Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском
Аль-Анам 6:12–15
6:12Страница 129
قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٢
Скажи: «Кому принадлежит то, что на небесах и на земле?». Скажи: «Аллаху! Он предписал Себе милосердие. Он непременно соберет вас вместе в День воскресения, в котором нет сомнения. Те, которые потеряли самих себя, никогда не уверуют».
ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام ١٢]، اسأل هؤلاء المكذِّبين المنكِرين لتوحيد الألوهية: ﴿لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ألزيد، أو لعمرٍو، أو لفلان أو لفلان؟
ثم أمره تبارك وتعالى، أمر نبيه ﷺ أن يجيب عن هذا السؤال بنفسه، فقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾، وهنا نقول: هل الجواب من الله أو من الرسول؟ الجواب: من الرسول بأمر الله، وعلى هذا يكون الجواب جواب الله عز وجل؛ لأن الله أمر الرسول أن يقول هكذا: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾.
﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام ١٢]، ﴿كَتَبَ﴾ بمعنى أوجب؛ لأن الكتابة بمعنى الإيجاب، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ١٨٣]، ﴿كُتِبَ﴾ بمعنى أيش؟ فُرِض وأُوجِب، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣ ] أي فريضة مؤقتة.
﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾ أي: على ذاته، ونفس الله هي ذاته، وليست صفة، بل هي الذات، قال الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران ٢٨]، ليس المعنى: يحذركم صفة هي نفسه، بل المعنى: يحذركم الله إياه، أي: ذات الله عز وجل، فليست صفة، بل هي الذات، ومعنى يحذركم نفسه، أي: يحذركم الله من عقابه؛ لأنه جل وعلا أمرنا أن نعلم علمًا مهمًّا فقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٩٨]، فأمرنا أن نعلم هذا العلم المهم الذي فيه الترغيب والترهيب، الترهيب في أي جملة؟
* طالب: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، هذا التحذير.
* الشيخ: هذا التحذير، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هذا الترغيب، فأمرنا سبحانه وتعالى أن نعلم عن أفعاله وصفاته تحذيرًا وترغيبًا، هنا قال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾؛ لأن المقام مقام تهديد وعقوبة، يخاطب المشركين المكذِّبين.
وقوله: ﴿الرَّحْمَةَ﴾ يعني أن يرحم عباده عز وجل، فرض هذا على نفسه، ولهذا جاء في الحديث الصحيح القدسي: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٢٢)، ومسلم (٢٧٥١ / ١٤) من حديث أبي هريرة. ]]، رحمة الله بالعباد فرضها الله على نفسه، لسنا الذين فرضناها عليه، بل هو فرضها على نفسه.
فإن قال قائل: إننا نجد من الناس من أصابه البؤس والبلاء، وفقد المال، وفقد الأولاد، وهو في غاية البؤس، أين الرحمة؟
فالجواب: كل ما أصاب الإنسان من شيء من بلاء وهو مؤمن فإنه أيش؟ رحمة؛ لأنه إذا صبر أُثِيبَ ثواب الصابرين، وإذا احتسب أُثِيبَ ثواب الشاكرين، فهو خير له، وكم من أناس لو أنهم رُزِقُوا صحة ومالًا وأولادًا لبطروا وأفسدهم الغنى، وكم من أناس بالعكس.
كل شيء يصيب المؤمن -والحمد لله- فهو رحمة وكفَّارة، حتى لو أن الإنسان فزع من شيء قابله كُتِبَ له بذلك أجر -اللهم لك الحمد- حتى جاء في الحديث: لو أن إنسانًا فقد شيئًا في جيبه مثلًا ثم فزع، خاف أن يكون ضاع مثلًا، فله أجر[[أخرجه الترمذي (٢٩٩١) من حديث عائشة، ولفظه: «حَتَّى يَضَعَهَا فِي كُمِّ قَمِيصِهِ فَيَفْقِدُهَا فَيَفْزَعُ لَهَا، حَتَّى إِنَّ الْعَبْدَ لَيَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ كَمَا يَخْرُجُ التِّبْرُ الْأَحْمَرُ مِنَ الْكِيرِ». ]]، إلى هذا الحد!! إذن هذه رحمة، وما أحسن قول رابعة العدوية: إن حلاوة أجرها أَنْسَتْنِي مرارة صبرها.
والآلام، والبؤس، والتعب، والهم، والغم في الدنيا كله يزول، إما أن يزول إلى ضده، وإما أن يصل بصاحبه إلى الهلاك، ولا بد أن يزول، لكن الأجر باقٍ.
فإذا قال قائل: والكافر؟
فالجواب أن نقول: إن الكافر هو الذي فوَّت الرحمة على نفسه، مع أن لله عليه رحمة بما يسَّرَه له من الأكل والشرب والنكاح والمسكن، وما أشبه ذلك.
ثم قال عز وجل: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، صدق الله، ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ هذه أيضًا جملة مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات: القسم المقدَّر، واللام الواقعة في جواب القسم، ونون التوكيد، والتقدير: والله ليجمعنكم، الخطاب للخلق، ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ أيها الناس كلكم، كما قال عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩، ٥٠] الله أكبر، نُجْمَع مع آبائنا وأجدادنا وأجداد أجدادنا، إلى آدم، كل يُجْمَع، وكذلك ذرياتنا الأولون والآخرون مجموعون كلهم إلى يوم القيامة، لما شَبَّه المكذِّبون بالبعث بقولهم: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥]، قيل لهم: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الجاثية ٢٦] أنتم ما قيل لكم أنكم الآن تُبْعَثُون حتى تحتجوا، وتقولوا: هاتوا آباءنا، بل قيل لكم: أنكم مجموعون لأيش؟ ليوم القيامة لا ريب فيه.
وقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، يوم القيامة هو اليوم الآخِر، وسُمِّيَ بهذا؛ لأمور ثلاثة، هذا الذي علمناه، والله أعلم إن كان وراءه شيء، لأمور ثلاثة:
الأول: قيام الناس من قبورهم لرب العالمين، وهذا القيام قيام عظيم يا إخواننا، كل العالم بصيحة واحدة يحضرون كلهم لا يتخلف أحد، وهذا قيام عظيم جدًّا جدًّا، حتى الذي أكلته السباع، أحرقته النار، أغرقه الماء، لا بد أن يخرج.
وسُمِّي أيضًا قيامة لأنه يُقام فيه العدل، يُقتَصُّ حتى للشاة الْجَلْحَاء من الشاة القَرْنَاء[[أخرجه مسلم (٢٥٨٢ / ٦٠) من حديث أبي هريرة. ]]، هذه اثنان.
الثالث: تُقَامُ فيه الأشهاد الذين يشهدون، هذه الأمة تشهد على الأمم السابقة، والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يكون شهيدًا على هذه الأمة، فلهذه الأمور الثلاثة سُمِّيَ يوم القيامة.
إذا قيل: ما هو الدليل؟
قلنا: أما الأول فدليله قول الله عز وجل: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين ٦].
وأما الثاني فقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء ٤٧] أي: لليوم الذي يُقَام فيه العدل.
وأما الثالث فقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١].
ثم قال عز وجل: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، هذا نفي يراد به تأكيد الإثبات السابق، ما هو الإثبات؟ ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾، أي: جمعًا مؤكَّدًا لا ريب فيه، والنفي هنا ليس نفيًا محضًا، بل لبيان كمال الإثبات أنه أمر لا ريب فيه، وعلى هذا التقرير يكون النفي على بابه.
وقيل: إن النفي بمعنى النهي، أي: لا ترتابوا فيه، والأول أبلغ؛ لأنه إذا قيل: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، فإذا ارتاب إنسان فلِخَلَلٍ في عقله؛ لأن ما نُفِيَ فيه الريب مطلقًا لا يمكن أن يرتاب فيه عاقل، فجعلها للنفي على بابها أبلغ وأولى.
ثم قال عز وجل: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ مبتدأ، والخبر قد يكون محذوفًا، التقدير: الذين خسروا أنفسهم خاسرون، كما قال عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ من؟ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [ الزمر ١٥ ]، فيكون المعنى: الذين خسروا أنفسهم هم الخاسرون حقًّا.
﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ توكيد أو بيان للسبب الذي كان به الخسران، ويحتمل أن تكون جملة ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ خبر المبتدأ، وقُرِنَت بالفاء لأن (الذين) اسم موصول وهو مفيد للعموم، والاسم الموصول يشبه الشرط في عمومه، فكان اقتران الفاء في خبره.
* في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أن جميع من في السماوات والأرض لله عز وجل، الدليل: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾.
فإن قال قائل: كيف أخذتم العموم مع أن (من) للعاقل، و(ما) لغير العاقل؟
فالجواب: أن هذين الاسمين يتناوبان، بمعنى أن أحدهما يقع مكان الآخر، الدليل قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الجمعة ١]، وفي آية أخرى: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [النور ٤١]، وهذا يدل على أن (مَن) و(ما) يتناوبان، وإن كان الأكثر استعمالًا أن (ما) في غير العاقل، و(مَن) في العاقل، وعليه فنقول: (مَن) هنا تشمل العاقل وغير العاقل، أو نقول: (مَن) للعاقل، لكن عُبِّر به أي بالعاقل؛ لأنه إذا كان الله تعالى يملك العاقل وهو مختار مريد، فغيره من باب أولى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات السماوات والأرض، وهذا متكرر كثيرًا علينا، وتعلمون أن السماوات سبع والأرضين سبع.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أننا متى آمنا بهذا، وأن مَن في السماوات والأرض لله، فإننا لن نلجأ إلا لله، ولن نخاف إلا من الله عز وجل؛ لأنه مالك من في السماوات والأرض، وليتنا نتوكل على الله حق توكله، لو توكلنا على الله حق توكله لكان الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا»[[أخرجه الترمذي (٢٣٤٤)، وابن ماجه (٤١٦٤) من حديث عمر بن الخطاب. ]]، «تَغْدُو خِمَاصًا» أي: تطير في أول النهار وهي جائعة، وترجع في آخر النهار وهي ممتلئة البطون، سبحان الله!
وهذا شيء مشاهَد، تجد الطيور في أول الصباح تطير في الجو، وقد أعطاها الله تعالى قوة النظر -من رحمة الله عز وجل- تنظر للحَبِّ وهي في جو السماء، فتنزل عليه، وتنظر للحبة الصغيرة التي لا يدركها الإنسان إلا بمشقة، وهي تنظرها بسهولة، تجد أنها تأخذ الحبة الصغيرة جدًّا في وسط القطيفة المفروشة من بين الخمل اللي فيها، لكن الله عز وجل أعطاها قوة بصر حتى تعيش.
المهم أنك متى علمت أن من في السماوات والأرض لله فعلى من تتوكل؟ ومن تخاف؟ ومن ترجو؟ الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواب إجابة السائل نفسه إذا كان الأمر واضحًا؛ لقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾، مع أنه أمره أن يسأل، ثم أمره أن يجيب، فإذا كان الأمر واضحًا لا نزاع فيه فأَجِب أنت؛ لأن المسؤول قد يمنعه من الإجابة استكباره وكبرياؤه، فأَجِب أنت إذا كان الأمر واضحًا لا نزاع فيه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لله تعالى أن يكتب على نفسه ما شاء؛ لقوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾.
فإذا قال قائل: كيف يكون الشيء لازمًا على الله؟
فالجواب: أن الله ألزم نفسه به، وله أن يفعل ما شاء، نحن لا نلزم الله بشيء، لكن الله له أن يلزم نفسه بشيء، فكتابة الله على نفسه الرحمة لا تنافي كماله، بل هي من كماله عز وجل أن يفرض على نفسه الرحمة، لكن نحن ليس لنا على الله حق إلا ما أوجبه على نفسه، قال ابن القيم رحمه الله في النونية:
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ ∗∗∗ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَالشَّانِ
هو أوجب، ما هو نحن..
إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ ... ∗∗∗ ...................
لأن الذنب ذنبهم..
.............. أَوْ نُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَالْفَضْلُ لِلْمَنَّانِ
سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله يُعَبِّر عنه بالنفس؛ لقوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، ولها نظائر، قال الله عز وجل: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران ٢٨]، وقال عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة ١١٦].
وليست نفس الله كنفس الإنسان، الإنسان يطلِق على نفسه نفس، وله نفس، قال الله عز وجل: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر ٤٢]، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران ١٨٥].
فهنا: ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ يعني الروح اللي في البدن وليس الجسم؛ لأنه عند الموت الجسم ما يُقْبَض، الجسم في الأرض ويتوارى، الذي يُقْبَض هو الروح، فالإنسان له نفس وهي الروح، ويعبِّر عن ذاته بالنفس، فيقول: كلمتك بنفسي، وتقول: جاء الرجل نفسه، أما الله عز وجل فليس له نفس، بل هو نفسه، هو ذاته عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات البعث؛ لقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
* ومن فوائدها: تأكيد الشيء بالقسم وغيره من المؤكِّدات إذا دعت الحاجة إليه، متى تدعو الحاجة؟ تدعو الحاجة في مواطن، منها: إذا كان المخاطَب منكِرًا، فهنا يجب -حسب البلاغة- أن يؤكَّد الكلام، ومنها: إذا كان الأمر بعيدًا يُسْتَغْرَب، فإنه يؤكَّد، لكن ليس كالأول، الأول يؤكَّد وجوبًا، وهذا يؤكَّد..؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا ما هو جوازًا، نقول: استحبابًا، يعني توكيده أحسن من عدمه، ونقول: استحسانًا، كلما دعت الحاجة إلى توكيد الكلام أَكِّد، ولا يعد هذا تطويلًا ولا إخلالًا بالبلاغة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في جمع الأولين والآخرين حتى يكون هذا اليوم يومًا مشهودًا، كما قال عز وجل: ﴿يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣]: يشهده الأوَّلون والآخِرون، نحن نشهد هابيل وقابيل، ونشهد آخر واحد من هذه الأمة، كل العالم مشهود، بل كل شيء مشهود، الجن، البهائم، الوحوش، كل شيء، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ فوق الأرض، ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام ٣٨]، كل شيء، لو تصور الإنسان هذا اليوم لرأى مشهدًا عظيمًا ما يستطيع أن يدركه الآن، لكن نفهم معناه ولا ندرك حقيقته، حقيقته أبلغ مما نتصوره، اللهم اجعله علينا يسيرًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تسمية يوم البعث بيوم القيامة؛ للوجوه التي سمعتموها في التفسير.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا ريب في هذا اليوم شرعًا وعقلًا؛ شرعًا: لأن الله أخبر به، وأكَّده، وضرب له الأمثال.
وعقلًا: لأنه ليس من المعقول أن الله تعالى يوجِد هذه الخليقة، ويأمرها وينهاها، ويرسل إليها الرسل، وتُسْتَبَاح الأنفس، والأموال، والذرية، في القتال في سبيل الله، ثم تكون النتيجة أن الأرض تبلعهم فقط، هذا ينافي الحكمة، فالعقل يوجِب أن يكون هناك بعث، حتى وإن لم يكن نصٌّ، فكيف والنصوص كثيرة كثيرة.
ومن رحمة الله عز وجل -وله الحمد، والفضل، والمِنَّة- أنه يُكْثِر من إثبات يوم القيامة، ويضرب له الأمثال؛ لأن الإيمان باليوم الآخر هو الذي يحمل الإنسان حقيقةً على الإيمان؛ إذ لولا اعتقاد المؤمن أنه سيُبْعَث ويجازَى، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، ما عمل أبدًا، ولصارت الأمة موطنًا للسلب والنهب والأخذ والعدوان.
* من فوائد هذه الآية: أن هؤلاء المكذِّبين خسروا أنفسهم، يعني كأن لم يوجَدوا على الأرض؛ لأنهم لم يستفيدوا من حياتهم، ولذلك لما لم يستفيدوا من حياة الدنيا لم يستفيدوا من حياة الآخرة، فكانوا مخلَّدين في نار جهنم، والعياذ بالله.
* ومن فوائد الآية: أنه من الفصاحة أن يُذْكَر السبب بعد الْمُسَبَّب، إذا جعلنا جملة: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ خبرًا، وجه ذلك أن سبب خسرانهم هو عدم الإيمان، فأُخِّر السبب وقُدِّم المسبَّب، هذا إذا جعلنا ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ خبرًا لقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، أما إذا جعلناها جملة مستقلة فلا تتأتى هذه الفائدة؛ لأنها على الترتيب.
6:13Страница 129
۞ وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِي ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٣
Ему принадлежит все, что покоится днем и ночью, и Он - Слышащий, Знающий.
ثم قال عز وجل: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الأنعام ١٣]، ﴿لَهُ﴾ الضمير يعود على الله عز وجل.
﴿مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، ﴿سَكَنَ﴾ يصح أن تكون من السُّكْنَى، ويصح أن تكون من السُّكُون الذي هو ضد الحركة، فإن كان من السُّكون بقي أن يقال: وأين المتحرك؟ لأن الأشياء إما ساكن وإما متحرك، وهنا قال: ﴿لَهُ مَا سَكَنَ﴾؟
والجواب عن هذا الإشكال أن يقال: إن هذا من باب الاستغناء بذكر أحد الضدين عن الآخر، ونظيره قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل ٨١]، السرابيل تقي الحر والبرد، لكن ذكر الحر والبأس؛ لأن اللباسين متفقان، هذا يُلْبَس عند حرارة الجو، والثاني يُلْبَس عند حرارة القتال، فقال: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾، المهم أنه استغنى بذكر الحر عن ذكر البرد.
أما إذا جعلناها من السكنى ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ﴾، فالمعنى: أن له كل شيء؛ لأن كل المخلوقات ساكنة في مقارِّها.
إذا كانت الآية صالحة لها، أو إذا كان اللفظ صالحًا لهذا وهذا، فهل نستعمله في المعنيين؟ نعم، بشرط ألا يقع بينهما منافاة، فإن وقع بينهما منافاة أُخِذَ بما يُرَجِّحه الدليل.
﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، تأمل قوله: ﴿فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ تجد أنه عامٌّ في الزمن، والتي قبلها: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ عامٌّ في المكان، فذكر الله تبارك وتعالى عموم المكان وعموم الزمن؛ عموم المكان في قوله: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾، وعموم الزمان: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾.
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ذَكَر السمع لكل صوت، والعليم بكل حال.
ولا بأس أن نعيد أقسام السمع التي وصف الله بها نفسه، وهو أولًا قسمان: سمع إجابة، وسمع صوت؛ سمع إجابة في مثل قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]، هذا يشمل سمع الإجابة، وسمع الصوت، ومنه قول المصلِّي: سمع الله لمن حمده.
سمع الصوت أقسام أو أنواع -إن شئت قل: أنواع؛ لأنك ذكرت الأول أقسامًا، فاذكر الثاني أنواعًا- النوع الأول: المقصود به التأييد والنصر، والثاني: المراد به التهديد، والثالث: المراد به الإحاطة.
مثال الأول الذي يُقصَد به التأييد قول الله تبارك وتعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦].
ومثال الثاني المراد به التهديد قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾ [الزخرف ٨٠].
ومثال الثالث قول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة ١].
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ في ﴿سَكَنَ﴾ معنيان:
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، والثاني؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، من السكون، وهل المعنيان يتنافيان؟
* طالب: لا يتنافيان.
* الشيخ: إذن تكون الآية دالة على المعنيين.
قوله: ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ المراد بالسمع هنا سمع الإجابة وليس سمع الصوت؟
* طالب: يدخل سمع الصوت.
* الشيخ: إذن يراد بها المعنيان جميعًا، ما تقول في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، من أي النوعين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، سمع الصوت والإجابة؛ لأنه يسمعهم ثم يجيبهم.
هل لديك دليل على أن السمع يأتي بمعنى الإجابة أو الاستجابة؟ دليل من القرآن.
* طالب: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.
* الشيخ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]، هذا نص صريح، ﴿سَمِعْنَا﴾ يعني الإدراك بالصوت، ذاك الصوت.
﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ أي: لا يستجيبون، وإلا فهم يسمعون بآذانهم.
* من فوائد هذه الآية الكريمة العظيمة ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ﴾: اختصاص الله تبارك وتعالى بملك كل شيء، وجه الاختصاص؟ تقديم الخبر ﴿وَلَهُ﴾؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر؛ ولهذا قلنا: إن قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥] توحيد خالص، بمعنى: لا نعبد إلا إياك، وكذلك نقول في: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السكون والحركة بيد الله عز وجل؛ لأن مالك من يسكن ويتحرك مالك للحركة والسكون، فيكون في هذا دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وهذا هو مذهب السلف وأهل السنة، وهو وسط بين مذهبي الجبرية والقدرية.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات هذين الاسمين: السميع والعليم، وإثبات ما تضمناه من صفة؛ صفة السمع في ﴿السَّمِيعُ﴾، والعلم في ﴿الْعَلِيمُ﴾.
6:14Страница 129
قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّٗا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَهُوَ يُطۡعِمُ وَلَا يُطۡعَمُۗ قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَسۡلَمَۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٤
Скажи: «Неужели я возьму своим покровителем кого-либо, кроме Аллаха, Творца небес и земли? Он кормит, а Его не кормят». Скажи: «Мне велено быть первым из тех, кто покорился». Не будь же в числе многобожников.
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤]، ﴿أَتَّخِذُ﴾ هذه تنصب مفعولين؛ المفعول الأول (غير) مقدَّمًا، والثاني ﴿وَلِيًّا﴾، ولو أردنا أن نرتب حسب العمل لكانت الآية: قل أتخذ غير الله وليًّا، المهم أن الله أمر نبيه ﷺ أن يقول مُعْلِنًا: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ أستنصر به ويتولى أمري وأتولى شرعه؟ والاستفهام هنا للنفي.
﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خالقهما على غير مثال سبق.
و﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقدم الكلام عليها مرارًا.
﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ هو الله عز وجل، ﴿يُطْعِمُ﴾، ما من طاعم يطعم إلا والله الذي أطعمه، أطعمه: يسَّر له الطعام، ولولا ذلك ما وصل إليه الطعام.
قال الله عز وجل مبينًا هذا: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة ٦٣، ٦٤]، الجواب: بل أنت يا ربنا، ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٥ - ٦٧]، ولو جعله الله حطامًا ما طعمناه.
ثم: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة ٦٨، ٦٩] الجواب: بل أنت يا ربنا، هذا الطعام وهذا الشراب، الزرع: الطعام، والماء: الشراب.
ثم ما يصلح به الطعام والشراب وهو الطبخ والطهي الذي يكون بالنار، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة ٧١، ٧٢].
إذن الذي يُطْعِم هو الله عز وجل، ثم لو شاء الله تعالى ما طعِمْنَا حتى لو وُجِدَ الطعام، لو شاء الله لم يخلق لنا أفواهًا ولا أمعاء ولا معدات فلا نطعم.
إذن ﴿يُطْعِمُ﴾ أي: يوجِد الطعام من مأكول ومشروب، وما يصلح به الطعام والشراب، وكذلك يوجِد الآلات في بني آدم التي تقبل الطعام وتنتفع به.
ذكر بعض أهل العلم -رحمهم الله- أنه لن يصل إليك الطعام إلا بعد أن يعمل به أكثر من ثلاث مئة واحد؛ لأنك تبدأ من الحرث، والسقي، وتصريف الماء، وغير ذلك، والشراء، والطحن، والعجن، تجد أشياء كثيرة لا يصل إليك الطعام إلا بعد أن يتجاوز هذه الأشياء.
﴿وَلَا يُطْعَمُ﴾ أو: ولا يَطْعَم؟ اللي عندنا ﴿وَلَا يُطْعَمُ﴾، إذن غيره محتاج إليه، وهو لا يحتاج لأحد، فهو ﴿لَا يُطْعَمُ﴾؛ لغناه عن كل أحد، ثم هو جل وعلا لا يَطْعَم؛ لأنه أحد صمد، ولو طعم لكان محتاجًا للطعام، وهذا مستحيل على الله عز وجل.
﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ﴾، إعلان آخر، ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾، فالأمر الأول لتحقيق توحيد الربوبية، والثاني لتحقيق توحيد العبادة.
﴿قُلْ﴾ أي: للناس معلِنًا، ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾، ﴿أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ من هذه الأمة، لا من جميع الأمم، ومعنى ﴿أَسْلَمَ﴾ هنا أي: استسلم لله ظاهرًا وباطنًا؛ لأن الإسلام يطلَق على هذا، وإذا كان الإسلام بمعنى هذا دخل فيه الإيمان.
﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، قوله: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ﴾ معطوفة على ﴿قُلْ﴾، يعني: قل هذا ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، بل أَخْلِص العبادة والإسلام لله عز وجل.
* في هذه الآية الكريمة: أمر النبي ﷺ أن يعلن أنه لن يتخذ وليًّا من دون الله، وهذا واجب عليه أو لا؟ نعم، واجب عليه أن يعلن؛ لأنه رسول إمام مقتدًى به، فلا بد أن يعلِن تحقيق الربوبية.
* ومن فوائدها: ألا يلجأ العبد إلا إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله هو الولي، ثم ولاية الله عز وجل ولاية مبنية على الحمد، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى ٢٨].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله وحده خالق السماوات والأرض على غير مثال؛ يعني أنه سبحانه وتعالى لم يخلق سماوات وأرضين قبل ثم أعادها مرة أخرى، بل هي على ما هي عليه.
* ومن فوائد الآية: تمام قدرة الله تبارك وتعالى؛ حيث فطر السماوات والأرض، وبقيت السماوات والأرض على حسب ما أراد الله تبارك وتعالى: ﴿الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس ٣٨] ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس ٣٩] لم تختلف.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الله تبارك وتعالى هو الْمُطْعِم لا مُطْعِمَ سواه.
* وينبني على هذه الفائدة: ألا نسأل الإطعام إلا من الله تبارك وتعالى، ولو أننا -ونستغفر الله ونتوب إليه- لو أننا تمسَّكنا بهذا مع التوكل على الله والاستعانة به لكان رزقنا مضمونًا؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق ٢، ٣]، لكن غلبت علينا الأمور المادية الحسية، فصار الإنسان -مع الأسف- يعتمد على الأسباب أكثر مما يعتمد على المسبِّب عز وجل.
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا»، أي: تذهب في أول النهار جائعة، «وَتَرُوحُ بِطَانًا»[[أخرجه الترمذي (٢٣٤٤)، وابن ماجه (٤١٦٤) من حديث عمر بن الخطاب. ]] : ترجع في آخر النهار.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى لا يُطْعِمُه أحد؛ لعدم حاجته إلى الطعام، وعدم حاجته إلى غيره، فهو ﴿لَا يُطْعَمُ﴾؛ لأنه لا يحتاج للطعام، ﴿وَلَا يُطْعَمُ﴾ أيضًا يعني: لا يحتاج إلى غيره، فهو غني عن كل من سواه، وكل من سواه مفتقر إليه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب إعلان النبي ﷺ عن نفسه أنه أول من أسلم؛ لقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ [الأنعام ١٤]، يعني من هذه الأمة، وهذا هو الذي صار.
* ومن فوائد الآية: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم محتاج إلى الإسلام، وليس له حق في الربوبية، كما صرح بذلك هو عليه الصلاة والسلام، حيث دعا عشيرته الأقربين، وجعل يناديهم بأسمائهم: يا فلان ابن فلان، إلى أن وصل إلى بنته فاطمة فقال: «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٥٣)، ومسلم (٢٠٦ / ٣٥١) من حديث أبي هريرة. ]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: صحة النهي عما لا يمكن أن يقع؛ لقوله: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، فشرك النبي ﷺ لا يمكن أن يقع شرعًا، ومع ذلك نهى عنه.
إذا قال قائل: ما هي الحكمة مع أنه لا يمكن أن يقع؟
قلنا: الحكمة فيما نعلمه وجهان:
الوجه الأول: دعوته إلى الثبات على الإخلاص حتى لا يشرك في المستقبل.
والثاني: تطمين أمته إذا نُهُوا عن الشرك أن ذلك ليس بمستنكَر، وليس به بأس؛ لأنه أمر إمامهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ألا يكون من المشركين.
هل يؤخذ من هذا أننا نقول للشخص: أنت مشرك، إذا فعل ما يكون شركًا؟ يمكن أن نقول هذا، وهو على حسب الحال، إن كنا نظن أنَّا إذا قلنا: أنت مشرك، أخذته حمية الجاهلية واستكبر واستنكر، فإننا لا نخاطبه بهذا الأسلوب، وإن كان نعلم أنه ممن يتقي الله، وأننا إذا قلنا: هذا شرك، فإن فعلته فأنت مشرك، وإن قلته فأنت مشرك، أخذه خوف الله عز وجل، فأبعد عن ذلك إبعادًا كاملًا، فإننا لا بأس أن نقول: إنك مشرك، على حسب ما تقتضيه الحال.
6:15Страница 129
قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٥
Скажи: «Я боюсь, что если я ослушаюсь моего Господа, то меня постигнут мучения в Великий день».
ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام ١٥]، أيضًا أَعْلِن أنك إن عصيت الله فإنك ستُعَذَّب.
﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، ﴿عَذَابَ﴾ مفعول أيش؟ مفعول ﴿أَخَافُ﴾، ولّا ﴿عَصَيْتُ﴾؟ ﴿أَخَافُ﴾، يعني: إني أخاف عذاب يوم عظيم إن عصيت ربي، فما هو اليوم العظيم؟ اليوم العظيم يوم القيامة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج ١].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يعلن الجزاء يوم القيامة، وأنه يخافه إن عصى ربه.
* ومن فوائدها: أن المعصية سبب للعذاب، ولكن المعاصي على نوعين: معاصٍ لا يغفرها الله؛ وهي الشرك، ومعاصٍ تدخل تحت مشيئة الله؛ وهي الكبائر، وهناك معاصٍ أخرى تُكَفِّرها الأعمال الصالحة؛ وهي الصغائر، هذا فيما يتعلق بينك وبين الله عز وجل.
أما حقوق الآدميين فلا بد من إيصالهم حقَّهم؛ إما باستحلالٍ منه في الدنيا، وإما بأعمال صالحة تؤخَذ من أعمال هذا الظالم، وسبق لنا أن الإنسان إذا تاب من ذنب فيه جناية على غيره هل يسقط حق الغير أو لا، وذكرنا أن ظاهر النصوص أنه يسقط إذا كان غير مالٍ، كالذي يزني بامرأة كرهًا ثم يتوب، فإن الله يتوب عليه، ويُرضِي التي أُكْرِهت على الزنا، قال: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ [الأنعام ١٦].
قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام ١٥]، ﴿قُلْ﴾ أي: لهؤلاء وغيرهم، مُعْلِنًا هذا الكلام المهم.
وفي قوله ﴿إِنِّي﴾ قراءتان: ﴿إِنِّيَ﴾ ، و﴿إِنِّي﴾، وهما سبعيتان.
وقوله ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ مفعول ﴿أَخَافُ﴾، يعني: أخاف من عذاب هذا اليوم العظيم، وأظن أننا شرحنا هذا وفوائده.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии