Ибн УсейминАль‑Маида · 5:106–109

Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском

Аль-Маида 5:106–109, продолжение

* الشيخ: فأخبرته بما قال لها أبو السنابل، نعم، فقال لها؟

* الطالب: أنها حلّت للأزواج.

* الشيخ: أخبرها أنها حلت للأزواج حين وضعت، فدل هذا على أن عموم ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ مقدّم على عموم ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.

من القواعد إذا جاء لفظ عام، ثم فُرّع عليه من يقتضي التخصيص، هل يؤخذ بالعموم أو بالتخصيص؟

* طالب: (...).

* الشيخ: مثاله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة ٢٢٨] كلمة ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ إذا نظرنا لعمومها صارت تشمل أيش؟ الرجعيات وغير الرجعيات؛ يعني مَن طلقت سواء كان طلاقها بائنًا أم رجعيًّا. وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ يقتضي أيش؟

يقتضي أن هذا خاص بالرجعيات، فهل نقول: إن العموم هنا لما فُرّع عليه حكم يختص ببعض أفراده يُحمل على الخاص أو لا؟

نعم، هذه أيضًا مما اختلف فيها العلماء، فمنهم من يقول: إن المطلقة البائن التي لا رجعة لزوجها عليها تعتد بحيضة واحدة؛ لأنه لا فائدة من إطالة المدة عليها، الرجعية فيه فائدة من إطالة المدة؛ وهو أن الزوج ربما يرجع، لكن هذه لا فائدة، وإذا لم يكن فائدة فليُفسح لها المجال، ويقال: انقضت عدتها بحيضة واحدة، وتحل للأزواج.

ومنهم من قال: نأخذ بالعموم، والتفريع على بعض أفراده كذكر بعض أفراد العموم بحكم يطابق العموم فإنه لا يقتضي التخصيص، وهذا رأي الجمهور، والأول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أن المطلقة التي يلزمها ثلاثة قروء، إنما هي المطلقة الرجعية.

ونظير هذا في السنة: «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ»[[أخرجه البخاري (٢٢٥٧) من حديث جابر بن عبد الله.]]. إذا نظرنا إلى عموم صدر الحديث قلنا: الشفعة في كل شيء حتى في المنقولات، وإذا نظرنا إلى التفريع قلنا: لا شفعة إلا في الأرَضين التي تقع فيها الحدود، وتُصرّف فيها الطرق، وهذا أيضًا مما اختلف فيه العلماء؛ فمنهم من يقول: إن الشفعة لا تثبت إلا في الأراضي، وأنه لو كان سيارة بين شخصين فباع أحدهما نصيبه على ثالث فليس لشريكه أن يأخذ بالشفعة؛ لأن النبي ﷺ قال: «فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ» والسيارة ما فيها حدود ولا طرق.

ومنهم من قال: يؤخذ بالعموم، وتثبت الشفعة في كل ما لم يقسم من أراضي ومنقولات وغيرها، ويقول: فإذا وقعت الحدود تفريع على بعض أفراد العام، ولا يخالف العموم فلا يقتضي التخصيص، وهذا أيضًا فيه خلاف، ولكن قد وردت الأحاديث تدل على العموم، وأن الشفعة واجبة حتى في غير الأراضي؛ يعني حتى لو كانت بين رجلين سيارة وباع أحدهما نصيبه على آخر فإنه لا شفعة لشريكه؛ لأن العلة التي من أجلها أُثبتت الشفعة للشريك موجودة في الأراضي وغير الأراضي، بل ربما تكون في غير الأراضي أشد نزاعًا، فإنه قد يحدث من الشريك الجديد من النزاع والخصوم مع الشريك الأول ما يُنكد عليه الحياة.

إذا ورد عن السلف أقوال في تفسير الآية والأقوال تحتمل، فهل نقول: إن هذا الاختلاف يعتبر اختلافًا حقيقيًّا أو هو اختلاف تنوُّع؟

فيه تفصيل؛ بعضه اختلاف تنوّع، وبعضه اختلاف تضاد؛ فإذا كان اختلاف تضاد وجب أن نفرض المرجِّح بين القولين، وإذا كان اختلاف تنوع فلا اختلاف في الواقع، مثاله قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر ٣٢] بعضهم قال: الظالم لنفسه الذي يؤخّر الصلاة عن وقتها، وبعضهم قال: الظالم لنفسه الذي لا يزكِّي، هذا واحد.

﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ قالوا: المقتصد الذي يؤدي الزكاة، ولا يؤدي الصدقة، والذي يأتي بالصلاة في وقتها، لكن لا يحرص على إقامتها.

والسابق بالخيرات: هو الذي يؤدي الزكاة والصدقة، ويحرص على إقامة الصلاة على ما ينبغي، هل هذا الاختلاف يعتبر اختلافًا حقيقيًّا بحيث نقول: في تفسير الآية قولان؟

لا؛ لأن هذا الاختلاف اختلاف تنوع؛ أي: أن كل واحد منهم ذكر نوعًا مما يدخل في الآية، وهذه قد يعدها بعض الناس اختلافًا، وليس كذلك، هذا يسمونه اختلاف تنوع، وليس اختلاف تضاد، وعليه فلا يجوز أن نقول: إن السلف اختلفوا في معنى هذه الآية؛ لأن الكل اتفقوا على أنه الظالم مَن فرط في واجب، والمقتصد مَن قام بالواجب، والسابق بالخيرات مَن زاد عن الواجب، متفقين على هذا، لكن كل واحد منهم مثّل بمثال.

نريد آية فيها تخصيص متصل بغير الاستثناء؟ الاستثناء كثير: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخره [العصر: ٢، ٣] كثير.

* طالب: قوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء ٢٥].

* الشيخ: إي، ﴿فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ يعني هذا خُصّص بالوصف.

ومثله قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران ٩٧] فلما ذكر العموم أولًا قيد بقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فهل نأخذ بالعموم أو بالقيد؟

نأخذ بالقيد بلا شك؛ لأن القيد يخصص الْمُقَيَّد، وعلى هذا فلا يجب الحج إلا على مَن؟ مَن استطاع.

فلو قال قائل: جميع العبادات مقيدة بالاستطاعة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]، فما الحكمة من كونه يذكر هذا الشرط في الحج، ولم يذكره في الصلاة مثلًا ما قال: أقيموا الصلاة إن استطعتم؟

الجواب سهل؛ لأن المشقة في الحج أظهر وأبين من المشقة في غيره؛ فلهذا نص على هذا الشرط، فالصيام لما كان فيه نوع من المشقة قال فيه عز وجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة ١٨٥]، وأما ما لا مشقة فيه فتُذكر فيه الأوامر مطلقة، ولكنها تُحمل على القاعدة العامة، وهو أنه لا واجب مع العجز؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦] وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.

في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء ١٧٦، ١٧٧]، وفي آية أخرى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف ٨٥]، فلماذا ذكر الأخوة في الآية الثانية دون الأولى؟

* طالب: لأنه نسبهم إلى الشجرة التي يعبدونها، فلما نسبهم إلى الشجرة خلع عليهم أخوة الدين، ولما نسبهم إلى الأرض أثبت لهم أخوة النسب.

* الشيخ: هذا وجه، وجه آخر يعني يقول: إنه لما قال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ لم يقل: أخوهم؛ لأنهم يعبدون الشجر.

وبعضهم قال: إن هؤلاء ليسوا من قومه، ليسوا من قومه، فليس أخًا لهم في النسب، وأما الآية الأولى فهو أخوهم بالنسب، وكلاهما صحيح.

ما رأيكم في طريقة التفسير؛ أننا نعرب الآيات المشكل وغير المشكل تمرينًا للطلاب، يذكرنا بالنحو؛ لأن الحقيقة النحو ما حصل لنا أن نوفر فيه وقتًا لدراسته إما في الألفية أو غيرها، أقول: لعل الإعراب يُعوِّض.

5:109Страница 126

۞ يَوۡمَ يَجۡمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبۡتُمۡۖ قَالُواْ لَا عِلۡمَ لَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ١٠٩

В тот день, когда Аллах соберет посланников и скажет: «Что вам ответили?». - они скажут: «Мы не обладаем знанием. Воистину, Ты - Ведающий сокровенное».

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة ١٠٩، ١١٠].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.

كلمة ﴿يَوْمَ﴾ ظرف، والظرف والجار والمجرور لا بد لهما من عامل، ويُسمَّى هذا العامل مُتعلَّق، ولهذا قال ناظم القواعد:

لَا بُدَّ لِلْجَارِ مِنَ التَّعَلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوِ مُرْتَقِي

يعني اسم الفاعل واسم المفعول وما أشبهها، فعلى هذا يكون ﴿يَوْمَ﴾ منصوبًا، وعامله محذوف؛ لأنه ليس بين أيدينا عامل ممكن أن نُحيل العمل عليه فنقول: العامل محذوف، والتقدير: اذكر يومًا.

وقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ ﴿يَوْمَ﴾ هنا مضافة إلى جملة فعلية مضارعية، فهي إذن منصوبة وليست مبنية؛ لأنها أُضيفت إلى فعل معرب، وهي لا تُبنى إلا إذا أضيفت إلى فعل مبني.

﴿اللَّهُ﴾ الاسم الكريم فاعل، وبعضهم يقول: لفظ الجلالة فاعل، وبعضهم يقول: (الله) فاعل، لكن الأولى أن يقال: الاسم الكريم أو لفظ الجلالة، حتى لا يقع الشيء على نفس ذات الله عز وجل بل على الاسم، وهو فاعل و﴿الرُّسُلَ﴾ مفعول به ﴿فَيَقُولُ﴾ معطوفة على ﴿يَجْمَعُ﴾؛ ولهذا صارت مرفوعة.

﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ يحتمل أن تكون ﴿مَاذَا﴾ كلمة واحدة على أنها استفهام، ويحتمل أن تكون (ما) اسم استفهام، و(ذا) بمعنى الذي، كما قال ابن مالك رحمه الله في الألفية:

وَمِثْلُ (مَا) (ذَا) بَعْدَ (مَا) اسْتِفْهَامِ ∗∗∗ أَوْ (مَنْ) إِذَا لَمْ تُلْغَ فِيالْكَلَامِ

فإذا قلنا: إن ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ ﴿مَاذَا﴾ جميعًا صارت اسم استفهام، وإذا قلنا (ما) اسم استفهام، و(ذا) بمعنى الذي، صارت (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسم موصول خبر المبتدأ. و﴿أُجِبْتُمْ﴾ مبني لما لم يُسمّ فاعله، ويقال: مبني للمفعول، ويقال: مبني للمجهول، ويقال: مبني لما لم يُسمّ فاعله، والأخير هو الأولى؛ لأنه قد يُبنى على هذه الصيغة وفاعله معروف، لكنه لم يُسمّ مثل قول الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] لا يمكن أن تقول: ﴿خُلِقَ﴾ فعل ماضٍ مبني للمجهول، لماذا؟ لأن الخالق معروف، ولهذا عبَّر ابن مالك في الألفية، بقوله: ما لم يُسمَّ فاعله، وهذا أحسن.

وقوله: ﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾ هذه جواب قوله: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾.

وقوله: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ هذه ﴿لَا﴾ نافية للجنس، وهي تعمل عمل (إن)، لكن اسمها يكون مبنيًّا معها إذا كان مفردًا، والمفرد في باب (لا) النافية للجنس ما ليس مضافًا ولا شبيهًا بالمضاف، وعلى هذا فيكون (العلم) مبني على الفتح في محل نصب و﴿لَنَا﴾ جار ومجرور خبرها.

﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ جملة استئنافية تبين أنهم وكلوا العلم إلى عالم عز وجل، وهو الله تبارك وتعالى، ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ جمع (غيب)، و(إن) تنصب الاسم وترفع الخبر والكاف اسمها، و﴿عَلَّامُ﴾ خبرها وهو مضاف إلى ﴿الْغُيُوبِ﴾.

أما معنى الآية، وقبل أن نبدأ بمعناها هل هذا مناسب ولا غير مناسب؟

* طلبة: مناسب.

* الشيخ: نعم، مناسب للكبار والصغار، كذا؟ الصغار ما يحتاج مناسبة، لكن ميدانه الكبار، أظن -إن شاء الله- مناسبًا ما دام إحنا ما بنسأل فيضيع علينا الوقت، إنما نُعرب ويكون المعنى إن شاء الله جيدًا.

قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ يعني اذكر هذا اليوم العظيم ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ وذلك في يوم القيامة، يجمعهم على أي كيفية؟ وفي أي وقت؟ هل هو في أول يوم القيامة أو في آخره أم ماذا؟

يجب علينا في مثل هذه المسائل الغيبية أن نقف حيث وقف النص؛ لأنه ليس للعقل في هذا مدخل، لا ندري أيكون أول ما يبعث الناس أو في أثناء اليوم أو في آخر اليوم، علينا أن نذكر هذا الجمع.

وقوله: ﴿الرُّسُلَ﴾ جمع (رسول) فيشمل الرسل من أولهم إلى آخرهم، وأولهم نوح، وآخرهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ يعني ماذا أجابكم الذين أرسلناكم إليهم؟ بماذا أجابوا؟ وهذا كقوله في المرسَل إليهم: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص ٦٥].

وعلى هذا فيكون الله عز وجل يسأل الرسل، ويسأل المرسَل إليهم، قال الله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف ٦]؛ سؤال الذين أُرسل إليهم أن يقال لهم: ماذا أَجبتم المرسلين؟ وسؤال المرسلين أن يقال: ماذا أُجبتم؟ وهذا السؤال هل هو للاستعلام؟

الجواب: لا؛ لأن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.

هل هو للتوبيخ؟ أي: توبيخ المرسَل إليهم، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير ٨، ٩]؟ الموؤودة ما لها ذنب وتُسأل بأي ذنب قُتلت، توبيخًا لمن؟ توبيخًا لقاتليها، ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ المقصود به توبيخ المرسَل إليهم، وهذا لا شك أنه الصواب، أما الاستعلام فغير وارد.

وقولهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ لا شك أن الإنسان يُشكل عليه هذا النفي، وهو نفي مطلق عام؛ لأنه بلا النافية للجنس، فكيف لا يكون عند المرسلين علم؟

الجواب على هذا من وجوه:

إما أن يقال: لا علم لنا بما حدث بعدنا، كقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الواردين على الحوض حين يردون فيزادون عنه فيقول: «أَصْحَابِي». فَيُقَالُ: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٦٢٥)، ومسلم ( ٢٨٦٠/ ٥٨) من حديث ابن عباس.]]. فيكون ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ أي فيما أيش؟ فيما حدث بعدنا، وهذا حق لا علم لهم، هذا وجه.

وجه آخر ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ فيما في بواطن الذين أجابوا؛ لأن مِن الذين أجابوا للرسل مَن كانوا منافقين لا تعلم الرسل ما في قلوبهم، وهذا أيضًا وجه قوي، فإن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يعلمون ما في قلوب الذين يُظهرون اتباعًا، قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد ٣٠] والمعرفة بلحن القول مبنية على قرينة ما هي على شيء محسوس مقطوع به، هذا وجه.

الوجه الثالث: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ وأنت تعلم ماذا أُجِبنا؛ لأنك علام الغيوب، وهذا وإن كان له وجه لكنه ليس بذاك القوي، فأحسن ما يقال: إنه لا علم لنا بما حدث بعدنا، أو لا علم لنا فيما في بواطن الأمور.

فيه احتمال رابع أنهم قالوا: لا علم لنا تأدبًا مع الله عز وجل، كما يقول التلميذ لأستاذه: ليس عندي علم، تأدبًا معه وإن كان عنده علم، وكأنّ ابن جرير رحمه الله يميل إلى هذا القول؛ إلى أن معنى أنهم يقولون: لا علم لنا، تأدبًا مع الله عز وجل؛ لأنهم يعلمون أن الله لم يسألهم استعلامًا؛ لأنه عالم.

وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ﴿أَنْتَ﴾ هنا هل نقول: إنها توكيد للكاف في ﴿إِنَّكَ﴾؟ أو نقول: هي ضمير فصل لا محل له من الإعراب؟ أو نقول: إنها مبتدأ وخبره ﴿عَلَّامُ﴾؟

كل هذا محتمل، وأوجه الإعراب كثيرة، ولهذا يقولون: إن حُجج النحويين نَافِقَاءُ اليَرابِيع.

تعرفون اليَرابيع؟ وتعرفون النافقاء؟

النافقاء جحر اليربوع، واليربوع ذكي يحفر له جحرًا في الأرض ويمضي فيه، ثم يحفر في آخره إلى فوق، حتى إذا لم يبقَ إلا قشرة رقيقة خلاها تبقى، فإذا سَدَّ عليه أحد الباب، وإذا النافقاء يَسهل الخروج منها، فيخرج من النافقاء، فيقولون: إن النحويين كلما حجرتهم من جهة وقلت: هذا ما يصلح، أتوا بوجه آخر، ولو كان الاحتمال بعيدًا، ولذلك لا يُغلب النحوي القوي في النحو أبدًا، ما يُغلب، لم يستطيعوا.. كلما أتيت عليه بحجة أتى لك بما يُسوّغ قوله، فنقول: كلمة ﴿أَنْتَ﴾ إما تكون ضمير الفصل، أو توكيدًا للكاف، أو مبتدأ.

وقوله: ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ هذه نسبة ومبالغة في الواقع؛ يعني أنه -سبحانه وتعالى- علام الغيوب؛ بمعنى أنه ذو علم بالغ في الغيوب، و﴿الْغُيُوبِ﴾ جمع (غيب)، وهو ما يختفي على الخلق، فالله جل وعلا علام الغيوب، ما من غائبة في السماء والأرض إلّا في كتاب مبين يعلم حتى ما لم يكن كيف يكون، ليس يعلم الموجود، لكن الغائب عن الخلق، بل يعلم ما لم يكن كيف يكون عز وجل.

* في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أنه يجب على الإنسان أن يتذكر هذا اليوم العظيم لينظر ماذا أجاب به الرسل وهو يوم القيامة فيه يُجمع الرسل ويُسألون.

* ومنها: تمام قدرة الله تبارك وتعالى، وذلك بجمعه الرسل في ذلك الموقف العظيم الذي يختلط فيه الآدميون والوحوش والسباع والإبل وغيرها، فيجمع الله الرسول سبحانه وتعالى بقدرته وإذنه.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الرسل عليهم الصلاة والسلام، حيث إن الله سبحانه وتعالى يعتني بهم هذا الاعتناء؛ حتى إنه يسألهم يوم القيامة في هذا المشهد العظيم: ماذا أُجيبوا؟ تكريمًا لهم وإظهارًا لإبلاغهم الرسالة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات القول لله عز وجل؛ لقوله: ﴿فَيَقُولُ﴾. وإثبات القول لله قد امتلأ به القرآن وامتلأت به السنة، وصار إثبات القول لله من الأمور القطعية اليقينية؛ أن الله سبحانه وتعالى يقول.

* ومن فوائدها: أنه يقول بحرف وصوت، وجه الدلالة أن مقول القول هو قوله: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ وهذه حروف، وجه الدلالة على الصوت أنه يخاطب الرسل فلا بد أن يكون الخطاب مسموعًا لهم، وإلا لم يكن له فائدة، وهذا الذي قررناه في إثبات القول لله عز وجل، وأنه بحرف وصوت هو الذي أجمع عليه أهل السنة أئمتهم ومقلّدوهم، ومن قال سوى ذلك فهو مبتدع ضال، من قال: إن الله لا يُوصف بالقول، وإن الذي يضاف إليه من أقوال عبارة عن أصوات مخلوقة؛ خلقها الله عز وجل لتعبر عما في نفسه، فهذا القول من أبطل الأقوال، وقد أبطله شيخ الإسلام رحمه الله في رسالة تسمى التسعينية من تسعين وجهًا رحمه الله، وهو جدير بالإبطال؛ لأنه متناقض وفاسد، والمشكِل أن هذا عليه كثير من الناس اليوم؛ لأنه مذهب الأشعرية السائد بين كثير من الأمة الإسلامية مع أنه باطل، ولا يمكن أن يصدقه من كان على الفطرة السليمة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تأدُّب الرسل عليهم الصلاة والسلام مع الله عز وجل، حيث قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ هذا وجه.

الوجه الثاني: أنهم عرفوا قدر أنفسهم؛ وأنهم لا يعلمون الغيب.

الوجه الثالث: أنهم علموا أن الأمم بعدهم لا يعلمون عنها شيئًا حسب الاحتمالات التي ذكرناها في وجه قوله: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات علم الغيب لله عز وجل؛ لقول الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهذا القول إجماع منهم ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ يعني لا غيرك، فمن ادعى علم الغيب فهو كافر؛ لأنه مكذّب للقرآن الكريم ولما أجمع عليه المسلمون، من قال: إنه سيحدث في يوم كذا، كذا وكذا، فهو كاذب، وهو كافر، والكهنة يخبرون عن مغيبات المستقبل، لكنهم لهم أناس من الجن يستمعون الوحي، ويسترقونه، ويلقونه إلى الكاهن، ويضيف الكاهن إليه كذبات كثيرة، ويصدق بكلمة واحدة، وهذا لا ينافي القول بأن الله علام الغيوب وحده؛ لأن الله تعالى قال في هؤلاء الذين يسترقون السمع قال: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ [الحجر ١٨] فاستثنى الله عز وجل، قال: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English