Makki ibn Abi TalibAz‑Zumar · 39:45–67

Makki ibn Abi Talib · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:45–67

39:45–59Page 463

وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُ ٱشۡمَأَزَّتۡ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِۖ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٤٥

And when Allāh is mentioned alone, the hearts of those who do not believe in the Hereafter shrink with aversion, but when those [worshipped] other than Him are mentioned, immediately they rejoice.

قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ عَٰلِمَ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ أَنتَ تَحۡكُمُ بَيۡنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٤٦

Say, "O Allāh, Creator of the heavens and the earth, Knower of the unseen and the witnessed, You will judge between your servants concerning that over which they used to differ."

وَلَوۡ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفۡتَدَوۡاْ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يَكُونُواْ يَحۡتَسِبُونَ ٤٧

And if those who did wrong had all that is in the earth entirely and the like of it with it, they would [attempt to] ransom themselves thereby from the worst of the punishment on the Day of Resurrection. And there will appear to them from Allāh that which they had not taken into account.1

وَبَدَا لَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٤٨

And there will appear to them the evils they had earned, and they will be enveloped by what they used to ridicule.

فَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَٰهُ نِعۡمَةٗ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ بَلۡ هِيَ فِتۡنَةٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٩

And when adversity touches man, he calls upon Us; then when We bestow on him a favor from Us, he says, "I have only been given it because of [my] knowledge." Rather, it is a trial, but most of them do not know.

قَدۡ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٥٠

Those before them had already said it, but they were not availed by what they used to earn.

فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْۚ وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ سَيُصِيبُهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ ٥١

And the evil consequences of what they earned struck them. And those who have wronged of these [people] will be struck [i.e., afflicted] by the evil consequences of what they earned; and they will not cause failure.1

أَوَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥٢

Do they not know that Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]? Indeed in that are signs for a people who believe.

۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥٣

Say, "O My servants who have transgressed against themselves [by sinning], do not despair of the mercy of Allāh. Indeed, Allāh forgives all sins.1 Indeed, it is He who is the Forgiving, the Merciful."

وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ٥٤

And return [in repentance] to your Lord and submit to Him before the punishment comes upon you; then you will not be helped.

وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحۡسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ بَغۡتَةٗ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٥٥

And follow the best of what was revealed to you from your Lord [i.e., the Qur’ān] before the punishment comes upon you suddenly while you do not perceive,

أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ ٥٦

Lest a soul should say,1 "Oh, [how great is] my regret over what I neglected in regard to Allāh and that I was among the mockers."

أَوۡ تَقُولَ لَوۡ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٥٧

Or [lest] it say, "If only Allāh had guided me, I would have been among the righteous."

أَوۡ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلۡعَذَابَ لَوۡ أَنَّ لِي كَرَّةٗ فَأَكُونَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٨

Or [lest] it say when it sees the punishment, "If only I had another turn1 so I could be among the doers of good."

بَلَىٰ قَدۡ جَآءَتۡكَ ءَايَٰتِي فَكَذَّبۡتَ بِهَا وَٱسۡتَكۡبَرۡتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٩

But yes, there had come to you My verses, but you denied them and were arrogant, and you were among the disbelievers.

قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ﴾ - إلى قوله - ﴿وَكُنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾، أي: إذا أفرد الله عز وجل بالعبادة والذكر فقيل: لا إله إلا الله نفرت وانقبضت قلوب الذين لا يؤمنون بالبعث.

﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾، يعني: الأصنام.

﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾، أي: يفرحون.

عنى بذلك ما ألقى الشيطان على لسان النبي ﷺ في سورة "والنجم" إذ قرأ: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى.

قال قتادة: "اشمأزت، أي: كفرت واستكبرت".

وقال مجاهد: اشمأزت انقبضت وهو قول المبرد.

وقال مجاهد: وذلك يوم قرأ عليهم "والنجم" عند باب الكعبة.

وقال السدي: اشمأزت: نفرت، وهو قول أبي عبيدة.

* *

ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ عَالِمَ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾، أي: قل يا محمد: يالله، يا خالق السماوات والأرض، يا عالم ما غاب وما ظهر.

﴿أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾، أي: تفصل بينهم يوم القيامة فيما اختلفوا فيه من تقبضهم عند توحيدك، واستبشارهم عند ذكر الأوثان وفي غير ذلك.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾، أي: كفروا بالله عز وجل، ﴿مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً﴾ يعني: يوم القيامة.

﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ لفدو به أنفسهم لو قُبِل ذلك منهم، فكيف وهم لا يكون لهم شيء من ذلك يوم القيامة، ولو كان لهم لم يقبل منهم.

* *

ثم قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾، (أي: وظهر لهؤلاء الكفار يوم القيامة من عذاب الله ما لم يكونوا يحتسبون) انه أعده لهم.

وقال مجاهد: معناه: أنهم عملوا أعمالاً توهموا (أنها حسنات، فإذا هي سيئات.

وقيل: معناه: أنهم "عملوا أعمالاً توهموا) أنهم يتوبون قبل الموت منها فأدركهم الموت قبل أن يتوبوا، وقد كانوا ظنوا أنهم ينجون بالتوبة".

وقيل: معناه أنهم توهموا أنهم يغفر لهم من غير توبة فبدا لهم من الله دخول النار على ما قدموا.

وقيل: معناه أنهم عملوا أعمالاً توهموا أنها تنفعهم فأحبطها الشرك.

قال محمد بن المنكدر: وعملوا أعمالاً كانوا يظنون أنها تنجيهم (فإذا بها) قد أهلكتهم وأوبقتهم.

* *

ثم قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَـسَبُواْ﴾، أي: وبدا لهم عقاب سيئات أعمالهم.

وقيل: المعنى: وظهر ذكر سيئات عملهم في كتبهم إذا أُعْطُوْهَا بشمائلهم.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: وجب عليهم العذاب الذي كانوا في الدنيا يستهزءون به إذا ذكر لهم، وخوفوا به تكذيباً له وإنكاراً.

* *

ثم قال: ﴿فَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا﴾، أي: إذا أصابه بؤس وشدة دعا الله مستغيثاً به، فإذا خوّله نعمة منه وفرج عنه ﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾، أي: قال: إنما الرخاء والسعة في المعيشة والصحة في البدن على علم من الله بأني له أهل ومستحق لشرفي، ورضاه بعملي.

وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي بالتجارة والطلب وغير ذلك.

وقيل: المعنى: أوتيته على علم عندي، أي: إذا أوتيت هذا في الدنيا إن لي عند الله منزلة. فرد الله تعالى عليه ذلك فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾ [القصص: ٧٨] وقد مضى ذكر هذا في "القصص".

* *

وقوله: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾، معناه: بل أعطينا إياهم تلك النعمة ابتلاء ابتليناهم بها واختباراً.

﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: لا يعلمون أنه ابتلاء واختبار لسوء رأيهم وجهلهم.

* *

ثم قال تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، أي قد قال في نعم الله عز وجل عليه، أي: إنما أوتيته على علم الذين كانوا من قبل هؤلاء من القرون الخالية لرسلهم تكذيباً لهم واستهزاءً، فلم يغن عنهم حين أتاهم بأس الله عز وجل ما كانوا يكسبون من الأعمال، يعني: عبادتهم الأوثان لم تغن عنهم شيئاً، ولم تشفع لهم كما يقول هؤلاء أنها تشفع لهم عند الله سبحانه، ولكنها أسلمتهم لما أتاهم من العذاب.

* *

ثم قال تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾، أي: فأصاب الأمم الخالية الذين قالوا مثل مقالة هؤلاء وبال عملهم فعذبوا في الدنيا، يعني: قارون وشبهه حين قال: إنما أوتيته على علم عندي فخسف به وبداره الأرض.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ هَـٰؤُلاَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾، أي: والذين كفروا من قومك يا محمد سيصيبهم أيضاً وبال عملهم السيء كما أصاب أولئك.

﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، أي: بفائتين ربهم هرباً في الأرض من عذابه إذا نزل بهم فأحلّ الله عز وجل عليهم عذابه فقتلوا بالسيف يوم بدر.

* *

ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾، أي: أَوَلَمْ يعلم هؤلاء الذين قالوا إنما أوتينا المال والصحة وغير ذلك على علم أن الله يوسع على من يشاء من عباده في الرزق، ويضيّق على من يشاء.

* *

ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: إن في توسيع الله عز وجل على خلق، وتقتيره على خلق لحججاً ودلالات لقوم يؤمنون، أي: يصدقون بالحق.

ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾.

قال ابن عباس: قال بعض أهل مكة: يزعم محمد أنه من عبد الأوثان، ودعا مع الله إلهاً آخر، وقتل النفس لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا الآلهة وقتلنا النفس ونحن أهل شرك، فأنزل الله عز وجل ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الآية.

وقيل: إنها نزلت في نفر من المشركين خلا الإيمان في قلوبهم فقالوا في أنفسهم: ما نظن أن الله عز وجل يقبل توبتنا وإيماننا وقد صنعنا بمحمد ﷺ كل شر: أخرجناه، وقتلنا أصحابه، وقاتلناه. فأباح الله تعالى لهم التوبة ونهاهم أن يقنطوا من رحمته.

قال مجاهد: الذين أسرفوا على أنفسهم هو قتل النفس في الجاهلية. وقال عطاء بن يسار: نزلت هذه الثلاث الآيات في وحشي وأصحابه، وروى ذلك عن ابن عباس، قال: فكان النبي لا يطيق أن ينظر إليه لأنه قتل حمزة فظن وحشي أن الله عز وجل لم يقبل إسلامه فنزلت هذه الآيات.

وقيل: نزلت في قوم أسلموا بمكة وخلفوا بعد هجرة النبي ﷺ فأقاموا بمكة يفتنهم المشركون عن دينهم فافتتنوا، فكان بعضهم يقول: إن رجعت إلى الإسلام لم يقبلني محمد ﷺ ولم يقبل الله توبتي فأنزل الله عز وجل هذه الآيات فيهم.

فمعنى أسرفوا على أنفسهم على هذا القول، أي: أسرفوا على أنفسهم بإقامتهم مع الكفار بمكة، وظنهم أن الله عز وجل لا يقبل توبتهم ورجوعهم عن دينهم.

وقال قتادة: ذكر لنا أن قوماً أصابوا ذنوباً عظاماً في الجاهلية فلما جاء الإسلام أشفقوا إن لم يتب عليهم، فدعاهم الله بهذه الآية.

قال السدي: هي في المشركين، كقول ابن عباس: وهو قول ابن زيد.

وكان ابن مسعود يقول: إن أكثر آية فرجاً في القرآن: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الآية.

وروي عن عمر رضي الله عنه أنها نزلت في أهل الإسلام. قال: كنا نقول: لمن افتن من توبة. وكانوا يقولون: ما الله بقابل منا شيئاً، تركنا الإسلام ببلاء أصابنا بعد معرفته. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل فيهم: ﴿يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ﴾ الثلاث الآيات.

قال عمر: فكتبتها بيدي وبعثتها إلى هشام بن العاصي. قال هشام: فجعلت أقرؤها ولا أفهمها فوقع في نفسي أنها نزلت فينا لِمَا كُنّا نقول، قال: فجلست على بعيري ثم لحقت بالمدينة.

وروي عن ابن عمر: أن هذه الآيات نزلن في عياش بن أبي ربيعة، والوليد ابن الوليد ونفر من المسلمين كانوا أسلموا، ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا، فكنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عدلاً أبداً، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوا به! فنزلت هذه الآيات.

وقال ابن عمر: هذه أرجى آية في القرآن. فرد عليه ابن عباس وقال: بل أرجى آية في القرآن. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦].

وروى شهر عن أسماء أنها سمعت النبي ﷺ يقرأ في هذه الآية: "إن الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي، إنه هو الغفور الرحيم

وقال القرظي هي للناس أجمع.

وقيل: المعنى: يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب.

(وهذا لجماع) من تاب من كفره أو من ذنوبه فالله يغفر له ما تقدم من ذنوبه كلها.

وقيل: هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: ٩٣] الآية، وبقوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦].

والصواب أن الآية خبر لا يجوز نسخه فهي محكمة على ما بينَا من المعنى الذي ذكرنا.

* *

وقوله: ﴿وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾ يدل على أن الآية نزلت فيمن هو على غير الإسلام، وأن بالإسلام تغفر الذنوب كلها التي اكتسبت في الكفر.

وروى ثوبان مولى رسول ﷺ أن النبي ﷺ قال: "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية. فقال رجل: يا رسول الله، ومن أشرك؟! فسكت رسول الله ﷺ ثم قال: ألا ومن أشرك (ألا ومن أشرك) - ثلاث مرات

وروي عن ابن عمر أنه قال: كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ نقول: إنه ليس من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت هذه الآية: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوۤاْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فلما نزلت هذه الآية قلنا ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش. قال: فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها، قلنا: قد هلك، حتى نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ و ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦].

فلما نزلت هذه الآية كففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحد أصاب منها شيئاً خِفْنا عليه، وإن لم يصب منها شيئاً رجونا له.

وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: القنوط من رحمة الله من الكبائر. واختار الطبري أن تكون الآية عامة في أهل الإيمان وأهل الشرك لأن الله عز وجل عَمَّ المُسرفين ولم يُخصِصّ به أحداً، فالشرك أعظم الذنوب وهو مغفور مع التوبة منه والرجوع عنه.

وكان ابن عباس يقرأ: "يغفر الذنوب جميعا لمن شاء".

وقد قيل: إن قوله: ﴿يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ منسوخ بقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: ٩٣]، وقيل: بقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦].

والصواب أنها محكمة لأنها خبر، والأخبار لا تنسخ، والله يغفر كل الذنوب لمن يشاء من المؤمنين، فلا نسخ فيه.

ومعنى "لا تقنطوا": لا تيئسوا.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾، أي: يستر على الذنوب كلها بعفوه عن أهلها إذا تابوا منها.

﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ﴾، أي: الساتر لذنوب التائبين.

﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بهم أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ﴾، أي: ارجعوا إلى طاعة ربكم، وأقبلوا على عبادته، واخضعوا له، وأجيبوا داعيه.

﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ على كفركم.

﴿ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾، أي: لا ينصركم ناصر فينقذكم من عذاب الله عز وجل.

والإنابة هنا: الإيمان والتوبة من الكفر.

وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الإيمان إذا وقع في القلب انفسح له وانشرح. فقيل له: يا رسول الله، فهل لذلك من آية يعرف بها؟ فقال: الإنابة إلى دار الخلود. والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت

ثم قال: ﴿وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ﴾، أي: اعملوا بما في كتاب الله.

وقيل: معناه: إن الله أباح الانتصار بعد الظلم وأعلمنا أن العفو أحسن.

وقيل: المعنى: إن الله عز وجل قد أخبر عن قوم أنهم عصوا، وعن قوم أنهم أطاعوا فأمر أن تتبع الطاعة دون المعصية.

وقيل: المعنى: إن الله عز جل قد نسخ أحكاماً بما شاء فأمرنا أن نتبع الناسخ دون المنسوخ.

* *

وقوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً﴾، أي: فجأة.

﴿وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾، أي: لا تعلمون، وهذا توعد من الله جل ذكره لمن لم يَتُبْ.

* *

ثم قال تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ﴾ "أن" مفعول من أجله. والأصل في "حسرتا": يا حسرتي، ثم أبدل من الياء ألف.

والفائدة في نداء الحسرة أن حرف النداء يدل على تمكن القصة من صاحبها وملازمتها له. فذلك أبلغ في الخبر.

وأجاز الفراء في الوصل: "يا حسرتاه" بضم الهاء وكسرها.

ولا يجيز النحويون إثبات الهاء في الوصل وقد جاء ذلك في الشعر. والمعنى: اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن تصيروا إلى حال الندامة غداً.

* *

ومعنى ﴿عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ﴾، أي: على ما ضيّعته من العمل بما أمرني الله به، وقصّرت فيه في الدنيا.

قال مجاهد والسدي "في جنب الله"، أي: في أمر الله.

وقال الضحاك: "في ذكر الله، قال: يعني القرآن والعمل به".

وقال أهل اللغة: المعنى: في جنب الله.

وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما جلس رجل مجلساً ولا مشى ممشىً ولا جَلَسَ اضطجع مضطجعاً لم يذكر الله فيه إلا كانت عليه ترة يوم القيامة، أي: حسرة

وقال إبراهيم التيمي: من الحسرات يوم القيامة أن يرى الرجل ماله الذي آتاه الله عز وجل يوم القيامة في ميزان غيره قد ورثه وعمل فيه بالحق كان له أجره وعلى الآخر وِزْرُه. ومن الحسرات أن يرى الرجل عبده الذي خوله الله في الدنيا (أقرب منه) منزلة من الله جل ذكره، أو يرى رجلاً يعرفه في الدنيا أعمى قد أبصر يوم القيامة وعمي هو.

وأصل الحسرة الندامة التي تلحق الإنسان حتى يصير معها حسيراً، أي: معيباً.

وروى مجاهد عن عبد الله بن عمر أنه قال: ما تفرق قوم قط من مجلسهم، ولم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة.

وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما جلس رجل ولا قوم مجلساً، ولا مشىً رجل ممشى، ولا اضطجع مضطجعاً لا يذكر الله فيه، إلا كانت عليه يوم القيامة حسرة

وقوله: ﴿وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ﴾، أي: وما كنت إلا من الساخرين، أي: كنت من المستهزئين بأمر الله سبحانه وكتابه.

قال قتادة: (لم يكفه) أن ضيع طاعة الله عز وجل حتى جعل يسخر بأهل طاعة الله سبحانه.

قال قتادة: هذا قول صنف منهم ، فقال صنف آخر: ﴿لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي...﴾ الآية، وقال صنف آخر: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً..﴾ الآية، أي: رجعة.

قال ابن عباس: أخبر الله جل ذكره ما العباد قائلون قبل أن يقولوا، وما هم عاملون قبل أن يعملوا (فقال ﴿وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]. وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠].

ومعنى: ﴿لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي﴾، أي: وفقني للرشاد.

* *

ثم قال: ﴿بَلَىٰ قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ دخلت (هنا "بلى") لأن معنى لو أن الله هداني (ما هداني). ودخلت جواباً للنفي حملاً على المعنى: (بلى هداني).

ومعنى الآية أنها تكذيب من الله جل ذكره للقائل: "لو أن الله هداني"، ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً﴾، فأعلمهم أن كتابه وحججه قد أتاهم فكذبوا واستكبروا عن الإيمان به وكانوا من الكافرين به.

وروت أم سلمة أن النبي ﷺ قرأ: ﴿جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ﴾ بكسر الكاف والتاء على مخاطبة النفس. وبذلك قرأ الجحدري.

وقرأ الأعمش: "بلى قد جاءته" بالهاء.

وقيل: يلزم من كَسَرَ التاء والكاف (أن يُقْرَأَ وكنت) من الكوافر والكافرات. وهذا لا يلزم لأنه يحمل على المعنى.

39:60–67Page 465

وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسۡوَدَّةٌۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡمُتَكَبِّرِينَ ٦٠

And on the Day of Resurrection you will see those who lied about Allāh [with] their faces blackened. Is there not in Hell a residence for the arrogant?

وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ بِمَفَازَتِهِمۡ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦١

And Allāh will save those who feared Him by their attainment;1 no evil will touch them, nor will they grieve.

ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ ٦٢

Allāh is the Creator of all things, and He is, over all things, Disposer of affairs.

لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٦٣

To Him belong the keys of the heavens and the earth. And they who disbelieve in the verses of Allāh - it is those who are the losers.

قُلۡ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَأۡمُرُوٓنِّيٓ أَعۡبُدُ أَيُّهَا ٱلۡجَٰهِلُونَ ٦٤

Say, [O Muḥammad], "Is it other than Allāh that you order me to worship, O ignorant ones?"

وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٥

And it was already revealed to you and to those before you that if you should associate [anything] with Allāh, your work would surely become worthless, and you would surely be among the losers.

بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٦٦

Rather, worship [only] Allāh and be among the grateful.

وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٧

They have not appraised Allāh with true appraisal,1 while the earth entirely will be [within] His grip2 on the Day of Resurrection, and the heavens will be folded in His right hand.3 Exalted is He and high above what they associate with Him.

قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ﴾ - إلى قوله - ﴿وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.

أي: يوم القيامة يا محمد ترى الذين زعموا أن لله سبحانه ولداً وأن له شريكاً.

﴿وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾: يقال: مسودة ومسوادة، لغتان، وأسْوادَّ وجهه وأسْوَدَّ وأحْمَرَّ وأحْمَارَّ.

* *

ثم قال: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾، أي: أليس في جهنم مأوَىَ ومسكنَ لمن تكبر على الله تعالى، وامتنع من طاعته جلت عظمته.

روي أن النبي ﷺ قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة كالذر يلحقهم الصغار حتى يؤتى بهم إلى سجن في جهنم

وقال ﷺ في تفسير الكبر: "هو سفه الحق وغمط الناس"، اي: احتقارهم.

قال عطاء بن يسار: يقال: إن في جهنم سجناً يقال له بولس يحشر فيه المتكبرون يوم القيامة ويأتون يوم القيامة على صور الذر.

ومن رواية ابن وهب يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال: "المتكبرون في الدنيا يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار، ثم يساقون حتى يدخلوا سجناً يقال له بولس في نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار من طينة الخبال، يعني: من صديد أهل النار وما يخرج منهم

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ﴾، أي بفوزهم.

قال السدي: بمفازتهم، بفضيلتهم.

وقال ابن زيد: "بأعمالهم".

وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "يحشر الله عز وجل مع كل امرئ عمله، فيكون عمل المومن معه في أحسن صورة وأطيب ريح. فكلما كان من رعب أو خوف قال له: لا تُرَعْ، فما أنت (بالمراد ولا أنت بالمعني به). فإذا كثر عليه قال له: ما أحسنك! فمن أنت؟! فيقول: أما تعرفني؟! أنا عملك الصالح! حملتني على ثقلي فوالله لأحملنك اليوم ولأدفعن عنك. فهي التي قال سبحانه. ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ﴾ الآية.

ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾، أي: الذي له الألوهية والتفرد هو خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل، أي قيم بالحفظ والكلأة.

* *

ثم قال تعالى: ﴿لَّهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾.

قال ابن عباس وقتادة: مقاليد: مفاتيح.

والمعنى: له مفاتيح خزائن السماوات والأرض، يمسك ما يشاء ويفتح ما يشاء، وقال السدي: "المقاليد: الخزائن"، واحدها مقليد، وقيل: مقلد، وقال أبو عبيدة: (واحد المقاليد مقليد)، وواحد الأقاليد إقليد.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَاتِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾، أي: هم المغبونون حظوظهم من خيرات خزائن الله التي بيده مفاتيحها.

* *

ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ أَيُّهَا ٱلْجَاهِلُونَ﴾.

"غير" نصب "بأعبد".

قال الأخفش: "تأمروني" ملغى، كقولك: ذلك زيد بلغني.

والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أعبد غير الله فيما تأمروني أيها الجاهلون؟!

ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، (أي: ولقد أوحي إليك يا محمد وإلى الرسل من قبلك لئن اشركت بالله ليحبطن عملك)، أي: يبطل عملك ويفسد.

يقال: حبط بطنه من داء إذا فسد منه.

وقيل: في الكلام تقديم وتأخير. والتقدير : ولقد أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين، وأوحي إلى الرسل من قبلك مثل ذلك.

* *

ومعنى ﴿مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ﴾: من المغبونين حظوظهم الهالكين.

* *

ثم قال تعالى: ﴿بَلِ ٱللَّهَ فَٱعْبُدْ﴾، الفاء زائدة واسم الله نصب بأعبد.

وقال الفراء: هو نصب بإضمار فعل.

والفاء عند أبي إسحاق غير زائدة دخلت لمعنى المجازات.

والمعنى على القول الأول: بل اعبد الله ولا تعبد ما أمرك به هؤلاء المشركون ﴿وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ﴾، أي: كن شاكراً لله على نعمه عليك إذا هداك للإيمان وبرَّأك من عبادة الأوثان.

* *

ثم قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، أي: ما عظموه حق عظمته.

قال ابن عباس: هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عز وجل عليهم، ومن آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك لم يقدر الله حق قدره.

قال أبو عبيدة: معناه: ما عرفوا الله حق معرفته.

وقيل التقدير: ما قدروا نعم الله حق قدر نعمه.

وأكثر المفسرين على أن المعنى: ما عظّموه حق عظمته، وما وصفوه حق صفته: إذ عبدوا غيره معه، فهو خالق جميع الأشياء ومالكها، والأرض جميعاً كلها قبضته يوم القيامة.

(قال ابن عباس وغيره: الأرض والسماوات جميعا في يمينه يوم القيامة).

قال ابن عباس ما السماوات السبع والأرضون السبع في يد الله جلّ ذكره إلا كخردلة في يد أحدكم.

قال الحسن: والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، قال: كأنها جوزة بقضها وقضيضها.

قال الضحاك: السماوات والأرض مطويات بيمينه جميعاً.

وروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال وهو على المنبر يخطب:

"يأخذ الله عز وجل السماوات والأرض السبع فيجعلها في كفيه، ثم يقول بهما كما يقول الغلام بالكرة: أنا الله، أنا الواحد، أنا العزيز" حتى لقد رأيت المنبر وإنه ليكاد يسقط به

وروي عن النبي ﷺ أن يهودياً جاءه فقال: يا محمد، إن الله يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع والخلائق على إصبع ثم يقول: أنا الله. فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجده، ثم قال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. قال: فضحك النبي ﷺ تعجباً وتصديقاً

وروي أن رهطاً من اليهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا محمد: هذا الله خلق الخلق، فمن خلقه؟!.

فغضب النبي ﷺ حتى انتقع لونه، ثم شاورهم غضباً لربه عز وجل فجاءه جبريل ﷺ يسكنه. وجاءه من الله تعالى جواب ما سألوه عنه، فقال: يقول الله: ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ السورة فلما تلا عليهم النبي عليه السلام، قالوا: صف لنا ربك، كيف هو خلقه، وكيف هو عضده، وكيف ذراعه؟ فغضب النبي ﷺ أشد من غضبه الأول ثم شاورهم. فأتاه جبريل ﷺ فقال مثل مقالته، وأتاه بجواب ما سألوه عنه: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ - إلى - ﴿يُشْرِكُونَ﴾

وقيل: معنى ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾، أي: يملكها، لا مدعي لملكها ذلك اليوم غيره، كما تقول: هذا في قبضتي.

وقال المبرد: بيمينه: بقوته. وهذا القول هو قول علماء أهل السنة.

وذكر ابن وهب أن ناساً أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، هاتان القبضتان، فأخبرنا عن سائر العظمة.

قال: "فكروا في خلق ممن خلق الله عز وجل: إسرافيل، رجلاه في التخوم السابعة، والعرش على جمجمته. ما بين قدميه إلى ركبته مسيرة خمسين ألف سنة. وما بين عاتقه إلى رأسه مسيرة خمسين ألف سنة"

ويروى أن إسرافيل مؤذن أهل السماء، يؤذن لاثني عشرة ساعة من النهار ولاثنتي عشرة ساعة من الليل، لكل ساعة تأذين يسمع تأذينه من في السماوات السبع، ومن في الأرضين السبع إلا الثقلان: الجن والإنس. ثم يتقدم بهم عظيم الملائكة فيصلي بهم.

وذكر أن ميكائيل يوم الملائكة في البيت المعمور. هذا كله من حديث ابن وهب عن الليث عن رجاله.

وروى ابن عباس عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي ﷺ عن قوله: ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ قالت له: فأين الناس يومئذ؟ قال: على الصراط

وقال أبو أيوب الأنصاري: أتى النبي ﷺ حَبْرٌ من أحبار اليهود فقال: أرأيت إذ يقول الله عز وجل في كتابه: ﴿وَٱلأَرْضُ جَمِيعـاً قَبْضَـتُهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ فأين الخلق عند ذلك؟ قال: "هم كرقم في الكتاب"

وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس أنه قال: إن السماوات السبع والأرضين السبع وما بينهما في يد الله تبارك وتعالى كخردلة في يد أحدكم.

قال أبو محمد مؤلفه (رحمه الله): ويجب على أهل الدين والفضل والفهم أن يجروا هذه الأحاديث التي فيها ذكر اليد والإصبع ونحوه على ما أتت، وألا يعتقد في ذلك جارحة (ولا تشبيه، فليس كمثل ربنا) شيء. ومن توهم في ذلك جارحة فقد شبه الله سبحانه وعدل عن الحق

* *

ثم قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، أي: تنزيهاً له وتبرية من السوء والشرك.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском