Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
فصلت
Fussilat
Explained in Detail · Meccan · 54 ayahs
41:1–12Page 477
حمٓ ١
Ḥā, Meem.1
تَنزِيلٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٢
[This is] a revelation from the Entirely Merciful, the Especially Merciful -
كِتَٰبٞ فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٣
A Book whose verses have been detailed, an Arabic Qur’ān1 for a people who know,
بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا فَأَعۡرَضَ أَكۡثَرُهُمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ٤
As a giver of good tidings and a warner; but most of them turn away, so they do not hear.
وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيٓ أَكِنَّةٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ وَفِيٓ ءَاذَانِنَا وَقۡرٞ وَمِنۢ بَيۡنِنَا وَبَيۡنِكَ حِجَابٞ فَٱعۡمَلۡ إِنَّنَا عَٰمِلُونَ ٥
And they say, "Our hearts are within coverings [i.e., screened] from that to which you invite us, and in our ears is deafness, and between us and you is a partition, so work;1 indeed, we are working."
قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَٱسۡتَقِيمُوٓاْ إِلَيۡهِ وَٱسۡتَغۡفِرُوهُۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡمُشۡرِكِينَ ٦
Say, [O Muḥammad], "I am only a man like you to whom it has been revealed that your god is but one God; so take a straight course to Him and seek His forgiveness." And woe to those who associate others with Allāh –
ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٧
Those who do not give zakāh, and in the Hereafter they are disbelievers.
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ ٨
Indeed, those who believe and do righteous deeds - for them is a reward uninterrupted.
۞ قُلۡ أَئِنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِي يَوۡمَيۡنِ وَتَجۡعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩
Say, "Do you indeed disbelieve in He who created the earth in two days and attribute to Him equals? That is the Lord of the worlds."
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ مِن فَوۡقِهَا وَبَٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقۡوَٰتَهَا فِيٓ أَرۡبَعَةِ أَيَّامٖ سَوَآءٗ لِّلسَّآئِلِينَ ١٠
And He placed on it [i.e., the earth] firmly set mountains over its surface, and He blessed it and determined therein its [creatures'] sustenance in four days without distinction1 - for [the information of] those who ask.
ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٞ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِيَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا قَالَتَآ أَتَيۡنَا طَآئِعِينَ ١١
Then He directed Himself1 to the heaven while it was smoke and said to it and to the earth, "Come [into being],2 willingly or by compulsion." They said, "We have come willingly."
فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتٖ فِي يَوۡمَيۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمۡرَهَاۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفۡظٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ١٢
And He completed them as seven heavens within two days and inspired [i.e., made known] in each heaven its command. And We adorned the nearest heaven with lamps [i.e., stars, for beauty] and as protection.1 That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.
سُورَةُ فُصِّلَتْ أرْبَعٌ وخَمْسُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ (p-٤٨٠)﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [فصلت: ١٤] ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥] ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٦] ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧] ﴿ونَجَّيْنا الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت: ١٨] ﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ فَهم يُوزَعُونَ﴾ [فصلت: ١٩] ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٠] ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهو خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت: ٢١] ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكم ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٢] ﴿وذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣] ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهم وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] ﴿وقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٥] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٧] ﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ٢٨] ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أرِنا الَّذَيْنِ أضَلّانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ولَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم ولَكم فِيها ما تَدَّعُونَ﴾ [فصلت: ٣١] ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحًا وقالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٢] ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] ﴿وما يُلَقّاها إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥] ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦] ﴿ومِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وهم لا يَسْأمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] ﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أفَمَن يُلْقى في النّارِ خَيْرٌ أمْ مَن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهم وإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١] ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ ألِيمٍ﴾ [فصلت: ٤٣] ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] (p-٤٨١)﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ [فصلت: ٤٥] ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ وما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ ويَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٧] ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ وظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨] ﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت: ٤٩] ﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت: ٥٠] ﴿وإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٥٢] ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] ﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤] .
الصَّرْصَرُ: الرِّيحُ البارِدَةُ المُحْرِقَةُ، كَما تُحْرِقُ النّارُ، قالَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، ويَأْتِي أقْوالُ المُفَسِّرِينَ فِيهِ.
النَّحْسُ المَشْئُومُ: نَقِيضُ السَّعْدِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎سَواءٌ عَلَيْهِ أيَّ حِينٍ أتَيْتَهُ أساعَةَ نَحْسٍ تُتَّقى أمْ بِأسْعُدِ
وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎أبْلِغْ جُذامًا ولَخْمًا أنَّ إخْوَتَهم ∗∗∗ طَيًّا وبَهْراءَ قَوْمٌ نَصْرُهم نَحِسُ
التَّقْيِيضُ: تَهْيِئَةُ الشَّيْءِ وتَيْسِيرُهُ، وهَذانِ ثَوْبانِ قَيِّضانِ، إذا كانا مُتَكافِئَيْنِ في الثَّمَنِ، وقايِضْنِي بِهَذا الثَّوْبِ أيْ: خُذْهُ وأعْطِنِي بِهِ بَدَلَهُ، والمُقايَضَةُ: المُعارَضَةُ.
الأكْمامُ واحِدُها كُمٌّ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِكَسْرِ الكافِ، وقالَ المُبَرِّدُ: هو ما يُغَطِّي الثَّمَرَةَ لِجَفِّ الطَّلْعَةِ، ومَن قالَ في الجَمْعِ أكِمَّةٌ، فالواحِدُ كِمامٌ. الآفاقُ: النَّواحِي، واحِدُها أُفُقٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَوْ نالَ حَيٌّ مِنَ الدُّنْيا بِمَنزِلَةِ ∗∗∗ أُفُقِ السَّماءِ لَنالَتْ كَفُّهُ الأُفُقا
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها وزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ .
(p-٤٨٠)هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها، أنَّهُ قالَ في آخِرِ ما قَبْلَها: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [غافر: ٨٢] إلى آخِرِها، فَضَمَّنَ وعِيدًا وتَهْدِيدًا وتَقْرِيعًا لِقُرَيْشٍ، فَأتْبَعَ ذَلِكَ التَّقْرِيعَ والتَّوْبِيخَ والتَّهْدِيدَ بِتَوْبِيخٍ آخَرَ، فَذَكَرَ أنَّهُ نَزَّلَ كِتابًا مُفَصَّلًا آياتُهُ، بَشِيرًا لِمَنِ اتَّبَعَهُ، ونَذِيرًا لِمَن أعْرَضَ عَنْهُ، وأنَّ أكْثَرَ قُرَيْشٍ أعْرَضُوا عَنْهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ قُدْرَةَ الإلَهِ عَلى إيجادِ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ. ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً﴾ [فصلت: ١٣]، فَكانَ هَذا كُلُّهُ مُناسِبًا لِآخِرِ سُورَةِ المُؤْمِنِ مِن عَدَمِ انْتِفاعِ مُكَذِّبِي الرُّسُلِ حِينَ التَبَسَ بِهِمُ العَذابُ، وكَذَلِكَ قُرَيْشٌ حَلَّ بِصَنادِيدِها مِنَ القَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ والسَّبْيِ، واسْتِئْصالِ أعْداءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما حَلَّ بِعادٍ وثَمُودَ مِنَ اسْتِئْصالِهِمْ.
رُوِيَ أنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ذَهَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِيُعَظِّمَ عَلَيْهِ أمْرَ مُخالَفَتِهِ لِقَوْمِهِ، ولِيُقَبِّحَ عَلَيْهِ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، ولِيُبْعِدَ ما جاءَ بِهِ. فَلَمّا تَكَلَّمَ عُتْبَةُ، قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: حم، ومَرَّ في صَدْرِها حَتّى انْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣]، فَأرْعَدَ الشَّيْخُ ووَقَفَ شَعْرُهُ، فَأمْسَكَ عَلى فَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، وناشَدَهُ بِالرَّحِمِ أنْ يُمْسِكَ، وقالَ حِينَ فارَقَهُ: واللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ شَيْئًا ما هو بِالشِّعْرِ ولا بِالسَّحَرِ ولا بِالكِهانَةِ، ولَقَدْ ظَنَنْتُ (p-٤٨٣)أنَّ صاعِقَةَ العَذابِ عَلى رَأْسِي.
(تَنْزِيلٌ)، رُفِعَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا تَنْزِيلٌ عِنْدَ الفَرّاءِ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ﴾، عِنْدَ الزَّجّاجِ والحَوْفِيِّ، وخَبَرٌ ﴿حم﴾ إذا كانَتِ اسْمًا لِلسُّورَةِ، و(كِتابٌ) عَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ بَدَلٌ مِن (تَنْزِيلٌ) . قِيلَ: أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ.
﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾، قالَ السُّدِّيُّ: بُيِّنَتْ آياتُهُ، أيْ: فُسِّرَتْ مَعانِيهِ، فَفُصِلَ بَيْنَ حَرامِهِ وحَلالِهِ، وزَجْرِهِ وأمْرِهِ، ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ.
وقِيلَ: فُصِّلَتْ في التَّنْزِيلِ أيْ: لَمْ تَنْزِلْ جُمْلَةً واحِدَةً. قالَ الحَسَنُ: بِالوَعْدِ والوَعِيدِ.
وقالَ سُفْيانُ: بِالثَّوابِ والعِقابِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: بَيْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ، ومَن خالَفَهُ. وقِيلَ: فُصِّلَتْ بِالمَواقِفِ وأنْواعِ أواخِرِ الآيِ، ولَمْ يَكُنْ يَرْجِعُ إلى قافِيَةٍ ولا نَحْوِها، كالشِّعْرِ والسَّجْعِ.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: مُيِّزَتْ آياتُهُ، وجُعِلَ تَفاصِيلَ مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَبَعْضُها في وصْفِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى، وشَرْحِ صِفاتِ التَّنْزِيهِ والتَّقْدِيسِ، وشَرْحِ كَمالِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ ورَحْمَتِهِ وحِكْمَتِهِ، وعَجائِبِ أحْوالِ خَلْقِهِ السَّماواتِ والكَواكِبِ، وتَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وعَجائِبِ أحْوالِ النَّباتِ والحَيَوانِ والإنْسانِ؛ وبَعْضُها في أحْوالِ التَّكالِيفِ المُتَوَجِّهَةِ نَحْوَ القَلْبِ ونَحْوَ الجَوارِحِ، وبَعْضُها في الوَعْدِ والوَعِيدِ، والثَّوابِ والعِقابِ، ودَرَجاتِ أهْلِ الجَنَّةِ ودَرَكاتِ أهْلِ النّارِ؛ وبَعْضُها في المَواعِظِ والنَّصائِحِ؛ وبَعْضُها في تَهْذِيبِ الأخْلاقِ ورِياضَةِ النَّفْسِ؛ وبَعْضُها في قَصَصِ الأوَّلِينَ وتَوارِيخِ الماضِينَ.
وبِالجُمْلَةِ، فَمَن أنْصَفَ، عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ في بَدْءِ الخَلْقِ كِتابٌ اجْتَمَعَ فِيهِ مِنَ العُلُومِ والمَباحِثِ المُتَبايِنَةِ مِثْلُ ما في القُرْآنِ. انْتَهى.
وقُرِئَ: (فَصَلَتْ)، بِفَتْحِ الفاءِ والصّادُ مُخَفَّفَةٌ، أيْ: فَرَقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ؛ أوْ فَصَلَ بَعْضُها مِن بَعْضٍ بِاخْتِلافِ مَعانِيها، مِن قَوْلِهِ: ﴿فَصَلَتِ العِيرُ﴾ [يوسف: ٩٤] أيِ: انْفَصَلَتْ، وفَصَلَ مِنَ البَلَدِ أيِ: انْفَصَلَ مِنهُ، وانْتَصَبَ (قُرْآنًا) عَلى أنَّهُ حالٌ بِنَفْسِهِ، وهي مُؤَكِّدَةٌ؛ لِأنَّها لا تَنْتَقِلُ، أوْ تَوْطِئَةٌ لِلْحالِ بَعْدَهُ، وهي (عَرَبِيًّا)، أوْ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: يَقْرَؤُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ والمَدْحِ.
ومَن جَعَلَهُ حالًا فَقِيلَ: ذُو الحالِ (آياتُهُ) وقِيلَ: (كِتابٌ) لِأنَّهُ وُصِفَ بِقَوْلِهِ: ﴿فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾، أوْ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: فَصَّلْناهُ قُرْآنًا، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِفُصِّلَتْ، أقْوالٌ سِتَّةٌ آخِرُها لِلْأخْفَشِ. و(لِقَوْمٍ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (فُصِّلَتْ) أيْ: يَعْلَمُونَ الأشْياءَ، ويَعْقِلُونَ الدَّلائِلَ، فَكَأنَّهُ فُصِّلَ لِهَؤُلاءِ، إذْ هم يَنْتَفِعُونَ بِهِ، فَخُصُّوا بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا، ومَن لَمْ يَنْتَفِعْ بِالتَّفْصِيلِ فَكَأنَّهُ لَمْ يُفَصَّلْ لَهُ، ويَبْعُدُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ (تَنْزِيلٌ) لِكَوْنِهِ وُصِفَ في أحَدِ مُتَعَلِّقَيْهِ، إنْ كانَ ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أوْ أُبْدِلَ مِنهُ (كِتابٌ) أوْ كانَ خَبَرَ التَّنْزِيلِ، فَيَكُونُ في ذَلِكَ البَدَلَ مِنَ المَوْصُولِ، والإخْبارُ عَنْهُ قَبْلَ أخْذِهِ مُتَعَلِّقَهُ، وهو لا يَجُوزُ، وقِيلَ: (لِقَوْمٍ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: (عَرَبِيًّا)، أيْ: كائِنًا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ألْفاظَهُ ويَتَحَقَّقُونَ أنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ نَمَطِ كَلامِهِمْ، وكَأنَّهُ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ في القُرْآنِ ما لَيْسَ مِن كَلامِ العَرَبِ. وانْتَصَبَ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ عَلى النَّعْتِ لِـ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وقِيلَ: حالٌ مِن (آياتُهُ) وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿بَشِيرٌ ونَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] بِرَفْعِهِما عَلى الصِّفَةِ لِكِتابٍ، أوْ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وبِشارَتُهُ بِالجَنَّةِ لِمَن آمَنَ، ونِذارَتُهُ بِالنّارِ لِمَن كَفَرَ.
﴿فَأعْرَضَ أكْثَرُهُمْ﴾ أيْ: أكْثَرُ أُولَئِكَ القَوْمِ، أيْ: كانُوا مِن أهْلِ العِلْمِ ولَكِنْ لَمْ يَنْظُرُوا النَّظَرَ التّامَّ، بَلْ أعْرَضُوا، ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ لِإعْراضِهِمْ عَنْ ما احْتَوى عَلَيْهِ مِنَ الحُجَجِ والبَراهِينِ، أوْ لَمّا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ ولَمْ يَقْبَلْهُ جُعِلَ كَأنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِالمَقالَةِ الدّالَّةِ عَلى امْتِناعِ قُلُوبِهِمْ والنّاسِ مِن رُجُوعِهِمْ إلَيْهِ ومِن سَماعِهِمْ لِما يَتْلُوهُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى، حِكايَةً عَنْهم: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ﴾، تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى شَبَهِ ذَلِكَ في الأنْعامِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ: (وِقْرٌ) بِكَسْرِ الواوِ، وهَذِهِ تَمْثِيلاتٌ لِامْتِناعِ قَبُولِ الحَقِّ، كَأنَّ قُلُوبَهم في غِلافٍ، كَما قالُوا: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨]، وكَأنَّ أسْماعَهم عِنْدَ ذِكْرِ كَلامِ اللَّهِ بِها صَمَمٌ. والحِجابُ: السِّتْرُ المانِعُ مِنَ الإجابَةِ، وهو خِلافٌ في الدِّينِ؛ لِأنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ وهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، قالَ مَعْناهُ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ.
ويُرْوى أنَّ أبا جَهْلٍ اسْتَغْشى عَلى رَأْسِهِ ثَوْبًا وقالَ: يا مُحَمَّدُ، بَيْنَنا وبَيْنَكَ حِجابٌ، اسْتِهْزاءً (p-٤٨٤)مِنهُ. وقِيلَ: تَمْثِيلٌ بِعَدَمِ الإجابَةِ. وقِيلَ: عِبارَةٌ عَنِ العَداوَةِ. و(مِن) في ﴿مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وكَذا في ﴿ومِن بَيْنِنا﴾ . فالمَعْنى أنَّ الحِجابَ ابْتَدَأ مِنّا وابْتَدَأ مِنكَ، فالمَسافَةُ المُتَوَسِّطَةُ لِجِهَتِنا وجِهَتِكَ مُسْتَوْعَبَةٌ بِالحِجابِ، لا فَراغَ فِيها، ولَوْ لَمْ يَأْتِ بِمِن لَكانَ المَعْنى أنَّ حِجابًا حاصِلٌ وسَطَ الجِهَتَيْنِ، والمَقْصُودُ المُبالَغَةُ بِالتَّبايُنِ المُفْرِطِ، فَلِذَلِكَ جِيءَ بِمِن.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا قِيلَ: عَلى قُلُوبِنا أكِنَّةٌ، كَما قِيلَ: ﴿وفِي آذانِنا وقْرٌ﴾، لِيَكُونَ الكَلامُ عَلى نَمَطٍ واحِدٍ ؟ (قُلْتُ): هو عَلى نَمَطٍ واحِدٍ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ في المَعْنى بَيْنَ قَوْلِكِ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف: ٥٧] . ولَوْ قِيلَ: إنّا جَعَلْنا قُلُوبَهم في أكِنَّةٍ، لَمْ يَخْتَلِفِ المَعْنى، وتَرى المَطابِيعَ مِنهم لا يُراعُونَ الطِّباقَ والمُلاحَظَةَ إلّا في المَعانِي، وتَقُولُ: إنَّ (في) أبْلَغُ في هَذا المَوْضِعِ مِن عَلى؛ لِأنَّهم قَصَدُوا إفْراطَ عَدَمِ القَبُولِ، لِحُصُولِ قُلُوبِهِمْ في أكِنَّةٍ احْتَوَتْ عَلَيْها احْتِواءَ الظَّرْفِ عَلى المَظْرُوفِ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَصِلَ إلَيْها شَيْءٌ. كَما تَقُولُ: المالُ في الكِيسِ، بِخِلافِ قَوْلِكَ: عَلى المالِ كِيسٌ، فَإنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ وعَدَمِ الحُصُولِ دَلالَةَ الوِعاءِ. وأمّا في قَوْلِهِ: (إنّا جَعَلْنا)، فَهو مِن إخْبارِ اللَّهِ تَعالى، لا يَحْتاجُ إلى مُبالَغَةٍ، بِخِلافِ قَوْلِهِمْ.
وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: وتَرى المَطابِيعَ، يَعْنِي مِنَ العَرَبِ وشُعَرائِهِمْ، ولِذَلِكَ تَكَلَّمَ النّاسُ في شِعْرِ حَبِيبٍ، ولَمْ يَسْتَحْسِنْ بَعْضُهم كَثْرَةَ صَنْعَةِ البَدِيعِ فِيهِ؛ قالُوا: وأحْسَنُهُ ما جاءَ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ.
﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾، قالَ الكَلْبِيُّ: في هَلاكِنا إنّا عامِلُونَ في هَلاكِكَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: اعْمَلْ لِإلَهِكَ الَّذِي أرْسَلَكَ، فَإنَّنا عامِلُونَ لِآلِهَتِنا الَّتِي نَعْبُدُها. وقالَ الفَرّاءُ: اعْمَلْ عَلى مُقْتَضى دِينِكَ، ونَحْنُ نَعْمَلُ عَلى مُقْتَضى دِينِنا، وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: اعْمَلْ لِآخِرَتِكَ، فَإنّا نَعْمَلُ لِدُنْيانا. ولَمّا كانَ القَلْبُ مَحَلَّ المَعْرِفَةِ، والسَّمْعُ والبَصَرُ مُعِينانِ عَلى تَحْصِيلِ المَعارِفِ، ذَكَرُوا أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ مَحْجُوبَةٌ عَنْ أنْ يَصِلَ إلَيْها مِمّا يُلْقِيهِ الرَّسُولُ شَيْءٌ. واحْتَمَلَ قَوْلُهم: ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾، أيْ: تَكُونُ مُتارَكَةً مَحْضَةً، وأنْ يَكُونَ اسْتِخْفافًا.
(قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ)، وقَرَأ الجُمْهُورُ (قُلْ) عَلى الأمْرِ، وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ (قالَ) فِعْلًا ماضِيًا، وهَذا صَدْعٌ بِالتَّوْحِيدِ والرِّسالَةِ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ والأعْمَشُ: (يُوحِي) بِكَسْرِ الحاءِ؛ والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها، وأخْبَرَ أنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُهم لا مَلَكٌ، لَكِنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ دُونَهم.
وقالَ الحَسَنُ: عَلَّمَهُ تَعالى التَّواضُعَ، وأنَّهُ ما أُوحِيَ إلَيْهِ تَوْحِيدُ اللَّهِ ورَفْضُ آلِهَتِكم.
﴿فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ﴾ أيْ: لَهُ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هو رَأْسُ الدِّينِ والعَمَلِ، ﴿واسْتَغْفِرُوهُ﴾: واسْألُوهُ المَغْفِرَةَ، إذْ هي رَأسُ العَمَلِ الَّذِي بِحُصُولِهِ تَزُولُ التَّبِعاتُ.
وضَمَّنَ (اسْتَقِيمُوا) مَعْنى التَّوَجُّهِ، فَلِذَلِكَ تَعَدّى بِإلى، أيْ: وجِّهُوا اسْتِقامَتَكم إلَيْهِ، ولَمّا كانَ العَقْلُ ناطِقًا بِأنَّ السَّعادَةَ مَرْبُوطَةٌ بِأمْرَيْنِ: التَّعْظِيمِ لِلَّهِ والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِهِ، ذَكَرَ أنَّ الوَيْلَ والثُّبُورَ والحُزْنَ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ يُعَظِّمُوا اللَّهَ في تَوْحِيدِهِ، ونَفْيِ الشَّرِيكِ، ولَمْ يُشْفِقُوا عَلى خَلْقِهِ بِإيصالِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، وأضافُوا إلى ذَلِكَ إنْكارَ البَعْثِ.
والظّاهِرُ أنَّ الزَّكاةَ عَلى ظاهِرِها مِن زَكاةِ الأمْوالِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، قالَ: كانُوا يَحُجُّونَ ويَعْتَمِرُونَ ولا يُزَكُّونَ. وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: وقِيلَ: كانَتْ قُرَيْشٌ تُطْعِمُ الحاجَّ وتَحْرِمُ مَن آمَن مِنهم.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ أيْضًا: المَعْنى لا يُؤْمِنُونَ بِالزَّكاةِ، ولا يُقِرُّونَ بِها.
وقالَ مُجاهِدٌ والرَّبِيعُ: لا يُزَكُّونَ أعْمالَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: الزَّكاةُ هُنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، التَّوْحِيدُ، كَما قالَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِفِرْعَوْنَ: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ [النازعات: ١٨]، ويُرَجِّحُ هَذا التَّأْوِيلَ أنَّ الآيَةَ مِن أوَّلِ المَكِّيِّ، وزَكاةُ المالِ إنَّما نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، قالَ: وإنَّما هَذِهِ زَكاةُ القَلْبِ والبَدَنِ، أيْ: تَطْهِيرٌ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي، وقالَهُ مُجاهِدٌ والرَّبِيعُ.
وقالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: الزَّكاةُ هُنا النَّفَقَةُ في الطّاعَةِ. انْتَهى.
وإذا كانَتِ الزَّكاةُ المُرادُ بِها إخْراجُ المالِ، فَإنَّما قُرِنَ بِالكُفْرِ؛ لِكَوْنِها شاقَّةً بِإخْراجِ المالِ الَّذِي هو مَحْبُوبُ الطِّباعِ وشَقِيقُ الأرْواحِ حَثًّا عَلَيْها. قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ:(p-٤٨٥)
؎وقالُوا شَقِيقُ الرُّوحِ مالُكُ فاحْتَفِظْ ∗∗∗ بِهِ، فَأجَبْتُ: المالُ خَيْرٌ مِنَ الرُّوحِ
؎أرى حِفْظَهُ يُفْضِي بِتَحْسِينِ حالَتِي ∗∗∗ وتَضْيِيعَهُ يُفْضِي لِتَسْآلٍ مَقْبُوحٍ
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، قالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في المَرْضى والزَّمْنى إذا عَجَزُوا عَنْ إكْمالِ الطّاعاتِ، كُتِبَ لَهم مِنَ الأجْرِ كَأصَحِّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. والمَمْنُونُ: المَنقُوصُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . قالَ ذُو الأصْبَغِ العَدْوانِيُّ:
؎إنِّي لَعَمْرُكَ ما بابِي بِذِي غَلَقٍ ∗∗∗ عَلى الصَّدِيقِ ولا خَيْرِي بِمَمْنُونِ
وقالَ مُجاهِدٌ: غَيْرُ مَحْسُوبٍ، وقِيلَ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَضْلُ الجَوادِ عَلى الخَيْلِ البِطاءِ ∗∗∗ فَلا يُعْطِي بِذَلِكَ مَمْنُونًا ولا نَزِقا
وقِيلَ: لا يُمَنُّ بِهِ؛ لِأنَّ أُعْطِياتِ اللَّهِ تَشْرِيفٌ، والمَنُّ إنَّما يَدْخُلُ أُعْطِياتِ البَشَرِ.
وقِيلَ: لا يُمَنُّ بِهِ؛ لِأنَّهُ إنَّما بِمَنِّ التَّفْضِيلِ، فَأمّا الآخَرُ فَحَقٌّ أداؤُهُ، نَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.
﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ﴾: اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ وتَشْنِيعٍ عَلَيْهِمْ، بِكُفْرِ مَن أوْجَدَ العالَمَ سُفْلِيَّهُ وعُلْوِيَّهُ، ووَصَفَ صُورَةَ خَلْقِ ذَلِكَ ومُدَّتَهُ، والحِكْمَةُ في الخَلْقِ في مُدَّةٍ هو قادِرٌ عَلى أنْ يُوجِدَ ذَلِكَ دُفْعَةً واحِدَةً.
فَذَكَرَ تَعالى إيجادَ ذَلِكَ مُرَتَّبًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في أوَّلِ ما ابْتُدِئَ فِيهِ الخَلْقُ، وما خُلِقَ مَرَتَّبًا.
ومَعْنى ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾: في مِقْدارِ يَوْمَيْنِ.
﴿وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا﴾ أيْ: أشْباهًا وأمْثالًا مِنَ المَلائِكَةِ والجِنِّ والأصْنامِ يَعْبُدُونَها دُونَهُ. وقالَ السُّدِّيُّ: أكْفاءٌ مِنَ الرِّجالِ يُطِيعُونَهم.
(وتَجْعَلُونَ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لَتَكْفُرُونَ﴾، فَهو داخِلٌ في حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ المُقْتَضِي الإنْكارَ والتَّوْبِيخَ، (ذَلِكَ) أيْ: مُوجِدُ الأرْضِ ومُخْتَرِعُها، ﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ مِنَ الأنْدادِ الَّتِي جَعَلْتُمْ لَهُ وغَيْرِهِمْ.
﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾: إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ، ولَيْسَ مِنَ الصِّلَةِ في شَيْءٍ، بَلْ هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَتَكْفُرُونَ﴾ .
﴿وبارَكَ فِيها﴾: أكْثَرَ فِيها خَيْرَها.
﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ أيْ: أرْزاقَ ساكِنِيها ومَعايِشَهم، وأضافَهُما إلى الأرْضِ مِن حَيْثُ هي فِيها وعَنْها بَرَزَتْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وقالَ قَتادَةُ: ﴿أقْواتَها﴾ مِنَ الجِبالِ والأنْهارِ والأشْجارِ والصُّخُورِ والمَعادِنِ، والأشْياءِ الَّتِي بِها قِوامُ الأرْضِ ومَصالِحُها.
وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿أقْواتَها﴾ مِنَ المَطَرِ والمِياهِ. وقالَ عِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، ومُجاهِدٌ أيْضًا: خَصائِصُها الَّتِي قَسَّمَها في البِلادِ مِمّا خَصَّ بِهِ كُلَّ إقْلِيمٍ، فَيَحْتاجُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ في التَّقَوُّتِ مِنَ المَلابِسِ والمَطاعِمِ والنَّباتِ.
﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ أيْ: في تَمامِ أرْبَعَةِ أيّامٍ بِاليَوْمَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾، فَذَلِكَ لِمُدَّةِ خَلْقِ اللَّهِ وما فِيها، كَأنَّهُ قالَ: كُلُّ ذَلِكَ في أرْبَعَةِ أيّامٍ كامِلَةٍ مُسْتَوِيَةٍ بِلا زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ، يُرِيدُ بِالتَّتِمَّةِ اليَوْمَيْنِ. انْتَهى. وهَذا كَما تَقُولُ: بَنَيْتُ جِدارَ بَيْتِي في يَوْمٍ، وأكْمَلْتُ جَمِيعَهُ في يَوْمَيْنِ، أيْ: بِالأوَّلِ.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ويُفْقَهُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ فائِدَةٌ زائِدَةٌ عَلى قَوْلِهِ في يَوْمَيْنِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ في يَوْمَيْنِ لا يَقْتَضِي الِاسْتِغْراقَ لِذَلِكَ العَمَلِ. أمّا لَمّا ذَكَرَ خَلْقَ الأرْضِ وخَلْقَ هَذِهِ الأشْياءِ، ثُمَّ قالَ ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً﴾، دَلَّ عَلى أنَّ هَذِهِ الأيّامَ مُسْتَغْرَقَةٌ في تِلْكَ الأعْمالِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ونُقْصانٍ. انْتَهى.
ولا فَرْقَ بَيْنَ يَوْمَيْنِ وأرْبَعَةِ أيّامٍ بِالنِّسْبَةِ إلى الِاسْتِغْراقِ، فَإنْ كانَتْ (أرْبَعَةٌ) تَقْتَضِي الِاسْتِغْراقَ، وكَذَلِكَ اليَوْمانِ يَقْتَضِيانِهِ، ومَتى كانَ الظَّرْفُ مَعْدُودًا، كانَ العَمَلُ في جَمِيعِهِ، إمّا عَلى سَبِيلِ التَّعْمِيمِ، نَحْوَ: سِرْتُ يَوْمَيْنِ، وقَدْ يَكُونُ في بَعْضِ كُلِّ يَوْمٍ مِنها، نَحْوَ: تَهَجَّدْتُ لَيْلَتَيْنِ، فاحْتُمِلَ الِاسْتِغْراقُ، واحْتُمِلَ في بَعْضِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ اللَّيْلَتَيْنِ؛ وإذا كانَ كَذَلِكَ احْتُمِلَ أنْ يَكُونَ وقَعَ الخَلْقُ لِلْأرْضِ في بَعْضِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ اليَوْمَيْنِ، واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ اليَوْمانِ مُسْتَغْرِقَيْنِ لِخَلْقِها، فَكَذَلِكَ ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ يَحْتِمَلُ الِاسْتِغْراقَ، وأنْ يَكُونَ خَلْقُ الأرْضِ والجِبالِ والبَرَكَةِ وتَقْدِيرُ الأقْواتِ وقَعَ في بَعْضِ كُلِّ يَوْمٍ مِنَ (p-٤٨٦)الأرْبَعَةِ، فَما قالَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ لَمْ تَظْهَرْ بِهِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences