Abu HayyanAl‑Fajr · 89:1–14

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

الفجر

Al-Fajr

The Dawn · Meccan · 30 ayahs

89:1–2Page 593

وَٱلۡفَجۡرِ ١

By the dawn

وَلَيَالٍ عَشۡرٖ ٢

And [by] ten nights1

سُورَةُ الفَجْرِ مَكِّيَّةٌ وهي ثَلاثُونَ آيَةً

﷽

(p-٤٦٦)﴿والفَجْرِ﴾ ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ ﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] ﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥] ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ [الفجر: ٦] ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧] ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ [الفجر: ٨] ﴿وثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ﴾ [الفجر: ٩] ﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ [الفجر: ١٠] ﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ [الفجر: ١١] ﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ [الفجر: ١٢] ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣] ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ﴾ [الفجر: ١٥] ﴿وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ [الفجر: ١٦] ﴿كَلّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ [الفجر: ١٧] ﴿ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] ﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠] ﴿كَلّا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] ﴿وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣] ﴿يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥] ﴿ولا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٦] ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ [الفجر: ٢٩] ﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٣٠]

الحِجْرُ: العَقْلُ، قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ: إنَّهُ لَذُو حِجْرٍ إذا كانَ قاهِرًا لِنَفْسِهِ حافِظًا لَها، كَأنَّهُ مَن حَجَرْتُ عَلى الرَّجُلِ. إرَمُ: أُمَّةٌ قَدِيمَةٌ، وقِيلَ: اسْمُ أبِي عادٍ كُلِّها، وهو عادُ بْنُ عَوْصِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: مَدِينَةٌ، وعَلى أنَّهُ اسْمُ قَبِيلَةٍ، قالَ زُهَيْرٌ:

؎وآخَرِينَ تَرى الماذِيَّ عُدَّتَهم مِن نَسْجِ داوُدَ أوْ ما أوْرَثَتْ إرَمُ

وقالَ الرُّقَيّاتُ:

؎مَجْدًا تَلِيدًا بَناهُ أوَّلُهُ ∗∗∗ أدْرَكَ عادًا وقَبْلَها إرَما

جابَ: خَرَقَ وقَطَعَ، تَقُولُ جُبْتُ البِلادَ أجُوبُها، إذا قَطَعْتَها وجاوَزْتَها، قالَ:

؎ولا رَأيْتُ قَلُوصًا قَبْلَها حَمَلَتْ ∗∗∗ سِتِّينَ وسْقًا ولا جابَتْ بِها بَلَدا

السَّوْطُ: آلَةٌ لِلضَّرْبِ مَعْرُوفَةٌ. قالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: وهو مَصْدَرٌ مِن ساطَ يَسُوطُ إذا اخْتَلَطَ. وقالَ اللَّيْثُ: ساطَهُ إذا خَلَطَهُ بِالسَّوْطِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎أحارِثُ أنّا لَوْ تُساطُ دِماؤُنا ∗∗∗ تَزايَلْنَ حَتّى لا يَمَسَّ دَمٌ دَما

وقالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ أمْوالُهم سَوِيطَةٌ بَيْنَهم: أيْ مُخْتَلِطَةٌ، اللَّمُّ الجَمْعُ واللَّفُّ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمَمْتُ ما عَلى الخِوانِ، إذا أكَلْتَ جَمِيعَ ما عَلَيْهِ بِأسْرِهِ، وقالَ الحُطَيْئَةُ:

؎إذا كانَ لَمًّا يُتْبِعُ الذَّمَّ رَبَّهُ ∗∗∗ فَلا قَدَّسَ الرَّحْمَنُ تِلْكَ الطَّواحِنا

ومِنهُ: لَمَمْتُ الشَّعَثَ، قالَ النّابِغَةُ:

؎ولَسْتَ بِمُسْتَبِقٍ أخًا لا تَلُمُّهُ ∗∗∗ عَلى شَعَثٍ أيُّ الرِّجالِ المُهَذَّبُ

الجَمُّ: الكَبِيرُ.

﴿والفَجْرِ﴾ ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ ﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤] ﴿هَلْ في ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥] ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ [الفجر: ٦] ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧] ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ [الفجر: ٨] ﴿وثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ﴾ [الفجر: ٩] ﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ [الفجر: ١٠] ﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ [الفجر: ١١] ﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ [الفجر: ١٢] (p-٤٦٧)﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ [الفجر: ١٣] ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ﴾ [الفجر: ١٥] ﴿وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ [الفجر: ١٦] ﴿كَلّا بَل لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ [الفجر: ١٧] ﴿ولا تَحاضُّونَ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٨] ﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] ﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠] ﴿كَلّا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] ﴿وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣] ﴿يَقُولُ يالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٤] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥] ﴿ولا يُوثِقُ وثاقَهُ أحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٦] ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] ﴿فادْخُلِي في عِبادِي﴾ [الفجر: ٢٩] ﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٣٠] .

هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ: مَدَنِيَّةٌ، ولَمّا ذَكَرَ فِيما قَبْلَها ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] و ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] أتْبَعَها بِذِكْرِ الطَّوائِفِ المُتَكَبِّرِينَ المُكَذِّبِينَ المُتَجَبِّرِينَ الَّذِينَ وُجُوهُهم خاشِعَةٌ، وأشارَ إلى الصِّنْفِ الآخَرِ الَّذِينَ وُجُوهُهم ناعِمَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] وأيْضًا لَمّا قالَ: ﴿إلّا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٣] قالَ هُنا: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] تَهْدِيدًا لِمَن كَفَرَ وتَوَلّى. وقَرَأ أبُو الدِّينارِ الأعْرابِيُّ: (والفَجْرٍ، والوَتْرٍ، ويَسْرٍ) بِالتَّنْوِينِ في الثَّلاثَةِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: هَذا كَما رُوِيَ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ وقَفَ عَلى آخِرِ القَوافِي بِالتَّنْوِينِ، وإنْ كانَ فِعْلًا، وإنْ كانَ فِيهِ ألِفٌ ولامٌ، قالَ الشّاعِرُ:

؎أقَلِّي اللَّوْمَ عاذِلَ والعِتابًا ∗∗∗ وقَوْلِي إنْ أصَبْتِ لَقَدْ أصابًا

انْتَهى. وهَذا ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ في القَوافِي المُطْلَقَةِ إذا لَمْ يَتَرَنَّمِ الشّاعِرُ، وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ لِلْعَرَبِ إذا وقَفُوا عَلى الكَلِمِ في الكَلامِ لا في الشِّعْرِ، وهَذا الأعْرابِيُّ أجْرى الفَواصِلَ مُجْرى القَوافِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ بِالتَّنْوِينِ، وابْنُ عَبّاسٍ: بِالإضافَةِ، فَضَبَطَهُ بَعْضُهم ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ بِلامٍ دُونَ ياءٍ، وبَعْضُهم (ولَيالِي عَشْرٍ) بِالياءِ، ويُرِيدُ: ولَيالِي أيّامٍ عَشْرٍ، ولَمّا حُذِفَ المَوْصُوفُ المَعْدُودُ وهو مُذَكَّرٌ جاءَ في عَدَدِهِ حَذْفُ التّاءِ مِن عَشْرٍ، والجُمْهُورُ: (والوَتْرِ) بِفَتْحِ الواوِ وسُكُونِ التّاءِ، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ، والأغَرُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ وثّابٍ وقَتادَةُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ، والأخَوانِ: بِكَسْرِ الواوِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، واللُّغَتانِ في الفَرْدِ، فَأمّا في الرَّحْلِ فالكَسْرُ لا غَيْرَ، وحَكى (p-٤٦٨)الأصْمَعِيُّ: فِيهِ اللُّغَتانِ، ويُونُسُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِ التّاءِ، والجُمْهُورُ: (يَسْرِ) بِحَذْفِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا، وابْنُ كَثِيرٍ: بِإثْباتِها فِيهِما، ونافِعٌ وابْنُ عَمْرٍو: بِخِلافٍ عَنْهُ بِياءٍ في الوَصْلِ وبِحَذْفِها في الوَقْفِ، والظّاهِرُ وقَوْلُ الجُمْهُورِ، مِنهم عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ: أنَّ الفَجْرَ هو المَشْهُورُ، أقْسَمَ بِهِ كَما أقْسَمَ بِالصُّبْحِ، ويُرادُ بِهِ الجِنْسُ، لا فَجْرَ يَوْمٍ مَخْصُوصٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، مِن يَوْمِ النَّحْرِ، وعِكْرِمَةُ: مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ، والضَّحّاكُ: مِن ذِي الحِجَّةِ، ومُقاتِلٌ: مِن لَيْلَةِ جَمْعٍ، وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: مِن أوَّلِ يَوْمٍ مِنَ المُحَرَّمِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: الفَجْرُ: النَّهارُ كُلُّهُ، وعَنْهُ أيْضًا وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: الفَجْرُ هو صَلاةُ الصُّبْحِ، وقُرْآنُها هو قُرْآنُ الفَجْرِ، وقِيلَ: فَجْرُ العُيُونِ مِنَ الصُّخُورِ وغَيْرِها، وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، والكَلْبِيُّ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: هي عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ: العَشْرُ الأواخِرُ مِن رَمَضانَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الأوَّلُ مِنهُ، ويَمانٌ وجَماعَةٌ: الأوَّلُ مِنَ المُحَرَّمِ ومِنهُ يَوْمُ عاشُوراءَ، ومَسْرُوقٌ ومُجاهِدٌ: وعَشْرُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّتِي أتَمَّها اللَّهُ تَعالى. قِيلَ: والأظْهَرُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ لِلْحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلى صِحَّتِهِ، قالَتْ عائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ إذا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ وأحْيا لَيْلَهُ وأيْقَظَ أهْلَهُ» . قالَ التَّبْرِيزِيُّ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ العَشْرُ الأواخِرُ يَعْنِي مِن رَمَضانَ، لَمْ يُخالِفْ فِيهِ أحَدٌ، فَتَعْظِيمُهُ مُناسِبٌ لِتَعْظِيمِ القَسَمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأرادَ بِاللَّيالِي العَشْرِ عَشْرَ ذِي الحِجَّةِ، فَإنْ قُلْتَ: فَما بالُها مُنَكَّرَةً مِن بَيْنِ ما أقْسَمَ بِهِ ؟ قُلْتُ: لِأنَّها لَيالٍ مَخْصُوصَةٌ مِن بَيْنِ جِنْسِ اللَّيالِي، العَشْرُ بَعْضٌ مِنها أوْ مَخْصُوصَةٌ بِفَضِيلَةٍ لَيْسَتْ لِغَيْرِها. فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا عُرِّفَتْ بِلامِ العَهْدِ؛ لِأنَّها لَيالٍ مَعْلُومَةٌ مَعْهُودَةٌ ! قُلْتُ: لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ تَسْتَقِلَّ بِمَعْنى الفَضِيلَةِ الَّذِي في التَّنْكِيرِ، ولِأنَّ الأحْسَنَ أنْ تَكُونَ اللّاماتُ مُتَجانِسَةً لِيَكُونَ الكَلامُ أبْعَدَ مِنَ الإلْغازِ والتَّعْمِيَةِ. انْتَهى. أمّا السُّؤالانِ فَظاهِرانِ، وأمّا الجَوابُ عَنْهُما فَلَفْظٌ مُلَفَّقٌ لا يُعْقَلُ مِنهُ مَعْنًى فَيُقْبَلُ أوْ يُرَدُّ.

89:3–14Page 593

وَٱلشَّفۡعِ وَٱلۡوَتۡرِ ٣

And [by] the even [number] and the odd

وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَسۡرِ ٤

And [by] the night when it passes,

هَلۡ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٞ لِّذِي حِجۡرٍ ٥

Is there [not] in [all] that an oath [sufficient] for one of perception?1

أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦

Have you not considered how your Lord dealt with ʿAad -

إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ ٧

[With] Iram1 - who had lofty pillars,2

ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٨

The likes of whom had never been created in the land?

وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ ٩

And [with] Thamūd, who carved out the rocks in the valley?

وَفِرۡعَوۡنَ ذِي ٱلۡأَوۡتَادِ ١٠

And [with] Pharaoh, owner of the stakes?1

ٱلَّذِينَ طَغَوۡاْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ١١

[All of] whom oppressed within the lands

فَأَكۡثَرُواْ فِيهَا ٱلۡفَسَادَ ١٢

And increased therein the corruption.

فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ ١٣

So your Lord poured upon them a scourge of punishment.

إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ ١٤

Indeed, your Lord is in observation.

﴿والشَّفْعِ والوَتْرِ﴾: ذَكَرَ في كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ فِيها سِتَّةً وثَلاثِينَ قَوْلًا ضَجِرْنا مِن قِراءَتِها فَضْلًا عَنْ كِتابَتِها في كِتابِنا هَذا، وعَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قالَ: «(هي الصَّلَواتُ مِنها الشَّفْعُ، ومِنها الوَتْرُ)» . ورَوى أبُو أيُّوبَ عَنْهُ: «(الشَّفْعُ يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الأضْحى، والوَتْرُ: لَيْلَةُ النَّحْرِ)» . ورَوى جابِرٌ عَنْهُ ﷺ: «(الشَّفْعُ يَوْمُ النَّحْرِ، والوَتْرُ يَوْمُ عَرَفَةَ)» . وفي هَذا الحَدِيثِ تَفْسِيرُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الفَجْرَ بِالصُّبْحِ واللَّيالِيَ العَشْرَ بِعَشْرِ النَّحْرِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، وقالَ حَدِيثُ أبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ: هو الَّذِي صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وهو أصَحُّ إسْنادًا مِن حَدِيثِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «(صَوْمُ عَرَفَةَ وتْرٌ لِأنَّهُ تاسِعُها، ويَوْمُ النَّحْرِ شَفْعٌ لِأنَّهُ عاشِرُها)» . وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ في الشَّفْعِ والوَتَرِ أرْبَعَةَ عَشَرَ قَوْلًا، والزَّمَخْشَرِيُّ ثَلاثَةَ أقْوالٍ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ أكْثَرُوا في الشَّفْعِ والوَتْرِ حَتّى كادُوا يَسْتَوْعِبُونَ أجْناسَ ما يَقَعانِ فِيهِ، وذَلِكَ قَلِيلُ الطّائِلِ جَدِيرٌ بِالتَّلَهِّي عَنْهُ. انْتَهى.

﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ قَسَمٌ بِجِنْسِ اللَّيْلِ، ويَسْرِي: يَذْهَبُ ويَنْقَرِضُ، كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] . وقالَ الأخْفَشُ وابْنُ قُتَيْبَةَ: يَسْرِي فِيهِ، فَيَكُونُ مِن بابِ لَيْلُكَ نائِمٌ. وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والكَلْبِيُّ: المُرادُ لَيْلَةُ جَمْعٍ؛ لِأنَّهُ يَسْرِي فِيها، وجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو لَنُعَذِّبَنَّ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (ألَمْ تَرَ) إلى قَوْلِهِ: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ . وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الجَوابُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ مِن آخِرِ سُورَةِ الغاشِيَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهم ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] وتَقْدِيرُهُ: لَإيابُهم إلَيْنا وحِسابُهم عَلَيْنا. وقَوْلُ مُقاتِلٍ: هَلْ هُنا في مَوْضِعٍ تَقْدِيرُهُ: إنَّ في ذَلِكَ قَسَمًا لِذِي حِجْرٍ. فَهَلْ (p-٤٦٩)عَلى هَذا في مَوْضِعِ جَوابِ القَسَمِ، قَوْلٌ لَمْ يَصْدُرْ عَنْ تَأمُّلٍ؛ لِأنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ إنَّ في ذَلِكَ قَسَمًا لِذِي حِجْرٍ لَمْ يُذْكَرْ، فَيَبْقى قَسَمٌ بِلا مُقْسَمٍ عَلَيْهِ، لِأنَّ الَّذِي قَدَّرَهُ مِن أنَّ في ذَلِكَ قَسَمًا لِذِي حِجْرٍ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُقْسَمًا عَلَيْهِ، وهَلْ في ذَلِكَ تَقْرِيرٌ عَلى عِظَمِ هَذِهِ الأقْسامِ، أيْ هَلْ فِيها مَقْنَعٌ في القَسَمِ لِذِي عَقْلٍ فَيَزْدَجِرُ ويُفَكِّرُ في آياتِ اللَّهِ. ثُمَّ وقَفَ المُخاطَبَ عَلى مَصارِعِ الأُمَمِ الكافِرَةِ الماضِيَةِ مَقْصُودًا بِذَلِكَ تَوَعُّدُ قُرَيْشٍ، ونَصْبُ المَثَلِ لَها، وعادٌ هو عادُ بْنُ عَوْصٍ، وأُطْلِقَ ذَلِكَ عَلى عَقِبِهِ، ثُمَّ قِيلَ لِلْأوَّلِينَ مِنهم عادًا الأُولى، وإرَمُ نِسْبَةٌ لَهم بِاسْمِ جَدِّهِمْ، ولِمَن بَعْدَهم عادٌ الأخِيرَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: هي قَبِيلَةٌ بِعَيْنِها، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: إرَمُ هو أبُو عادٍ كُلِّها.

وقالَ الجُمْهُورُ: إرَمُ مَدِينَةٌ لَهم عَظِيمَةٌ كانَتْ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ بِاليَمَنِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هي الإسْكَنْدَرِيَّةُ. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ والمَقْبُرِيُّ: هي دِمَشْقُ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: إرَمُ مَعْناهُ القَدِيمَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِعادٍ مَصْرُوفًا، إرَمَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الرّاءِ والمِيمِ مَمْنُوعُ الصَّرْفِ لِلتَّأْنِيثِ والعَلَمِيَّةِ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ، وعادٌ، وإنْ كانَ اسْمَ القَبِيلَةِ فَقَدْ يُلْحَظُ فِيهِ مَعْنى الحَيِّ فَيُصْرَفُ أوْ لا يُلْحَظُ، فَجاءَ عَلى لُغَةِ مَن صَرَفَ هِنْدًا، ”وإرَمَ“ عَطْفُ بَيانٍ أوْ بَدَلٌ. وقَرَأ الحَسَنُ: (بِعادِ) غَيْرَ مَمْنُوعِ الصَّرْفِ مُضافًا إلى إرَمَ، فَجازَ أنْ يَكُونَ إرَمُ جَدًّا ومَدِينَةً، والضَّحّاكُ: إرَمُ بِفَتْحِ الرّاءِ وما بَعْدَها مَمْنُوعَيِ الصَّرْفِ. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ: (بِعادِ) بِالإضافَةِ، أرِمَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الرّاءِ، وهي لُغَةٌ في المَدِينَةِ، والضَّحّاكُ: (بِعادٍ) مَصْرُوفًا، و(بِعادٍ) غَيْرَ مَصْرُوفٍ أيْضًا، (أرْمَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الرّاءِ تَخْفِيفِ أرِمَ بِكَسْرِ الرّاءِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ: أرَمَّ فِعْلًا ماضِيًا، أيْ بَلِيَ، يُقالُ: رَمَّ العَظْمُ وأرَمَّ هو: أيْ بَلِيَ، وأرَمَّهُ غَيْرُهُ مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ مِن رَمَّ الثُّلاثِيِّ. و(ذاتِ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَكْسُورَةُ التّاءِ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: فِعْلًا ماضِيًا، (ذاتَ) بِنَصْبِ التّاءِ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، و(ذاتِ) بِالكَسْرِ صِفَةً لِإرَمَ، وسَواءٌ كانَتِ اسْمَ قَبِيلَةٍ أوْ مَدِينَةٍ، وإنْ كانَ يَتَرَجَّحُ كَوْنُها مَدِينَةً بِقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ فَإذا كانَتْ قَبِيلَةً صَحَّ إضافَةُ عادٍ إلَيْها وفَكُّها مِنها بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ، وإنْ كانَتْ مَدِينَةً فالإضافَةُ إلَيْها ظاهِرَةٌ والفَكُّ فِيها يَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ بِعادٍ أهْلِ إرَمَ ذاتِ العِمادِ.

وقُرِئَ: (إرَمِ ذاتِ) بِإضافَةِ إرَمَ إلى ذاتٍ، والإرَمُ: العَلَمُ، يَعْنِي بِعادٍ أعْلامِ ذاتِ العِمادِ، ومَن قَرَأ: (أرَمَّ) فِعْلًا ماضِيًا، (ذاتَ) بِالنَّصْبِ، أيْ جَعَلَ اللَّهُ ذاتَ العِمادِ رَمِيمًا، ويَكُونُ (أرَمَّ) بَدَلًا مِن ﴿فَعَلَ رَبُّكَ﴾ وتَبْيِينًا لِفَعَلَ، وإذا كانَتْ ﴿ذاتِ العِمادِ﴾ صِفَةٌ لِلْقَبِيلَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي كِنايَةٌ عَنْ طُولِ أبْدانِهِمْ، ومِنهُ قِيلَ: رَفِيعُ العِمادِ، شُبِّهَتْ قُدُودُهم بِالأعْمِدَةِ، ومِنهُ قَوْلُهم: رَجُلٌ عَمَدٌ وعُمْدانُ أيْ طَوِيلٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ ومُقاتِلٌ: أعْمِدَةُ بُيُوتِهِمُ الَّتِي كانُوا يَرْحَلُونَ بِها؛ لِأنَّهم كانُوا أهْلَ عَمُودٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أعْمِدَةُ بُنْيانِهِمْ، وإذا كانَتْ صِفَةً لِلْمَدِينَةِ، فَأعْمِدَةُ الحِجارَةِ الَّتِي بُنِيَتْ بِها، وقِيلَ: القُصُورُ العالِيَةُ والأبْراجُ يُقالُ لَها عِمادٌ. وحُكِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أرَمٌ، مَصْدَرُ أرِمَ يَأْرَمُ إذا هَلَكَ، والمَعْنى: كَهَلاكِ ذاتِ العِمادِ، وهَذا قَوْلٌ غَرِيبٌ، كَأنَّ مَعْنى ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ كَيْفَ أهْلَكَ عادًا كَهَلاكِ ذاتِ العِمادِ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ ذاتَ العِمادِ مَدِينَةٌ ابْتَناها شَدّادُ بْنُ عادٍ لَمّا سَمِعَ بِذِكْرِ الجَنَّةِ عَلى أوْصافٍ بَعِيدٍ أوْ مُسْتَحِيلٍ عادَةً أنْ يُبْنى في الأرْضِ مِثْلُها، وأنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ عَلَيْها وعَلى أهْلِهِ صَيْحَةً قَبْلَ أنْ يَدْخُلَها هَلَكُوا جَمِيعًا، ويُوقَفُ عَلى قِصَّتِهِمْ في كِتابِ التَّحْرِيرِ، وشَيْءٌ مِنها في الكَشّافِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَمْ يُخْلَقْ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (مِثْلُها) رُفِعَ، وابْنُ الزُّبَيْرِ: مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، (مِثْلَها) نَصْبًا، وعَنْهُ: نَخْلُقُ بِالنُّونِ والضَّمِيرُ في مِثْلِها عائِدٌ عَلى المَدِينَةِ الَّتِي هي ذاتُ العِمادِ في البِلادِ، أيْ في بِلادِ الدُّنْيا، أوْ عائِدٌ عَلى القَبِيلَةِ، أيْ في عِظَمِ أجْسامٍ وقُوَّةٍ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: (وثَمُودٍ) بِالتَّنْوِينِ. والجُمْهُورُ: بِمَنعِ الصَّرْفِ.

﴿جابُوا الصَّخْرَ﴾ خَرَقُوهُ ونَحَتُوهُ، فاتَّخَذُوا في الحِجارَةِ مِنها بُيُوتًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ﴾ [الشعراء: ١٤٩] بُيُوتًا، قِيلَ: (p-٤٧٠)أوَّلُ مَن نَحَتَ الجِبالَ والصُّخُورَ والرُّخامَ ثَمُودُ، وبَنَوْا ألْفًا وسَبْعَمِائَةِ مَدِينَةٍ كُلُّها بِالحِجارَةِ بِالوادِي، وادِي القُرى، وقِيلَ: جابُوا وادِيَهم وجَلَبُوا ماءَهم في صَخْرٍ شَقُّوهُ، فِعْلَ ذِي القُوَّةِ والآمالِ ﴿ذِي الأوْتادِ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ ص، (الَّذِينَ) صِفَةٌ لِعادٍ وثَمُودَ وفِرْعَوْنَ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ، أوْ مَرْفُوعٌ عَلى إضْمارِ هم ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ﴾ أبْهَمَ هُنا وأوْضَحَ في الحاقَّةِ وفي غَيْرِها، ويُقالُ: صَبَّ عَلَيْهِ السَّوْطَ وغَشّاهُ وقَنَّعَهُ، واسْتَعْمَلَ الصَّبَّ لِاقْتِضائِهِ السُّرْعَةِ في النُّزُولِ عَلى المَضْرُوبِ، قالَ:

؎فَصَبَّ عَلَيْهِمْ مُحْصِراتٍ كَأنَّها شَآبِيبُ لَيْسَتْ مِن سَحابٍ ولا قَطْرِ

يُرِيدُ: المَحْدُودِينَ في قِصَّةِ الإفْكِ، وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ في صِفَةِ الحَبْلِ:

؎صَبَبْنا عَلَيْهِمْ ظالِمِينَ شَياطِنًا ∗∗∗ فَطارَتْ بِها أيْدٍ سِراعٌ وأرْجُلُ

وخَصَّ السَّوْطَ فاسْتُعِيرَ لِلْعَذابِ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي مِنَ التَّكْرارِ والتَّرْدادِ ما لا يَقْتَضِيهِ السَّيْفُ ولا غَيْرُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَكَرَ السَّوْطَ إشارَةً إلى أنَّ ما أحَلَّهُ بِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ العَظِيمِ بِالقِياسِ إلى ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ، كالسَّوْطِ إذا قِيسَ إلى سائِرِ ما يُعَذَّبُ بِهِ، والمِرْصادُ والمَرْصَدُ: المَكانُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ فِيهِ الرَّصْدُ، مِفْعالٌ مِن رَصَدَهُ، وهَذا مَثَلٌ لِإرْصادِهِ العُصاةَ بِالعِقابِ وأنَّهم لا يَفُوتُونَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المِرْصادُ في الآيَةِ اسْمَ فاعِلٍ، كَأنَّهُ قالَ: لَبِالرّاصِدِ، فَعَبَّرَ بِبِناءِ المُبالَغَةِ. انْتَهى. ولَوْ كانَ كَما زَعَمَ لَمْ تَدْخُلِ الباءُ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ في مَكانِ دُخُولِها، لا زائِدَةً ولا غَيْرَ زائِدَةٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском