Ибн УсейминАль‑Фаджр · 89:1–21

Ибн Усеймин · Тафсир · на арабском

الفجر

Аль-Фаджр

Заря · Мекканская · 30 аятов

89:1Страница 593

وَٱلۡفَجۡرِ ١

Клянусь зарею!

وكان من عادتنا أن نتكلم بما يسَّر الله سبحانه وتعالى من تفسير القرآن الكريم الذي ابتدأناه بسورة النبأ، وقد انتهينا إلى سورة الفجر، فنقول-وبالله نقول-: قال الله سبحانه وتعالى : ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر ١ - ٤] كل هذه إقسامات بـ﴿الْفَجْرِ﴾ و﴿لَيَالٍ عَشْرٍ﴾ و﴿الشَّفْعِ﴾ و﴿الْوَتْرِ﴾ و﴿اللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾، خمسة أشياء أقسم الله تعالى بها:

الأول: ﴿الْفَجْرِ﴾ والفجر هو النور الساطع الذي يكون في الأُفُق الشرقي قربَ طلوع الشمس، وبينه وبين طلوع الشمس ما بين ساعة واثنتين وثلاثين دقيقة إلى ساعة وسبع عشرة دقيقة، ويختلف باختلاف الفصول؛ يعني أحيانًا تطول الحصَّة ما بين الفجر وطلوع الشمس وأحيانًا تقصُر؛ حسب الفصول.

والفجر فجرانِ: فجرٌ صادقٌ، وفجرٌ كاذبٌ، والمقصود بالفجر هنا الفجرُ الصادقُ، والفرق بين الفجر الصادق والكاذب من ثلاثة وجوه:

الوجه الأول: الفجر الكاذب يكون مستطيلًا في السماء، ليس عرضًا ولكنه طولًا، وأمَّا الفجر الصادق فيكون عرضًا؛ يمتدُّ من الشمال إلى الجنوب.

الفرق الثاني: أن الفجر الصادق لا ظُلْمة بعده، بل يزداد الضياء حتى تطلع الشمس، وأمَّا الفجر الكاذب فإنه يكون بعده ظُلْمة، يحدث بعده ظُلْمة بعد أن يكون هذا الضياء، ولهذا سُمِّي كاذبًا لأنه يضمحلُّ ويزول.

والفرق الثالث: أن الفجر الصادق متصل بالأُفُق، أمَّا الفجر الكاذب فبينه وبين الأُفُق ظُلْمة.

هذه ثلاث فروقٍ آفاقية حِسِّيَّة يعرفها الناس إذا كانوا في البر، أمَّا في المدن فلا يعرفون ذلك؛ لأن الأنوار تحجب هذه العلامات.

وأَقْسَمَ الله بالفجر لأنه ابتداء النهار، وهو في الحقيقة انتقالٌ من ظُلْمةٍ دامسةٍ إلى فجرٍ ساطعٍ، وأقسمَ الله به لأنه لا يقدر على الإتيان بهذا الفجر إلا الله عز وجل؛ كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص ٧١].

وأَقْسَمَ الله بالفجر لأنه يترتَّب عليه أحكامٌ شرعيةٌ مثل إمساك الصائم؛ فإنه إذا طَلَعَ الفجرُ وَجَبَ على الصائم أن يُمسِك إذا كان صومه فرضًا أو نفلًا إذا أراد أن يتمَّ صومه، ويترتَّب عليه أيضًا دخولُ وقت صلاة الفجر، وهما حُكمانِ شرعيَّانِ عظيمانِ، أهمُّهما دخول وقت الصلاة؛ أي إنه يجب أن نراعي الفجر من أجْل دخول وقت الصلاة أكثر مما نراعيه من أجْل الإمساك في حال الصوم، لماذا؟ لأننا في الإمساك عن المفطرات في الصيام لو فرضنا أنَّنا أخطأنا فإنَّنا بنينا على أصل وهو بقاء الليل، لكن في الصلاة لو أخطأنا وصلينا قبل الفجر لم نكن بنينا على أصل؛ لأن الأصل بقاءُ الليل وعدمُ دخول وقت الصلاة، ولهذا لو أن الإنسان صلى الفجرَ قبل دخول وقت الصلاة بدقيقة واحدة فصلاتُه نَفْلٌ ولا تَبْرأ بها ذِمَّته، ومِن ثَمَّ ندعوكم أيُّها الإخوة إلى ملاحظة هذه المسألة -أعني العناية بدخول وقت صلاة الفجر- لأن كثيرًا من المؤذِّنين يؤذِّنون قبل الفجر، وهذا غلط؛ لأن الأذان قبل الوقت ليس بمشروع؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٨)، ومسلم (٦٧٤ / ٢٩٢)، من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه.]].

ومتى يكون حضور الصلاة؟ أسألكم.

* طلبة: بدخول الوقت.

* الشيخ: إذا دخل وقتُها، فلو أذَّن الإنسانُ قبل دخول وقت الصلاة فأذانُه غير صحيح، يجب عليه الإعادة، والعناية بدخول الفجر مهمة جدًّا من أجل مراعاة وقت الصلاة.

89:2Страница 593

وَلَيَالٍ عَشۡرٖ ٢

Клянусь десятью ночами!

وقوله تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ قيل: المراد بالليالي العشر عشرُ ذي الحجة، وأُطلِقَ على الأيام ليالٍ لأن اللغة العربية واسعة؛ قد تُطلق الليالي ويُراد بها الأيام، والأيامُ ويُراد بها الليالي. وقيل: المراد بالليالي العشر ليالي العشر الأخيرة من رمضان.

أمَّا على الأول -الذين يقولون: المراد بالليالي العشر عشرُ ذي الحجة- فلأن عشر ذي الحجة أيامٌ فاضلةٌ قال فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ». قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ»[[أخرجه أبو داود (٢٤٣٨) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]].

وأما الذين قالوا: إن المراد بالليالي العشر هي ليالي عشر رمضان الأخيرة، فقالوا: إن الأصل في الليالي أنها الليالي ما هي الأيام، وقالوا: إن ليالي العشر الأخيرة من رمضان فيها ليلة القَدْر التي قال الله عنها: إنها ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر ٣]، وقال: إنها مباركة، وقال: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان ٤]، وهذا القول أرجحُ من القول الأول، وإن كان القول الأول هو قول الجمهور، لكن اللفظ لا يُسعف قول الجمهور، وإنما يرجِّح القولَ الثاني أنها الليالي العشر الأواخر من رمضان، وأقسمَ اللهُ بها لشرفها، ولأن فيها ليلة القدر، ولأن المسلمين يختمون بها شهر رمضان الذي هو وقت فريضةٍ من فرائض الإسلام وأركان الإسلام، فلذلك أقسم الله بهذه الليالي.

89:3Страница 593

وَٱلشَّفۡعِ وَٱلۡوَتۡرِ ٣

Клянусь четом и нечетом!

وأمَّا قوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ فقيل: إن المراد به كلُّ الخلق، كلُّ الخلق إما شَفْع وإما وتْر، والله عز وجل يقول: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات ٤٩]. العبادات إما شَفْع وإما وتَر، فيكون المراد بالشفع والوتر كلُّ ما كان مخلوقًا من شفْعٍ ووتْر، وكلُّ ما كان مشروعًا من شفْعٍ ووتْر.

وقيل: المراد بالشفع الخلقُ كلهم، والمراد بالوترِ اللهُ عز وجل. واعلموا أن قوله: ﴿وَالْوَتْرِ﴾ فيها قراءتان صحيحتان: ﴿﴿وَالْوِتْرِ﴾ ﴾ و﴿وَالْوَتْرِ﴾؛ يعني لو قلت: ﴿﴿وَالشَّفْعِ وَالْوِتْرِ﴾ ﴾ صح، ولو قلت: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ صح أيضًا، فقالوا: إن الشفع هو الخلق؛ لأن المخلوقات كلها مكونة من شيئين ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾، والوَتْر أو الوِتْر هو الله؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ»[[أخرجه مسلم (٢٦٧٧ / ٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وإذا كانت الآية تحتمل معنيين ولا منافاة بينهما فلتكُنْ لكل المعاني التي تحتملها الآية، هذه قاعدة في علم التفسير: أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين وأحدُهما لا ينافي الآخَر فهي محمولةٌ على المعنيين جميعًا.

89:4Страница 593

وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَسۡرِ ٤

Клянусь ночью, когда она проходит!

قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ أقسمَ اللهُ أيضًا بالليل إذا يسري، والسُّرَى هو السير في الليل، والليل -كما نعلم- يسير، يبدأ بالمغرب وينتهي بطلوع الفجر، فهو يمشي، زمنًا يمشي ما يتوقف، فهو دائمًا في سريان، فأقسم الله به لما في ساعاته من العبادات؛ كصلاة المغرب، والعشاء، وقيام الليل، والوتر، وغير ذلك، ولأن في الليل مناسبةً عظيمةً، وهي «أن الله عز وجل ينزل كلَّ ليلةٍ إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخِر فيقول: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨ / ١٦٨)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، ولهذا نقول: إن الثلث الآخِر من الليل إنه وقْتُ إجابة، فينبغي أن ينتهز الإنسانُ هذه الفرصة فيقوم لله عز وجل يتهجَّد ويدعو الله سبحانه وتعالى بما شاء من خير الدنيا والآخرة لعله يصادف ساعةَ إجابةٍ ينتفع بها في دنياه وأُخراه. ولْنقتصر على هذا (...).

89:5Страница 593

هَلۡ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٞ لِّذِي حِجۡرٍ ٥

Неужели этих клятв не достаточно для обладающего разумом?

К этому аяту нет толкования

89:6–8Страница 593

أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦

Неужели ты не видел, как Господь твой поступил с адитами -

إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ ٧

народом Ирама, обладавшим колоннами (воздвигавшим высокие здания с колоннами или обладавшим могучим сложением и огромной силой),

ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٨

подобных которому не было сотворено в городах?

الحمد لله رب العالمين، وأصلِّي وأسلم على نبيِّنا محمدٍ خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أمَّا بعدُ فهذا هو المجلس الثالث والستون، بل هذا هو اللقاء الثالث والستون من اللقاءات التي تتمُّ في كل يوم خميس من كل أسبوع، وهذا الخميس هو الثامن والعشرون من شهر محرم عام خمسة عشر وأربع مئةٍ وألف، نبتدئ هذا اللقاء بما اعتدناه من تفسير شيءٍ من آيات الله الكريمة، حيث انتهى بنا المطاف إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر ٥].

قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر ٦، ٧] الخطاب هنا لكل من يوجَّه إليه هذا الكتابُ العزيزُ وهم البشر كلُّهم، بل والجنُّ أيضًا.

﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيها المخاطَب ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ يعني: ما الذي فَعَلَ بهم. وعادٌ قبيلةٌ معروفةٌ في جنوب الجزيرة العربية، أرسلَ الله تعالى إليهم هودًا عليه الصلاة والسلام فبلغهم الرسالة، ولكنهم عَتَوْا وبَغَوْا وقالوا: مَن أشدُّ منَّا قوةً، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت ١٥]، فهُم افتخروا في قوَّتهم، ولكن الله بيَّن أنهم ضعفاء أمام قوَّة الله، ولهذا قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾، ولم يقُل: أن الله أشدُّ منهم قوة، بل قال: ﴿الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ ليبيِّن ضَعْفهم وأنه جل وعلا أقوى منهم، لأن الخالق أقوى من المخلوق، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾ [فصلت ١٥، ١٦].

هنا يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ الذي فَعَل بهم أنه أرسلَ عليهم الريحَ العقيمَ ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة ٧]، ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٥]، وهذا الاستفهام الذي لَفَتَ الله فيه النظر إلى ما فعل بهؤلاء يُراد به الاعتبار؛ يعني: اعتبرْ أيها المكذِّب للرسول محمد ﷺ بهؤلاء كيف أُذيقوا هذا العذاب، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود ٨٣].

وقوله: ﴿إِرَمَ﴾ هذه وصْفٌ للقبيلة، وقيل: اسمٌ للقرية، وقيل غير ذلك، فسواءٌ كانت اسمًا للقبيلة أو اسمًا للقرية فإن الله تعالى نكَّل بهم نكالًا عظيمًا مع أنهم أقوياء.

وقوله: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر ٧، ٨] يعني: أصحاب العماد؛ الأبنية القوية ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾، ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا﴾ أي: لم يُصنع مثلُها في البلاد لأنها قويةٌ محكمةٌ، وهذا هو الذي غرهم ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾.

وفي قوله تعالى: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ مع أن الذي صَنَعها الآدميُّ دليلٌ على أن الآدميَّ قد يوصَف بالْخَلْق فيقال: خَلَق كذا، ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام في المصوِّرين: «يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٥١)، ومسلم (٢١٠٨ / ٩٧)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]، لكن الخلْق الذي يُنسب للبشر، بل الخلْق الذي يُنسب للمخلوق ليس هو الخلْق المنسوب إلى الله؛ الخلْق المنسوب إلى الله إيجادٌ بعد عَدَمٍ وتحويلٌ وتغييرٌ، أمَّا الخلْق المنسوب لغير الله فهو مجرَّد تحويل وتغيير، وأضربُ لكم مثلًا: هذا البابُ من خشب، مَن الذي خَلَقَ الخشب؟ الله، لا يمكن للبشر أن يخلقوه، لكن البشر يستطيع أن يحوِّل جذوعَ الخشب وأغصانَ الخشب إلى أبواب، إلى دواليب، وما أشبه ذلك، فالخلْق المنسوب للمخلوق ليس هو الخلْق المنسوب للخالق، الفرق؟ أجيبوا.

* طالب: تحويل، الخلق المنسوب..

* الشيخ: الخلق المنسوب للخالق إيجاد من عَدَم، وهذا لا يستطيعه أحدٌ، والمنسوب للمخلوق تغيير وتحويل؛ يحوِّل الشيء من صفة إلى صفة، أمَّا أن يغيِّر الذوات بمعنى يجعل الذهبَ فضةً، أو الفضةَ حديدًا، أو ما أشبهَ ذلك، فهذا مستحيلٌ لا يمكن إلا لله وحده لا شريك له.

89:9Страница 593

وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ ٩

С самудянами, рассекавшими скалы в лощине?

ثم قال: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر ٩] (ثمود) هم قوم صالحٍ، ومساكنهم معروفةٌ الآن، كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر ٨٠] في سورة ﴿الر﴾ [الحجر ١]، ذكر الله أن ثمود كانوا في بلاد الحِجر، وهي معروفة، مرَّ عليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في طريقه إلى تبوك وأسرعَ، وقنَّع رأسه ﷺ وقال: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ؛ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٠٢)، ومسلم (٢٩٨٠ / ٣٨)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]، هؤلاء القوم أعطاهم الله قوةً حتى صاروا يخرقون الجبالَ، الحصى، الصخورَ العظيمة، يخرقونها ويصنعون منها بيوتًا، ولهذا قال: ﴿جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ أي: وادي ثمود، وهو معروف، هؤلاء أيضًا فَعَلَ الله بهم ما فَعَلَ من العذاب والنَّكال؛ حيث قيل لهم: تمتَّعوا في داركم ثلاثة أيام، ثم بعد الثلاثة الأيام أخذتْهم الصيحةُ والرجفةُ فأصبحوا في ديارهم جاثمين.

فعلينا أيُّها الإخوة أن نعتبر بحال هؤلاء المكذبين الذين صار مآلُهم إلى الهلاك والدمار، وليُعلَم أن هذه الأمَّة لن تُهلَك بما أهلكتْ به الأمم السابقة بهذا العذاب العام؛ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «سأل اللهَ تعالى ألَّا يُهلكهم بسَنَةٍ بعامَّةٍ»[[أخرجه مسلم (٢٨٨٩ / ١٩) من حديث ثوبان رضي الله عنه.]]، ولكن قد تُهلَك هذه الأمَّة بأن يجعل الله بأسَهم بينهم، فتجري بينهم الحروب والْمُقاتلة، ويكون هلاك بعضهم على يد بعضٍ لا بشيءٍ ينزل من السماء كما صنعَ الله تعالى بالأمم السابقة، ولهذا يجب علينا أن نحذر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن نبتعد عن كلِّ ما يُثير الناسَ بعضهم على بعض، وأن نَلْزم دائمًا الهدوء، وأن نبتعد عن القيل والقال وكثرة السؤال، فإن ذلك مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم[[أخرج البخاري (١٤٧٧) ومسلم (٥٩٣ / ١٢) من حديث المغيرة بن شعبة عن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ».]]، وكم من كلمةٍ واحدةٍ صنعت ما تصنعه السيوف الباترة، فالواجب الحذرُ من الفتن، وأن نكون أمَّةً متآلِفةً متحابَّةًَ، يتطلَّب كلُّ واحدٍ منَّا العذرَ لأخيه إذا رأى منه ما يكره. نسأل الله أن يوفِّقنا جميعًا لما فيه الخير والصلاح وأن يجمع قلوبنا على طاعته.

89:10Страница 593

وَفِرۡعَوۡنَ ذِي ٱلۡأَوۡتَادِ ١٠

С Фараоном, владевшим кольями (обладавшим множеством воинов, которые поддерживали его власть, подобно тому, как колышки поддерживают шатер, или привязывавшим людей к кольям во время казни)?

قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر ٦ - ٩].

قال: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ [الفجر ١٠] فرعون هو الذي أرسلَ الله إليه موسى عليه الصلاة والسلام، وكان قد استذلَّ بني إسرائيل في مصر يُذَبِّح أبنائهم ويستحيي نساءهم.

وقد اختلف العلماء في السبب الذي أدَّى به إلى هذه الفعلة القبيحة، لماذا يُقَتِّل الأبناءَ ويُبقي النساء؟ فقال بعض العلماء: إنَّ كَهَنَتَهُ قالوا له: إنه سيُولَد في بني إسرائيل رجلٌ يكون هلاكك على يده، فصار يُقَتِّل الأبناء ويستبقي النساء. ومن العلماء مَن قال: إنه فَعَلَ ذلك من أجْل أن يُضعِف بني إسرائيل؛ لأن الأُمَّة إذا قُتِّلتْ رجالُها واستُبقِيتْ نساؤها ذلَّتْ بلا شك. فالأول تعليلُ أهلِ الأثر، والثاني تعليلُ أهلِ النَّظَر؛ أهل العقل، ولا يَبْعد أن يكون الأمرانِ جميعًا قد صارا علةً لهذا الفعل، ولكن بقدرة الله عز وجل أن هذا الرجل الذي كان هلاكُ فرعون على يده تَرَبَّى في نفس بيت فرعون، فإنَّ امرأة فرعون التقطتْه وربَّتْه في بيت فرعون، فرعون استكبرَ في الأرض وعلا في الأرض، وقال لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات ٢٤]، وقال لهم: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص ٣٨]، وقال لهم: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ [الزخرف ٥٢] يعني موسى ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢]، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف ٥٤]، وتعلمون أنه قال لقومه مقرِّرًا لهم: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١] افتخر بالأنهار وهي مياه، فأُغرِقَ بالماء.

﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ أي: ذي القوة؛ لأن جنوده كانوا له بمنزلة الوتد، والوتد كما نعلم تُربَط به حبالُ الخيمة فتستقِرُّ وتَثْبت، فله جنودٌ، أُمَمٌ عظيمةٌ ما بين ساحرٍ وكاهنٍ وغيرِ ذلك، لكن الله سبحانه وتعالى فوق كلِّ شيء.

89:11Страница 593

ٱلَّذِينَ طَغَوۡاْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ١١

Они преступали границы дозволенного на земле

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر ١١] الطغيان: مجاوزة الحدِّ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة ١١] أي: لَمَّا زاد الماء حملناكم في الجارية؛ يعني بذلك السفينةَ التي صَنَعها نوحٌ عليه الصلاة والسلام، فمعنى ﴿طَغَوْا فِي الْبِلَادِ﴾ أي: زادوا عن حدِّهم واعتدوا على عباد الله.

89:12Страница 593

فَأَكۡثَرُواْ فِيهَا ٱلۡفَسَادَ ١٢

и распространяли в них много нечестия.

﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ [الفجر: ١٢] الفساد هل هو الفساد الحسِّي أو المعنوي؟

الجواب: هو الفساد المعنوي، والفساد المعنوي يتبعه الفساد الحسِّي، ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦]، ولهذا قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف ٥٦] قالوا: لا تُفسدوها بالمعاصي، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿أَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ أي: الفساد المعنوي، لكن الفساد المعنوي يتبعه الفساد الحسِّي، وكان فيما سبق من الأُمَم أن الله تعالى يدمِّر هؤلاء المكَذِّبين عن آخِرهم، لكن هذه الأمَّة رفعَ الله عنها هذا النوع من العقوبة وجعل عقوبتها أن يكون بأسُهم بينهم، هم فيما بينهم يدمِّر بعضهم بعضًا، وعلى هذا فما حصل من المسلمين من قتال بعضهم بعضًا ومن تدمير بعضهم بعضًا إنما هو بسبب أيش؟ إنما سببه المعاصي والذنوب، يُسَلِّط الله بعضَهم على بعضٍ ويكون هذا عقوبةً من الله سبحانه وتعالى، ولهذا قال: ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر ١٢، ١٣].

89:13Страница 593

فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ ١٣

Тогда твой Господь пролил на них бич мучений.

﴿صَبَّ عَلَيْهِمْ﴾ : الصَّبُّ معروفٌ أنه يكون من فوق، والعذاب الذي أتى هؤلاء من فوق؛ من عند الله عز وجل.

و﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ السَّوْط هو العصا التي يُضرب بها، ومعلوم أن الضرب بالعصا نوع من العذاب، لكن هل هذا السوط الذي صبَّه الله تعالى على عادٍ وثمودَ وفرعون هل هو العصا المعروف الذي نعرف، أو أنه عصا عذابٍ أهلكهم؟

الجواب: الثاني؛ عصا عذابٍ أهلكهم وأبادهم. نسأل الله تعالى أن يجعل لنا ولكم فيما سبق من الأُمَم عبرةً نتَّعظ بها وننتفع بها، ونكون طائعين لله عز وجل غير طاغين، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

89:14Страница 593

إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ ١٤

Воистину, твой Господь - в засаде (предоставляет отсрочку грешникам, чтобы затем неожиданно наказать их за ослушание).

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أمَّا بعدُ، فهذا هو اللقاء الخامس والستون من اللقاء الأسبوعي الذي يتمُّ في كل يوم خميس، وهذا هو يوم الخميس الثالث عشر من شهر صفر عام خمسة عشر وأربع مئة وألف.

لقاؤنا هذا اليوم سيكون في تفسير آياتٍ من سورة الفجر، حيث وقفْنا على قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر ١٣].

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر ١٤] الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو لكلِّ من يتوجَّه إليه الخطاب، يبيِّن الله عز وجل أنه بالمرصاد لكلِّ مَن طغى واعتدى وتكبَّر، فإنه له بالمرصاد، سوف يُعاقبه ويُؤاخذه، وهذا المعنى له نظائر في القرآن الكريم؛ منها قوله تبارك وتعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد ١٠]، وكقول شعيب لقومه: ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود ٨٩]، فسُنَّة الله سبحانه وتعالى واحدةٌ في المكذِّبين لرسله، المستكبرين عن عبادته، هو لهم بالمرصاد، وهذه الآية تفيد التهديد والوعيد لمن استكبر عن عبادة الله أو كذَّبَ خبره.

89:15–16Страница 593

فَأَمَّا ٱلۡإِنسَٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ ١٥

Когда Господь испытывает человека, оказывая ему милость и одаряя его благами, тот говорит: «Господь мой почтил меня!».

وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيۡهِ رِزۡقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ ١٦

Когда же Он испытывает его, ограничивая его в пропитании, тот говорит: «Господь мой унизил меня!».

ثم قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ [الفجر ١٥، ١٦] الابتلاء من الله عز وجل يكون بالخير وبالشر كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥]، فيُبتلَى الإنسانُ بالخير ليبلوه الله عز وجل أيشكر أمْ يكفر، ويُبتلَى بالشر ليبلوه أيصبر أم يفجر، وأحوال الإنسان -كما تعلمون جميعًا- دائرةٌ بين خيرٍ وشرٍّ، بين خيرٍ يلائمه ويسرُّه وبين شرٍّ لا يلائمه ولا يسرُّه، وكلُّه ابتلاءٌ من الله.

الإنسان بطبيعته الإنسانية المبنية على الظلم والجهل إذا ابتلاه ربُّه فأكرمه ونعَّمَه يقول: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ يعني: إنني أهلٌ للإكرام، ولا يعترف بفضل الله عز وجل، وهذا كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨]، لَمَّا ذُكِّر بنعمة الله عليه قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾، ولم يعترف بفضل الله، وما أكثرَ الناسَ الذين هذه حالُهُم، إذا أكرمهم الله عز وجل ونعَّمَهم قالوا: هذا إكرامٌ من الله لنا لأننا أهلٌ لذلك. ولو أن الإنسان قال: إن الله أكرمني بكذا، اعترافًا بفضله وتحدُّثًا بنعمته، لم يكن عليه في ذلك بأسٌ، لكن إذا قال: أكرمني؛ يعني: إنني أهلٌ للإكرام، كما يقول مثلًا كبيرُ القوم إذا نزلَ ضيفًا على أحدهم قال: أكرمني فلانٌ لأنني أهلٌ لذلك.

﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ يعني ضيَّقَ عليه الرزقَ ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ يعني لا، يقول: إن الله تعالى ظلمني فأهانني، ولم يرزقني كما رزق فلانًا، ولم يُكرمني كما أكرمَ فلانًا، فصار عند الرخاء لا يشكر، يُعجَب بنفسه ويقول هذا حقٌّ لي، وعند الشِدَّة لا يصبر، بل يعترض على ربِّه ويقول: ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾، وهذا حالُ الإنسان باعتباره إنسانًا، أمَّا المؤمن فليس كذلك، المؤمن إذا أكرمه الله ونعَّمَه شكرَ ربه على ذلك، ورأى أن هذا فضلٌ من الله عز وجل وإحسانٌ، وليس من باب الإكرام الذي يقدَّم لصاحبه على أنه مستحِقٌّ، وإذا ابتلاه الله عز وجل وقَدَر عليه رزقَه صبر واحتسب وقال: هذا بذنبي، والربُّ عز وجل لم يُهِنِّي ولم يظلمني. فيكون صابرًا عند البلاء، شاكرًا عند الرخاء.

وفي الآيتين إشارةٌ إلى أنه يجب على الإنسان أن يتبصَّر فيقول مثلًا: لماذا أعطاني الله المال؟ ماذا يريد مني؟ يريد مني أن أشكر، لماذا ابتلاني الله بالفقر، بالمرض، وما أشبه ذلك؟ يريد مني أن أصبر، فلْيَكُن محاسبًا لنفسه حتى لا يكون مثل حال الإنسان المبنية على الجهل والظلم.

89:17Страница 593

كـَلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ ١٧

Но нет! Вы же сами не почитаете сироту,

ولهذا قال تعالى: ﴿كَلَّا﴾ [الفجر ١٧] يعني: لم يُعطِك ما أعطاك إكرامًا لك لأنك مستحِقٌّ ولكنه تَفَضُّلٌ منه، ولم يُهِنْك حين قَدَر عليك رزقه، بل هذا مقتضى حِكمته وعدله.

ثم قال تعالى: ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ [الفجر ١٧] يعني: أنتم إذا أكرمكم الله عز وجل بالنعم لا تعطفون على المستحقِّين للإكرام، وهم اليتامى، فاليتيم هنا اسمُ جنسٍ، ليس المرادُ يتيمًا واحدًا، بل جنس اليتامى، واليتيم قال العلماء: هو الذي مات أبوه قبل بُلُوغه من ذَكَر أو أنثى، وأمَّا مَن ماتت أمُّه فليس بيتيم.

يقول: ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾، وقوله تعالى: ﴿الْيَتِيمَ﴾ يشمل الفقير من اليتامى والغني، يعني حتى الغني من اليتامى ينبغي الإحسانُ إليه وإكرامُه؛ لأنه انكسر قلبُه بفَقْدِ أبيه ومَن يقوم بمصالحه، فأوصى الله تعالى به حتى يزول هذا الكسر الذي أصابه.

89:18Страница 593

وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ ١٨

не побуждаете друг друга кормить бедняка,

﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] يعني: لا يحضُّ بعضُكم بعضًا على أن يُطعم المسكين، وإذا كان لا يحضُّ غيرَه فهو أيضًا لا يفعله بنفسه، فهو لا يُطعم المسكينَ ولا يحضُّ على طعام المسكين، وفي هذا إشارةٌ إلى أنه ينبغي لنا أن نكرم الأيتام، وأن يحضَّ بعضُنا بعضًا على إطعام المساكين؛ لأنهم في حاجة، والله تعالى في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.

89:19Страница 593

وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا ١٩

жадно (или целиком) пожираете наследство

﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ١٩، ٢٠].

﴿التُّرَاثَ﴾ ما يُورِثه اللهُ العبدَ من المال، سواء ورِثه عن ميِّتٍ، أو باع واشترى وكسب، أو خرج إلى البر وأتى بما يأتي به من عُشبٍ وحطبٍ وغير ذلك، المهم أن التراث ما يَرِثه الإنسانُ، أو ما يورثه اللهُ الإنسانَ من المال، فإن بني آدم يأكلونه أكلًا لَمًّا.

89:20Страница 593

وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبّٗا جَمّٗا ٢٠

и страстно любите богатство.

وأمَّا المال فقال: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ أي: عظيمًا، وهذا هو طبيعة الإنسان، لكن الإيمان له مؤثِّراته، قد يكون الإنسان بإيمانه لا يهتمُّ بالمال، وإن جاء شَكَرَ اللهَ عليه وأدَّى ما يجب، وإن ذهبَ لا يهتمُّ به، لكن طبيعة الإنسان من حيث هو كما وصفه الله عز وجل في هاتين الآيتين، نسأل الله تعالى أن يوفِّقنا وإياكم لما فيه الخير والصلاح وأن يقينا شرَّ أنفسنا إنه على كل شيء قدير.

89:21Страница 593

كـَلَّآۖ إِذَا دُكَّتِ ٱلۡأَرۡضُ دَكّٗا دَكّٗا ٢١

Но нет! Когда земля разобьется и превратится в песок.

الحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أمَّا بعد، فهذا هو اللقاء الأخير في شهر صفر عام خمسة عشر وأربع مئة وألف من اللقاء المعروف بـ (لقاء الباب المفتوح) والذي يكون كل يوم خميس من كل أسبوع، وهذا اليوم هو اليوم السابع والعشرون من شهر صفر، وكان من عادتنا أن نتكلم على تفسير شيءٍ من آيات الله، وقد انتهينا إلى قوله تبارك وتعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر ٢١ - ٢٣]، فيذكِّر الله سبحانه وتعالى الناسَ بيوم القيامة، ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ دَكّ، حتَّى لا ترى فيها عِوَجًا ولا أَمْتًا، تُدَكُّ الجبال، ولا بناء، ولا أشجار، تُمَدُّ الأرض كمَدِّ الأديم، يكون الناس عليها في مكانٍ واحدٍ، يُسمعهم الداعي وينفذُهم البصر، في هذا اليوم ﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر ٢٣ - ٢٤]، ولكن قد فات الأوان، إلَّا أننا اليوم في مجال العمل، في زمن الْمُهلة، يمكن للإنسان أن يكتسب لمستقرِّه، كما قال مؤمن آل فرعون: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر ٣٩]، متاعٌ يتمتَّع به الإنسان كما يتمتَّع المسافر بمتاع السفر حتى ينتهي سفره، فهكذا الدنيا.

واعتبِرْ يا أخي، اعتبِرْ ما يُستقبل بما مضى، كلُّ ما مضى كأنه ساعةٌ من نهار، كأننا الآن مخلوقون، فكذلك ما يُستقبل سوف يمرُّ بنا سريعًا ويمضي جميعًا، وينتهي السفر إلى مكانٍ آخَر ليس مستقَرًّا، إلى الأجداث، إلى القبور، ومع هذا فإنها ليست محلَّ استقرار؛ لقول الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر ١، ٢]، سمع أعرابيٌّ رجلًا يقرأ هذه الآية فقال: واللهِ ما الزائرُ بِمُقيمٍ، ولا بدَّ من مفارقةٍ لهذا المكان. وهذا استنباطٌ قويٌّ وفهمٌ جيِّدٌ يؤيِّده الآيات الكثيرة الصريحة في ذلك كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون ١٥، ١٦].

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English