Abu HayyanAl‑A'raf · 7:1–7

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

الأعراف

Al-A'raf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

7:1–2Page 151

الٓمٓصٓ ١

Alif, Lām, Meem, Ṣād.1

كِتَٰبٌ أُنزِلَ إِلَيۡكَ فَلَا يَكُن فِي صَدۡرِكَ حَرَجٞ مِّنۡهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٢

[This is] a Book revealed to you, [O Muḥammad] - so let there not be in your breast distress therefrom - that you may warn thereby and as a reminder to the believers.

(p-٢٦٤)سُورَةُ الأعْرافِ

﷽

﴿المص﴾ ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤] ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٥] ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٧] ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨] ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩] ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠] ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١] ﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥] ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨] ﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٩] ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] ﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢] ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] ﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥] ﴿يابَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦] ﴿يابَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهم إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧]

كَمَ اسْمٌ بَسِيطٌ لا مُرَكَّبٌ، مِن كافِ التَّشْبِيهِ وما الِاسْتِفْهامِيَّةُ حُذِفَ ألِفُها لِدُخُولِ حَرْفِ الجَرِّ عَلَيْها وسَكَنَتْ، كَما قالُوا: لِمَ تَرْكِيبًا لا يَنْفَكُّ، كَما رُكِّبَتْ في كَأيِّنٍ مَعَ أيٍّ، وتَأْتِي اسْتِفْهامِيَّةً وخَبَرِيَّةً، وكَثِيرًا ما جاءَتِ الخَبَرِيَّةُ في القُرْآنِ، ولَمْ يَأْتِ تَمْيِيزُها في القُرْآنِ إلّا مَجْرُورًا بِمِن، وأحْكامُها في نَوْعَيْها مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ النَّحْوِ. القَيْلُولَةُ: نَوْمُ نِصْفِ النَّهارِ وهي القائِلَةُ. قالَهُ اللَّيْثُ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: الِاسْتِراحَةُ نِصْفَ النَّهارِ إذا اشْتَدَّ الحَرُّ ولَمْ يَكُنْ نَوْمٌ، وقالَ الفَرّاءُ: قالَ يَقِيلُ قَيْلُولَةً وقَيْلًا وقائِلَةً ومَقِيلًا اسْتَراحَ وسَطَ النَّهارِ. العَيْشُ: الحَياةُ عاشَ يَعِيشُ عَيْشًا ومَعاشًا وعِيشَةً ومَعِيشَةً ومَعِيشًا. قالَ رُؤْبَةُ:

؎إلَيْكَ أشْكُو شَدَّةَ المَعِيشِ وجَهْدَ أيّامٍ نَتَفْنَ رِيشِي

غَوى يَغْوِي غَيًّا وغَوايَةً: فَسَدَ عَلَيْهِ أمْرُهُ وفَسَدَ هو في نَفْسِهِ، ومِنهُ غَوى الفَصِيلُ: أكْثَرَ مِن شُرْبِ لَبَنِ أُمِّهِ حَتّى فَسَدَ جَوْفُهُ وأشْرَفَ عَلى الهَلاكِ، وقِيلَ أصْلُهُ الهَلاكُ ومِنهُ ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] .

الشَّمائِلُ: (p-٢٦٥)جَمْعُ شِمالٍ وهو جَمْعُ تَكْسِيرٍ وجَمْعُهُ في القِلَّةِ عَلى أشْمُلٍ. قالَ الشّاعِرُ:

؎يَأْتِي لَها مِن أيْمُنٍ وأشْمُلِ

وشِمالٌ يُطْلَقُ عَلى اليَدِ اليُسْرى وعَلى ناحِيَتِها، والشَّمائِلُ أيْضًا جَمْعُ شَمالٍ وهي الرِّيحُ، والشَّمائِلُ أيْضًا الأخْلاقُ يُقالُ: هو حَسَنُ الشَّمائِلِ. ذَأمَهُ: عابَهُ يَذْأمُهُ ذَأْمًا بِسُكُونِ الهَمْزَةِ، ويَجُوزُ إبْدالُها ألِفًا. قالَ الشّاعِرُ:

؎صَحِبْتُكَ إذْ عَيْنِي عَلَيْها غِشاوَةٌ ∗∗∗ فَلَمّا انْجَلَتْ قَطَعْتُ نَفْسِي أذِيمُها

وفِي المَثَلِ: لَنْ تَعْدَمِ الحَسْناءُ ذَأْمًا. وقِيلَ: أرَدْتَ أنْ تَذِيمَهُ فَمَدَحْتَهُ، وقالَ اللَّيْثُ ذَأمْتَهُ حَقَّرْتَهُ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وابْنُ الأنْبارِيِّ: ذَأمَهُ وذَمَّهُ، دَحَرَهُ أبْعَدَهُ وأقْصاهُ دُحُورًا. قالَ الشّاعِرُ:

؎دَحَرْتُ بَنِي الحَصِيبِ إلى قُدَيْدٍ ∗∗∗ وقَدْ كانُوا ذَوِي أشَرٍ وفَخْرِ

وسْوَسَ: تَكَلَّمَ كَلامًا خَفِيًّا يُكَرِّرِهُ، والوَسْواسُ صَوْتُ الحُلِيِّ شُبِّهَ الهَمْسُ بِهِ، وهو فِعْلٌ لا يَتَعَدّى إلى مَنصُوبٍ، نَحْوُ ولْوَلَتْ ووَعْوَعَ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: رَجُلٌ مُوَسْوِسٌ، بِكَسْرِ الواوِ، ولا يُقالُ: مُوَسْوَسٌ بِفَتْحِها. وقالَ غَيْرُهُ: يُقالُ مُوَسْوَسٌ لَهُ ومُوَسْوَسٌ إلَيْهِ. وقالَ رُؤْبَةُ يَصِفُ صَيّادًا:

؎وسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصًا رَبَّ الفَلَقْ ∗∗∗ لَمّا دَنا الصَّيْدُ دَنا مِنَ الوَهَقْ

يَقُولُ: لَمّا أحَسَّ بِالصَّيْدِ وأرادَ رَمْيَهُ وسَوَسَ في نَفْسِهِ أيُخْطِئُ أمْ يُصِيبُ. قالَ الأزْهَرِيُّ: وسْوَسَ ووَرْوَرَ مَعْناهُما واحِدٌ، نَصَحَ: بَذَلَ المَجْهُودَ في تَبْيِينِ الخَيْرِ، وهو ضِدُّ غَشَّ ويَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِاللّامِ نَصَحْتُ زَيْدًا ونَصَحْتُ لِزَيْدٍ، ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ يَتَعَدّى لِواحِدٍ بِنَفْسِهِ ولِآخَرَ بِحَرْفِ الجَرِّ، وأصْلُهُ نَصَحْتُ لِزَيْدٍ، مِن قَوْلِهِمْ نَصَحْتُ لِزَيْدٍ الثَّوْبَ بِمَعْنى خِطْتُهُ خِلافًا لِمَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ. ذاقَ الشَّيْءَ يَذُوقُهُ ذَوْقًا: مَسَّهُ بِلِسانِهِ، أوْ بِفَمِهِ، ويُطْلَقُ عَلى الأكْلِ. طَفِقَ، بِكَسْرِ الفاءِ وفَتْحِها، ويُقالُ: طَبَّقَ بِالباءِ وهي بِمَعْنى أخَذَ مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ. خَصَفَ النَّعْلَ: وضَعَ جِلْدًا عَلى جِلْدٍ وجَمَعَ بَيْنَهُما بِسَيْرٍ، والخَصْفُ الخَرْزُ. الرِّيشُ مَعْرُوفٌ وهو لِلطّائِرِ، ويُسْتَعْمَلُ في مَعانٍ يَأْتِي ذِكْرُها في تَفْسِيرِ المُرَكَّباتِ، واشْتَقُّوا مِنهُ قالُوا: راشَهُ يَرِيشُهُ، وقِيلَ الرَّيْشُ مَصْدَرُ راشَ. النَّزْعُ: الإزالَةُ والجَذْبُ بِقُوَّةٍ.

﴿المص﴾ ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والضَّحّاكُ، وغَيْرُهم، وقالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلَهُ: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فَإنَّ ذَلِكَ مَدَنِيٌّ ورُوِيَ هَذا أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٢٦٦)وقِيلَ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ نَتَقْنا﴾ [الأعراف: ١٧١] واعْتِلاقُ هَذِهِ السُّورَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥] واسْتَطْرَدَ مِنهُ لِما بَعْدَهُ وإلى قَوْلِهِ آخِرَ السُّورَةِ ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥] وذَكَرَ ابْتِلاءَهم فِيما آتاهم وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِالتَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ ذَكَرَ ما يَكُونُ بِهِ التَّكالِيفُ وهو الكِتابُ الإلَهِيُّ وذِكْرُ الأمْرِ بِاتِّباعِهِ، كَما أمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥] . وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ أوائِلَ السُّورَةِ في أوَّلِ البَقَرَةِ، وذَكَرَ ما حَدَسَهُ النّاسُ فِيها ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى شَيْءٍ مِن تَفْسِيرِهِمْ يُعَيِّنُ ما قالُوا، وزادُوا هُنا لِأجْلِ الصّادِ أنَّ مَعْناهُ أنا اللَّهُ أعْلَمُ وأفْصِلُ. رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوِ المُصَوِّرُ. قالَهُ السُّدِّيُّ: أوِ اللَّهُ المَلِكُ النَّصِيرُ. قالَهُ بَعْضُهم، أوْ أنا اللَّهُ المَصِيرُ إلَيَّ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ، أوِ المَصِيرُ كِتابٌ، فَحَذَفَ الياءَ والرّاءَ تَرْخِيمًا وعَبَّرَ عَنِ المَصِيرِ بِـ ﴿المص﴾ . قالَهُ التِّبْرِيزِيُّ. وقِيلَ عَنْهُ: أنا اللَّهُ الصّادِقُ. وقِيلَ: مَعْناهُ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] . قالَهُ الكِرْمانِيُّ. قالَ: واكْتَفى بِبَعْضِ الكَلامِ. وهَذِهِ الأقْوالُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ لَوْلا أنَّ المُفَسِّرِينَ شَحَنُوا بِها كُتُبَهم خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ لَضَرَبْنا عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا فَإنَّ ذِكْرَها يَدُلُّ عَلى ما لا يَنْبَغِي ذِكْرُهُ مِن تَأْوِيلاتِ الباطِنِيَّةِ وأصْحابِ الألْغازِ والرُّمُوزِ ونَهْيُهُ تَعالى أنْ يَكُونَ في صَدْرِهِ حَرَجٌ مِنهُ أيْ مِن سَبَبِهِ لِما تَضَمَّنَهُ مِن أعْباءِ الرِّسالَةِ وتَبْلِيغِها لِمَن لَمْ يُؤْمِن بِكِتابٍ ولا اعْتَقَدَ صِحَّةَ رِسالَةٍ وتَكْلِيفَ النّاسِ أحْكامَها وهَذِهِ أُمُورٌ صَعْبَةٌ ومَعانِيها يَشُقُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ وأسْنَدَ النَّهْيَ إلى الحَرَجِ ومَعْناهُ نَهْيُ المُخاطَبِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْحَرَجِ، وكانَ أبْلَغَ مِن نَهْيِ المُخاطَبِ لِما فِيهِ مِن أنَّ الحَرَجَ لَوْ كانَ مِمّا يُنْهى لَنَهَيْناهُ عَنْكَ فانْتَهِ أنْتَ عَنْهُ بِعَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُ ولِأنَّ فِيهِ تَنْزِيهَ نَبِيِّهِ ﷺ بِأنْ يَنْهاهُ فَيَأْتِي التَّرْكِيبُ فَلا تَحْرَجْ مِنهُ؛ لِأنَّ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ يُناسِبُ أنْ يُسَرَّ بِهِ ويَنْشَرِحَ لِما فِيهِ مِن تَخْصِيصِهِ بِذَلِكَ وتَشْرِيفِهِ حَيْثُ أهَّلَهُ لِإنْزالِ كِتابِهِ عَلَيْهِ وجَعَلَهُ سَفِيرًا بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ فَلِهَذِهِ الفَوائِدِ عَدَلَ عَنْ أنْ يَنْهاهُ، ونَهى الحَرَجَ وفُسِّرَ الحَرَجُ هُنا بِالشَّكِّ وهو تَفْسِيرٌ قَلِقٌ، وسُمِّيَ الشَّكُّ حَرَجًا؛ لِأنَّ الشّاكَّ ضَيِّقُ الصَّدْرِ كَما أنَّ المُتَيَقِّنَ مُنْشَرِحُ الصَّدْرِ وإنْ صَحَّ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَيَكُونُ مِمّا تَوَجَّهَ فِيهِ الخِطابُ إلَيْهِ لَفْظًا وهو لِأُمَّتِهِ مَعْنًى، أيْ فَلا يَشُكُّوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقالَ الحَسَنُ: الحَرَجُ هُنا الضِّيقُ أيْ لا يَضِيقُ صَدْرُكَ مِن تَبْلِيغِ ما أُرْسِلْتَ بِهِ خَوْفًا مِن أنْ لا تَقُومَ بِحَقِّهِ. وقالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ لا يَضِيقُ صَدْرُكَ بِأنْ يُكَذِّبُوكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦] وقِيلَ: الحَرَجُ هُنا الخَوْفُ أيْ لا تَخَفْ مِنهم وإنْ كَذَّبُوكَ وتَمالَئُوا عَلَيْكَ. قالُوا: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لَهُ ولِأُمَّتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ”مِنهُ“ عائِدٌ عَلى الكِتابِ، وقِيلَ عَلى التَّبْلِيغِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ المَعْنى. وقِيلَ عَلى التَّكْذِيبِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، وقِيلَ عَلى الإنْزالِ، وقِيلَ عَلى الإنْذارِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا التَّخْصِيصُ كُلُّهُ لا وجْهَ لَهُ إذِ اللَّفْظُ يَعُمُّ جَمِيعَ الجِهاتِ الَّتِي هي مِن سَبَبِ الكِتابِ ولِأجْلِهِ وذَلِكَ يَسْتَغْرِقُ التَّبْلِيغَ والإنْذارَ وتَعَرُّضَ المُشْرِكِينَ وتَكْذِيبَ المُكَذِّبِينَ وغَيْرَ ذَلِكَ.

و﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ اعْتِراضٌ في أثْناءِ الكَلامِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ النّاسِ إنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا.

و(لِتُنْذِرَ) مُتَعَلِّقٌ بِأُنْزِلَ. انْتَهى. وكَذا قالَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ اللّامَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أُنْزِلَ﴾ [الأعراف: ٣] وقالَهُ قَبْلَهُمُ الفَرّاءُ ولَزِمَ مِن قَوْلِهِمْ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾ اعْتِراضًا بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: التَّقْدِيرُ: فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ كَيْ تُنْذِرَ بِهِ فَجَعَلَهُ مُتَعَلِّقًا بِما تَعَلَّقَ بِهِ في صَدْرِكَ وكَذا عَلَّقَهُ بِهِ صاحِبُ النَّظْمِ فَعَلى هَذا لا تَكُونُ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأبُو البَقاءِ الوَجْهَيْنِ إلّا أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ قالَ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ قُلْتُ: بِأُنْزِلَ أيْ أُنْزِلَ إلَيْكَ لِإنْذارِكَ بِهِ، أوْ بِالنَّهْيِ؛ (p-٢٦٧)لِأنَّهُ إذا لَمْ يُخِفْهم أنْذَرَهم ولِذَلِكَ إذا أيْقَنَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ شَجَّعَهُ اليَقِينُ عَلى الإنْذارِ؛ لِأنَّ صاحِبَ اليَقِينِ جَسُورٌ مُتَوَكِّلٌ عَلى عِصْمَتِهِ. انْتَهى. فَقَوْلُهُ، أوْ بِالنَّهْيِ ظاهِرُهُ أنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالنَّهْيِ، فَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ فَلا يَكُنْ كانَ عِنْدَهم في تَعْلِيقِ المَجْرُورِ والعَمَلِ في الظَّرْفِ فِيهِ خِلافٌ، ومَبْناهُ عَلى أنَّهُ هَلْ تَدُلُّ كانَ النّاقِصَةُ عَلى الحَدَثِ أمْ لا ؟ فَمَن قالَ إنَّها تَدُلُّ عَلى الحَدَثِ جَوَّزَ فِيها ذَلِكَ، ومَن قالَ إنَّها لا تَدُلُّ عَلَيْهِ لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ، وأعْرَبَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ ﴿المص﴾ مُبْتَدَأً و﴿كِتابٌ﴾ خَبَرَهُ وأعْرَبَ أيْضًا ﴿كِتابٌ﴾ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هَذا كِتابٌ، و(ذِكْرى) هو مَصْدَرُ ذَكَرَ بِتَخْفِيفِ الكافِ، وجَوَّزُوا فِيهِ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَطْفٌ عَلى كِتابٍ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ وهو ذِكْرى، والنَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿لِتُنْذِرَ﴾ أيْ وتَذْكُرَ ذِكْرى، أوْ عَلى مَوْضِعِ لِتُنْذِرَ؛ لِأنَّ مَوْضِعَهُ نَصْبٌ فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مَعْطُوفًا عَلى المَعْنى كَما عُطِفَتِ الحالُ عَلى مَوْضِعِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ: ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾ [يونس: ١٢] ويَكُونُ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ وكَما تَقُولُ: جِئْتُكَ لِلْإحْسانِ وشَوْقًا إلَيْكَ، والجَرُّ عَلى مَوْضِعِ النّاصِبَةِ ﴿لِتُنْذِرَ﴾ المُنْسَبِكِ مِنها ومِنَ الفِعْلِ مَصْدَرٌ، التَّقْدِيرُ: لِإنْذارِكَ بِهِ وذِكْرى. وقالَ قَوْمٌ: هو مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ مِن بِهِ وهو مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، وتَعاوُرُ النَّصْبِ والجَرِّ هو عَلى مَعْنًى، وتَذْكِيرٌ مَصْدَرُ ذَكَّرَ المُشَدَّدِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: النُّفُوسُ قِسْمانِ جاهِلَةٌ غَرِيقَةٌ في طَلَبِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ وشَرِيفَةٌ مُشْرِقَةٌ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ، مُسْتَشْعِرَةٌ بِالحَوادِثِ الرُّوحانِيَّةِ فَبُعِثَتِ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ في حَقِّ القِسْمِ الأوَّلِ لِلْإنْذارِ والتَّخْوِيفِ لَمّا غَرِقُوا في بَحْرِ الغَفْلَةِ ورَقْدَةِ الجاهِلِيَّةِ احْتاجُوا إلى مُوقِظٍ ومُنَبِّهٍ، وفي حَقِّ القِسْمِ الثّانِي لِتَذْكِيرٍ وتَنْبِيهٍ؛ لِأنَّ هَذِهِ النُّفُوسَ بِمُقْتَضى جَواهِرِها الأصْلِيَّةِ مُسْتَشْعِرَةً بِالِانْجِذابِ إلى عالَمِ القُدْسِ والِاتِّصالِ بِالحَضْرَةِ الصَّمَدِيَّةِ إلّا أنَّهُ رُبَّما غَشِيَها مِن غَواشِي عالَمِ الحِسِّ فَيَعْرِضُ نَوْعُ ذُهُولٍ، فَإذا سَمِعَتْ دَعْوَةَ الأنْبِياءِ واتَّصَلَ بِها أرْواحُ رُسُلِ اللَّهِ تَذَكَّرَتْ مَرْكَزَها وأبْصَرَتْ مَنشَأها واشْتاقَتْ إلى ما حَصَلَ هُناكَ مِنَ الرُّوحِ والرّاحَةِ والرَّيْحانِ. فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى إنَّما أنْزَلَ الكِتابَ عَلى رَسُولِهِ لِيَكُونَ إنْذارًا في حَقِّ طائِفَةٍ، وذِكْرى في حَقِّ أُخْرى، وهو كَلامٌ فَلْسَفِيٌّ خارِجٌ عَنْ كَلامِ المُتَشَرِّعِينَ وهَكَذا كَلامُ هَذا الرَّجُلِ أعاذَنا اللَّهُ مِنهُ.

7:3Page 151

ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۗ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٣

Follow, [O mankind], what has been revealed to you from your Lord and do not follow other than Him any allies. Little do you remember.

﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ هَذا الكِتابَ أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ أمَرَ الأُمَّةَ بِاتِّباعِهِ، وما أُنْزِلَ إلَيْكم يَشْمَلُ القُرْآنَ والسُّنَّةَ لِقَوْلِهِ: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣] ﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٤] ونَهاهم عَنِ ابْتِغاءِ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ كالأصْنامِ والرُّهْبانِ والكُهّانِ والأحْبارِ والنّارِ والكَواكِبِ وغَيْرِ ذَلِكَ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿مِن دُونِهِ﴾ عائِدٌ عَلى (رَبِّكم) . وقِيلَ عَلى ما، وقِيلَ عَلى الكِتابِ، والمَعْنى: لا تَعْدِلُوا عَنْهُ إلى الكُتُبِ المَنسُوخَةِ. وقِيلَ أرادَ بِالأوْلِياءِ الشَّياطِينَ شَياطِينَ الجِنِّ والإنْسِ وإنَّهُمُ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ والأهْواءِ والبِدَعِ ويُضِلُّونَ عَنْ دِينِ اللَّهِ. وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: ابْتَغُوا مِنَ الِابْتِغاءِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: ”ولا تَبْتَغُوا“ مِنَ الِابْتِغاءِ أيْضًا، والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ هو لِجَمِيعِ النّاسِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ وحَكاهُ، التَّقْدِيرُ: قُلِ اتَّبِعُوا، فَحَذَفَ القَوْلَ لِدَلالَةِ الإنْذارِ المُتَقَدِّمِ الذِّكْرِ عَلَيْهِ وانْتَصَبَ ﴿قَلِيلًا﴾ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ و”ما“ زائِدَةٌ، أيْ: يَتَذَكَّرُونَ تَذَكُّرًا قَلِيلًا، أيْ: حَيْثُ يَتْرُكُونَ دِينَ اللَّهِ ويَتَّبِعُونَ غَيْرَهُ. وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ والنّاصِبُ لَهُ ولا تَتَّبِعُوا، أيِ اتِّباعًا قَلِيلًا. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنِ الفارِسِيِّ: إنَّ ”ما“ مَوْصُولَةٌ بِالفِعْلِ وهي مَصْدَرِيَّةٌ. انْتَهى. وتَمَّمَ غَيْرُهُ هَذا الإعْرابَ بِأنْ نَصَبَ قَلِيلًا عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِظَرْفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: زَمانًا قَلِيلًا، نُذَكِّرُكم أخْبَرَ أنَّهم لا يَدَّعُونَ الذِّكْرَ إنَّما يَعْرِضُ لَهم في زَمانٍ قَلِيلٍ و(ما تَذَكَّرُونَ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ قَبْلَهُ في (p-٢٦٨)مَوْضِعِ الخَبَرِ وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ”ما“ نافِيَةٌ. وقَرَأ حَفْصٌ والأخْوانِ ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ بِتاءٍ واحِدَةٍ وتَخْفِيفِ الذّالِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (يَتَذَكَّرُونَ) بِالياءِ والتّاءِ وتَخْفِيفِ الذّالِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ وتَشْدِيدِ الذّالِ وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عامِرٍ في رِوايَةٍ بِتاءَيْنِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِياءٍ وتَشْدِيدِ الذّالِ.

7:4Page 151

وَكَم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا فَجَآءَهَا بَأۡسُنَا بَيَٰتًا أَوۡ هُمۡ قَآئِلُونَ ٤

And how many cities have We destroyed, and Our punishment came to them at night or while they were sleeping at noon.

﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾ ”كَمْ“ هُنا خَبَرِيَّةٌ، التَّقْدِيرُ: وكَثِيرٌ مِنَ القُرى أهْلَكْناها وأعادَ الضَّمِيرَ في أهْلَكْناها عَلى مَعْنى كَمْ وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وأهْلَكْناها جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الخَبَرِ وأجازُوا أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ أهْلَكْناها تَقْدِيرُهُ: وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها، ولا بُدَّ في الآيَةِ مِن تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ مُضافٍ لِقَوْلِهِ: أوْ هم قائِلُونَ فَمِنهم مَن قَدَّرَهُ وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ ومِنهم مَن قَدَّرَهُ أهْلَكْنا أهْلَها ويَنْبَغِي أنْ يُقَدَّرَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَجاءَها﴾، أيْ: فَجاءَ أهْلَها لِمَجِيءِ الحالِ مِن أهْلِها بِدَلِيلِ، أوْ هم قائِلُونَ؛ لِأنَّهُ يُمْكِنُ إهْلاكُ القُرى بِالخَسْفِ والهَدْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَلا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى حَذْفِ المُضافِ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿فَجاءَها﴾ . وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها﴾ فَيُقَدَّرُ المُضافُ وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ صِفَةً لِلْقَرْيَةِ مَحْذُوفَةً، أيْ: مِن قَرْيَةٍ عاصِيَةٍ ويَعْقُبُ مَجِيءَ البَأْسِ وُقُوعُ الإهْلاكِ لا يُتَصَوَّرُ فَلا بُدَّ مِن تَجَوُّزٍ إمّا في الفِعْلِ بِأنْ يُرادَ بِهِ أرَدْنا إهْلاكَها، أوْ حَكَمْنا بِإهْلاكِها ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾ وإمّا أنْ يَخْتَلِفَ المَدْلُولانِ بِأنْ يَكُونَ المَعْنى أهْلَكْناها بِالخِذْلانِ وقِلَّةِ التَّوْفِيقِ فَجاءَها بَأْسُنا بَعْدَ ذَلِكَ، وإمّا أنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ في الفاءِ بِأنْ تَكُونَ بِمَعْنى الواوِ وهو ضَعِيفٌ، أوْ تَكُونُ لِتَرْتِيبِ القَوْلِ فَقَطْ فَكَأنَّهُ أخْبَرَ عَنْ قُرًى كَثِيرَةٍ أنَّهُ أهْلَكَها، ثُمَّ قالَ فَكانَ مِن أمْرِها مَجِيءُ البَأْسِ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الإهْلاكَ هو مَجِيءُ البَأْسِ، ومَجِيءُ البَأْسِ هو الإهْلاكُ فَلَمّا تَلازَما لَمْ يُبالِ أيَّهُما قَدَّمَ في الرُّتْبَةِ، كَما تَقُولُ شَتَمَنِي فَأساءَ وأساءَ فَشَتَمَنِي؛ لِأنَّ الإساءَةَ والشَّتْمَ شَيْءٌ واحِدٌ. وقِيلَ: الفاءُ لَيْسَتْ لِلتَّعْقِيبِ وإنَّما هي لِلتَّفْسِيرِ، كَقَوْلِهِ: تَوَضَّأ فَغَسَلَ كَذا، ثُمَّ كَذا. وانْتَصَبَ بَياتًا عَلى الحالِ وهو مَصْدَرٌ، أيْ: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾ بائِتِينَ، أوْ قائِلِينَ، وأوْ هُنا لِلتَّنْوِيعِ، أيْ: جاءَ مَرَّةً لَيْلًا كَقَوْمِ لُوطٍ ومَرَّةً وقْتَ القَيْلُولَةِ كَقَوْمِ شُعَيْبٍ، وهَذا فِيهِ نَشْرٌ لِما لَفَّ في قَوْلِهِ: ﴿فَجاءَها﴾ وخَصَّ مَجِيءَ البَأْسِ بِهَذَيْنِ (p-٢٦٩)الوَقْتَيْنِ؛ لِأنَّهُما وقْتانِ لِلسُّكُونِ والدَّعَةِ والِاسْتِراحَةِ فَمَجِيءُ العَذابِ فِيهِما أقْطَعُ وأشَقُّ ولِأنَّهُ يَكُونُ المَجِيءُ فِيهِ عَلى غَفْلَةٍ مِنَ المُهْلَكِينَ، فَهو كالمَجِيءِ بَغْتَةً وقَوْلُهُ: ﴿أوْ هم قائِلُونَ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، ونَصَّ أصْحابُنا أنَّهُ إذْ دَخَلَ عَلى جُمْلَةِ الحالِ واوُ العَطْفِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ دُخُولُ واوِ الحالِ عَلَيْها فَلا يَجُوزُ جاءَ زَيْدٌ ماشِيًا وهو راكِبٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لا يُقالُ جاءَ زَيْدٌ هو فارِسٌ بِغَيْرِ واوٍ فَما بالُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ هم قائِلُونَ﴾ قُلْتُ: قَدَّرَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ الواوَ مَحْذُوفَةً، ورَدَّهُ الزَّجّاجُ. وقالَ: لَوْ قُلْتَ جاءَنِي زَيْدٌ راجِلًا، أوْ هو فارِسٌ، أوْ جاءَنِي زَيْدٌ هو فارِسٌ لَمْ يُحْتَجْ فِيهِ إلى واوٍ؛ لِأنَّ الذِّكْرَ قَدْ عادَ إلى الأوَّلِ، والصَّحِيحُ أنَّها إذا عُطِفَتْ عَلى حالٍ قَبْلَها حُذِفَتِ الواوُ اسْتِثْقالًا لِاجْتِماعِ حَرْفَيْ عَطْفٍ؛ لِأنَّ واوَ الحالِ هي واوُ العَطْفِ اسْتُعِيرَتْ لِلْوَصْلِ فَقَوْلُكَ جاءَ زَيْدٌ راجِلًا، أوْ هو فارِسٌ كَلامٌ فَصِيحٌ وارِدٌ عَلى حَدِّهِ، وأمّا جاءَنِي زَيْدٌ هو فارِسٌ فَخَبِيثٌ. انْتَهى. فَأمّا بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ الَّذِي اتَّهَمَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فَهو الفَرّاءُ، وأمّا قَوْلُ الزَّجّاجِ في التَّمْثِيلَيْنِ لَمْ يُحْتَجْ فِيهِ إلى الواوِ؛ لِأنَّ الذِّكْرَ قَدْ عادَ إلى الأوَّلِ فَفِيهِ إبْهامٌ وتَعْيِينُهُ لَمْ يَجُزْ دُخُولُها في المِثالِ الأوَّلِ ويَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ في المِثالِ الثّانِي فانْتِفاءُ الِاحْتِياجِ لَيْسَ عَلى حَدٍّ سَواءٍ؛ لِأنَّهُ في الأوَّلِ لِامْتِناعِ الدُّخُولِ وفي الثّانِي لِكَثْرَةِ الدُّخُولِ لا لِامْتِناعِهِ، وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ والصَّحِيحُ إلى آخِرِها فَتَعْلِيلُهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ واوَ الحالِ لَيْسَتْ حَرْفَ عَطْفٍ فَيَلْزَمُ مِن ذِكْرِها اجْتِماعُ حَرْفَيْ عَطْفٍ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ لِلْعَطْفِ لَلَزِمَ أنْ يَكُونَ ما قَبْلَ الواوِ حالًا حَتّى يَعْطِفَ حالًا عَلى حالٍ فَمَجِيئُها في ما لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ حالًا دَلِيلٌ عَلى أنَّها لَيْسَتْ واوَ عَطْفٍ ولا لُحِظَ فِيها مَعْنى واوِ عَطْفٍ تَقُولُ جاءَ زَيْدٌ والشَّمْسُ طالِعَةٌ فَجاءَ زَيْدٌ لَيْسَ بِحالٍ فَيُعْطَفُ عَلَيْهِ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ وإنَّما هَذِهِ الواوُ مُغايِرَةٌ لِواوِ العَطْفِ بِكُلِّ حالٍ، وهي قِسْمٌ مِن أقْسامِ الواوِ كَما تَأْتِي لِلْقَسَمِ ولَيْسَتْ فِيهِ لِلْعَطْفِ، إذا قَلْتَ واللَّهِ لَيَخْرُجَنَّ، وأمّا قَوْلُهُ: فَخَبِيثٌ فَلَيْسَ بِخَبِيثٍ وذَلِكَ أنَّهُ بَناهُ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ إذا كانَ فِيها ضَمِيرُ ذِي الحالِ فَإنَّ حَذْفَ الواوِ مِنها شاذٌّ، وتَبِعَ في ذَلِكَ الفَرّاءَ ولَيْسَ بِشاذٍّ، بَلْ هو كَثِيرٌ وُقُوعُهُ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ نَثْرِها ونَظْمِها وهو أكْثَرُ مِن رَمْلِ بِيرِينَ ومَها فِلَسْطِينَ، وقَدْ ذَكَرْنا كَثْرَةَ مَجِيءِ ذَلِكَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وقَدْ رَجَعَ عَنْ هَذا المَذْهَبِ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى مَذْهَبِ الجَماعَةِ.

7:5Page 151

فَمَا كَانَ دَعۡوَىٰهُمۡ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٥

And their declaration when Our punishment came to them was only that they said, "Indeed, we were wrongdoers!"

﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: دَعْواهم تَضَرُّعُهم إلّا إقْرارَهم بِالشِّرْكِ. وقِيلَ دَعْواهم دُعاؤُهم. قالَ الخَلِيلُ: يَقُولُ اللَّهُمَّ أشْرِكْنا في صالِحِ دَعْوى المُسْلِمِينَ، ومِنهُ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهم. وقِيلَ: ادِّعاؤُهم، أيِ: ادَّعُوا مَعاذِيرَ تُحَسِّنُ حالَهم وتُقِيمُ حُجَّتَهم في زَعْمِهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَما آلَتْ دَعاوِيهِمُ الَّتِي كانَتْ في حالِ كُفْرِهِمْ إلى اعْتِرافٍ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎وقَدْ شَهِدَتْ قَيْسٌ فَما كانَ نَصْرُها قُتَيْبَةَ إلّا عَضَّها بِالأباهِمِ

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ فَما كانَ اسْتِغاثَتَهم إلّا قَوْلُهم هَذا؛ لِأنَّهُ لا مُسْتَغاثَ مِنَ اللَّهِ بِغَيْرِهِ مِن قَوْلِهِمْ (دَعْواهم بِالكَعْبِ) قالُوا و”دَعْواهم“ اسْمُ كانَ (وإلّا أنْ قالُوا) الخَبَرُ، وأجازُوا العَكْسَ والأوَّلُ هو الَّذِي يَقْتَضِي نُصُوصَ المُتَأخِّرِينَ أنْ لا يَجُوزَ إلّا هو، فَيَكُونُ ﴿دَعْواهُمْ﴾ الِاسْمَ و﴿إلّا أنْ قالُوا﴾ الخَبَرَ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ تَكُنْ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ ولا مَعْنَوِيَّةٌ تُبَيِّنُ الفاعِلَ مِنَ المَفْعُولِ وجَبَ تَقْدِيمُ الفاعِلِ وتَأْخِيرُ المَفْعُولِ، نَحْوُ: ضَرَبَ مُوسى عِيسى، وكانَ وأخَواتُها مُشَبَّهَةٌ في عَمَلِها بِالفِعْلِ الَّذِي يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، فَكَما وجَبَ ذَلِكَ فِيهِ وجَبَ ذَلِكَ في المُشَبَّهِ بِهِ وهو كانَ ودَعْواهم، وإلّا أنْ قالُوا لا يَظْهَرُ فِيهِما لَفْظٌ يُبَيِّنُ الِاسْمَ مِنَ الخَبَرِ ولا مَعْنى فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ السّابِقُ هو الِاسْمَ واللّاحِقُ الخَبَرَ.

7:6–7Page 151

فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٦

Then We will surely question those to whom [a message] was sent, and We will surely question the messengers.

فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيۡهِم بِعِلۡمٖۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ ٧

Then We will surely relate [their deeds] to them with knowledge, and We were not [at all] absent.

﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾، (p-٢٧٠)أيْ: نَسْألُ الأُمَمَ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ عَنْ أعْمالِهِمْ وعَنْ ما بَلَّغَهُ إلَيْهِمُ الرُّسُلُ لِقَوْلِهِ ﴿ويَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، ويُسْألُ الرُّسُلُ عَمّا أجابَ بِهِ مَن أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] وسُؤالُ الأُمَمِ تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ يُعْقِبُ الكُفّارَ والعُصاةَ عَذابًا، وسُؤالُ الرُّسُلِ تَأْنِيسٌ يُعْقِبُ الأنْبِياءَ ثَوابًا وكَرامَةً. وقَدْ جاءَ السُّؤالُ مَنفِيًّا ومُثْبَتًا بِحَسَبِ المَواطِنِ، أوْ بِحَسَبِ الكَيْفِيّاتِ كَسُؤالِ التَّوْبِيخِ والتَّأْنِيسِ، وسُؤالُ الِاسْتِعْلامِ البَحْتِ مَنفِيٌّ عَنِ اللَّهِ تَعالى إذْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا. وقِيلَ المُرْسَلُ إلَيْهِمُ الأنْبِياءُ والمُرْسَلُونَ المَلائِكَةُ، وهَذا بَعِيدٌ.

﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾، أيْ: نَسْرُدُ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم قِصَّةً قِصَّةً ﴿بِعِلْمٍ﴾ مِنّا لِذَلِكَ واطِّلاعٍ عَلَيْهِ ﴿وما كُنّا غائِبِينَ﴾ عَنْ شَيْءٍ مِنهُ، بَلْ عِلْمُنا مُحِيطٌ بِجَمِيعِ أعْمالِهِمْ، ظاهِرِها وباطِنِها، وهَذا مِن أعْظَمِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ حَيْثُ يُقِرُّونَ بِالظُّلْمِ وتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أنْبِياؤُهم ويَقُصُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم. قالَ وهْبٌ: يُقالُ لِلرَّجُلِ مِنهم أتَذْكُرُ يَوْمَ فَعَلْتَ كَذا أتَذْكُرُ حِينَ قُلْتَ كَذا حَتّى يَأْتِيَ عَلى آخِرِ ما فَعَلَهُ وقالَهُ في دُنْياهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِعِلْمٍ﴾ دَلِيلٌ عَلى إثْباتِ هَذِهِ الصِّفَةِ لِلَّهِ تَعالى وإبْطالٌ لِقَوْلِ مَن قالَ لا عَلِمَ لِلَّهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском