Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Fussilat 41:1–12, continued
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (سَواءً) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ؛ وأبُو جَعْفَرٍ بِالرَّفْعِ أيْ: هو سَواءٌ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وعِيسى، ويَعْقُوبُ: بِالخَفْضِ نَعْتًا لِأرْبَعَةِ أيّامٍ.
قالَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ: مَعْناهُ (سَواءً) لِمَن سَألَ عَنِ الأمْرِ، واسْتَفْهَمَ عَنْ حَقِيقَةِ وُقُوعِهِ وأرادَ العِبْرَةَ مِنهُ، فَإنَّهُ يَجِدُهُ كَما قالَ تَعالى.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ مُسْتَوٍ مُهَيَّأٌ أمْرُ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ ونَفْعُها لِلْمُحْتاجِينَ إلَيْها مِنَ البَشَرِ، فَعَبَّرَ بِالسّائِلِينَ عَنِ الطّالِبِينَ؛ لِأنَّهم مِن شَأْنِهِمْ، ولا بُدَّ طَلَبُ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ، إذْ هم بِحالِ حاجَةٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): بِمَ تَعَلَّقَ قَوْلُهُ: (لِلسّائِلِينَ) ؟ (قُلْتُ): بِمَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الحَصْرُ لِأجْلِ مَن سَألَ في كَمْ خُلِقَتِ الأرْضُ وما فِيها ؟ أوْ يُقَدِّرُ، أوْ قَدَّرَ فِيها أقْواتَها لِأجْلِ الطّالِبِينَ لَها المُحْتاجِينَ المُقْتاتِينَ. انْتَهى، وهو راجِعٌ لِقَوْلِ المُفَسِّرِينَ المُتَقَدِّمِينَ.
ولَمّا شَرَحَ تَخْلِيقَ الأرْضِ وما فِيها، أتْبَعَهُ بِتَخْلِيقِ السَّماءِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ أيْ: قَصَدَ إلَيْها وتَوَجَّهَ دُونَ إرادَةِ تَأْثِيرٍ في غَيْرِها، والمَعْنى: إلى خَلْقِ السَّماءِ. والظّاهِرُ أنَّ المادَّةَ الَّتِي خُلِقَتْ مِنها السَّماءُ كانَتْ دُخانًا.
وفِي أوَّلِ الكِتابِ الَّذِي يَزْعُمُ اليَهُودُ أنَّهُ التَّوْراةُ: إنَّ عَرْشَهُ تَعالى كانَ عَلى الماءِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَأحْدَثَ اللَّهُ في ذَلِكَ سُخُونَةً، فارْتَفَعَ زَبَدٌ ودُخانٌ، أمّا الزَّبَدُ فَبَقِيَ عَلى وجْهِ الماءِ، فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ اليُبُوسَةَ وأحْدَثَ مِنهُ الأرْضَ؛ وأمّا الدُّخانُ فارْتَفَعَ وعادَ فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ السَّماواتِ. وفِيهِ أيْضًا: أنَّهُ خَلَقَ السَّماءَ مِن أجْزاءٍ مُظْلِمَةٍ. انْتَهى.
ورُوِيَ أنَّها كانَتْ جِسْمًا رِخْوًا كالدُّخانِ أوِ البُخارِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هُنا لَفْظٌ مَتْرُوكٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ، وتَقْدِيرُهُ: فَأوْجَدَها وأتْقَنَها وأكْمَلَ أُمُورَها، وحِينَئِذٍ ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ ائْتِيا﴾ . ورُجِّحَ قَوْلُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُما نَطَقَتا نُطْقًا حَقِيقِيًّا، وجَعَلَ اللَّهُ لَهُما حَياةً وإدْراكًا يَقْتَضِي نُطْقَهُما، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أنَّ المُفَسِّرِينَ مِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ ذَلِكَ مَجازٌ، وأنَّهُ ظَهَرَ مِنهُما عَنِ اخْتِيارِ الطّاعَةِ والتَّذَلُّلِ والخُضُوعِ ما هو بِمَنزِلَةِ القَوْلِ، قالَ: والقَوْلُ الأوَّلُ أحْسَنُ؛ لِأنَّهُ لا شَيْءَ يَدْفَعُهُ، وأنَّ العِبْرَةَ فِيهِ أتَمُّ، والقُدْرَةَ فِيهِ أظْهَرُ. انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَعْنِي أمَرَ السَّماءَ والأرْضَ بِالإتْيانِ، وامْتِثالُهُما أنَّهُ أرادَ تَكْوِينَهُما، فَلَمْ يَمْتَنِعا عَلَيْهِ، ووُجِدَتا كَما أرادَهُما، وجاءَتا في ذَلِكَ كالمَأْمُورِ المُطِيعِ؛ إذا ورَدَ عَلَيْهِ فِعْلُ الآمِرِ فِيهِ.
عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى كَلَّمَ السَّماءَ والأرْضَ وقالَ لَهُما: ﴿ائْتِيا﴾، شِئْتُما ذَلِكَ أوْ أبَيْتُما، فَقالَتا: آتَيْنا عَلى الطَّوْعِ لا عَلى الكُرْهِ. والغَرَضُ تَصْوِيرُ أثَرِ قُدْرَتِهِ في المَقْدُوراتِ لا غَيْرُهُ، مِن غَيْرِ أنْ يُحَقَّقَ شَيْءٌ مِنَ الخِطابِ والجَوابِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ القائِلِ: قالَ الجِدارُ لِلْوَتِدِ: لِمَ تَشُقُّنِي ؟ قالَ الوَتِدُ: سَلْ مَن يَدُقُّنِي، فَلَمْ يَتْرُكْنِي وراءَ الحَجَرِ الَّذِي ورائِي.
(فَإنْ قُلْتَ): لِمَ ذَكَرَ السَّماءَ مَعَ الأرْضِ وانْتَظَمَهُما في الأمْرِ بِالإتْيانِ، والأرْضُ مَخْلُوقَةٌ قَبْلَ السَّماءِ بِيَوْمَيْنِ ؟ (قُلْتُ): قَدْ خَلَقَ جَرْمَ الأرْضِ أوَّلًا غَيْرَ مَدْحُوَّةٍ، ثُمَّ دَحاها بَعْدَ خَلْقِ السَّماءِ، كَما قالَ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠]، فالمَعْنى: ائْتِيا عَلى ما يَنْبَغِي أنْ تَأْتِيا عَلَيْهِ مِنَ الشَّكْلِ والوَصْفِ؛ ائْتِ يا أرْضُ مَدْحُوَّةً قَرارًا ومِهادًا لِأهْلِكِ، وائْتِ يا سَماءُ مُقَبَّبَةً سَقْفًا لَهم. ومَعْنى الإتْيانِ: الحُصُولُ والوُقُوعُ، كَما يَقُولُ: أتى عَمَلُهُ مَرْضِيًّا مَقْبُولًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لِتَأْتِ كُلُّ واحِدَةٍ صاحِبَتَها الإتْيانَ الَّذِي أُرِيدُهُ وتَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، والتَّدْبِيرُ مِن كَوْنِ الأرْضِ قَرارًا لِلسَّماءِ، وكَوْنِ السَّماءِ سَقْفًا لِلْأرْضِ، ويَنْصُرُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: (أتَيا) و(أتَيْنا) مِنَ المُواتاةِ، وهي المُوافَقَةُ، أيْ: لِتُواتِ كُلُّ واحِدَةٍ أُخْتَها ولْتُوافِقْها، قالَتا: وافَقْنا وساعَدْنا. ويَحْتَمِلُ وافِقا أمْرِي ومَشِيئَتِي ولا تَمْتَنِعا.
(فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى طَوْعًا أوْ كَرْهًا ؟ (قُلْتُ): هو مَثَلٌ لِلُزُومِ تَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ فِيهِما، وأنَّ امْتِناعَهُما مِن تَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ مُحالٌ، كَما يَقُولُ الجَبّارُ لِمَن يُحِبُّ بَلْوَهُ: لَتَفْعَلَنَّ هَذا شِئْتَ أوْ أبَيْتَ، ولَتَفْعَلَنَّهُ طَوْعًا أوْ كَرْهًا.
(p-٤٨٧)وانْتِصابُهُما عَلى الحالِ بِمَعْنى طائِعَتَيْنِ أوْ مُكْرَهَتَيْنِ. (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا قِيلَ طائِعَتَيْنِ عَلى اللَّفْظِ أوْ طائِعَتانِ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّهُما سَماواتٌ وأرَضُونَ ؟ (قُلْتُ): لَمّا جُعِلَتْ مُخاطَباتٍ ومُجِيباتٍ، ووُصِفَتْ بِالطَّوْعِ والكَرْهِ، قِيلَ: طائِعِينَ في مَوْضِعِ طائِعاتٍ نَحْوَ قَوْلِهِ: ساجِدِينَ. انْتَهى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ائْتِيا﴾ مِنَ الإتْيانِ، أيِ: ائْتِيا أمْرِي وإرادَتِي. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: (أتَيا) عَلى وزْنِ فَعَلا، ﴿قالَتا أتَيْنا﴾ عَلى وزْنِ فَعَلْنا، مِن آتى يُؤْتِي، كَذا قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، قالَ: وذَلِكَ بِمَعْنى أعْطِيا مِن أنْفُسِكُما مِنَ الطّاعَةِ ما أرَدْتُهُ مِنكُما، والإشارَةُ بِهَذا كُلِّهِ إلى تَسْخِيرِها وما قَدَّرَهُ اللَّهُ مِن أعْمالِها. انْتَهى.
وتَقَدَّمَ في كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ جَعَلَ هَذِهِ القِراءَةَ مِنَ المُواتاةِ، وهي المُوافَقَةُ، فَيَكُونُ وزْنُ آتِيا فاعِلا، وآتَيْنا: فاعَلْنا، وتَقَدَّمَهُ إلى ذَلِكَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ قالَ: آتَيْنا بِالمَدِّ عَلى فاعَلْنا مِنَ المُواتاةِ، ومَعْناهُ: سارَعْنا عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ مِنهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الإيتاءِ الَّذِي هو الإعْطاءُ لِبُعْدِ حَذْفِ مَفْعُولِهِ. انْتَهى.
وقَرَأ الأعْمَشُ: أوْ (كُرْهًا) بِضَمِّ الكافِ، والأصَحُّ أنَّهُ لُغَةٌ في الإكْراهِ عَلى الشَّيْءِ المَوْقُوعِ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الطَّواعِيَةِ، والأكْثَرُ أنَّ الكُرْهَ بِالضَّمِّ مَعْناهُ المَشَقَّةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: (قالَتا) أرادَ الفِرْقَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ: جَعَلَ السَّماواتِ سَماءً، والأرَضِينَ أرْضًا، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎ألَمْ يُحْزِنْكَ أنَّ حِبالَ قَوْمِي ∗∗∗ وقَوْمِكَ قَدْ تَبايَنَتا انْقِطاعا
وعَبَّرَ عَنْها بِتَبايَنَتا. انْتَهى.
هَذا ولَيْسَ كَما ذُكِرَ؛ لِأنَّهُ إنَّما تَقَدَّمَ ذِكْرُ الأرْضِ مُفْرَدَةً، والسَّماءُ مُفْرَدٌ لِحُسْنِ التَّعْبِيرِ عَنْهُما بِالتَّثْنِيَةِ، والبَيْتُ هو مِن وضْعِ الجَمْعِ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ، كَأنَّهُ قالَ: ألَمْ يُحْزِنْكَ أنَّ حَبْلِي قَوْمِي وقَوْمُكَ ؟ ولِذَلِكَ ثَنّى في قَوْلِهِ: تَبايَنَتا، وأنَّثَ عَلى مَعْنى الحَبْلِ؛ لِأنَّهُ لا يُرِيدُ بِهِ الحَبْلَ حَقِيقَةً، إنَّما عَنى بِهِ الذِّمَّةَ والمَوَدَّةَ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ قَوْمِهِما.
والظّاهِرُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ خَلَقَ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها الرَّواسِيَ وبارَكَ فِيها، ثُمَّ أوْجَدَ السَّماءَ مِنَ الدُّخانِ فَسَوّاها سَبْعَ سَماواتٍ، فَيَكُونُ خَلْقُ الأرْضِ مُتَقَدِّمًا عَلى خَلْقِ السَّماءِ، ودَحْوُ الأرْضِ غَيْرُ خَلْقِها، وقَدْ تَأخَّرَ عَنْ خَلْقِ السَّماءِ، وقَدْ أوْرَدَ عَلى هَذا أنْ جَعْلَ الرَّواسِيَ فِيها والبَرَكَةَ.
وتَقْدِيرُ الأقْواتِ لا يُمْكِنُ إدْخالُها في الوُجُودِ إلّا بَعْدَ أنْ صارَتِ الأرْضُ مَوْجُودَةً. وقَوْلُهُ: ﴿وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ مُفَسَّرٌ بِخَلْقِ الأشْجارِ والنَّباتِ والحَيَوانِ فِيها، ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ صَيْرُورَتِها مُنْبَسِطَةً. ثُمَّ قالَ بَعْدُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾، فاقْتَضى خَلْقَ السَّماءِ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ ودَحْوِها.
وأوْرَدَ أيْضًا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى لِلسَّماءِ ولِلْأرْضِ: ﴿ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾، كِنايَةٌ عَنْ إيجادِهِما، فَلَوْ سَبَقَ إيجادُ الأرْضِ عَلى إيجادِ السَّماءِ لاقْتَضى إيجادَ المَوْجُودِ بِأمْرِهِ لِلْأرْضِ بِالإيجادِ، وهو مُحالٌ، وقَدِ انْتَهى هَذا الإيرادُ.
ونَقَلَ الواحِدِيُّ في البَسِيطِ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ السَّماءَ قَبْلَ الأرْضِ، وتَأوَّلَ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الأرْضَ، فَأضْمَرَ فِيهِ كانَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] مَعْناهُ: إنْ يَكُنْ سَرَقَ. انْتَهى.
وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: فَقُدِّرَ: ثُمَّ كانَ قَدِ اسْتَوى جَمْعٌ بَيْنَ ضِدَّيْنِ؛ لِأنَّ ثُمَّ تَقْتَضِي التَّأخُّرَ، وكانَ تَقْتَضِي التَّقَدُّمَ، فالجَمْعُ بَيْنَهُما يُفِيدُ التَّناقُضَ، ونَظِيرُهُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا اليَوْمَ، ثُمَّ ضَرَبْتُ عَمْرًا أمْسَ. فَكَما أنَّ هَذا باطِلٌ، فَكَذَلِكَ ما ذُكِرَ يَعْنِي مِن تَأْوِيلِ ثُمَّ كانَ قَدِ اسْتَوى، قالَ: والمُخْتارُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: خَلْقُ السَّماءِ مُقَدَّمٌ عَلى خَلْقِ الأرْضِ. وتَأْوِيلُ الآيَةِ أنَّ الخَلْقَ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ التَّكْوِينِ والإيجادِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وهَذا مُحالٌ، لا يُقالُ لِلشَّيْءِ الَّذِي وُجِدَ كُنْ، بَلِ الخَلْقُ عِبارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ، وهو في حَقِّهِ تَعالى حُكْمُهُ أنْ سَيُوجَدَ، وقَضاؤُهُ بِذَلِكَ بِمَعْنى خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ، وقَضاؤُهُ بِأنْ سَيَحْدُثَ كَذا، أيْ: مُدَّةَ كَذا، لا يَقْتَضِي حُدُوثُهُ ذَلِكَ في الحالِ، فَلا يَلْزَمُ تَقْدِيمُ إحْداثِ (p-٤٨٨)الأرْضِ عَلى إحْداثِ السَّماءِ. انْتَهى.
والَّذِي نَقُولُهُ: أنَّ الكُفّارَ وبَّخُوا وقَرَّعُوا بِكُفْرِهِمْ بِمَن صَدَرَتْ عَنْهُ هَذِهِ الأشْياءُ جَمِيعُها مِن غَيْرِ تَرْتِيبٍ زَمانِيٍّ، وأنَّ (ثُمَّ) لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ لا لِتَرْتِيبِ الزَّمانِ والمُهْلَةِ، كَأنَّهُ قالَ: فالَّذِي أخْبَرَكم أنَّهُ خَلَقَ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها، ثُمَّ أخْبَرَكم أنَّهُ اسْتَوى إلى السَّماءِ، فَلا تَعَرُّضَ في الآيَةِ لِتَرْتِيبٍ، أيْ: ذَلِكَ وقَعَ التَّرْتِيبُ الزَّمانِيُّ لَهُ.
ولَمّا كانَ خَلْقُ السَّماءِ أبْدَعَ في القُدْرَةِ مِن خَلْقِ الأرْضِ، ألَّفَ الأخْبارَ فِيهِ بِـ (ثُمَّ)، فَصارَ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] .
ومِن تَرْتِيبِ الأخْبارِ ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ﴾ [الأنعام: ١٥١] . ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ﴾، بَعْدَ إخْبارِهِ بِما أخْبَرَ بِهِ، تَصْوِيرًا لِخَلْقِهِما عَلى وفْقِ إرادَتِهِ تَعالى، كَقَوْلِكَ: أرَأيْتَ الَّذِي أثْنَيْتَ عَلَيْهِ فَقُلْتَ: إنَّكَ عالِمٌ صالِحٌ ؟ فَهَذا تَصْوِيرٌ لِما أثْنَيْتَ بِهِ وتَفْسِيرٌ لَهُ.
فَكَذَلِكَ أخْبَرَ بِأنَّهُ خَلَقَ كَيْتَ وكَيْتَ، فَحَدَّ ذَلِكَ إيجادًا لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ إرادَتِهِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ المَقْصُودُ الإخْبارُ بِوُقُوعِ هَذِهِ الأشْياءِ مِن غَيْرِ تَرْتِيبٍ زَمانِيٍّ قَوْلُهُ في الرَّعْدِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [الرعد: ٢] الآيَةَ، ثُمَّ قالَ بَعْدُ: ﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وأنْهارًا﴾ [الرعد: ٣] الآيَةَ. وظاهِرُ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها جَعْلُ الرَّواسِي، وتَقْدِيرُ الأقْواتِ قَبْلَ الِاسْتِواءِ إلى السَّماءِ وخَلْقِها، ولَكِنَّ المَقْصُودَ في الآيَتَيْنِ الإخْبارُ بِصُدُورِ ذَلِكَ مِنهُ تَعالى مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِتَرْتِيبٍ زَمانِيٍّ، وما جاءَ مِن ذَلِكَ مَقْصُورًا عَلى يَوْمَيْنِ أوْ أرْبَعَةٍ أوْ سِتَّةٍ إنَّما المَعْنى في مِقْدارِ ذَلِكَ عِنْدَكم، لا أنَّهُ كانَ وقْتَ إيجادِ ذَلِكَ زَمانٌ.
﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ أيْ: صَنَعَهُنَّ وأوْجَدَهُنَّ، كَقَوْلِ ابْنِ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صَنَعَ السَّوابِغَ تَبَعَ
وعَلى هَذا انْتَصَبَ (سَبْعَ) عَلى الحالِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: مَفْعُولٌ ثانٍ، كَأنَّهُ ضَمَّنَ قَضّاهُنَّ مَعْنى صَيَّرَهُنَّ فَعَدّاهُ إلى مَفْعُولَيْنِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ عَلى التَّمْيِيزِ. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ مُبْهَمًا، لَيْسَ عائِدًا عَلى السَّماءِ، لا مِن حَيْثُ اللَّفْظِ ولا مِن حَيْثُ المَعْنى، بِخِلافِ الحالِ أوِ المَفْعُولِ الثّانِي، فَإنَّهُ عائِدٌ عَلى السَّماءِ عَلى المَعْنى.
﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾، قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: وأوْحى إلى سُكّانِها وعَمَرَتِها مِنَ المَلائِكَةِ وإلَيْها هي في نَفْسِها ما شاءَ تَعالى مِنَ الأُمُورِ الَّتِي هي قِوامُها وصَلاحُها، وقالَهُ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ: ومِنَ الأُمُورِ الَّتِي هي بِغَيْرِها مِثْلَ ما فِيها مِن جِبالِ البَرْدِ ونَحْوِها، وأضافَ الأمْرَ إلَيْها مِن حَيْثُ هو فِيها. وقالالزَّمَخْشَرِيُّ: أمَرَها ما أمَرَ بِهِ فِيها ودَبَّرَهُ مِن خَلْقِ المَلائِكَةِ والنَّيِّراتِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
(وحِفْظًا) أيْ: وحَفَّظْناها حِفْظًا مِن المُسْتَرِقَةِ بِالثَّواقِبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: وخَلَقْنا المَصابِيحَ زِينَةً وحِفْظًا انْتَهى.
ولا حاجَةَ إلى هَذا التَّقْدِيرِ الثّانِي، وتَكَلُّفِهِ مَعَ ظُهُورِ الأوَّلِ وسُهُولَتِهِ، ذَلِكَ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ، أيْ: أوْجَدَهُ بِقُدْرَتِهِ وعِزِّهِ وعِلْمِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences