Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
الحديد
Al-Hadid
The Iron · Medinan · 29 ayahs
57:1–6Page 537
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١
Whatever is in the heavens and earth exalts Allāh,1 and He is the Exalted in Might, the Wise.
لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٢
His is the dominion of the heavens and earth. He gives life and causes death, and He is over all things competent.
هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٣
He is the First1 and the Last,2 the Ascendant3 and the Intimate,4 and He is, of all things, Knowing.
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۖ وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٤
It is He who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne.1 He knows what penetrates into the earth and what emerges from it and what descends from the heaven and what ascends therein; and He is with you2 wherever you are. And Allāh, of what you do, is Seeing.
لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٥
His is the dominion of the heavens and earth. And to Allāh are returned [all] matters.
يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۚ وَهُوَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٦
He causes the night to enter the day and causes the day to enter the night, and He is Knowing of that within the breasts.
سُورَةُ الحَدِيدِ مَدَنِيَّةٌ وهي تِسْعٌ وعِشْرُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وهو عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .
قالَ النَّقّاشُ وغَيْرُهُ: هَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقالَ غَيْرُهُ، كالزَّمَخْشَرِيِّ: هي مَكِّيَّةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا خِلافَ أنَّ فِيها قُرْآنًا مَدَنِيًّا، لَكِنْ يُشْبِهُ صَدْرُها أنْ (p-٢١٧)يَكُونُ مَكِّيًّا.
ومُناسَبَةُ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِآخِرِ ما قَبْلَها واضِحَةٌ، لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالتَّسْبِيحِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ التَّسْبِيحَ المَأْمُورَ بِهِ قَدْ فَعَلَهُ والتَزَمَهُ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ، وأتى سَبِّحْ بِلَفْظِ الماضِي، ويُسَبِّحُ بِلَفْظِ المُضارِعِ، وكُلُّهُ يَدُلُّ عَلى الدَّيْمُومَةِ والِاسْتِمْرارِ، وإنَّ ذَلِكَ دَيْدَنُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ. والتَّسْبِيحُ هُنا عِنْدَ الأكْثَرِينَ بِمَعْنى التَّنْزِيهِ المَعْرُوفِ في قَوْلِهِمْ: سُبْحانَ اللَّهِ، فَقِيلَ: هو حَقِيقَةٌ في الجَمِيعِ، وقِيلَ: فِيمَن يُمْكِنُ التَّسْبِيحُ مِنهم، وقِيلَ: مَجازٌ، بِمَعْنى: أنَّ أثَرَ الصَّنْعَةِ فِيها يُنَبِّهُ الرّائِي عَلى التَّسْبِيحِ. وقِيلَ: التَّسْبِيحُ هُنا الصَّلاةُ، فَفي الجَمادِ بَعِيدٌ، وفي الكافِرِ سُجُودُ ظِلِّهِ صَلاتُهُ، وفي المُؤْمِنِ ذَلِكَ سائِغٌ، واللّامُ في (لِلَّهِ)، إمّا أنْ تَكُونَ بِمَنزِلَةِ اللّامِ في: نَصَحْتُ لِزَيْدٍ، يُقالُ: سَبِّحِ اللَّهَ، كَما يُقالُ؛ نَصَحْتُ زَيْدًا، فَجِيءَ بِاللّامِ لِتَقْوِيَةِ وُصُولِ الفِعْلِ إلى المَفْعُولِ؛ وإمّا أنْ تَكُونَ لامَ التَّعْلِيلِ، أيْ أحْدِثِ التَّسْبِيحَ لِأجْلِ اللَّهِ، أيْ لِوَجْهِهِ خالِصًا.
﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾: جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ لِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . لَمّا أخْبَرَ بِأنَّهُ لَهُ المُلْكُ، أخْبَرَ عَنْ ذاتِهِ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ العَظِيمَيْنِ اللَّذَيْنِ بِهِما تَمامُ التَّصَرُّفِ في المُلْكِ، وهو إيجادُ ما شاءَ وإعْدامُ ما شاءَ، ولِذَلِكَ أعْقَبَ بِالقُدْرَةِ الَّتِي بِها الإحْياءُ والإماتَةُ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ، أيْ هو يُحْيِي ويُمِيتُ. وأنْ يَكُونَ حالًا، وذُو الحالِ الضَّمِيرُ في لَهُ، والعامِلُ فِيها العامِلُ في الجارِّ والمَجْرُورِ.
﴿هُوَ الأوَّلُ﴾: الَّذِي لَيْسَ لِوُجُودِهِ بِدايَةٌ مُفْتَتَحَةٌ، (والآخِرُ): أيِ الدّائِمُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ نِهايَةٌ مُنْقَضِيَةٌ. وقِيلَ: الأوَّلُ الَّذِي كانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، والآخِرُ الَّذِي يَبْقى بَعْدَ هَلاكِ كُلِّ شَيْءٍ. (والظّاهِرُ) بِالأدِلَّةِ ونَظَرِ العُقُولِ في صِفَتِهِ، (والباطِنُ) لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُدْرَكٍ بِالحَواسِّ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ: الأوَّلُ بِالأزَلِيَّةِ، والآخِرُ بِالأبَدِيَّةِ. وقِيلَ: (الظّاهِرُ) العالِي عَلى كُلِّ شَيْءٍ، الغالِبُ لَهُ مَن ظَهَرَ عَلَيْهِ إذا عَلاهُ وغَلَبَهُ؛ (والباطِنُ): الَّذِي بَطَنَ كُلَّ شَيْءٍ، أيْ عَلِمَ باطِنَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ فَإنْ قُلْتَ: فَما مَعْنى الواوِ ؟ قُلْتُ: الواوُ الأُولى مَعْناها الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ الجامِعُ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ الأوَّلِيَّةِ والآخِرِيَّةِ؛ والثّانِيَةُ عَلى أنَّهُ الجامِعُ بَيْنَ الظُّهُورِ والخَفاءِ؛ وأمّا الوُسْطى فَعَلى أنَّهُ الجامِعُ بَيْنَ مَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ ومَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ. فَهو المُسْتَمِرُّ الوُجُودِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ الماضِيَةِ والآتِيَةِ، وهو في جَمِيعِها ظاهِرٌ وباطِنٌ جامِعُ الظُّهُورِ بِالأدِلَّةِ والخَفاءِ، فَلا يُدْرَكُ بِالحَواسِّ؛ وفي هَذا حُجَّةٌ عَلى مَن جَوَّزَ إدْراكَهُ في الآخِرَةِ بِالحاسَّةِ. انْتَهى، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.
﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ مِنَ المَطَرِ والأمْواتِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ مِنَ النَّباتِ والمَعادِنِ وغَيْرِها، ﴿وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والرَّحْمَةِ والعَذابِ وغَيْرِهِ، ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ مِنَ المَلائِكَةِ وصالِحِ الأعْمالِ وسَيِّئِها، ﴿وهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾: أيْ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ. قالَ الثَّوْرِيُّ: المَعْنى عِلْمُهُ مَعَكم، وهَذِهِ آيَةٌ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ فِيها، وأنَّها لا تُحْمَلُ عَلى ظاهِرِها مِنَ المَعِيَّةِ بِالذّاتِ، وهي حُجَّةٌ عَلى مَن مَنَعَ التَّأْوِيلَ في غَيْرِها مِمّا يُجْرى مَجْراها مِنِ اسْتِحالَةِ الحَمْلِ عَلى ظاهِرِها. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: فِيمَن يَمْتَنِعُ مِن تَأْوِيلِ ما لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى ظاهِرِهِ، وقَدْ تَأوَّلَ هَذِهِ الآيَةَ، وتَأوَّلَ «الحَجَرُ الأسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ في الأرْضِ»، لَوِ اتَّسَعَ عَقْلُهُ لَتَأوَّلَ غَيْرَ هَذا مِمّا هو في مَعْناهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ؛ (تُرْجَعُ)، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْرَجُ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ والأُمُورُ عامٌّ في جَمِيعِ المَوْجُوداتِ أعْراضِها وجَواهِرِها. وتَقَدَّمَ شَرْحُ ما قَبْلَ هَذا وما بَعْدَهُ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
57:7–11Page 538
ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَأَنفَقُواْ لَهُمۡ أَجۡرٞ كَبِيرٞ ٧
Believe in Allāh and His Messenger and spend out of that in which He has made you successive inheritors. For those who have believed among you and spent,1 there will be a great reward.
وَمَا لَكُمۡ لَا تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ لِتُؤۡمِنُواْ بِرَبِّكُمۡ وَقَدۡ أَخَذَ مِيثَٰقَكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨
And why do you not believe in Allāh while the Messenger invites you to believe in your Lord and He has taken your covenant, if you should [truly] be believers?
هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦٓ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لِّيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٩
It is He who sends down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] verses of clear evidence that He may bring you out from darknesses into the light. And indeed, Allāh is to you Kind and Merciful.
وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٠
And why do you not spend in the cause of Allāh while to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth? Not equal among you are those who spent before the conquest [of Makkah] and fought [and those who did so after it]. Those are greater in degree than they who spent afterwards and fought. But to all Allāh has promised the best [reward]. And Allāh, of what you do, is Aware.
مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُۥٓ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١١
Who is it that would loan Allāh a goodly loan so He will multiply it for him and he will have a noble reward?
(p-٢١٨)﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فالَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وأنْفَقُوا لَهم أجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والرَّسُولُ يَدْعُوكم لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكم وقَدْ أخَذَ مِيثاقَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وإنَّ اللَّهَ بِكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وما لَكم ألّا تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ ولَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ .
لَمّا ذَكَرَ تَعالى تَسْبِيحَ العالَمِ لَهُ، وما احْتَوى عَلَيْهِ مِنَ المُلْكِ والتَّصَرُّفِ، وما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الصِّفاتِ العُلا وخَتَمَها بِالعالِمِ بِخَفِيّاتِ الصُّدُورِ، أمَرَ تَعالى عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ بِالثَّباتِ عَلى الإيمانِ وإدامَتِهِ والنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى. قالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ.
﴿مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾: أيْ لَيْسَتْ لَكم بِالحَقِيقَةِ، وإنَّما انْتَقَلَتْ إلَيْكم مِن غَيْرِكم. وكَما وصَلَتْ إلَيْكم تَتْرُكُونَها لِغَيْرِكم، وفِيهِ تَزْهِيدٌ فِيما بِيَدِ النّاسِ، إذْ مَصِيرُهُ إلى غَيْرِهِ، ولَيْسَ لَهُ مِنهُ إلّا ما جاءَ في الحَدِيثِ: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مالِي مالِي، وهَلْ لَكَ مِن مالِكَ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ أوْ لَبِسْتَ فَأبْلَيْتَ أوْ تَصَدَّقْتَ فَأمْضَيْتَ» . وقِيلَ لِأعْرابِيٍّ: لِمَن هَذِهِ الإبِلُ ؟ فَقالَ: هي لِلَّهِ تَعالى عِنْدِي. أوْ يَكُونُ المَعْنى: إنَّهُ تَعالى أنْشَأ هَذِهِ الأمْوالَ، فَمَتَّعَكم بِها وجَعَلَكم خُلَفاءَ في التَّصَرُّفِ فِيها، فَأنْتُمْ فِيها بِمَنزِلَةِ الوُكَلاءِ، فَأنْفِقُوا مِنها في حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما لِلْمُؤْمِنَ المُنْفِقِ مِنَ الأجْرِ، ووَصَفَهَ بِالكَرَمِ لِيَصْرَعَهُ في أنْواعِ الثَّوابِ. قِيلَ: وفِيهِ إشارَةٌ إلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، حَيْثُ بَذَلَ تِلْكَ النَّفَقَةَ العَظِيمَةَ في جَيْشِ العُسْرَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، وهو اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ التَّأْنِيبِ والإنْكارِ: أيْ كَيْفَ لا تَثْبُتُونَ عَلى الإيمانِ ؟ ودَواعِي ذَلِكَ مَوْجُودَةٌ، وذَلِكَ رِكْزَةٌ فِيكم مِن دَلائِلِ العَقْلِ. ومُوجِبُ ذَلِكَ مِنَ السَّمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ لِهَذا الوَصْفِ الجَلِيلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ أخْذُ المِيثاقِ عَلَيْكم بِالإيمانِ، فَدَواعِي الإيمانِ مَوْجُودَةٌ، وأسْبابُهُ حاصِلَةٌ، فَلا مانِعَ مِنهُ، ولا عُذْرَ في تَرْكِهِ. و﴿لا تُؤْمِنُونَ﴾ حالٌ، كَما تَقُولُ: ما لَكَ لا تَقُومُ تُنْكِرُ عَلَيْهِ انْتِفاءَ قِيامِهِ ؟ (والرَّسُولُ): الواوُ واوُ الحالِ، فالجُمْلَةُ بَعْدَهُ حالٌ، وقَدْ أخَذَ حالٌ ثالِثَةٌ، وهَذا المِيثاقُ قِيلَ: هو الَّذِي أخَذَ عَلَيْهِمْ حِينَ الإخْراجِ مِن ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: ما نُصِبَ مِنَ الأدِلَّةِ ورُكِزَ في العُقُولِ مِنَ النَّظَرِ فِيها.
﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: شَرْطٌ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ لِمُوجِبٍ ما، فَهَذا هو المُوجِبُ لِإيمانِكم، أوْ إنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ يُؤْمِنُ، فَما لَكَمَ لا تُؤْمِنُونَ والحالَةُ هَذِهِ ؟ وهي دُعاءُ الرَّسُولِ وأخْذُ المِيثاقِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ فالآنَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وقَدْ أخَذَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (مِيثاقَكم) بِالنَّصْبِ؛ وأبُو عَمْرٍو: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، مِيثاقَكم رَفْعًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وإنَّما المَعْنى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والرَّسُولُ يَدْعُوكم لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكم وقَدْ أخَذَ مِيثاقَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يَقْتَضِي أنْ يُقَدَّرَ بِأثَرِهِ، فَأنْتُمْ في رُتَبٍ شَرِيفَةٍ وأقْدارٍ رَفِيعَةٍ.
﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: أيْ إنْ دُمْتُمْ عَلى ما بَدَأْتُمْ بِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ تَوْطِئَةَ ما يُوجِبُ الإيمانَ دُعاءَ الرَّسُولِ إيّاهم لِلْإيمانِ، ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى هو المُنَزِّلُ عَلى رَسُولِهِ، ﷺ، ما دَعا بِهِ إلى الإيمانِ، وذَلِكَ الآياتُ البَيِّناتُ المُعْجِزاتُ، لِيُخْرِجَكم مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ، أيِ اللَّهُ تَعالى، إذْ هو المُخْبِرُ عَنْهُ، أوِ الرَّسُولُ، ﷺ، لِأنَّهُ أقْرَبُ. وقُرِئَ في السَّبْعَةِ: (يُنَزِّلُ) مُضارِعًا، فَبَعْضٌ ثَقَّلَ وبَعْضٌ خَفَّفَ. وقِراءَةُ الحَسَنِ: بِالوَجْهَيْنِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأعْمَشُ: أنْزَلَ ماضِيًا، ووَصَفَ نَفْسَهُ تَعالى بِالرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ تَأْنِيسًا لَهم.
ولَمّا كانَ قَدْ أمَرَهم بِالإيمانِ والإنْفاقِ، ثُمَّ تَرَكَ تَأْنِيبَهم عَلى تَرْكِ الإيمانِ مَعَ حُصُولِ مُوجِبِهِ، أنَّبَهم عَلى تَرْكِ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ قِيامِ الدّاعِي لِذَلِكَ، وهو أنَّهم يَمُوتُونَ فَيُخَلِّفُونَهُ. ونَبَّهَ عَلى هَذا المُوجِبِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وهَذا مِن أبْلَغِ البَعْثِ عَلى الإنْفاقِ. وأنْ لا تُنْفِقُوا تَقْدِيرُهُ: في أنْ لا تُنْفِقُوا، فَمَوْضِعُهُ جَرٌّ أوْ نَصْبٌ عَلى الخِلافِ، وأنْ لَيْسَتْ زائِدَةً بَلْ مَصْدَرِيَّةً. وقالَ (p-٢١٩)الأخْفَشُ: في قَوْلِهِ: ﴿وما لَنا ألّا نُقاتِلَ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، إنَّها زائِدَةٌ عامِلَةٌ تَقْدِيرُهُ عِنْدَهُ: وما لَنا لا نُقاتِلُ، فَلِذَلِكَ عَلى مَذْهَبِهِ في تِلْكَ هُنا تَكُونُ أنْ، وتَقْدِيرُهُ: وما لَكم لا تُنْفِقُونَ، وقَدْ رُدَّ مَذْهَبُهُ في كُتُبِ النَّحْوِ.
﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ﴾، قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، إذْ كانَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ وهاجَرَ وأنْفَقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وكَذا مَن تابَعَهُ في السَّبْقِ في ذَلِكَ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً﴾ . وقِيلَ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ ناسًا مِنَ الصَّحابَةِ أنْفَقُوا نَفَقاتٍ جَلِيلَةً حَتّى قِيلَ: إنَّ هَؤُلاءِ أعْظَمُ أجْرًا مِن كُلِّ مَن أنْفَقَ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَضَمَّنَتْ تَبايُنَ ما بَيْنَ المُنْفِقِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿مِن قَبْلِ الفَتْحِ﴾؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، قِيلَ: بِغَيْرِ مِن. والفَتْحُ فَتْحُ مَكَّةَ، وهو المَشْهُورُ، وقَوْلُ قَتادَةَ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ومُجاهِدٍ. وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ والشَّعْبِيُّ: هو فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ الفَتْحِ كَوْنُهُ فَتْحًا، ورَفَعَهُ أبُو سَعِيدٍ إلى النَّبِيِّ، ﷺ: «إنَّ أفْضَلَ ما بَيْنَ الهِجْرَتَيْنِ فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ» . والظّاهِرُ أنَّ (مَن) فاعِلُ (لا يَسْتَوِي)، وحُذِفَ مُقابِلُهُ، وهو مَن أنْفَقَ مِن بَعْدِ الفَتْحِ وقاتَلَ، لِوُضُوحِ المَعْنى.
(أُولَئِكَ): أيِ الَّذِينَ أنْفَقُوا قَبْلَ الفَتْحِ وقَبْلَ انْتِشارِ الإسْلامِ وفُشُوِّهِ واسْتِيلاءِ المُسْلِمِينَ عَلى أُمِّ القُرى، وهُمُ السّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ جاءَ في حَقِّهِمْ قَوْلُهُ، ﷺ: «لَوْ أنْفَقَ أحَدُكم مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ» . وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الفاعِلَ بِـ ”لا يَسْتَوِي“ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى الإنْفاقِ، أيْ لا يَسْتَوِي، هو الإنْفاقُ، أيْ جِنْسُهُ، إذْ مِنهُ ما هو قَبْلَ الفَتْحِ وبَعْدَهُ؛ ومَن أنْفَقَ مُبْتَدَأٌ، وأُولَئِكَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرِ مَن، وهَذا فِيهِ تَفْكِيكٌ لِلْكَلامِ، وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ مُوجِبٍ. وحَذْفُ المَعْطُوفِ لِدَلالَةِ المُقابِلِ كَثِيرَةٌ، فَأنْفَقَ لا سِيَّما المَعْطُوفِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ وضْعُ الفِعْلِ، وهو يَسْتَوِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وكُلًّا) بِالنَّصْبِ، وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِوَعَدَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعَبْدُ الوارِثِ مِن طَرِيقِ المادِرِ أيْ: وكُلٌّ بِالرَّفْعِ والظّاهِرُ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وقَدْ أجازَ ذَلِكَ الفَرّاءُ وهِشامٌ، ورُدَّ في السَّبْعَةِ، فَوَجَبَ قَبُولُهُ؛ وإنْ كانَ غَيْرُهُما مِنَ النُّحاةِ قَدْ خَصَّ حَذْفَ الضَّمِيرِ الَّذِي حُذِفَ مِن مِثْلِ وعَدَ بِالضَّرُورَةِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎وخالِدٌ تَحْمَدُ ساداتُنا بِالحَقِّ لا تَحْمَدُ بِالباطِلِ
يُرِيدُهُ: تَحْمَدُهُ ساداتُنا، وفَرَّ بَعْضُهم مِن جَعْلِ وعَدَ خَبَرًا فَقالَ: كُلُّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ تَقْدِيرُهُ: وأُولَئِكَ كُلُّ، ووَعَدَ صِفَةٌ، وحَذْفُ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ صِفَةً أكْثَرُ مِن حَذْفِهِ مِنها إذا كانَتْ خَبَرًا، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎وما أدْرِي أغَيَّرَهم تَناءٍ ∗∗∗ وطُولُ العَهْدِ أمْ مالٌ أصابُوا
يُرِيدُ: أصابُوهُ، فَأصابُوهُ صِفَةٌ لِمالٍ، وقَدْ حُذِفَ الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى المَوْصُوفِ والحُسْنى: تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، وفَسَّرَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ بِالجَنَّةِ. والوَعْدُ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ والنَّصْرَ والغَنِيمَةَ في الدُّنْيا.
﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: فِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾، إعْرابًا وقِراءَةً وتَفْسِيرًا، في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هُنا الرَّفْعُ يَعْنِي في يُضاعِفُهُ عَلى العَطْفِ، أوْ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ عاصِمٌ: فَيُضاعِفَهُ بِالنَّصْبِ بِالفاءِ عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، وفي ذَلِكَ قَلَقٌ. قالَ أبُو عَلِيٍّ، يَعْنِي الفارِسِيَّ: لِأنَّ السُّؤالَ لَمْ يَقَعْ عَلى القَرْضِ، وإنَّما وقَعَ السُّؤالُ عَلى فاعِلِ القَرْضِ، وإنَّما تَنْصِبُ الفاءُ فِعْلًا مَرْدُودًا عَلى فِعْلٍ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ، لَكِنَّ هَذِهِ الفِرْقَةَ، يَعْنِي مِنَ القُرّاءِ، حَمَلَتْ ذَلِكَ عَلى المَعْنى، كَأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ﴾ بِمَنزِلَةِ أنْ لَوْ قالَ: أيُقْرِضُ اللَّهَ أحَدٌ فَيُضاعِفَهُ ؟ (p-٢٢٠)انْتَهى.
وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ مِن أنَّهُ إنَّما تَنْصِبُ الفاءُ فِعْلًا مَرْدُودًا عَلى فِعْلٍ مُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ يَجُوزُ إذا كانَ الِاسْتِفْهامُ بِأدَواتِهِ الِاسْمِيَّةِ نَحْوُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ ؟ وأيْنَ بَيْتُكَ فَأزُورَكَ ؟ ومَتى تَسِيرُ فَأُرافِقَكَ ؟ وكَيْفَ تَكُونُ فَأصْحَبَكَ ؟ فالِاسْتِفْهامُ هُنا واقِعٌ عَنْ ذاتِ الدّاعِي، وعَنْ ظَرْفِ المَكانِ وظَرْفِ الزَّمانِ والحالِ، لا عَنِ الفِعْلِ. وحَكى ابْنُ كَيْسانَ عَنِ العَرَبِ: أيْنَ ذَهَبَ زَيْدٌ فَنَتْبَعَهُ ؟ وكَذَلِكَ: كَمْ مالُكَ فَنَعْرِفَهُ ؟ ومَن أبُوكَ فَنُكْرِمَهُ ؟ بِالنَّصْبِ بَعْدَ الفاءِ. وقِراءَةُ فَيُضاعِفَهُ بِالنَّصْبِ قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ، والفِعْلُ وقَعَ صِلَةً لِلَّذِي، والَّذِي صِفَةٌ لِذا، وذا خَبَرٌ لِمَن. وإذا جازَ النَّصْبُ في نَحْوِ هَذا، فَجَوازُهُ في المُثُلِ السّابِقَةِ أحْرى، مَعَ أنَّ سَماعَ ابْنِ كَيْسانَ ذَلِكَ مَحْكِيًّا عَنِ العَرَبِ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ هو زِيادَةٌ عَلى التَّضْعِيفِ المُتَرَتِّبِ عَلى القَرْضِ، أيْ ولَهُ مَعَ التَّضْعِيفِ أجْرٌ كَرِيمٌ.
57:12–15Page 539
يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۖ بُشۡرَىٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢
On the Day you see the believing men and believing women, their light proceeding before them and on their right, [it will be said], "Your good tidings today are [of] gardens beneath which rivers flow, wherein you will abide eternally." That is what is the great attainment.
يَوۡمَ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ قِيلَ ٱرۡجِعُواْ وَرَآءَكُمۡ فَٱلۡتَمِسُواْ نُورٗاۖ فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ ١٣
On the [same] Day the hypocrite men and hypocrite women will say to those who believed, "Wait for us that we may acquire some of your light." It will be said, "Go back behind you1 and seek light." And a wall will be placed between them with a door, its interior containing mercy, but on the outside of it is torment.
يُنَادُونَهُمۡ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمۡ فَتَنتُمۡ أَنفُسَكُمۡ وَتَرَبَّصۡتُمۡ وَٱرۡتَبۡتُمۡ وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ١٤
They [i.e., the hypocrites] will call to them [i.e., the believers], "Were we not with you?" They will say, "Yes, but you afflicted yourselves1 and awaited [misfortune for us] and doubted, and wishful thinking deluded you until there came the command of Allāh. And the Deceiver [i.e., Satan] deceived you concerning Allāh.
فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُؤۡخَذُ مِنكُمۡ فِدۡيَةٞ وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ مَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُۖ هِيَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٥
So today no ransom will be taken from you or from those who disbelieved. Your refuge is the Fire. It is most worthy of you, and wretched is the destination."
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ ﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكم قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ ﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النّارُ هي مَوْلاكم وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ .
العامِلُ في ”يَوْمَ“ ما عَمِلَ في لَهم؛ التَّقْدِيرُ: ومُسْتَقِرٌّ لَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ يَوْمَ تَرى، أوِ اذْكُرْ يَوْمَ تَرى إعْظامًا لِذَلِكَ اليَوْمِ. والرُّؤْيَةُ هُنا رُؤْيَةُ عَيْنٍ، والنُّورُ حَقِيقَةٌ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ آثارٌ، وأنَّ كُلَّ مَظْهَرٍ مِنَ الإيمانِ لَهُ نُورٌ فَيُطْفِئُ نُورَ المُنافِقِ، ويَبْقى نُورُ المُؤْمِنِ، وهم مُتَفاوِتُونَ في النُّورِ. مِنهم مَن يُضِيءُ كَما بَيْنَ مَكَّةَ وصَنْعاءَ، ومَن نُورُهُ كالنَّخْلَةِ السَّحُوقِ، ومَن يُضِيءُ لَهُ ما قُرْبَ قَدَمَيْهِ. ومِنهم مَن يَهِمُّ بِالِانْطِفاءِ مَرَّةً ويَبِينُ مَرَّةً، وذَلِكَ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ. وقالَ الضَّحّاكُ: النُّورُ اسْتِعارَةٌ عَنِ الهُدى والرِّضْوانِ الَّذِي هم فِيهِ. والظّاهِرُ أنَّ النُّورَ يَتَقَدَّمُ لَهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ويَكُونُ أيْضًا بِأيْمانِهِمْ، فَيَظْهَرُ أنَّهُما نُورانِ: نُورٌ ساعٍ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، ونُورٌ بِأيْمانِهِمْ؛ فَذَلِكَ يُضِيءُ الجِهَةَ الَّتِي يَؤُمُّونَها، وهَذا يُضِيءُ ما حَوالَيْهِمْ مِنَ الجِهاتِ. وقالَ الجُمْهُورُ: النُّورُ أصْلُهُ بِأيْمانِهِمْ، والَّذِي بَيْنَ أيْدِيهِمْ هو الضَّوْءُ المُنْبَسِطُ (p-٢٢١)مِن ذَلِكَ النُّورِ. وقِيلَ: الباءُ بِمَعْنى عَنْ، أيْ عَنْ أيْمانِهِمْ، والمَعْنى: في جَمِيعِ جِهاتِهِمْ. وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالأيْمانِ تَشْرِيفًا لَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما قالَ ﴿بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾، لِأنَّ السُّعَداءَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَ أعْمالِهِمْ مِن هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ، كَما أنَّ الأشْقِياءَ يُؤْتَوْنَها مِن شَمائِلِهِمْ ووَراءِ ظُهُورِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وبِأيْمانِهِمْ)، جَمْعُ يَمِينٍ؛ وسَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ السَّهْمِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وعُطِفَ هَذا المَصْدَرُ عَلى الظَّرْفِ لِأنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ كائِنًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ، وكائِنًا بِسَبَبِ أيْمانِهِمْ.
﴿بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ﴾: جُمْلَةٌ مَعْمُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ تَقُولُ لَهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَتَلَقَّوْنَهم: جَنّاتٌ، أيْ دُخُولُ جَنّاتٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (خالِدِينَ فِيها)، إلى آخِرِ الآيَةِ، مُخاطَبَةٌ لِمُحَمَّدٍ، ﷺ، انْتَهى. ولا مُخاطَبَةَ هُنا، بَلْ هَذا مِن بابِ الِالتِفاتِ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في (بُشْراكم) إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ في (خالِدِينَ) . ولَوْ جَرى عَلى الخِطابِ، لَكانَ التَّرْكِيبُ خالِدًا أنْتُمْ فِيها، والِالتِفاتُ مِن فُنُونِ البَيانِ ﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ تَرى﴾ . وقِيلَ: مَعْمُولٌ لِـ اذْكُرْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ لِي أنَّ العامِلَ فِيهِ ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾، ومَجِيءُ مَعْنى الفَوْزِ أفْخَمُ، كَأنَّهُ يَقُولُ: إنَّ المُؤْمِنِينَ يَفُوزُونَ بِالرَّحْمَةِ يَوْمَ يَعْتَرِي المُنافِقِينَ كَذا وكَذا، لِأنَّ ظُهُورَ المَرْءِ يَوْمَ خُمُولِ عَدُوِّهِ ومُضادِّهِ أبْدَعُ وأفْخَمُ. انْتَهى. فَظاهِرُ كَلامِهِ وتَقْدِيرُهُ أنَّ يَوْمَ مَنصُوبٌ بِالفَوْزِ، وهو لا يَجُوزُ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ قَدْ وُصِفَ قَبْلَ أخْذِ مُتَعَلِّقاتِهِ، فَلا يَجُوزُ إعْمالُهُ. فَلَوْ أعْمَلَ وصْفَهُ، وهو العَظِيمُ، لَجازَ، أيِ الفَوْزُ الَّذِي عَظُمَ، أيْ قَدْرُهُ ﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾ .
(انْظُرُونا): أيِ انْتَظِرُونا، لِأنَّهم لَمّا سَبَقُوكم إلى المُرُورِ عَلى الصِّراطِ، وقَدْ طُفِئَتْ أنْوارُهم، قالُوا ذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (انْظُرُونا): انْتَظِرُونا، لِأنَّهم يُسْرَعُ بِهِمْ إلى الجَنَّةِ كالبُرُوقِ الخاطِفَةِ عَلى رِكابٍ تُذَفُّ بِهِمْ وهَؤُلاءِ مُشاةٌ، أوِ انْظُرُوا إلَيْنا، لِأنَّهم إذا نَظَرُوا إلَيْهِمُ اسْتَقْبَلُوهم بِوُجُوهِهِمْ والنُّورُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ فَيَسْتَضِيئُونَ بِهِ. انْتَهى. فَجُعِلَ انْظُرُونا بِمَعْنى انْظُرُوا إلَيْنا، ولا يَتَعَدّى النَّظَرُ هَذا في لِسانِ العَرَبِ إلّا بِـ إلى لا بِنَفَسِهِ، وإنَّما وُجِدَ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ في الشِّعْرِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وحَمْزَةُ: أنْظِرُونا مِن أنْظَرَ رُباعِيًّا، أيْ أخِّرُونا، أيِ اجْعَلُونا في آخِرِكم، ولا تَسْبِقُونا بِحَيْثُ تُفَوِّتُونَنا، ولا نَلْحَقُ بِكم.
﴿نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾: أيْ نُصِبْ مِنهُ حَتّى نَسْتَضِيءَ بِهِ. ويُقالُ: اقْتَبَسَ الرَّجُلُ واسْتَقْبَسَ: أخَذَ مِن نارِ غَيْرِهِ قَبَسًا.
﴿قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكُمْ﴾: القائِلُ المُؤْمِنُونَ أوِ المَلائِكَةُ. والظّاهِرُ أنْ (وراءَكم) مَعْمُولٌ لِـ ارْجِعُوا. وقِيلَ: لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ لِأنَّهُ بِمَعْنى ارْجِعُوا، كَقَوْلِهِمْ: وراءَكَ أوْسَعُ لَكَ، أيِ ارْجِعْ تَجِدْ مَكانًا أوْسَعَ لَكَ. وارْجِعُوا أمْرُ تَوْبِيخٍ وطَرْدٍ، أيِ ارْجِعُوا إلى المَوْقِفِ حَيْثُ أُعْطِينا الفَوْزَ فالتَمِسُوهُ هُناكَ، أوِ ارْجِعُوا إلى الدُّنْيا والتَمِسُوا نُورًا، أيْ بِتَحْصِيلِ سَبَبِهِ وهو الإيمانُ، أوْ تَنَحَّوْا عَنّا، ﴿فالتَمِسُوا نُورًا﴾ غَيْرَ هَذا فَلا سَبِيلَ لَكم إلى الِاقْتِباسِ مِنهُ. وقَدْ عَلِمُوا أنْ لا نُورَ وراءَهم، وإنَّما هو إقْناطٌ لَهم.
﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ﴾: أيْ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ، (بِسُورٍ): بِحاجِزٍ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الأعْرافُ. وقِيلَ: حاجِزٌ غَيْرُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَضُرِبَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيِ اللَّهُ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ هَذا السُّورَ هو الجِدارُ الشَّرْقِيُّ مِن مَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ وابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وكَعْبِ الأحْبارِ، ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهم. والسُّورُ هو الحاجِزُ الدّائِرُ عَلى المَدِينَةِ لِلْحِفْظِ مِن عَدُوٍّ. والظّاهِرُ في باطِنِهِ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ مِنهُ عَلى البابِ لِقُرْبِهِ. وقِيلَ: عَلى السُّورِ، وباطِنُهُ الشِّقُّ الَّذِي لِأهْلِ الجَنَّةِ، وظاهِرُهُ ما يُدانِيهِ، مِن قِبَلِهِ مِن جِهَتِهِ العَذابُ.
(يُنادُونَهم): اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، أيْ يُنادُونَ المُنافِقُونَ المُؤْمِنِينَ، ﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾: أيْ في الظّاهِرِ، ﴿قالُوا بَلى﴾: أيْ كُنْتُمْ مَعَنا في الظّاهِرِ، ﴿ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾: أيْ عَرَّضْتُمْ أنْفُسَكم لِلْفِتْنَةِ بِنِفاقِكم، (وتَرَبَّصْتُمْ) أيْ بِإيمانِكم حَتّى وافَيْتُمْ عَلى الكُفْرِ، أوْ تَرَبَّصْتُمْ بِالمُؤْمِنِينَ الدَّوائِرَ، قالَهُ قَتادَةُ، (وارْتَبْتُمْ): شَكَكْتُمْ في أمْرِ الدِّينِ، ﴿وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ﴾: وهي الأطْماعُ، مِثْلُ (p-٢٢٢)قَوْلِهِمْ: سَيَهْلِكُ مُحَمَّدٌ هَذا العامَ، تَهْزِمُهُ قَبِيلَةُ قُرَيْشٍ مُسْتَأْجِرَةً الأحْزابَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، أوْ طُولُ الآمالِ في امْتِدادِ الأعْمارِ، ﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾، وهو المَوْتُ عَلى النِّفاقِ، والغَرُورُ: الشَّيْطانُ بِإجْماعٍ. وقَرَأ سِماكُ بْنُ حَرْبٍ: الغُرُورُ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ.
﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ﴾ أيُّها المُنافِقُونَ، والنّاصِبُ لِلْيَوْمِ الفِعْلُ المَنفِيُّ بِلا، وفِيهِ حُجَّةٌ عَلى مَن مَنَعَ ذَلِكَ، ﴿ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، في الحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَزِّرُ الكافِرَ فَيَقُولُ لَهُ: أرَأيْتَكَ لَوْ كانَ لَكَ أضْعافُ الدُّنْيا، أكُنْتَ تَفْتَدِي بِجَمِيعِ ذَلِكَ مِن عَذابِ النّارِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: قَدْ سَألْتُكَ ما هو أيْسَرُ مِن ذَلِكَ وأنْتَ في ظَهْرِ أبِيكَ آدَمَ أنْ لا تُشْرِكَ بِي فَأبَيْتَ إلّا الشِّرْكَ» . وقَرَأ الجُمْهُورُ: لا يُؤْخَذُ؛ وأبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والأعْرَجُ وابْنُ عامِرٍ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالتّاءِ لِتَأْنِيثِ الفِدْيَةِ.
﴿هِيَ مَوْلاكُمْ﴾، قِيلَ: أوْلى بِكم، وهَذا تَفْسِيرُ مَعْنًى. وكانَتْ مَوْلاهم مِن حَيْثُ أنَّها تَضُمُّهم وتُباشِرُهم، وهي تَكُونُ لَكم مَكانَ المَوْلى، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ:
؎تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ هي ناصِرُكم، أيْ لا ناصِرَ لَكم غَيْرُها. والمُرادُ نَفْيُ النّاصِرِ عَلى البَتاتِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهم: أُصِيبَ فُلانٌ بِكَذا فاسْتَنْصَرَ الجَزَعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٩] . وقِيلَ: تَتَوَلّاكم كَما تَوَلَّيْتُمْ في الدُّنْيا أعْمالَ أهْلِ النّارِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences