Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
الفاتحة
Al-Fatihah
The Opener · Meccan · 7 ayahs
1:1Page 1
بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ١
In the name of Allāh,1 the Entirely Merciful, the Especially Merciful.2
* *
(سُورَةُ أُمِّ القُرْآنِ)
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ باءُ الجَرِّ تَأْتِي لِمَعانٍ: لِلْإلْصاقِ، والِاسْتِعانَةِ، والقَسَمِ، والسَّبَبِ، والحالِ، والظَّرْفِيَّةِ، والنَّقْلِ. فالإلْصاقُ حَقِيقَةً: مَسَحْتُ بِرَأْسِي، ومَجازًا مَرَرْتُ بِزَيْدٍ. والِاسْتِعانَةُ: ذَبَحْتُ بِالسِّكِّينِ. والسَّبَبُ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا﴾ [النساء: ١٦٠] . والقَسَمُ: بِاللَّهِ لَقَدْ قامَ. والحالُ: جاءَ زَيْدٌ بِثِيابِهِ. والظَّرْفِيَّةُ: زَيْدٌ بِالبَصْرَةِ. والنَّقْلُ: قُمْتُ بِزَيْدٍ. وتَأْتِي زائِدَةً لِلتَّوْكِيدِ: شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ، والبَدَلُ: فَلَيْتَ لِي بِهِمْ قَوْمًا أيْ بَدَلَهم، والمُقابَلَةُ: اشْتَرَيْتُ الفَرَسَ بِألْفٍ، والمُجاوَزَةُ: ﴿تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] أيْ عَنِ الغَمامِ، والِاسْتِعْلاءُ: ﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥] . وكَنّى بَعْضُهم عَنِ الحالِ بِالمُصاحَبَةِ، وزادَ فِيها كَوْنَها لِلتَّعْلِيلِ، وكَنّى عَنِ الِاسْتِعانَةِ بِالسَّبَبِ، وعَنِ الحالِ بِمَعْنى مَعَ بِمُوافَقَةِ مَعْنى اللّامِ. ويُقالُ اسْمٌ بِكَسْرِ هَمْزَةِ الوَصْلِ وضَمِّها، وسِمٌ بِكَسْرِ السِّينِ وضَمِّها، وسُمًى كَهُدًى، والبَصْرِيُّ يَقُولُ: مادَّتُهُ سِينٌ ومِيمٌ وواوٌ، والكُوفِيُّ يَقُولُ: واوٌ وسِينٌ ومِيمٌ، والأرْجَحُ الأوَّلُ، والِاسْتِدْلالُ في كُتُبِ النَّحْوِ.
ألْ لِلْعَهْدِ في شَخْصٍ أوْ جِنْسٍ، ولِلْحُضُورِ ولِلَمْحِ الصِّفَةِ ولِلْغَلَبَةِ ومَوْصُولَةٌ. فَلِلْعَهْدِ في شَخْصٍ: جاءَ الغُلامُ، وفي جِنْسٍ: اسْقِنِي الماءَ، ولِلْحُضُورِ: خَرَجْتُ فَإذا الأسَدُ، ولِلَمْحٍ: الحارِثُ، ولِلْغَلَبَةِ: الدَّبَرانِ. وزائِدَةٌ لازِمَةٌ، وغَيْرُ لازِمَةٍ، فاللّازِمَةُ: كالآنَ، وغَيْرُ اللّازِمَةِ:
؎باعَدَ أُمَّ العَمْرِ مِن أسِيرِها، وهَلْ هي مُرَكَّبَةٌ مِن حَرْفَيْنِ أمْ هي حَرْفٌ واحِدٌ ؟ وإذا كانَتْ مِن حَرْفَيْنِ فَهَلِ الهَمْزَةُ زائِدَةٌ أمْ لا ؟ مَذاهِبُ، واللَّهُ أعْلَمُ، لا يُطْلَقُ إلّا عَلى المَعْبُودِ بِحَقٍّ مُرْتَجَلٍ غَيْرِ مُشْتَقٍّ عِنْدَ الأكْثَرِينَ، وقِيلَ: مُشْتَقٌّ، ومادَّتُهُ قِيلَ: لامٌ وياءٌ وهاءٌ، (p-١٥)مِن لاهَ يَلِيهُ، ارْتَفَعَ. قِيلَ: ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ الشَّمْسُ إلاهَةً بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِها، وقِيلَ: لامٌ وواوٌ وهاءٌ مِن لاهَ يَلُوهُ لَوْهًا، احْتَجَبَ أوِ اسْتَنارَ، ووَزْنُهُ إذْ ذاكَ فَعَلَ أوْ فَعِلَ، وقِيلَ: الألِفُ زائِدَةٌ، ومادَّتُهُ هَمْزَةٌ ولامٌ مِن ألِهَ أيْ فَزِعَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، أوْ ألَّهَ تَحَيَّرَ، قالَهُ أبُو عُمَرَ، وألَّهَ عَبَدَ، قالَهُ النَّضْرُ، أوْ ألَهَ سَكَنَ، قالَهُ المُبَرِّدُ. وعَلى هَذِهِ الأقاوِيلِ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ اعْتِباطًا، كَما قِيلَ في ناسٍ أصْلُهُ أُناسٌ، أوْ حُذِفَتْ لِلنَّقْلِ ولَزِمَ مَعَ الإدْغامِ، وكِلا القَوْلَيْنِ شاذٌّ. وقِيلَ: مادَّتُهُ واوٌ ولامٌ وهاءٌ، مِن ولِهَ أيْ طَرِبَ، وأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ فِيهِ مِنَ الواوِ نَحْوَ أشاحَ، قالَهُ الخَلِيلُ والقَنّادُ، وهو ضَعِيفٌ لِلُزُومِ البَدَلِ. وقَوْلُهم في الجَمْعِ آلِهَةٌ، وتَكُونُ فِعالًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالكِتابِ يُرادُ بِهِ المَكْتُوبُ. وألْ في اللَّهِ إذا قُلْنا أصْلُهُ الإلاهُ، قالُوا لِلْغَلَبَةِ، إذِ الإلَهُ يَنْطَلِقُ عَلى المَعْبُودِ بِحَقٍّ وباطِلٍ، واللَّهُ لا يَنْطَلِقُ إلّا عَلى المَعْبُودِ بِالحَقِّ، فَصارَ كالنَّجْمِ لِلثُّرَيّا. وأُورِدَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لَيْسَ كالنَّجْمِ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ الحَذْفِ والنَّقْلِ أوِ الإدْغامِ لَمْ يُطْلَقْ عَلى كُلِّ إلَهٍ، ثُمَّ غُلِّبَ عَلى المَعْبُودِ بِحَقٍّ، ووَزْنُهُ عَلى أنَّ أصْلَهُ فِعالٌ، فَحُذِفَتْ هَمْزَتُهُ عالٌ. وإذا قُلْنا بِالأقاوِيلِ السّابِقَةِ فَألْ فِيهِ زائِدَةٌ لازِمَةٌ، وشَذَّ حَذْفُها في قَوْلِهِمْ لاهَ أبُوكَ شُذُوذَ حَذْفِ الألِفِ في أقْبَلَ سَيْلٌ. أقْبَلَ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ألْ في اللَّهِ مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ، ووَصَلَتِ الهَمْزَةُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وهو اخْتِيارُ أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ والسُّهَيْلِيِّ، وهو خَطَأٌ، لِأنَّ وزْنَهُ إذْ ذاكَ يَكُونُ فَعّالًا، وامْتِناعُ تَنْوِينِهِ لا مُوجِبَ لَهُ، فَدَلَّ عَلى أنَّ ألْ حَرْفٌ داخِلٌ عَلى الكَلِمَةِ سَقَطَ لِأجْلِها التَّنْوِينُ. ويَنْفَرِدُ هَذا الِاسْمُ بِأحْكامٍ ذُكِرَتْ في عِلْمِ النَّحْوِ، ومِن غَرِيبِ ما قِيلَ: إنَّ أصْلَهُ لاها بِالسُّرْيانِيَّةِ فَعُرِّبَ، قالَ:
؎كَحَلْفَةٍ مِن أبِي رَباحٍ ∗∗∗ يَسْمَعُها لاهُهُ الكِبارُ.
قالَ أبُو يَزِيدَ البَلْخِيِّ: هو أعْجَمِيٌّ، فَإنَّ اليَهُودَ والنَّصارى يَقُولُونَ لاها، وأخَذَتِ العَرَبُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ وغَيَّرُوها فَقالُوا اللَّهُ. ومِن غَرِيبِ ما قِيلَ في اللَّهِ أنَّهُ صِفَةٌ ولَيْسَ اسْمَ ذاتٍ؛ لِأنَّ اسْمَ الذّاتِ يُعْرَفُ بِهِ المُسَمّى، واللَّهُ - تَعالى - لا يُدْرَكُ حِسًّا ولا بَدِيهَةً، ولا تُعْرَفُ ذاتُهُ بِاسْمِهِ، بَلْ إنَّما يُعْرَفُ بِصِفاتِهِ، فَجَعْلُهُ اسْمًا لِلذّاتِ لا فائِدَةَ في ذَلِكَ. وكانَ العِلْمُ قائِمًا مُقامَ الإشارَةِ، وهي مُمْتَنِعَةٌ في حَقِّ اللَّهِ - تَعالى - وحُذِفَتِ الألِفُ الأخِيرَةُ مِنَ اللَّهِ لِئَلّا يُشْكِلَ بِخَطِّ اللّاهِ اسْمُ الفاعِلِ مِن لَها يَلْهُو، وقِيلَ: طُرِحَتْ تَخْفِيفًا، وقِيلَ هي لُغَةٌ فاسْتُعْمِلَتْ في الخَطِّ.
(الرَّحْمَنِ): فَعْلانُ مِنَ الرَّحْمَةِ، وأصْلُ بِنائِهِ مِنَ اللّازِمِ مِنَ المُبالَغَةِ وشَذَّ مِنَ المُتَعَدِّي، وألْ فِيهِ لِلْغَلَبَةِ، كَهي في الصَّعْقِ، فَهو وصْفٌ لَمْ يُسْتَعْمَلْ في غَيْرِ اللَّهِ، كَما لَمْ يُسْتَعْمَلِ اسْمُهُ في غَيْرِهِ، وسَمِعْنا مَناقِبَهُ، قالُوا: رَحْمَنُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ووَصْفُ غَيْرِ اللَّهِ بِهِ مِن تَعَنُّتِ المُلْحِدِينَ، وإذا قُلْتَ: اللَّهُ رَحْمَنٌ، فَفي صَرْفِهِ قَوْلانِ لِيُسْنَدَ أحَدُهُما إلى أصْلٍ عامٍّ، وهو أنَّ أصْلَ الِاسْمِ الصَّرْفُ، والآخَرُ إلى أصْلٍ خاصٍّ، وهو أنَّ أصْلَ فَعْلانَ المَنعُ لِغَلَبَتِهِ فِيهِ. ومِن غَرِيبِ ما قِيلَ فِيهِ: إنَّهُ أعْجَمِيٌّ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ فَعُرِّبَ بِالحاءِ، قالَهُ ثَعْلَبٌ.
(الرَّحِيمِ): فَعِيلٌ مُحَوَّلٌ مِن فاعِلٍ لِلْمُبالَغَةِ، وهو أحَدُ الأمْثِلَةِ الخَمْسَةِ، وهي فَعّالٌ وفَعُولٌ ومِفْعالٌ وفَعِيلٌ وفَعِلٌ، وزادَ بَعْضُهم فِعِّيلًا فِيها نَحْوَ سِكِّيرٍ، ولَها بابٌ مَعْقُودٌ في النَّحْوِ، قِيلَ: وجاءَ رَحِيمٌ بِمَعْنى مَرْحُومٍ، قالَ العَمَلَّسُ بْنُ عَقِيلٍ:
؎فَأمّا إذا عَضَّتْ بِكَ الأرْضُ عَضَّةً ∗∗∗ فَإنَّكَ مَعْطُوفٌ عَلَيْكَ رَحِيمٌ.
(p-١٦)قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وقَتادَةُ وأبُو العالِيَةِ وعَطاءٌ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ حِبّانَ وجَعْفَرٌ الصّادِقُ: الفاتِحَةُ مَكِّيَّةٌ، ويُؤَيِّدُهُ ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] . والحِجْرُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ. وفي حَدِيثِ أُبَيٍّ: إنَّها السَّبْعُ المَثانِي والسَّبْعُ الطِّوالُ، أُنْزِلَتْ بَعْدَ الحِجْرِ بِمُدَدٍ، ولا خِلافَ أنَّ فَرْضَ الصَّلاةِ كانَ بِمَكَّةَ، وما حُفِظَ أنَّهُ كانَتْ في الإسْلامِ صَلاةٌ بِغَيْرِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] . وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ ومُجاهِدٌ وسَوادُ بْنُ زِيادٍ والزُّهْرِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: هي مَدَنِيَّةٌ، وقِيلَ: إنَّها مَكِّيَّةٌ مَدَنِيَّةٌ.
الباءُ في بِسْمِ اللَّهِ لِلِاسْتِعانَةِ، نَحْوَ كَتَبْتُ بِالقَلَمِ، ومَوْضِعُها نَصْبٌ، أيْ بَدَأْتُ، وهو قَوْلُ الكُوفِيِّينَ، وكَذا كُلُّ فاعِلٍ بُدِئَ في فِعْلِهِ بِالتَّسْمِيَةِ كانَ مُضْمَرًا لِأبْدَأ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِعْلًا غَيْرَ بَدَأْتُ وجَعَلَهُ مُتَأخِّرًا، قالَ: تَقْدِيرُهُ بِسْمِ اللَّهِ أقْرَأُ أوْ أتْلُو، إذِ الَّذِي يَجِيءُ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ مَقْرُوءٌ، والتَّقْدِيمُ عَلى العامِلِ عِنْدَهُ يُوجِبُ الِاخْتِصاصَ، ولَيْسَ كَما زَعَمَ. قالَ سِيبَوَيْهِ وقَدْ تَكَلَّمَ عَلى ضَرَبْتُ زَيْدًا ما نَصُّهُ: وإذا قَدَّمْتَ الِاسْمَ فَهو عَرَبِيٌّ جَيِّدٌ كَما كانَ ذَلِكَ، يَعْنِي تَأْخِيرُهُ عَرَبِيًّا جَيِّدًا وذَلِكَ قَوْلُكَ: زَيْدًا ضَرَبْتُ. والِاهْتِمامُ والعِنايَةُ هُنا في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، سَواءٌ مِثْلُهُ في ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا، أوْ ضَرَبَ زَيْدًا عَمْرٌو، انْتَهى. وقِيلَ: مَوْضِعُ اسْمٍ رَفْعٌ التَّقْدِيرُ ابْتِدائِي ثابِتٌ، أوْ مُسْتَقِرٌّ بِاسْمِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ البَصْرِيِّينَ، وأيُّ التَّقْدِيرَيْنِ أرْجَحُ يُرَجَّحُ الأوَّلُ، لِأنَّ الأصْلَ في العَمَلِ لِلْفِعْلِ، أوِ الثّانِي لِبَقاءِ أحَدِ جُزْأيِ الإسْنادِ.
والِاسْمُ هو اللَّفْظُ الدّالُّ بِالوَضْعِ عَلى مَوْجُودٍ في العِيانِ إنْ كانَ مَحْسُوسًا، وفي الأذْهانِ إنْ كانَ مَعْقُولًا مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ بِبِنْيَتِهِ لِلزَّمانِ، ومَدْلُولُهُ هو المُسَمّى، ولِذَلِكَ قالَ سِيبَوَيْهِ: فالكُلُّ اسْمٌ وفِعْلٌ وحَرْفٌ، والتَّسْمِيَةُ جَعْلُ ذَلِكَ اللَّفْظِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ المَعْنى، فَقَدِ اتَّضَحَتِ المُبايَنَةُ بَيْنَ الِاسْمِ والمُسَمّى والتَّسْمِيَةِ. فَإذا أسْنَدْتَ حُكْمًا إلى اسْمٍ فَتارَةً يَكُونُ إسْنادُهُ إلَيْهِ حَقِيقَةً، نَحْوَ: زَيْدٌ اسْمُ ابْنِكَ، وتارَةً لا يَصِحُّ الإسْنادُ إلَيْهِ إلّا مَجازًا، وهو أنْ تُطْلِقَ الِاسْمَ وتُرِيدَ بِهِ مَدْلُولَهُ وهو المُسَمّى، نَحْوَ قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٧٨]، و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [الأعلى: ١]، و﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ [يوسف: ٤٠] . والعَجَبُ مِنِ اخْتِلافِ النّاسِ هَلِ الِاسْمُ هو عَيْنُ المُسَمّى أوْ غَيْرُهُ، وقَدْ صَنَّفَ في ذَلِكَ الغَزالِيُّ وابْنُ السَّيِّدِ والسُّهَيْلِيُّ وغَيْرُهم، وذَكَرُوا احْتِجاجَ كُلٍّ مِنَ القَوْلَيْنِ وأطالُوا في ذَلِكَ. وقَدْ تَأوَّلَ السُّهَيْلِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَوْلَهُ - تَعالى -: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [الأعلى: ١] بِأنَّهُ أقْحَمَ الِاسْمَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَعْنى سَبِّحْ رَبَّكَ واذْكُرْ رَبَّكَ بِقَلْبِكَ ولِسانِكَ حَتّى لا يَخْلُوَ الذِّكْرُ والتَّسْبِيحُ مِنَ اللَّفْظِ بِاللِّسانِ؛ لِأنَّ الذِّكْرَ بِالقَلْبِ مُتَعَلِّقُهُ المُسَمّى المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالِاسْمِ، والذِّكْرُ بِاللِّسانِ مُتَعَلِّقُهُ اللَّفْظُ. وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً﴾ [يوسف: ٤٠] بِأنَّها أسْماءٌ كاذِبَةٌ غَيْرُ واقِعَةٍ عَلى حَقِيقَةٍ، فَكَأنَّهم لَمْ يَعْبُدُوا إلّا الأسْماءَ الَّتِي اخْتَرَعُوها، وهَذا مِنَ المَجازِ البَدِيعِ. وحُذِفَتِ الألِفُ مِن بِسْمِ هُنا في الخَطِّ تَخْفِيفًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، فَلَوْ كُتِبَتْ بِاسْمِ القاهِرِ أوْ بِاسْمِ القادِرِ. فَقالَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ: تُحْذَفُ الألِفُ. وقالَ الفَرّاءُ: لا تُحْذَفُ إلّا مَعَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ لِأنَّ الِاسْتِعْمالَ إنَّما كَثُرَ فِيهِ، فَأمّا في غَيْرِهِ مِن أسْماءِ اللَّهِ - تَعالى - فَلا خِلافَ في ثُبُوتِ الألِفِ.
والرَّحْمَنُ صِفَةٌ لِلَّهِ عِنْدَ الجَماعَةِ. وذَهَبَ الأعْلَمُ وغَيْرُهُ إلى أنَّهُ بَدَلٌ، وزَعَمَ أنَّ الرَّحْمَنَ عَلَمٌ وإنْ كانَ مُشْتَقًّا مِنَ الرَّحْمَةِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَنزِلَةِ الرَّحِيمِ ولا الرّاحِمِ، بَلْ هو مِثْلُ الدَّبَرانِ وإنْ كانَ مُشْتَقًّا مِن دَبَرَ صِيغَ لِلْعَلَمِيَّةِ، فَجاءَ عَلى بِناءٍ لا يَكُونُ في النُّعُوتِ، قالَ: ويَدُلُّ عَلى عَلَمِيَّتِهِ ووُرُودِهِ غَيْرَ تابِعٍ لِاسْمٍ قَبْلَهُ، قالَ - تَعالى -: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [الرحمن: ١] ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ٢]، وإذا ثَبَتَتِ العَلَمِيَّةُ امْتَنَعَ النَّعْتُ فَتَعَيَّنَ البَدَلُ. قالَ أبُو زَيْدٍ السُّهَيْلِيُّ: البَدَلُ فِيهِ عِنْدِي مُمْتَنِعٌ، وكَذَلِكَ عَطْفُ البَيانِ؛ لِأنَّ الِاسْمَ الأوَّلَ لا يَفْتَقِرُ إلى تَبْيِينٍ؛ لِأنَّهُ أعْرَفُ الأعْلامِ كُلِّها وأبْيَنُها، ألا تَراهم قالُوا: وما الرَّحْمَنُ، ولَمْ يَقُولُوا: وما اللَّهُ، فَهو وصْفٌ يُرادُ بِهِ الثَّناءُ وإنْ كانَ يَجْرِي مَجْرى الأعْلامِ.
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] قِيلَ: دَلالَتُهُما واحِدٌ نَحْوَ نَدْمانَ ونَدِيمٍ. وقِيلَ مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ، فالرَّحْمَنُ أكْثَرُ مُبالَغَةً، (p-١٧)وكانَ القِياسُ التَّرَقِّي كَما تَقُولُ: عالِمٌ نِحْرِيرٌ، وشُجاعٌ باسِلٌ، لَكِنْ أرْدَفَ الرَّحْمَنَ الَّذِي يَتَناوَلُ جَلائِلَ النِّعَمِ وأُصُولَها بِالرَّحِيمِ لِيَكُونَ كالتَّتِمَّةِ والرَّدِيفِ لِيَتَناوَلَ ما دَقَّ مِنها ولَطُفَ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: الرَّحِيمُ أكْثَرُ مُبالَغَةً، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ جِهَةَ المُبالَغَةِ مُخْتَلِفَةٌ، فَلِذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَهُما، فَلا يَكُونُ مِن بابِ التَّوْكِيدِ. فَمُبالَغَةُ فَعْلانَ مِثْلَ غَضْبانَ وسَكْرانَ مِن حَيْثُ الِامْتِلاءُ والغَلَبَةُ، ومُبالَغَةُ فَعِيلٍ مِن حَيْثُ التَّكْرارُ والوُقُوعُ بِمَحالِّ الرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ لا يَتَعَدّى فَعْلانُ ويَتَعَدّى فَعِيلٌ. تَقُولُ: زَيْدٌ رَحِيمُ المَساكِينِ، كَما تَعَدّى فاعِلًا، قالُوا: زَيْدٌ حَفِيظُ عِلْمِكَ وعِلْمِ غَيْرِكَ، حَكاهُ ابْنُ سِيدَهْ عَنِ العَرَبِ. ومَن رَأى أنَّهُما بِمَعْنًى واحِدٍ ولَمْ يَذْهَبْ إلى تَوْكِيدِ أحَدِهِما بِالآخَرِ احْتاجَ أنَّهُ يَخُصُّ كُلَّ واحِدٍ بِشَيْءٍ، وإنْ كانَ أصْلُ المَوْضُوعِ عِنْدَهُ واحِدًا لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ عَنِ التَّأْكِيدِ، فَقالَ مُجاهِدٌ: رَحْمانُ الدُّنْيا ورَحِيمُ الآخِرَةِ. ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الرَّحْمَنُ رَحْمانُ الدُّنْيا والرَّحِيمُ رَحِيمُ الآخِرَةِ» . وإذا صَحَّ هَذا التَّفْسِيرُ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: رَحْمانُ الآخِرَةِ ورَحِيمُ الدُّنْيا. وقالَ الضَّحّاكُ: لِأهْلِ السَّماءِ والأرْضِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: بِرَحْمَةٍ واحِدَةٍ وبِمِائَةِ رَحْمَةٍ. وقالَ المَزْنِيُّ: بِنِعْمَةِ الدُّنْيا والدِّينِ. وقالَ العَزِيزِيُّ: الرَّحْمَنُ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ في الأمْطارِ، ونِعَمِ الحَواسِّ، والنِّعَمِ العامَّةِ، الرَّحِيمُ بِالمُؤْمِنِينَ في الهِدايَةِ لَهم واللُّطْفِ بِهِمْ، وقالَ المُحاسِبِيُّ: بِرَحْمَةِ النُّفُوسِ ورَحْمَةِ القُلُوبِ. وقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: لِمَصالِحِ المَعادِ والمَعاشِ. وقالَ الصّادِقُ: خاصُّ اللَّفْظِ بِصِيغَةٍ عامَّةٍ في الرِّزْقِ، وعامُّ اللَّفْظِ بِصِيغَةٍ خاصَّةٍ في مَغْفِرَةِ المُؤْمِنِ. وقالَ ثَعْلَبٌ: الرَّحْمَنُ أمْدَحُ والرَّحِيمُ ألْطَفُ، وقِيلَ: الرَّحْمَنُ المُنْعِمُ بِما لا يُتَصَوَّرُ جِنْسُهُ مِنَ العِبادِ، والرَّحِيمُ المُنْعِمُ بِما يُتَصَوَّرُ جِنْسُهُ مِنَ العِبادِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الرَّحْمَنُ اسْمٌ عامٌّ في جَمِيعِ أنْواعِ الرَّحْمَةِ يَخْتَصُّ بِهِ اللَّهُ، والرَّحِيمُ إنَّما هو في جِهَةِ المُؤْمِنِينَ، كَما قالَ - تَعالى -: ﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] . ووَصْفُ اللَّهِ - تَعالى - بِالرَّحْمَةِ مَجازٌ عَنْ إنْعامِهِ عَلى عِبادِهِ، ألا تَرى أنَّ المَلِكَ إذا عَطَفَ عَلى رَعِيَّتِهِ ورَقَّ لَهم أصابَهم إحْسانُهُ فَتَكُونُ الرَّحْمَةُ إذْ ذاكَ صِفَةَ فِعْلٍ ؟ وقالَ قَوْمٌ: هي إرادَةُ الخَيْرِ لِمَن أرادَ اللَّهُ - تَعالى - بِهِ ذَلِكَ، فَتَكُونُ عَلى هَذا صِفَةَ ذاتٍ، ويَنْبَنِي عَلى هَذا الخِلافِ خِلافٌ آخَرُ، وهو أنَّ صِفاتِ اللَّهِ - تَعالى - الذّاتِيَّةَ والفِعْلِيَّةَ أهِيَ قَدِيمَةٌ أمْ صِفاتُ الذّاتِ قَدِيمَةٌ وصِفاتُ الفِعْلِ مُحْدَثَةٌ ؟ قَوْلانِ. وأمّا الرَّحْمَةُ الَّتِي مِنَ العِبادِ فَقِيلَ هي رِقَّةٌ تَحْدُثُ في القَلْبِ، وقِيلَ هي قَصْدُ الخَيْرِ أوْ دَفْعُ الشَّرِّ؛ لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَدْفَعُ الشَّرَّ عَمَّنْ لا يَرِقُّ عَلَيْهِ، ويُوصِلُ الخَيْرَ إلى مَن لا يَرِقُّ عَلَيْهِ.
وفِي البَسْمَلَةِ مِن ضُرُوبِ البَلاغَةِ نَوْعانِ: (أحَدُهُما) الحَذْفُ، وهو ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الباءُ في بِسْمِ، وقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ، والحَذْفُ قِيلَ لِتَخْفِيفِ اللَّفْظِ، كَقَوْلِهِمْ بِالرَّفاءِ والبَنِينَ، بِاليُمْنِ والبَرَكَةِ، فَقُلْتُ إلى الطَّعامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ”في تِسْعِ آياتٍ“ أيْ أعْرَسْتُ وهَلُمُّوا واذْهَبْ، قالَ أبُو القاسِمِ السُّهَيْلِيِّ: ولَيْسَ كَما زَعَمُوا، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ كانَ إظْهارُهُ وإضْمارُهُ في كُلِّ ما يُحْذَفُ تَخْفِيفًا، ولَكِنْ في حَذْفِهِ فائِدَةٌ، وذَلِكَ أنَّهُ مَوْطِنٌ يَنْبَغِي أنْ لا يُقَدَّمَ فِيهِ سِوى ذِكْرُ اللَّهِ - تَعالى - فَلَوْ ذُكِرَ الفِعْلَ، وهو لا يَسْتَغْنِي عَنْ فاعِلِهِ، لَمْ يَكُنْ ذِكْرُ اللَّهِ مُقَدَّمًا، وكانَ في حَذْفِهِ مُشاكَلَةُ اللَّفْظِ لِلْمَعْنى، كَما تَقُولُ في الصَّلاةِ: اللَّهُ أكْبَرُ، ومَعْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، ولَكِنْ يُحْذَفُ لِيَكُونَ اللَّفْظُ في اللِّسانِ مُطابِقًا لِمَقْصُودِ القَلْبِ، وهو أنْ لا يَكُونَ في القَلْبِ ذِكْرٌ إلّا اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - . ومِنَ الحَذْفِ أيْضًا حَذْفُ الألِفِ في بِسْمِ اللَّهِ وفي الرَّحْمَنِ في الخَطِّ، وذَلِكَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ. (النَّوْعُ الثّانِي): التَّكْرارُ في الوَصْفِ، ويَكُونُ إمّا لِتَعْظِيمِ المَوْصُوفِ أوْ لِلتَّأْكِيدِ لِيَتَقَرَّرَ في النَّفْسِ. وقَدْ تَعَرَّضَ المُفَسِّرُونَ في كُتُبِهِمْ لِحُكْمِ التَّسْمِيَةِ في الصَّلاةِ، وذَكَرُوا اخْتِلافَ العُلَماءِ في ذَلِكَ، وأطالُوا التَّفارِيعَ في ذَلِكَ، وكَذَلِكَ فَعَلُوا في غَيْرِ ما آيَةٍ، ومَوْضُوعُ هَذا كُتُبُ الفِقْهِ، وكَذَلِكَ تَكَلَّمَ بَعْضُهم عَلى التَّعَوُّذِ وعَلى حُكْمِهِ، ولَيْسَ مِنَ القُرْآنِ بِإجْماعٍ. ونَحْنُ في كِتابِنا هَذا لا نَتَعَرَّضُ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، إلّا إذا كانَ لَفْظُ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ (p-١٨)الحُكْمِ، أوْ يُمْكِنُ اسْتِنْباطُهُ مِنهُ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الِاسْتِنْباطاتِ. واخْتُلِفَ في وصْلِ الرَّحِيمِ بِالحَمْدِ، فَقَرَأ قَوْمٌ مِنَ الكُوفِيِّينَ بِسُكُونِ المِيمِ ويَقِفُونَ عَلَيْها ويَبْتَدِئُونَ بِهَمْزَةٍ مَقْطُوعَةٍ، والجُمْهُورُ عَلى جَرِّ المِيمِ ووَصْلِ الألِفِ مِنَ الحَمْدِ. وحَكى الكِسائِيُّ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ إنَّهُ يَقْرَأُ الرَّحِيمَ الحَمْدُ بِفَتْحِ المِيمِ وصِلَةِ الألِفِ، كَأنَّكَ سَكَّنْتَ المِيمَ وقَطَعْتَ الألِفَ، ثُمَّ ألْقَيْتَ حَرَكَتَها عَلى المِيمِ وحَذَفْتَ ولَمْ تُرْوَ هَذِهِ قِراءَةً عَنْ أحَدٍ.
1:2Page 1
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢
[All] praise is [due] to Allāh, Lord1 of the worlds -
﴿الحَمْدُ﴾ الثَّناءُ عَلى الجَمِيلِ مِن نِعْمَةٍ أوْ غَيْرِها بِاللِّسانِ وحْدَهُ، ونَقِيضُهُ الذَّمُّ، ولَيْسَ مَقْلُوبَ مَدَحَ، خِلافًا لِابْنِ الأنْبارِيِّ، إذْ هُما في التَّصْرِيفاتِ مُتَساوِيانِ، وإذْ قَدْ يَتَعَلَّقُ المَدْحُ بِالجَمادِ، فَتَمْدَحُ جَوْهَرَةً ولا يُقالُ تَحْمَدُ، والحَمْدُ والشُّكْرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، أوِ الحَمْدُ أعَمُّ، والشُّكْرُ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ - تَعالى - بِأفْعالِهِ، والحَمْدُ ثَناءٌ بِأوْصافِهِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ أصَحُّها أنَّهُ أعَمُّ، فالحامِدُ قِسْمانِ: شاكِرٌ ومُثْنٍ بِالصِّفاتِ.
﴿لِلَّهِ﴾ اللّامُ: لِلْمِلْكِ وشِبْهِهِ، ولِلتَّمْلِيكِ وشِبْهِهِ، ولِلِاسْتِحْقاقِ، ولِلنَّسَبِ، ولِلتَّعْلِيلِ، ولِلتَّبْلِيغِ، ولِلتَّعَجُّبِ، ولِلتَّبْيِينِ، ولِلصَّيْرُورَةِ، ولِلظَّرْفِيَّةِ بِمَعْنى في أوْ عِنْدَ أوْ بَعْدُ، ولِلِانْتِهاءِ، ولِلِاسْتِعْلاءِ مِثْلُ: ذَلِكَ المالُ لِزَيْدٍ، أدُومُ لَكَ ما تَدُومُ لِي، ووَهَبْتُ لَكَ دِينارًا، ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [النحل: ٧٢]، الجِلْبابُ لِلْجارِيَةِ، لِزَيْدٍ عَمٌّ، ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١٠٥]، قُلْتُ لَكَ، ولِلَّهِ عَيْنًا، مَن رَأى، مَن تَفَوَّقَ، ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣] ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، ﴿القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، كُتِبَ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ، ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ﴿سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [الأعراف: ٥٧]، ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] .
﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ الرَّبُّ: السَّيِّدُ والمالِكُ والثّابِتُ والمَعْبُودُ والمُصْلِحُ، وزادَ بَعْضُهم بِمَعْنى الصّاحِبِ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ:
؎فَدَنا لَهُ رَبُّ الكِلابِ بِكَفِّهِ بِيضٌ رِهافٌ رِيشُهُنَّ مُقَزَّعُ.
وبَعْضُهم بِمَعْنى الخالِقِ العالِمِ لا مُفْرِدَ لَهُ كالأنامِ، واشْتِقاقُهُ مِنَ العِلْمِ أوِ العَلامَةِ، ومَدْلُولُهُ كُلُّ ذِي رُوحٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ النّاسُ، قالَهُ البَجَلِيُّ، أوِ الإنْسُ والجِنُّ والمَلائِكَةُ، قالَهُ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ الإنْسُ والجِنُّ والمَلائِكَةُ والشَّياطِينُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ، أوِ الثَّقَلانِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أوْ بَنُو آدَمَ، قالَهُ أبُو مُعاذٍ، أوْ أهْلُ الجَنَّةِ والنّارِ، قالَهُ الصّادِقُ، أوِ المُرْتَزِقُونَ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ، أوْ كُلُّ مَصْنُوعٍ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، أوِ الرَّوحانِيُّونَ، قالَهُ بَعْضُهم، ونُقِلَ عَنِ المُتَقَدِّمِينَ أعْدادٌ مُخْتَلِفَةٌ في العالَمِينَ وفي مَقارِّها، اللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّحِيحِ. والجُمْهُورُ قَرَءُوا بِضَمِّ دالِّ الحَمْدِ، وأتْبَعَ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ مِيمَهُ لامَ الجَرِّ لِضَمَّةِ الدّالِ، كَما أتْبَعَ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَسْرَةَ الدّالِ لِكَسْرَةِ اللّامِ، وهي أغْرَبُ؛ لِأنَّ فِيهِ إتْباعُ حَرَكَةِ مُعْرَبٍ لِحَرَكَةِ غَيْرِ إعْرابٍ، والأوَّلُ بِالعَكْسِ. وفي قِراءَةِ الحَسَنِ احْتِمالُ أنْ يَكُونَ الإتْباعُ في مَرْفُوعٍ أوْ مَنصُوبٍ، ويَكُونُ الإعْرابُ إذْ ذاكَ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُقَدَّرًا مَنَعَ مِن ظُهُورِهِ شَغْلَ الكَلِمَةِ بِحَرَكَةِ الإتْباعِ، كَما في المَحْكِيِّ والمُدْغَمِ. وقَرَأ هارُونُ العَتَكِيُّ ورُؤْبَةُ وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ الحَمْدَ بِالنَّصْبِ. والحَمْدُ مَصْدَرٌ مُعَرَّفٌ بِألْ، إمّا لِلْعَهْدِ، أيِ الحَمْدُ المَعْرُوفُ بَيْنَكم لِلَّهِ، أوْ لِتَعْرِيفِ الماهِيَّةِ، كَـ (الدِّينارُ خَيْرٌ مِنَ الدِّرْهَمِ)، أيْ: أيُّ دِينارٍ كانَ فَهو خَيْرٌ مِن أيِّ دِرْهَمٍ كانَ، فَيَسْتَلْزِمُ إذْ ذاكَ الأحْمِدَةَ كُلَّها، أوْ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ، فَيَدُلُّ عَلى اسْتِغْراقِ الأحْمِدَةِ كُلِّها بِالمُطابَقَةِ. والأصْلُ في الحَمْدِ لا يُجْمَعُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ. وحَكى ابْنُ الأعْرابِيِّ: جَمْعَهُ عَلى أحْمَدَ، كَأنَّهُ راعى فِيهِ جامِعُهُ اخْتِلافَ الأنْواعِ، قالَ:
؎وأبْلَجَ مَحْمُودِ الثَّناءِ خَصَصْتُهُ ∗∗∗ بِأفْضَلِ أقْوالِي وأفْضَلَ أحْمُدِي.
وقِراءَةُ الرَّفْعِ أمْكَنُ في المَعْنى، ولِهَذا أجْمَعَ عَلَيْها السَّبْعَةُ؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الحَمْدِ واسْتِقْرارِهِ لِلَّهِ - تَعالى - فَيَكُونُ قَدْ أخْبَرَ بِأنَّ الحَمْدَ مُسْتَقِرٌّ لِلَّهِ - تَعالى - أيْ حَمْدُهُ وحَمْدُ غَيْرِهِ. ومَعْنى اللّامُ في لِلَّهِ الِاسْتِحْقاقُ، ومَن (p-١٩)نَصَبَ فَلا بُدَّ مِن عامِلٍ تَقْدِيرُهُ أحْمَدُ اللَّهَ أوْ حَمِدْتُ اللَّهَ، فَيَتَخَصَّصُ الحَمْدُ بِتَخْصِيصِ فاعِلِهِ، وأشْعَرَ بِالتَّجَدُّدِ والحُدُوثِ، ويَكُونُ في حالَةِ النَّصْبِ مِنَ المَصادِرِ الَّتِي حُذِفَتْ أفْعالُها وأُقِيمَتْ مَقامَها، وذَلِكَ في الأخْبارِ، نَحْوَ شُكْرًا لا كُفْرًا. وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ العامِلَ لِلنَّصْبِ فِعْلًا غَيْرَ مُشْتَقٍّ مِنَ الحَمْدِ، أيْ أقُولُ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾، أوِ الزَمُوا الحَمْدَ لِلَّهِ، كَما حَذَفُوهُ مِن نَحْوِ اللَّهُمَّ ضَبْعًا وذِئْبًا، والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ لِدَلالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ. وفي قِراءَةِ النَّصْبِ اللّامُ لِلتَّبْيِينِ، كَما قالَ أعْنِي لِلَّهِ، ولا تَكُونُ مُقَوِّيَةً لِلتَّعْدِيَةِ، فَيَكُونُ لِلَّهِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالمَصْدَرِ لِامْتِناعِ عَمَلِهِ فِيهِ. قالُوا: سُقْيًا لِزَيْدٍ، ولَمْ يَقُولُوا: سُقْيًا زَيْدًا، فَيُعْمِلُونَهُ فِيهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن مَعْمُولِ المَصْدَرِ، بَلْ صارَ عَلى عامِلٍ آخَرَ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطائِفَةٌ (رَبَّ العالَمِينَ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وهي فَصِيحَةٌ لَوْلا خَفْضُ الصِّفاتِ بَعْدَها، وضَعُفَتْ إذْ ذاكَ. عَلى أنَّ الأهْوازِيَّ حَكى في قِراءَةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ أنَّهُ قَرَأ (رَبَّ العالَمِينَ) (الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ) بِنَصْبِ الثَّلاثَةِ، فَلا ضَعْفَ إذْ ذاكَ، وإنَّما تَضْعُفُ قِراءَةُ نَصْبِ رَبٍّ وخَفْضِ الصِّفاتِ بَعْدَها لِأنَّهم نَصُّوا أنَّهُ لا إتْباعَ بَعْدَ القَطْعِ في النُّعُوتِ، لَكِنَّ تَخْرِيجَها عَلى أنْ يَكُونَ الرَّحْمَنُ بَدَلًا، ولا سِيَّما عَلى مَذْهَبِ الأعْلَمِ، إذْ لا يُجِيزُ في الرَّحْمَنِ أنْ يَكُونَ صِفَةً، وحَسَّنَ ذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ غَيْرِهِ كَوْنُهُ وصْفًا خاصًّا وكَوْنُ البَدَلِ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ، فَكَأنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ مِن جُمْلَةٍ أُخْرى، فَحَسُنَ النَّصْبُ. وقَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهُ نَصَبَ ”رَبِّ“ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: نَحْمَدُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ، ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ مُراعاةُ التَّوَهُّمِ، وهو مِن خَصائِصِ العَطْفِ، ولا يَنْقاسُ فِيهِ. ومَن زَعَمَ أنَّهُ نَصَبَهُ عَلى البَدَلِ فَضَعِيفٌ لِلْفَصْلِ بِقَوْلِهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ورَبُّ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ عَلى أحَدِ وُجُوهِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، أوِ اسْمُ فاعِلٍ حُذِفَتْ ألِفُهُ، فَأصْلُهُ رابٌّ، كَما قالُوا: رَجُلٌ بارٌّ وبَرٌّ، وأطْلَقُوا الرَّبَّ عَلى اللَّهِ وحْدَهُ، وفي غَيْرِهِ قُيِّدَ بِالإضافَةِ نَحْوَ رَبِّ الدّارِ. وألْ في العالَمِينَ لِلِاسْتِغْراقِ، وجَمْعُ العالَمِ شاذٌّ لِأنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، وجَمْعُهُ بِالواوِ والنُّونِ أشَذُّ لِلْإخْلالِ بِبَعْضِ الشُّرُوطِ الَّتِي لِهَذا الجَمْعِ، والَّذِي أخْتارُهُ أنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلى المُكَلَّفِينَ لِقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢]، وقِراءَةُ حَفْصٍ بِكَسْرِ اللّامِ تُوَضِّحُ ذَلِكَ.
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِما في البَسْمَلَةِ، وهُما مَعَ قَوْلِهِ ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] صِفاتُ مَدْحٍ؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُما عَلَمٌ لَمْ يَعْرِضْ في التَّسْمِيَةِ بِهِ اشْتَراكٌ فَيُخَصَّصُ، وبَدَأ أوَّلًا بِالوَصْفِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، فَإنْ كانَ الرَّبُّ بِمَعْنى السَّيِّدِ أوْ بِمَعْنى المالِكِ أوْ بِمَعْنى المَعْبُودِ كانَ صِفَةَ فِعْلٍ لِلْمَوْصُوفِ بِها التَّصْرِيفُ في المَسُودِ والمَمْلُوكِ والعابِدِ بِما أرادَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَناسَبَ ذَلِكَ الوَصْفُ بِالرَّحْمانِيَّةِ والرَّحِيمِيَّةِ، لِيَنْبَسِطَ أمَلُ العَبْدِ في العَفْوِ إنْ زَلَّ، ويَقْوى رَجاؤُهُ إنْ هَفا، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الرَّبُّ بِمِعْنى الثّابِتِ ولا بِمَعْنى الصّاحِبِ؛ لِامْتِناعِ إضافَتِهِ إلى العالَمِينَ، وإنْ كانَ بِمَعْنى المُصْلِحِ كانَ الوَصْفُ بِالرَّحْمَةِ مُشْعِرًا بِقِلَّةِ الإصْلاحِ؛ لِأنَّ الحامِلَ لِلشَّخْصِ عَلى إصْلاحِ حالِ الشَّخْصِ رَحْمَتُهُ لَهُ. ومَضْمُونُ الجُمْلَةِ والوَصْفِ أنَّ مَن كانَ مَوْصُوفًا بِالرُّبُوبِيَّةِ والرَّحْمَةِ لِلْمَرْبُوبِينَ كانَ مُسْتَحِقًّا لِلْحَمْدِ. وخَفَضَ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الجُمْهُورُ، ونَصَبَهُما أبُو العالِيَةِ وابْنُ السَّمَيْفَعِ وعِيسى بْنُ عَمْرٍو، ورَفَعَهُما أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ وأبُو عِمْرانَ الجُونِيُّ، فالخَفْضُ عَلى النَّعْتِ، وقِيلَ في الخَفْضِ: إنَّهُ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا، والنَّصْبُ والرَّفْعُ لِلْقَطْعِ. وفي تَكْرارِ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إنْ كانَتِ التَّسْمِيَةُ آيَةً مِنَ الفاتِحَةِ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ قَدْرِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ وتَأْكِيدُ أمْرِهِما، وجَعَلَ مَكِّيٌّ تَكْرارَها دَلِيلًا عَلى أنَّ التَّسْمِيَةَ لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنَ الفاتِحَةِ، قالَ: إذْ لَوْ كانَتْ آيَةً لَكُنّا قَدْ أتَيْنا بِآيَتَيْنِ مُتَجاوِرَتَيْنِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهَذا لا يُوجَدُ إلّا بِفَواصِلَ تَفْصِلُ بَيْنَ الأُولى والثّانِيَةِ. قالَ: والفَصْلُ بَيْنَهُما بِـ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] كَلا فَصْلٍ، قالَ: لِأنَّهُ مُؤَخَّرٌ يُرادُ بِهِ التَّقْدِيمُ تَقْدِيرُهُ الحَمْدُ لِلَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رَبِّ العالَمِينَ، وإنَّما قُلْنا بِالتَّقْدِيمِ لِأنَّ مُجاوَرَةَ الرَّحْمَةِ بِالحَمْدِ أوْلى، ومُجاوَرَةَ المَلِكِ بِالمُلْكِ أولى. قالَ: (p-٢٠)والتَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، وكَلامُ مَكِّيٍّ مَدْخُولٌ مِن غَيْرِ وجْهٍ، ولَوْلا جَلالَةُ قائِلِهِ نَزَّهْتُ كِتابِي هَذا عَنْ ذِكْرِهِ. والتَّرْتِيبُ القُرْآنِيُّ جاءَ في غايَةِ الفَصاحَةِ لِأنَّهُ - تَعالى - وصَفَ نَفْسَهُ بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وصِفَةِ الرَّحْمَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ شَيْئَيْنِ أحَدُهُما مِلْكُهُ يَوْمَ الجَزاءِ، والثّانِي العِبادَةُ. فَناسَبَ الرُّبُوبِيَّةَ المُلْكُ، والرَّحْمَةَ العِبادَةُ. فَكانَ الأوَّلُ لِلْأوَّلِ والثّانِي لِلثّانِي.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في عِلْمِ التَّفْسِيرِ الوَقْفَ، وقَدِ اخْتُلِفَ في أقْسامِهِ، فَقِيلَ: تامٌّ وكافٌّ وقَبِيحٌ وغَيْرُ ذَلِكَ. وقَدْ صَنَّفَ النّاسُ في ذَلِكَ كُتُبًا مُرَتَّبَةً عَلى السُّوَرِ، كَكِتابِ أبِي عَمْرٍو الدّانِيِّ وكِتابِ الكِرْمانِيِّ وغَيْرِهِما، ومَن كانَ عِنْدَهُ حَظٌّ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ اسْتَغْنى عَنْ ذَلِكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences