلا ولا كتما ولا غيَّرا، وإنها لَوصيةُ الرجل وتركتُه. قال: فأمضى شهادتهما[[تفسير الطبري (١١ / ١٧٤).]].
ثم رواه عن عمرو بن عليٍّ الفلَّاس، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن مغيرة الأزرق، عن الشعبي أن أبا موسى قضى بدقوقاء.
وهذان إسنادان صحيحان إلى الشعبي عن أبي موسى الأشعري.
فقوله: هذا أمرٌ لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله ﷺ. الظاهر -والله أعلم- أنه إنما أراد بذلك قصة تميمٍ وعَدِيِّ بن بَدَّاء، وقد ذكروا أن إسلام تميم بن أوس الداري رضي الله عنه كان في سنة تسع من الهجرة، فعلى هذا يكون هذا الحكم متأخرًا يحتاج مدَّعي نَسْخِهِ إلى دليلٍ فاصلٍ في هذا المقام، والله أعلم.
وقال أسباط عن السدي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال: هذا في الوصية عند الموت؛ يوصِي ويُشهِد رجلين من المسلمين على ما له وما عليه. قال: هذا في الحضر، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ في السفر، ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ هذا الرجل يدركه الموت في سفرِه وليس بحضرته أحدٌ من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس فيوصي إليهما ويدفع إليهما ميراثه، فيقبلان به، فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا مال صاحبهم تركوا الرجلين، وإن ارتابوا رفعوهما إلى السلطان، فذلك قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾.
قال عبد الله بن عباس: كأني أنظر إلى العِلْجين حين انتُهِيَ بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره، ففتح الصحيفة، فأنكر أهل الميت وخوَّنوهما، فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر، فقلت له: إنهما لا يُباليانِ صلاة العصر، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما، فيوقَف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، فيحلفان بالله لا نشتري به ثمنًا قليلًا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله، إنا إذن لمن الآثمين؛ إن صاحبهم لبهذا أوصى، وإن هذه لتركته. فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: إنكما إن كتمتما أو خُنتما فضحتُكما في قومكما ولم تَجُز لكما شهادة وعاقبتُكما. فإذا قال لهما ذلك فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها. رواه ابن جرير[[تفسير الطبري (١١ / ١٧٥) من حديث السدي عن ابن عباس.]].
وقال ابن جرير: حدثنا الحسين قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم وسعيد بن جبير أنهما قالا في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية، قالا: إذا حضر الرجلَ الوفاةُ في سفر فليُشهِد رجلين من المسلمين، فإن لم يجد رجلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب[[تفسير الطبري (١١ / ١٧١) من حديث المغيرة بن مقسم وإبراهيم النخعي.]]. فإذا قدما بتركته فإن صدَّقهما الورثة قُبِل قولهما، وإن اتهموهما أُحلِفا بعد صلاة العصر بالله ما كتمْنا ولا كذَبْنا ولا خُنَّا ولا غيَّرنا.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: فإن ارْتِيبَ في شهادتهما استُحلِفا بعد الصلاة بالله: ما اشترينا بشهادتنا ثمنًا قليلًا، فإن اطَّلع الأولياء على أن الكافرَيْنِ كذبا في شهادتهما قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله: إن شهادة الكافرَيْنِ باطلة، وإنَّا لم نعتدِ. فذلك قوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ يقول: إن اطُّلِع على أن الكافرَيْنِ كذبا ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ يقول: من الأولياء، فحلفا بالله: إن شهادة الكافرَيْنِ باطلة، وإنَّا لم نعتدِ. فتُرَدُّ شهادة الكافرَيْنِ وتجوز شهادة الأولياء[[تفسير الطبري (١١ / ١٨١).]].
وهكذا رواه العوفي عن ابن عباس، رواهما ابن جرير.
وهكذا قرَّر هذا الحكمَ على مقتضى هذه الآية غيرُ واحد من أئمة التابعين والسلف رضي الله عنهم وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله.
وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ أي: شرعية هذا الحكم على هذا الوجه المرْضي من تحليف الشاهدَيْنِ الذِّمِّيَّين وقد استُريبَ بهما؛ أقربُ إلى إقامتهما الشهادةَ على الوجه المرْضي.
وقوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: يكون الحامل لهم على الإتيان بالشهادة على وجهها هو تعظيمُ الحلف بالله ومراعاةُ جانِبه وإجلالُه، والخوف من الفضيحة بين الناس إذا رُدَّت اليمين على الورثة فيحلفون ويستحقُّون ما يدَّعون، ولهذا قال: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾.
ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أموركم. ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أي: وأطيعوا. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ يعني الخارجين عن طاعته ومتابعة شريعته).
* الشيخ: أحسنت، أطال رحمه الله على هذه الآية؛ لأن هذه الآية فيها إشكالات، لكنه حلَّ جميع هذه الإشكالات، فيها إشكال من جهة الإعراب ومن جهة السياق، ولكن الله عز وجل يتكلم بما شاء كيف شاء؛ حتى يعرف الناس أن هذا القرآن الكريم مناسبٌ لمقتضى الحال، والقضية معقدة حكمًا وإعرابًا وغير ذلك، لكن -والحمد لله- بمثل هذا التفسير الذي سمعتم يزول الإشكال.
خلاصة المعنى: أنه إذا سافر الإنسان وليس حوله مسلم، ليس حوله إلا كُفَّار، وأراد أن يوصي فليستشهد شاهدَينِ اثنين على الوصية، فإذا وصلوا إلى البلاد الإسلامية أدْلَوْا بالشهادة وقُبِلت الشهادة بدون أيِّ شيءٍ، إلا إذا حصل ارتيابٌ، فإذا حصل ارتيابٌ حينئذٍ نستعمل القَسَم، نحبسهما من بعد الصلاة ونجعلهما يُقسمان بالله إنهما صادقان وإنهما لم يشتريا بشهادتهما شيئًا من الدنيا، ويُخَوَّفان أنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بعد أَيْمانهم؛ لأن أولياء المقتول إذا أقسموا رُدَّتْ شهادة الشاهدَينِ، ومعلوم أنه إذا حُكِم بِرَدِّ شهادتهما صار ذلك عارًا عليهما وخِزْيًا، فربما إن لم يخافا من الله خافا من العار والخزي، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ هذا مجمل معنى الآية الكريمة.
لكن فيها فوائد كثيرة نذكر منها ما نسأل الله أن ييسِّره ويوفقنا به إلى الصواب.
* من فوائد الآية الكريمة: جواز شهادة الكافر للضرورة، ولكن هل تُخصَّص الضرورة بهذه الصورة أم بكل ضرورة؟
أولًا: في أصل المسألة -وهي شهادة الكافر- فيها قولان لأهل العلم:
القول الأول: أن شهادة الكافر لا تُقبل، وهذا مبني على أن هذا الحكم أيش؟ منسوخٌ، فلا تُقبل، وهذا قولٌ مردود بأن النسخ يحتاج إلى دليلٍ، وأن سورة المائدة قد قال كثيرٌ من العلماء: إنه ليس فيها نسخٌ لأنها من آخر ما نزل. فليُطرح هذا القول.
والعجب أن الذي قال بهذا القول أكثر العلماء، وأن القول بشهادة الكافر هو قول الإمام أحمد رحمه الله، وما أكثرَ ما ينفرد بالشيء فيكون قوله هو الصواب؛ كقوله في كُفر تاركِ الصلاة، انفرد بهذا القول، لكنه حقيقةً لم ينفرد لأن معه الكتاب والسُّنة والصحابة.
على القول بقبول الكافر، هل يختصُّ هذا بهذه الصورة الواقعة؛ بمعنى أنه يُشترط أن يكون الشاهدان كتابيَّينِ لأن الشاهدَينِ في هذه القصة كانا من النصارى، فهل يُشترط أن يكونا كتابيَّينِ أو لا يُشترط؟
المشهور من المذهب أنه يُشترط أن يكونا كتابيَّينِ، ولكن سيأتي أن ظاهر الآية يخالف ذلك وأن الآية عامة في كل كافر.
وهل يختصُّ ذلك بالوصية أو في كل شيء؟
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии