Abu HayyanAl‑Haqqah · 69:1–15

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

الحاقة

Al-Haqqah

The Reality · Meccan · 52 ayahs

69:1–6Page 566

ٱلۡحَآقَّةُ ١

The Inevitable Reality -

مَا ٱلۡحَآقَّةُ ٢

What is the Inevitable Reality?

وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡحَآقَّةُ ٣

And what can make you know what is the Inevitable Reality?

كَذَّبَتۡ ثَمُودُ وَعَادُۢ بِٱلۡقَارِعَةِ ٤

Thamūd and ʿAad denied the Striking Calamity [i.e., the Resurrection].

فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهۡلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ ٥

So as for Thamūd, they were destroyed by the overpowering [blast].

وَأَمَّا عَادٞ فَأُهۡلِكُواْ بِرِيحٖ صَرۡصَرٍ عَاتِيَةٖ ٦

And as for ʿAad, they were destroyed by a screaming,1 violent wind

(سُورَةُ الحاقَّةِ مَكِّيَّةٌ وهي اثْنَتانِ وخَمْسُونَ آيَةً)

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)

﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨] ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ والمُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ﴾ [الحاقة: ٩] ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢] ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣] ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤] ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥] ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦] ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢٢] ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥] ﴿ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠] ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢] ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] ﴿لا يَأْكُلُهُ إلّا الخاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] ﴿وما هو بِقَوْلٍ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِ العالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٣] ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الحاقة: ٤٨] ﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ [الحاقة: ٤٩] ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الحاقة: ٥٠] ﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ [الحاقة: ٥١] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢] . الحُسُومُ، قالَ الفَرّاءُ: مِن حَسَمَ الدّاءَ، أيْ: تابَعَ (p-٣١٩)بِالمِكْواةِ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎فَفَرَّقَ بَيْنَ جَمْعِهِمْ زَمانٌ تَتابَعَ فِيهِ أعْوامٌ حُسُومُ

وقالَ المُبَرِّدُ: حَسَمْتُ الشَّيْءَ: فَصَلْتُهُ عَنْ غَيْرِهِ، ومِنهُ الحُسامُ. قالَ الشّاعِرُ:

؎فَأرْسَلَتْ رِيحًا دَبُورًا عَقِيمًا ∗∗∗ فَدارَتْ عَلَيْهِمْ فَكانَتْ حُسُومًا

وقالَ اللَّيْثُ: الحُسُومُ، الشُّؤْمُ. يُقالُ: هَذِهِ لَيالِي الحُسُومِ أيْ: تَحْسِمُ الخَيْرَ عَنْ أهْلِها، وقالَهُ في الصِّحاحِ. صَرْعى: هَلْكى، الواحِدُ صَرِيعٌ، وهي الشَّيْءُ ضَعُفَ وتَداعى لِلسُّقُوطِ. قالَ ابْنُ شَجَرَةَ: مِن قَوْلِهِمْ وهي السِّقاءُ إذا انْحَرَقَ، ومِن أمْثالِهِمْ قَوْلُ الرّاجِزِ:

؎خَلِّ سَبِيلَ مَن وهي سِقاؤُهُ ∗∗∗ ومَن هُرِيقَ بِالفَلاةِ ماؤُهُ

الأرْجاءُ: الجَوانِبُ، واحِدُها رَجًا، أيْ: جانِبٌ مِن حائِطٍ أوْ بِئْرٍ ونَحْوِهِ، وهو مِن ذَواتِ الواوِ، ولِذَلِكَ بَرَزَتْ في التَّثْنِيَةِ. قالَ الشّاعِرُ:

؎كَأنْ لَمْ تَرا قَبْلِي أسِيرًا مُقَيَّدًا ∗∗∗ ولا رَجُلًا يَرْمِي بِهِ الرَّجَوانِ

(وقالَ الآخَرُ):

؎فَلا يَرْمِي بِهِ الرَّجَوانِ إنِّي ∗∗∗ أقَلُّ اليَوْمَ مَن يُغْنِي مَكانِي

هاءَ بِمَعْنى خُذْ، فِيها لُغاتٌ ذَكَرْناها في شَرْحِ التَّسْهِيلِ. وقالَ الكِسائِيُّ وابْنُ السِّكِّيتِ: العَرَبُ تَقُولُ: هاءَ يا رَجُلُ، ولِلِاثْنَيْنِ رَجُلَيْنِ أوِ امْرَأتَيْنِ: هاؤُما، ولِلرَّجُلِ هاؤُمُ، ولِلْمَرْأةِ هاءِ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ ياءٍ، ولِلنِّساءِ هاؤُنَّ. قِيلَ: ومَعْنى هاؤُمُ، خُذُوا، ومِنهُ الخَبَرُ في الرِّبا إلّا هاءً وهاءً أيْ: يَقُولُ كُلُّ واحِدٍ لِصاحِبِهِ خُذْ. وقِيلَ: تَعالَوْا، وزَعَمَ القُتَبِيُّ أنَّ الهَمْزَةَ بَدَلٌ مِنَ الكافِ، وهَذا ضَعِيفٌ إلّا إنْ كانَ عَنى أنَّها تَحُلُّ مَحَلَّها في لُغَةِ مَن قالَ: هاكَ وهاكَ وهاكُما وهاكم وهاكُنَّ، فَيُمْكِنُ أنَّهُ بَدَلٌ صِناعِيٌّ؛ لِأنَّ الكافَ لا تُبْدَلُ مِنَ الهَمْزَةِ ولا الهَمْزَةُ مِنها. وقِيلَ: هاؤُمُ كَلِمَةٌ وُضِعَتْ لِإجابَةِ الدّاعِي عِنْدَ الفَرَحِ والنَّشاطِ. وفي الحَدِيثِ، «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ناداهُ أعْرابِيٌّ بِصَوْتٍ عالٍ، فَجاوَبَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”هاؤُمُ“»، بِصَوْلَةِ صَوْتِهِ. وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّها مُرَكَّبَةٌ في الأصْلِ، والأصْلُ هاءَ أمُّوا، ثُمَّ نَقَلَهُ التَّخْفِيفُ والِاسْتِعْمالُ. وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّ هَذِهِ المِيمَ ضَمِيرُ جَماعَةِ الذُّكُورِ. القُطُوفُ جُمِعَ قِطْفٍ: وهو ما يُجْتَنى مِنَ الثَّمَرِ ويُقْطَفُ. السِّلْسِلَةُ مَعْرُوفَةٌ، وهي حِلَقٌ يَدْخُلُ في حِلَقٍ عَلى سَبِيلِ الطُّولِ. الذِّراعُ مُؤَنَّثٌ، وهو مَعْرُوفٌ، وقالَ الشّاعِرُ:

؎أرْمِي عَلَيْها وهي فَرْعٌ أجْمَعُ ∗∗∗ وهي ثَلاثُ أذْرُعٍ وأُصْبُعُ

حَضَّ عَلى الشَّيْءِ: حَمَلَ عَلى فِعْلِهِ بِتَوْكِيدٍ. الغِسْلِينُ، قالَ اللُّغَوِيُّونَ: ما يَجْرِي مِنَ الجِراحِ إذا غُسِلَتْ. الوَتِينُ: عِرْقٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ القَلْبُ، إذا انْقَطَعَ ماتَ صاحِبُهُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: عِرْقٌ بَيْنَ العِلْباءِ والحُلْقُومِ، والعِلْباءُ: عَصَبُ العُنُقِ، وهُما عِلْباوانِ بَيْنَهُما العِرْقُ. وقِيلَ: عِرْقٌ غَلِيظٌ تُصادِفُهُ شَفْرَةُ النّاحِرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ:

؎إذا بَلَّغْتِنِي وحَمَلْتِ رَحْلِي ∗∗∗ عَرابَةَ فاشْرَقِي بِدَمِ الوَتِينِ

(p-٣٢٠)﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ ﴿وأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨] ﴿وجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ والمُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ﴾ [الحاقة: ٩] ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢] ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣] ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤] ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥] ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦] ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] .

هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وقالَ: ﴿ذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ [القلم: ٤٤] ذَكَرَ حَدِيثَ القِيامَةِ وما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِأهْلِ السَّعادَةِ وأهْلِ الشَّقاوَةِ، وأدْرَجَ بَيْنَهُما شَيْئًا مِن أحْوالِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ، كَعادٍ وثَمُودَ وفِرْعَوْنَ، لِيَزْدَجِرَ بِذِكْرِهِمْ وما جَرى عَلَيْهِمُ الكُفّارُ الَّذِينَ عاصَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وكانَتِ العَرَبُ عالِمَةً بِهَلاكِ عادٍ وثَمُودَ ٧٣ وفِرْعَوْنَ، فَقَصَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ.

﴿الحاقَّةُ﴾: المُرادُ بِها القِيامَةُ والبَعْثُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ؛ لِأنَّها حَقَّتْ لِكُلِّ عامِلٍ عَمَلَهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: لِأنَّها تُبْدِي حَقائِقَ الأشْياءِ. وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ يَحِقُّ فِيها، فَهي مِن بابِ لَيْلٍ نائِمٍ. والحاقَّةُ اسْمُ فاعِلٍ مِن حَقَّ الشَّيْءُ: إذا ثَبَتَ ولَمْ يُشَكَّ في صِحَّتِهِ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: حاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ أحُقُّهُ أيْ: غالَبْتُهُ فَغَلَبْتُهُ. فالقِيامَةُ حاقَّةٌ؛ لِأنَّها تُحَقِّقُ كُلَّ مُحاقٍّ في دِينِ اللَّهِ بِالباطِلِ، أيْ كُلَّ مُخاصِمٍ فَتَغْلِبُهُ. وقِيلَ: الحاقَّةُ مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ، والحاقَّةُ مُبْتَدَأٌ، (وما) مُبْتَدَأٌ ثانٍ، والحاقَّةُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنِ الحاقَّةِ، والرّابِطُ تَكْرارُ المُبْتَدَأِ بِلَفْظِهِ نَحْوَ: زَيْدٌ ما زَيْدٌ، (وما) اسْتِفْهامٌ لا يُرادُ حَقِيقَتُهُ بَلِ التَّعْظِيمُ، وأكْثَرُ ما يَرْبُطُ بِتَكْرارِ المُبْتَدَأِ إذا أُرِيدَ، يَعْنِي التَّعْظِيمَ والتَّهْوِيلَ.

﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾: مُبالَغَةٌ في التَّهْوِيلِ، والمَعْنى أنَّ فِيها ما لَمْ يُدْرَ ولَمْ يُحِطْ بِهِ وصْفٌ مِن أُمُورِها الشّاقَّةِ وتَفْصِيلِ أوْصافِها. (وما) اسْتِفْهامٌ أيْضًا مُبْتَدَأٌ (وأدْراكَ) الخَبَرُ، والعائِدُ عَلى (ما) ضَمِيرُ الرَّفْعِ في (أدْراكَ) (وما) مُبْتَدَأٌ، والحاقَّةُ خَبَرٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأدْراكَ، و”أدْراكَ“ مُعَلَّقَةٌ. وأصْلُ دَرى أنْ يُعَدّى بِالباءِ، وقَدْ تُحْذَفُ عَلى قِلَّةٍ، فَإذا دَخَلَتْ هَمْزَةُ النَّقْلِ تَعَدّى إلى واحِدٍ بِنَفْسِهِ، وإلى الآخَرِ بِحَرْفِ الجَرِّ، فَقَوْلُهُ: (p-٣٢١)﴿ما الحاقَّةُ﴾ بَعْدَ أدْراكَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَعْدَ إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ. و”القارِعَةُ“ مِن أسْماءِ القِيامَةِ؛ لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِصَدْمَتِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَقْرَعُ النّاسَ بِالأقْراعِ والأهْوالِ، والسَّماءَ بِالِانْشِقاقِ والِانْفِطارِ، والأرْضَ والجِبالَ بِالدَّكِّ والنَّسْفِ، والنُّجُومَ بِالطَّمْسِ والِانْكِدارِ. فَوَضَعَ الضَّمِيرَ لِيَدُلَّ عَلى مَعْنى القَرْعِ في الحاقَّةِ زِيادَةً في وصْفِ شِدَّتِها. ولَمّا ذَكَرَها وفَخَّمَها، أتْبَعَ ذَلِكَ ذِكْرَ مَن كَذَّبَ بِها وما حَلَّ بِهِمْ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ؛ تَذْكِيرًا لِأهْلِ مَكَّةَ وتَخْوِيفًا لَهم مِن عاقِبَةِ تَكْذِيبِهِمْ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (فَأُهْلِكُوا) رُباعِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (فَهَلَكُوا) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. قالَ قَتادَةُ: ”بِالطّاغِيَةِ“ بِالصَّيْحَةِ الَّتِي خَرَجَتْ عَنْ حَدِّ كُلِّ صَيْحَةٍ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: بِسَبَبِ الفِعْلَةِ الطّاغِيَةِ الَّتِي فَعَلُوها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ أيْضًا، وأبُو عُبَيْدَةَ ما مَعْناهُ: الطّاغِيَةُ مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: بِطُغْيانِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١] . وقِيلَ: الطّاغِيَةُ عاقِرُ النّاقَةِ، والهاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ، كَرَجُلٍ راوِيَةٍ، وأُهْلِكُوا كُلُّهم لِرِضاهم بِفِعْلِهِ. وقِيلَ: بِسَبَبِ الفِئَةِ الطّاغِيَةِ. واخْتارَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ الطّاغِيَةَ هي الصَّيْحَةُ، وتَرْجِيحُ ذَلِكَ مُقابَلَةُ سَبَبِ الهَلاكِ في ثَمُودَ بِسَبَبِ الهَلاكِ في عادٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ وتَقَدَّمَ القَوْلُ في ﴿صَرْصَرٍ﴾ في سُورَةِ القَمَرِ ﴿عاتِيَةٍ﴾: عَتَتْ عَلى خُزّانِها فَخَرَجَتْ بِغَيْرِ مِقْدارٍ، أوْ عَلى عادٍ فَما قَدَرُوا عَلى أنْ يَتَسَتَّرُوا مِنها، أوْ وُصِفَتْ بِذَلِكَ اسْتِعارَةً لِشِدَّةِ عَصْفِها، والتَّسْخِيرُ هو اسْتِعْمالُ الشَّيْءِ بِاقْتِدارٍ عَلَيْهِ. فَمَعْنى ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ﴾ [الحاقة: ٧] أيْ: أقامَها وأدامَها ﴿سَبْعَ لَيالٍ﴾ [الحاقة: ٧]: بَدَتْ عَلَيْهِمْ صُبْحَ الأرْبِعاءِ لِثَمانٍ بَقِينَ مِن شَوّالٍ إلى آخِرِ الأرْبِعاءِ تَمامَ الشَّهْرِ ﴿حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو عُبَيْدَةَ: تِباعًا لَمْ يَتَخَلَّلْها انْقِطاعٌ. وقالَ الخَلِيلُ: شُؤْمًا ونَحْسًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] جَمْعُ حاسِمٍ، أيْ: تِلْكَ الأيّامُ قَطَّعَتْهم بِالإهْلاكِ، ومِنهُ حَسْمُ العِلَلِ والحُسامُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنْ كانَ مَصْدَرًا، فَإمّا أنْ يَنْتَصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أيْ: تَحْسِمُ حُسُومًا بِمَعْنى تَسْتَأْصِلُ اسْتِئْصالًا، أوْ تَكُونُ صِفَةً، كَقَوْلِكَ: ذاتُ حُسُومٍ، أوْ تَكُونُ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ: سَخَّرَها عَلَيْهِمْ لِلِاسْتِئْصالِ. وقَرَأ السُّدِّيُّ: حُسُومًا بِالفَتْحِ، حالًا مِنَ الرِّيحِ، أيْ: سَخَّرَها عَلَيْهِمْ مُسْتَأْصِلَةً. وقِيلَ: هي أيّامُ العَجْزِ، وهي آخِرُ الشِّتاءِ. وأسْماؤُها: الصِّنُّ والصِّنَّبْرُ والوَبْرُ والآمِرُ والمُؤْتَمِرُ والمُعَلِّلُ ومُطْفِئُ الجَمْرِ. وقِيلَ: مُكَفِّي الطَّعْنِ.

69:7–15Page 566

سَخَّرَهَا عَلَيۡهِمۡ سَبۡعَ لَيَالٖ وَثَمَٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومٗاۖ فَتَرَى ٱلۡقَوۡمَ فِيهَا صَرۡعَىٰ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٍ خَاوِيَةٖ ٧

Which He [i.e., Allāh] imposed upon them for seven nights and eight days in succession, so you would see the people therein fallen as if they were hollow trunks of palm trees.

فَهَلۡ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٖ ٨

Then do you see of them any remains?

وَجَآءَ فِرۡعَوۡنُ وَمَن قَبۡلَهُۥ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتُ بِٱلۡخَاطِئَةِ ٩

And there came Pharaoh and those before him and the overturned cities1 with sin.

فَعَصَوۡاْ رَسُولَ رَبِّهِمۡ فَأَخَذَهُمۡ أَخۡذَةٗ رَّابِيَةً ١٠

And they disobeyed the messenger of their Lord, so He seized them with a seizure exceeding [in severity].

إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلۡمَآءُ حَمَلۡنَٰكُمۡ فِي ٱلۡجَارِيَةِ ١١

Indeed, when the water overflowed, We carried you [i.e., your ancestors] in the sailing ship1

لِنَجۡعَلَهَا لَكُمۡ تَذۡكِرَةٗ وَتَعِيَهَآ أُذُنٞ وَٰعِيَةٞ ١٢

That We might make it for you a reminder and [that] a conscious ear would be conscious of it.

فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفۡخَةٞ وَٰحِدَةٞ ١٣

Then when the Horn is blown with one blast

وَحُمِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةٗ وَٰحِدَةٗ ١٤

And the earth and the mountains are lifted and leveled with one blow [i.e., stroke] -

فَيَوۡمَئِذٖ وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ ١٥

Then on that Day, the Occurrence [i.e., Resurrection] will occur,

﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها﴾ أيْ: في اللَّيالِي والأيّامِ، أوْ في دِيارِهِمْ، أوْ في مَهابِّ الرِّيحِ. احْتِمالاتٌ أظْهَرُها الأوَّلُ لِأنَّهُ أقْرَبُ ومُصَرَّحٌ بِهِ. وقَرَأ أبُو نَهيِكٍ: أعْجُزٌ، عَلى وزْنٍ أفْعُلٍ، كَضَبْعٍ وأضْبُعٍ. وحَكى الأخْفَشُ أنَّهُ قُرِئَ: (نَخِيلٍ خاوِيَةٍ) خَلَتْ أعْجازُها بِلًى وفَسادًا. وقالَ ابْنُ شَجَرَةَ: كانَتْ تَدْخُلُ مِن أفْواهِهِمْ فَتُخْرِجُ ما في أجْوافِهِمْ مِنَ الحَسْوِ مِن أدْبارِهِمْ، فَصارُوا كالنَّخْلِ الخاوِيَةِ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: خَلَتْ أبْدانُهم مِن أرْواحِهِمْ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا في سَبْعَةِ أيّامٍ في عَذابٍ، ثُمَّ في الثّامِنِ ماتُوا وألْقَتْهُمُ الرِّيحُ في البَحْرِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ . وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ﴿مِن باقِيَةٍ﴾ أيْ: مِن باقٍ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ أيْضًا: مِن فِئَةٍ باقِيَةٍ. وقِيلَ: ﴿مِن باقِيَةٍ﴾: مِن بَقاءٍ مَصْدَرٌ جاءَ عَلى فاعِلَةٍ كالعاقِبَةِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ وطَلْحَةُ والجَحْدَرِيُّ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ. وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبانٍ، والنَّحْوِيّانِ: (ومَن قِبَلَهُ) بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ أيْ: أجْنادُهُ وأهْلُ طاعَتِهِ، وتَقُولُ: زَيْدٌ قِبَلَكَ أيْ: فِيما يَلِيكَ مِنَ المَكانِ. وكَثُرَ اسْتِعْمالُ قِبَلَكَ حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ عِنْدَكَ وفي جِهَتِكَ وما يَلِيكَ بِأيِّ وجْهٍ ولِيَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والسُّلَمِيُّ: ومَن قَبْلَهُ ظَرْفُ زَمانٍ أيِ: الأُمَمُ الكافِرَةُ الَّتِي كانَتْ قَبْلَهُ، كَقَوْمِ نُوحٍ، وقَدْ أشارَ إلى شَيْءٍ مِن حَدِيثِهِ بَعْدَ هَذا.

﴿والمُؤْتَفِكاتُ﴾: قُرى قَوْمِ لُوطٍ. وقَرَأ الحَسَنُ هُنا: (والمُؤْتَفِكَةُ) عَلى الإفْرادِ ﴿بِالخاطِئَةِ﴾ أيْ: بِالفِعْلَةِ أوِ الفِعْلاتِ الخاطِئَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ بِالخَطَأِ، فَيَكُونُ مَصْدَرًا جاءَ عَلى فاعِلَةٍ كالعاقِبَةِ، قالَهُ الجُرْجانِيُّ.

﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ (p-٣٢٢)(رَسُولَ) جِنْسٌ، وهو مَن جاءَهم مِن عِنْدِ اللَّهِ - تَعالى - كَـ مُوسى ولُوطٍ عَلَيْهِما السَّلامُ. وقِيلَ: لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أعادَهُ عَلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ، وهو رَسُولِ المُؤْتَفِكاتِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أعادَهُ عَلى الأسْبَقِ وهو رَسُولُ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: رَسُولٌ بِمَعْنى رِسالَةٍ ﴿رابِيَةً﴾ أيْ: نامِيَةً. قالَ مُجاهِدٌ: شَدِيدَةً، يُرِيدُ أنَّها زادَتْ عَلى غَيْرِها مِنَ الأخْذاتِ، وهي الغَرَقُ وقَلْبُ المَدائِنِ.

﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ أيْ: زادَ وعَلا عَلى أعْلى جَبَلٍ في الدُّنْيا خَمْسَ عَشْرَةَ ذِراعًا. قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: طَغى عَلى الخُزّانِ، كَما طَغَتِ الرِّيحُ عَلى خُزّانِها ﴿حَمَلْناكُمْ﴾ أيْ: في أصْلابِ آبائِكم ﴿فِي الجارِيَةِ﴾: هي سَفِينَةُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُ الجارِيَةِ في السَّفِينَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] وقالَ الشّاعِرُ:

؎تِسْعُونَ جارِيَةً في بَطْنِ جارِيَةٍ

وقالَ المَهْدَوِيُّ: المَعْنى في السُّفُنِ الجارِيَةِ، يَعْنِي أنَّ ذَلِكَ هو عَلى سَبِيلِ الِامْتِنانِ، والمَحْمُولُونَ هُمُ المُخاطَبُونَ.

﴿لِنَجْعَلَها﴾ أيْ: سَفِينَةُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿لَكم تَذْكِرَةً﴾ بِما جَرى لِقَوْمِهِ الهالِكِينَ، وقَوْمِهِ النّاجِينَ فِيها وعِظَةً. قالَ قَتادَةُ: أدْرَكَها أوائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتْ ألْواحُها عَلى الجُودِيِّ. وقِيلَ: لِنَجْعَلَ تِلْكَ الجُمْلَةِ في سَفِينَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَكم مَوْعِظَةً تَذْكُرُونَ بِها نَجاةَ آبائِكم وإغْراقَ مُكَذِّبِي نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿وتَعِيَها﴾ أيْ: تَحْفَظُ قِصَّتَها (أُذُنٌ) مِن شَأْنِها أنْ تَعِيَ المَواعِظَ، يُقالُ: وعَيْتُ لِما حُفِظَ في النَّفْسِ، وأوْعَيْتُ لِما حُفِظَ في غَيْرِ النَّفْسِ مِنَ الأوْعِيَةِ. وقالَ قَتادَةُ: الواعِيَةُ هي الَّتِي عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ، وانْتَفَعَتْ بِما سَمِعَتْ مِن كِتابِ اللَّهِ. وفي الحَدِيثِ، أنَّهُ ﷺ قالَ لَـ عَلِيٍّ: «إنِّي دَعَوْتُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ» . قالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: فَما سَمِعْتُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ، وقَرَأها: وتَعِيَها، بِكَسْرِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ الياءِ العامَّةِ. وابْنُ مُصَرِّفٍ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ هارُونَ وخارِجَةَ عَنْهُ. وقُنْبُلٌ بِخِلافٍ عَنْهُ: بِإسْكانِها. وحَمْزَةُ: بِإخْفاءِ الحَرَكَةِ، ووَجْهُ الإسْكانِ التَّشْبِيهُ في الفِعْلِ بِما كانَ عَلى وزْنِ فِعْلٍ في الِاسْمِ والفِعْلِ. نَحْوُ: كِبْدٌ وعِلْمٌ. وتَعِي لَيْسَ عَلى وزْنِ فِعْلٍ، بَلْ هو مُضارِعُ وعِيَ، فَصارَ إلى فِعْلٍ وأصْلُهُ حُذِفَتْ واوُهُ. ورَوى عَنْ عاصِمٍ عِصْمَةُ وحَمْزَةُ الأزْرَقُ: وتَعِيَّها بِتَشْدِيدِ الياءِ، قِيلَ: وهو خَطَأٌ ويَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ شِدَّةُ بَيانِ الياءِ احْتِرازًا مِمَّنْ سَكَّنَها، لا إدْغامَ حَرْفٍ في حَرْفٍ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّضْعِيفِ في الوَقْفِ، ثُمَّ أجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، وإنْ كانَ قَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ بَعْضُهم. ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ، وعَنْ مُوسى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ العَنْسِيِّ: وتَعِيها بِإسْكانِ الياءِ، فاحْتَمَلَ الِاسْتِئْنافُ وهو الظّاهِرُ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِثْلَ قِراءَةِ ”مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهالِيكم“ بِسُكُونِ الياءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ قِيلَ ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ عَلى التَّوْحِيدِ والتَّنْكِيرِ ؟ (قُلْتُ): لِلْإيذانِ بِأنَّ الوُعاةَ فِيهِمْ قِلَّةٌ، ولِتَوْبِيخِ النّاسِ بِقِلَّةِ مَن يَعِي مِنهم، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الأُذُنَ الواحِدَةَ إذا وعَتْ وعَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ تَعالى فَهي السَّوادُ الأعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ ما سِواها لا يُبالِي بِآلَةٍ وإنْ مَلَأُوا ما بَيْنَ الخافِقَيْنِ. انْتَهى، وفِيهِ تَكْثِيرٌ.

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما فَعَلَ بِمُكَذِّبِي الرُّسُلِ مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا، ذَكَرَ أمْرَ الآخِرَةِ وما يَعْرِضُ فِيها لِأهْلِ السَّعادَةِ وأهْلِ الشَّقاوَةِ، وبَدَأ بِإعْلامِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ وهَذِهِ النَّفْخَةُ نَفْخَةُ الفَزَعِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهي النَّفْخَةُ الأُولى الَّتِي يَحْصُلُ عَنْها خَرابُ العالَمِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ﴾ . وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ ومُقاتِلٌ: هي النَّفْخَةُ الآخِرَةُ، وعَلى هَذا لا يَكُونُ الدَّكُّ بَعْدَ النَّفْخِ، والواوُ لا تُرَتِّبُ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، ولَمّا كانَتْ مَرَّةً أُكِّدَتْ بِقَوْلِهِ: (واحِدَةً) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: نَفْخَةٌ واحِدَةٌ، بِرَفْعِهِما، ولَمْ تَلْحَقِ التّاءُ نَفَخَ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ النَّفْخَةِ مَجازِيٌّ ووَقَعَ الفَصْلُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا نُعِتَ صَحَّ رَفْعُهُ. انْتَهى. ولَوْ لَمْ يُنْعَتْ لَصَحَّ؛ لِأنَّ نَفْخَةَ مَصْدَرٌ مَحْدُودٌ ونَعْتُهُ لَيْسَ بِنَعْتِ تَخْصِيصٍ، إنَّما هو نَعْتُ تَوْكِيدٍ. (p-٣٢٣)وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: بِنَصْبِهِما، أقامَ الجارَّ والمَجْرُورَ مَقامَ الفاعِلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (وحُمِلَتْ) بِتَخْفِيفِ المِيمِ. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وابْنُ مِقْسَمٍ والأعْمَشُ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ يَحْيى: بِتَشْدِيدِها، فالتَّخْفِيفُ عَلى أنْ تَكُونَ الأرْضُ والجِبالُ حَمَلَتْها الرِّيحُ العاصِفُ أوِ المَلائِكَةُ، أوِ القُدْرَةُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ مَخْلُوقٍ. ويَبْعُدُ قَوْلُهُ مَن قالَ: إنَّها الزَّلْزَلَةُ؛ لِأنَّ الزَّلْزَلَةَ لَيْسَ فِيها حَمْلٌ، إنَّما هي اضْطِرابٌ. والتَّشْدِيدُ عَلى أنْ تَكُونَ لِلتَّكْثِيرِ، أوْ يَكُونَ التَّضْعِيفُ لِلنَّقْلِ، فَجازَ أنْ تَكُونَ الأرْضُ والجِبالُ المَفْعُولَ الأوَّلَ أُقِيمَ مَقامَ الفاعِلِ، والثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ: رِيحًا تُفَتِّتُها أوْ مَلائِكَةً أوْ قُدْرَةً. وجازَ أنْ يَكُونَ الثّانِي أُقِيمَ مَقامَ الفاعِلِ، والأوَّلُ مَحْذُوفٌ، وهو واحِدٌ مِنَ الثَّلاثَةِ المُقَدَّرَةِ. وثُنِّيَ الضَّمِيرُ في ﴿فَدُكَّتا﴾ وإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَهُ ما يَعُودُ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الجَمْعِ؛ لِأنَّ المُرادَ جُمْلَةُ الأرْضِ وجُمْلَةُ الجِبالِ، أيْ: ضَرَبَ بَعْضُها بِبَعْضٍ حَتّى تَفَتَّتَتْ، وتَرْجِعُ كَما قالَ تَعالى: ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] . والدَّكُّ فِيهِ تَفَرُّقُ الأجْزاءِ لِقَوْلِهِ: (هَباءً) والدَّقُّ فِيهِ اخْتِلافُ الأجْزاءِ. وقِيلَ: تُبْسَطُ فَتَصِيرُ أرْضًا لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا، وهو مِن قَوْلِهِمْ: بَعِيرٌ أدَكُّ وناقَةٌ دَكّاءُ إذا ضَعُفا، فَلَمْ يَرْتَفِعْ سَنامُهُما واسْتَوَتْ عَراجِينُهُما مَعَ ظَهْرَيْهِما. (فَيَوْمئِذٍ) مَعْطُوفٌ عَلى ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ﴾ وهو مَنصُوبٌ بِـ ”وقَعَتْ“، كَما أنَّ ”إذا“ مَنصُوبٌ بِـ ”نُفِخَ“ عَلى ما اخْتَرْناهُ وقَرَّرْناهُ، واسْتَدْلَلْنا لَهُ في أنَّ العامِلَ في ”إذا“ هو الفِعْلُ الَّذِي يَلِيهِما لا الجَوابُ، وإنْ كانَ مُخالِفًا لِقَوْلِ الجُمْهُورِ. والتَّنْوِينُ في ”إذٍ“ لِلْعِوَضِ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، وهي في التَّقْدِيرِ: فَيَوْمَ إذْ نُفِخَ في الصُّورِ وجَرى كَيْتَ وكَيْتَ، و”الواقِعَةُ“ هي القِيامَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١] أنَّ بَعْضَهم قالَ: هي صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском