Ar-RaziAl‑Kahf · 18:13–21

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:13–21

18:13–15Page 294

نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى ١٣

It is We who relate to you, [O Muḥammad], their story in truth. Indeed, they were youths who believed in their Lord, and We increased them in guidance.

وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا ١٤

And We bound [i.e., made firm] their hearts when they stood up and said, "Our Lord is the Lord of the heavens and the earth. Never will we invoke besides Him any deity. We would have certainly spoken, then, an excessive transgression.

هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ١٥

These, our people, have taken besides Him deities. Why do they not bring for [worship of] them a clear evidence? And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْناهم هُدًى﴾ ﴿ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن قَبْلُ جُمْلَةً مَن واقِعَتِهِمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ﴾ أيْ عَلى وجْهِ الصِّدْقِ: ﴿إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ كانُوا جَماعَةً مِنَ الشُّبّانِ آمَنُوا بِاللَّهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى في صِفاتِهِمْ: ﴿ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ ألْهَمْناها الصَّبْرَ وثَبَّتْناها: ﴿إذْ قامُوا﴾ وفي هَذا القِيامِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا عُظَماءَ مَدِينَتِهِمْ فَخَرَجُوا فاجْتَمَعُوا وراءَ المَدِينَةِ مِن غَيْرِ مِيعادٍ، فَقالَ رَجُلٌ مِنهم أكْبَرُ القَوْمِ: إنِّي لَأجِدُ في نَفْسِي شَيْئًا ما أظُنُّ أنَّ أحَدًا يَجِدُهُ، قالُوا ما تَجِدُ ؟ قالَ: أجِدُ في نَفْسِي أنَّ رَبِّي رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّهم قامُوا بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِهِمْ دِقْيانُوسَ الجَبّارِ، وقالُوا: رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ يَدْعُو النّاسَ إلى عِبادَةِ الطَّواغِيتِ، فَثَبَّتَ اللَّهُ هَؤُلاءِ الفِتْيَةَ، وعَصَمَهم حَتّى عَصَوْا ذَلِكَ الجَبّارَ، وأقَرُّوا بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ، وصَرَّحُوا بِالبَراءَةِ عَنِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: -وهُوَ قَوْلُ عَطاءٍ ومُقاتِلٍ - أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عِنْدَ قِيامِهِمْ مِنَ النَّوْمِ، وهَذا بِعِيدٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ اسْتَأْنَفَ قِصَّتَهم بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ مَعْنى الشَّطَطِ في اللُّغَةِ مُجاوَزَةُ الحَدِّ، قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ قَدْ أشَطَّ في السَّوْمِ إذْ جاوَزَ الحَدَّ، ولَمْ يُسْمَعْ إلّا أشَطَّ يُشِطُّ إشْطاطًا وشَطَطًا، وحَكى الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ شَطَّ الرَّجُلُ وأشَطَّ إذا جاوَزَ الحَدَّ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تُشْطِطْ﴾ (ص: ٢٢) وأصْلُ هَذا مِن قَوْلِهِمْ: شَطَّتِ الدّارُ إذا بَعُدَتْ، فالشَّطَطُ البُعْدُ عَنِ الحَقِّ، وهو هَهُنا مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، والمَعْنى لَقَدْ قُلْنا إذًا قَوْلًا شَطَطًا، أمّا قَوْلُهُ: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ هَذا مِن قَوْلِ أصْحابِ الكَهْفِ، ويَعْنُونَ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ دِقْيانُوسَ عَبَدُوا الأصْنامَ (لَوْلا يَأْتُونَ -هَلّا يَأْتُونَ- عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ) بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ،

صفحة ٨٤

ومَعْنى عَلَيْهِمْ أيْ عَلى عِبادَةِ الآلِهَةِ، ومَعْنى الكَلامِ: أنَّ عَدَمَ البَيِّنَةِ بِعَدَمِ الدَّلائِلِ عَلى ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ المَدْلُولِ، ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى عَدَمِ المَدْلُولِ ويَسْتَدِلُّ عَلى صِحَّةِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى اسْتَدَلَّ عَلى عَدَمِ الشُّرَكاءِ والأضْدادِ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْها فَثَبَتَ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى عَدَمِ المَدْلُولِ طَرِيقَةٌ قَوِيَّةٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يَعْنِي أنَّ الحُكْمَ بِثُبُوتِ الشَّيْءِ مَعَ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ ظُلْمٌ وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ وكَذِبٌ عَلَيْهِ، وهَذا مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ.

18:16–17Page 295

وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا ١٦

[The youths said to one another], "And when you have withdrawn from them and that which they worship other than Allāh, retreat to the cave. Your Lord will spread out for you of His mercy and will prepare for you from your affair facility."

۞ وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِي فَجۡوَةٖ مِّنۡهُۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيّٗا مُّرۡشِدٗا ١٧

And [had you been present], you would see the sun when it rose, inclining away from their cave on the right, and when it set, passing away from them on the left, while they were [lying] within an open space thereof. That was from the signs of Allāh. He whom Allāh guides is the [rightly] guided, but he whom He sends astray - never will you find for him a protecting guide.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ فَأْوُوا إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرفَقًا﴾ ﴿وتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾

اعْلَمْ أنَّ المُرادَ أنَّهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿وإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ واعْتَزَلْتُمُ الشَّيْءَ الَّذِي يَعْبُدُونَهُ إلّا اللَّهَ فَإنَّكم لَمْ تَعْتَزِلُوا عِبادَةَ اللَّهِ: ﴿فَأْوُوا إلى الكَهْفِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: هو جَوابُ إذْ، كَما تَقُولُ: إذْ فَعَلْتَ كَذا فافْعَلْ كَذا، ومَعْناهُ: اذْهَبُوا إلَيْهِ واجْعَلُوهُ مَأْواكم: ﴿يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ﴾ أيْ يَبْسُطُها عَلَيْكم: ﴿ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرفَقًا﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةٍ مَرْفِقًا بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ، والباقُونَ مِرْفَقًا بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، قالَ الفَرّاءُ: وهُما لُغَتانِ واشْتِقاقُهُما مِنَ الِارْتِفاقِ، وكانَ الكِسائِيُّ يُنْكِرُ في مِرْفَقِ الإنْسانِ الَّذِي في اليَدِ إلّا كَسْرَ المِيمِ وفَتْحَ الفاءِ، والفَرّاءُ يُجِيزُهُ في الأمْرِ وفي اليَدِ، وقِيلَ: هُما لُغَتانِ إلّا أنَّ الفَتْحَ أقْيَسُ والكَسْرَ أكْثَرُ، وقِيلَ: المِرْفَقُ ما ارْتَفَقْتَ بِهِ، والمَرْفِقُ بِالفَتْحِ المُرافِقُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ تَزْوَرُّ ساكِنَةَ الزّايِ المُعْجَمَةِ مُشَدَّدَةَ الرّاءِ مِثْلَ تَحْمَرُّ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: تَزاوَرُ بِالألِفِ والتَّخْفِيفِ، والباقُونَ تَزّاوَرُ بِالتَّشْدِيدِ والألِفِ، والكُلُّ بِمَعْنًى واحِدٍ، والتَّزاوُرُ هو المَيْلُ والِانْحِرافُ، ومِنهُ زارَهُ إذا مالَ إلَيْهِ والزُّورُ المَيْلُ عَنِ الصِّدْقِ، وأمّا التَّشْدِيدُ فَأصْلُهُ تَتَزاوَرُ سَكَنَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ، وأُدْغِمَتْ في الزّايِ، وأمّا التَّخْفِيفُ فَهو تَفاعَلَ مِنَ الزَّوْرِ وأمّا تَزْوَرُّ فَهو مِنَ الِازْوِرارِ.

البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وتَرى الشَّمْسَ﴾ أيْ أنْتَ أيُّها المُخاطَبُ تَرى الشَّمْسَ عِنْدَ طُلُوعِها تَمِيلُ عَنْ كَهْفِهِمْ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ مَن خُوطِبَ بِهَذا يَرى هَذا المَعْنى ولَكِنَّ العادَةَ في المُخاطَبَةِ تَكُونُ عَلى هَذا النَّحْوِ، ومَعْناهُ: أنَّكَ لَوْ رَأيْتَهُ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ.

البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ذاتَ اليَمِينِ﴾ أيْ جِهَةَ اليَمِينِ وأصْلُهُ أنَّ ذاتَ صِفَةٌ أُقِيمَتْ مُقامَ المَوْصُوفِ، لِأنَّها

صفحة ٨٥

تَأْنِيثُ ”ذُو“ في قَوْلِهِمْ: رَجُلُ ذُو مالٍ، وامْرَأةٌ ذاتُ مالٍ، والتَّقْدِيرُ: كَأنَّهُ قِيلَ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ جِهَةَ ذاتَ اليَمِينِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ﴾ فَفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الكِسائِيُّ: قَرَضْتُ المَكانَ أيْ عَدَلْتُ عَنْهُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: القَرْضُ في أشْياءَ فَمِنها القَطْعُ، وكَذَلِكَ السَّيْرُ في البِلادِ أيْ إذا قَطَعَها. تَقُولُ لِصاحِبِكَ: هَلْ ورَدْتَ مَكانَ كَذا ؟ فَيَقُولُ المُجِيبُ: إنَّما قَرَضْتُهُ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ﴾ أيْ تَعْدِلُ عَنْ سَمْتِ رُءُوسِهِمْ إلى جِهَةِ الشِّمالِ.

البَحْثُ الثّانِي: لِلْمُفَسِّرِينَ هَهُنا قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ بابَ ذَلِكَ الكَهْفِ كانَ مَفْتُوحًا إلى جانِبِ الشِّمالِ، فَإذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ كانَتْ عَلى يَمِينِ الكَهْفِ، وإذا غَرَبَتْ كانَتْ عَلى شِمالِهِ، فَضَوْءُ الشَّمْسِ ما كانَ يَصِلُ إلى داخِلِ الكَهْفِ، وكانَ الهَواءُ الطَّيِّبُ والنَّسِيمُ المُوافِقُ يَصِلُ، والمَقْصُودُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى صانَ أصْحابَ الكَهْفِ مِن أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ ضَوْءُ الشَّمْسِ، وإلّا لَفَسَدَتْ أجْسامُهم فَهي مَصُونَةٌ عَنِ العُفُونَةِ والفَسادِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ ذَلِكَ، وإنَّما المُرادُ أنَّ الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ مَنَعَ اللَّهُ ضَوْءَ الشَّمْسِ مِنَ الوُقُوعِ، وكَذا القَوْلُ حالَ غُرُوبِها، وكانَ ذَلِكَ فِعْلًا خارِقًا لِلْعادَةِ وكَرامَةً عَظِيمَةً خَصَّ اللَّهُ بِها أصْحابَ الكَهْفِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، واحْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾ قالَ: ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَهُ أصْحابُ القَوْلِ الأوَّلِ لَكانَ ذَلِكَ أمْرًا مُعْتادًا مَأْلُوفًا، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ، وأمّا إذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ الثّانِي كانَ ذَلِكَ كَرامَةً عَجِيبَةً، فَكانَتْ مِن آياتِ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهم كانُوا في مُتَّسَعٍ مِنَ الكَهْفِ يَنالُهم فِيهِ بَرْدُ الرِّيحِ ونَسِيمُ الهَواءِ، قالَ: ﴿وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ﴾ أيْ مِنَ الكَهْفِ، والفَجْوَةُ مُتَّسَعٌ في مَكانٍ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وجَمْعُها فَجَواتٌ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «”فَإذا وجَدَ فَجْوَةً نَصَّ“»، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

الَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ يَمْنَعُ وُصُولَ ضَوْءِ الشَّمْسِ بِقُدْرَتِهِ، قالُوا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ ذَلِكَ أيْ ذَلِكَ التَّزاوُرُ والمَيْلُ، والَّذِينَ لَمْ يَقُولُوا بِهِ، قالُوا: المُرادُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ أيْ ذَلِكَ الحِفْظُ الَّذِي حَفِظَهُمُ اللَّهُ في ذَلِكَ الغارِ تِلْكَ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ، مِن آياتِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى عَجائِبِ قُدْرَتِهِ وبَدائِعِ حِكْمَتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ كَما أنَّ بَقاءَهم هَذِهِ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ مَصُونًا عَنِ المَوْتِ والهَلاكِ مِن تَدْبِيراتِهِ ولُطْفِهِ وكَرَمِهِ، فَكَذَلِكَ رُجُوعُهم أوَّلًا عَنِ الكُفْرِ ورَغْبَتُهم في الإيمانِ كانَ بِإعانَةِ اللَّهِ ولُطْفِهِ، فَقالَ: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي﴾ مِثْلُ أصْحابِ الكَهْفِ: ﴿ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ كَدِقْيانُوسَ الكافِرِ وأصْحابِهِ، ومُناظَراتُ أهْلِ الجَبْرِ والقَدَرِ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْلُومَةٌ.

18:18Page 295

وَتَحۡسَبُهُمۡ أَيۡقَاظٗا وَهُمۡ رُقُودٞۚ وَنُقَلِّبُهُمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِۖ وَكَلۡبُهُم بَٰسِطٞ ذِرَاعَيۡهِ بِٱلۡوَصِيدِۚ لَوِ ٱطَّلَعۡتَ عَلَيۡهِمۡ لَوَلَّيۡتَ مِنۡهُمۡ فِرَارٗا وَلَمُلِئۡتَ مِنۡهُمۡ رُعۡبٗا ١٨

And you would think them awake, while they were asleep. And We turned them to the right and to the left, while their dog stretched his forelegs at the entrance. If you had looked at them, you would have turned from them in flight and been filled by them with terror.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ ونُقَلِّبُهم ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾

اعْلَمْ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وتَحْسَبُهُمْ﴾ عَلى ما ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الشَّمْسَ﴾ أيْ لَوْ رَأيْتَهم لِحَسِبْتَهم ﴿أيْقاظًا﴾ وهو جَمْعُ يَقِظٍ ويَقْظانَ، قالَهُ الأخْفَشُ وأبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ، وأنْشَدُوا لِرُؤْبَةَ:

ووَجَدُوا إخْوانَهم أيْقاظًا

صفحة ٨٦

ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: نَجْدٌ ونُجْدانٌ وأنْجادٌ، وهم رُقُودٌ أيْ نائِمُونَ، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ المَفْعُولُ بِهِ، كَما يُقالُ: قَوْمٌ رُكُوعٌ وقُعُودٌ وسُجُودٌ يُوصَفُ الجَمْعُ بِالمَصْدَرِ، ومَن قالَ: إنَّهُ جَمْعُ راقِدٍ، فَقَدْ أبْعَدَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُجْمَعْ فاعِلٌ عَلى فُعُولٍ، قالَ الواحِدِيُّ: وإنَّما يُحْسَبُونَ ﴿أيْقاظًا﴾ لِأنَّ أعْيُنَهم مُفَتَّحَةٌ، وهم نِيامٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: لِكَثْرَةِ تَقَلُّبِهِمْ يُظَنُّ أنَّهم أيْقاظٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُقَلِّبُهم ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ﴾ واخْتَلَفُوا في مِقْدارِ مُدَّةِ التَّقْلِيبِ، فَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ لَهم في كُلِّ عامٍ تَقْلِيبَتَيْنِ، وعَنْ مُجاهِدٍ يَمْكُثُونَ عَلى أيْمانِهِمْ تِسْعَ سِنِينَ، ثُمَّ يُقْلَبُونَ عَلى شَمائِلِهِمْ، فَيَمْكُثُونَ رُقُودًا تِسْعَ سِنِينَ، وقِيلَ: لَهم تَقْلِيبَةٌ واحِدَةٌ في يَوْمِ عاشُوراءَ، وأقُولُ: هَذِهِ التَّقْدِيراتُ لا سَبِيلَ لِلْعَقْلِ إلَيْها، ولَفْظُ القُرْآنِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وما جاءَ فِيهِ خَبَرٌ صَحِيحٌ، فَكَيْفَ يُعْرَفُ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: فائِدَةُ تَقْلِيبِهِمْ لِئَلّا تَأْكُلَ الأرْضُ لُحُومَهم ولا تُبْلِيَهم.

وأقُولُ: هَذا عَجِيبٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَرَ عَلى أنْ يُمْسِكَ حَياتَهم مُدَّةَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ وأكْثَرَ، فَلِمَ لا يَقْدِرُ عَلى حِفْظِ أجْسادِهِمْ أيْضًا مِن غَيْرِ تَقْلِيبٍ ؟ .

وقَوْلُهُ: ﴿ذاتَ﴾ مَنصُوبَةٌ عَلى الظَّرْفِ؛ لِأنَّ المَعْنى ﴿ونُقَلِّبُهُمْ﴾ في ناحِيَةِ ﴿اليَمِينِ﴾ أوْ عَلى ناحِيَةِ ﴿اليَمِينِ﴾ كَما قُلْنا في قَوْلِهِ: ﴿تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: إنَّهم هَرَبُوا لَيْلًا مِن مَلِكِهِمْ، فَمَرُّوا بِراعٍ مَعَهُ كَلْبٌ فَتَبِعَهم عَلى دِينِهِمْ ومَعَهُ كَلْبُهُ، وقالَ كَعْبٌ: مَرُّوا بِكَلْبٍ، فَنَبَحَ عَلَيْهِمْ فَطَرَدُوهُ، فَعادَ فَفَعَلُوا مِرارًا، فَقالَ لَهُمُ الكَلْبُ: ما تُرِيدُونَ مِنِّي لا تَخْشَوْا جانِبِي، أنا أُحِبُّ أحِبّاءَ اللَّهِ فَنامُوا حَتّى أحْرُسَكم، وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: كانَ ذَلِكَ كَلْبَ صَيْدِهِمْ، ومَعْنى: ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ أيْ يُلْقِيهِما عَلى الأرْضِ مَبْسُوطَتَيْنِ غَيْرَ مَقْبُوضَتَيْنِ، ومِنهُ الحَدِيثُ في الصَّلاةِ: «”أنَّهُ نَهى عَنِ افْتِراشِ السَّبُعِ“» وقالَ: «”لا تَفْتَرِشْ ذِراعَيْكَ افْتِراشَ السَّبُعِ“» قَوْلُهُ: ﴿بِالوَصِيدِ﴾ يَعْنِي فِناءَ الكَهْفِ، قالَ الزَّجّاجُ: الوَصِيدُ فِناءُ البَيْتِ وفِناءُ الدّارِ، وجَمْعُهُ وصائِدُ ووُصُدٌ، وقالَ يُونُسُ والأخْفَشُ والفَرّاءُ: الوَصِيدُ والأصِيدُ لُغَتانِ مِثْلَ الوِكافِ والإكافِ، وقالَ السُّدِّيُّ: ﴿بِالوَصِيدِ﴾ البابُ، والكَهْفُ لا يَكُونُ لَهُ بابٌ ولا عَتَبَةٌ، وإنَّما أرادَ أنَّ الكَلْبَ مِنهُ بِمَوْضِعِ العَتَبَةِ مِنَ البَيْتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ أشْرَفْتَ عَلَيْهِمْ، يُقالُ: اطَّلَعْتُ عَلَيْهِمْ أيْ أشْرَفْتُ عَلَيْهِمْ، ويُقالُ: أطْلَعْتُ فُلانًا عَلى الشَّيْءِ فاطَّلَعَ، وقَوْلُهُ: ﴿لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ قَوْلُهُ: ﴿فِرارًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنى ولَّيْتَ مِنهم فَرَرْتَ: ﴿ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾ أيْ فَزَعًا وخَوْفًا، قِيلَ في التَّفْسِيرِ: طالَتْ شُعُورُهم وأظْفارُهم وبَقِيَتْ أعْيُنُهم مَفْتُوحَةً وهم نِيامٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَوْ رَآهُمُ الرّائِي لَهَرَبَ مِنهم مَرْعُوبًا، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى جَعَلَهم بِحَيْثُ كُلُّ مَن رَآهم فَزِعَ فَزَعًا شَدِيدًا، فَأمّا تَفْصِيلُ سَبَبِ الرُّعْبِ فاللَّهُ أعْلَمُ بِهِ، وهَذا هو الأصَحُّ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ لَمُلِّئْتَ بِتَشْدِيدِ اللّامِ والهَمْزَةِ، والباقُونَ بِتَخْفِيفِ اللّامِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالتَّخْفِيفِ، والمَعْنى واحِدٌ إلّا أنَّ في التَّشْدِيدِ مُبالَغَةً، قالَ الأخْفَشُ: الخَفِيفَةُ أجْوَدُ في كَلامِ العَرَبِ، يُقالُ: مَلَأْتَنِي رُعْبًا، ولا يَكادُونَ يَعْرِفُونَ مَلَّأْتَنِي، ويَدُلُّ عَلى هَذا أكْثَرُ اسْتِعْمالِهِمْ كَقَوْلِهِ:

فَيَمْلَأُ بَيْتَنا أقِطًا وسَمْنًا

صفحة ٨٧

وقَوْلِ الآخَرِ:

ومِن مالِئٍ عَيْنَيْهِ مِن شَيْءِ غَيْرِهِ ∗∗∗ إذا راحَ نَحْوَ الجَمْرَةِ البِيضِ كالدُّمى

وقالَ الآخَرُ:

لا تَمْلَأِ الدَّلْوَ وعَرْقٌ فِيها

وقالَ الآخَرُ:

امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي

وقَدْ جاءَ التَّثْقِيلُ أيْضًا، وأنْشَدُوا لِلْمُخَبَّلِ السَّعْدِيِّ:

وإذا قَتَلَ النُّعْمانُ بِالنّاسِ مُحْرِمًا ∗∗∗ فَمُلِّأ مِن عَوْفِ بْنِ كَعْبٍ سَلاسِلُهُ

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ رُعْبًا بِضَمِّ العَيْنِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، والباقُونَ بِالإسْكانِ.

18:19–21Page 295

وَكَذَٰلِكَ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيۡنَهُمۡۚ قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۚ قَالُواْ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ فَٱبۡعَثُوٓاْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ فَلۡيَنظُرۡ أَيُّهَآ أَزۡكَىٰ طَعَامٗا فَلۡيَأۡتِكُم بِرِزۡقٖ مِّنۡهُ وَلۡيَتَلَطَّفۡ وَلَا يُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا ١٩

And similarly,1 We awakened them that they might question one another. Said a speaker from among them, "How long have you remained [here]?" They said, "We have remained a day or part of a day." They said, "Your Lord is most knowing of how long you remained. So send one of you with this silver coin of yours to the city and let him look to which is the best of food and bring you provision from it and let him be cautious. And let no one be aware of you.

إِنَّهُمۡ إِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ يَرۡجُمُوكُمۡ أَوۡ يُعِيدُوكُمۡ فِي مِلَّتِهِمۡ وَلَن تُفۡلِحُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا ٢٠

Indeed, if they come to know of you, they will stone you or return you to their religion. And never would you succeed, then - ever."

وَكَذَٰلِكَ أَعۡثَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ لِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيۡبَ فِيهَآ إِذۡ يَتَنَٰزَعُونَ بَيۡنَهُمۡ أَمۡرَهُمۡۖ فَقَالُواْ ٱبۡنُواْ عَلَيۡهِم بُنۡيَٰنٗاۖ رَّبُّهُمۡ أَعۡلَمُ بِهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِمۡ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيۡهِم مَّسۡجِدٗا ٢١

And similarly, We caused them to be found that they [who found them] would know that the promise of Allāh is truth and that of the Hour there is no doubt. [That was] when they1 disputed among themselves about their affair and [then] said, "Construct over them a structure. Their Lord is most knowing about them." Said those who prevailed in the matter, "We will surely take [for ourselves] over them a masjid."2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ بَعَثْناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ولْيَتَلَطَّفْ ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكم أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾

اعْلَمْ أنَّ التَّقْدِيرَ: وكَما زِدْناهم هُدًى: ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ وأنَمْناهم وأبْقَيْناهم أحْياءً لا يَأْكُلُونَ ولا يَشْرَبُونَ ونُقَلِّبُهم، فَكَذَلِكَ بَعَثْناهم أيْ أحْيَيْناهم مِن تِلْكَ النَّوْمَةِ الَّتِي تُشْبِهُ المَوْتَ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم تَساؤُلَ تَنازُعٍ واخْتِلافٍ في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن بَعْثِهِمْ أنْ يَتَساءَلُوا ويَتَنازَعُوا ؟ قُلْنا: لا يَبْعُدُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم إذا تَساءَلُوا انْكَشَفَ لَهم مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى أُمُورٌ عَجِيبَةٌ وأحْوالٌ غَرِيبَةٌ، وذَلِكَ الِانْكِشافُ أمْرٌ مَطْلُوبٌ لِذاتِهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ أيْ كَمْ مِقْدارُ لُبْثِنا في هَذا الكَهْفِ: ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهم دَخَلُوا الكَهْفَ غُدْوَةً وبَعَثَهُمُ اللَّهُ في آخِرِ النَّهارِ؛ فَلِذَلِكَ قالُوا: لَبِثْنا يَوْمًا فَلَمّا رَأوُا الشَّمْسَ باقِيَةً، قالُوا: أوْ بَعْضَ يَوْمٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو رَئِيسُهم يَمْلِيخا رَدَّ عِلْمَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَمّا نَظَرَ إلى أشْعارِهِمْ وأظْفارِهِمْ وبَشَرَةِ وُجُوهِهِمْ رَأى فِيها آثارَ التَّغَيُّرِ الشَّدِيدِ، فَعَلِمَ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ التَّغَيُّرِ لا يَحْصُلُ إلّا في الأيّامِ

صفحة ٨٨

الطَّوِيلَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِوَرْقِكم ساكِنَةَ الرّاءِ مَفْتُوحَةَ الواوِ، ومِنهم مَن قَرَأها مَكْسُورَةَ الواوِ ساكِنَةَ الرّاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِوَرِقِكم بِكَسْرِ الرّاءِ وإدْغامِ القافِ في الكافِ، وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أنَّهُ كَسَرَ الواوَ، وأسْكَنَ الرّاءَ، وأدْغَمَ القافَ في الكافِ، وهَذا غَيْرُ جائِزٍ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ عَلى هَذِهِ، والوَرِقُ اسْمٌ لِلْفِضَّةِ سَواءٌ كانَتْ مَضْرُوبَةً أمْ لا، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ أنَّ عَرْفَجَةَ اتَّخَذَ أنْفًا مِن ورِقٍ، وفِيهِ لُغاتٌ: ورِقٌّ ووَرْقٌ ووِرْقٌ مِثْلَ كَبِدٍ وكَبْدٍ وكِبْدٍ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، قالَ الفَرّاءُ: وكَسْرُ الواوِ أرْدَؤُها، ويُقالُ أيْضًا لِلْوَرِقِ: الرِّقَّةُ، قالَ الأزْهَرِيُّ: أصْلُهُ: ورِقٌ مِثْلَ صِلَةٍ وعِدَةٍ، قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتْ مَعَهم دَراهِمُ عَلَيْها صُورَةُ المَلِكِ الَّذِي كانَ في زَمانِهِمْ، يَعْنِي بِالمَدِينَةِ الَّتِي يُقالُ لَها اليَوْمَ: طَرَسُوسُ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ السَّعْيَ في إمْساكِ الزّادِ أمْرٌ مُهِمٌّ مَشْرُوعٌ؛ وأنَّهُ لا يُبْطِلُ التَّوَكُّلَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ ما حَلَّ مِنَ الذَّبائِحِ؛ لِأنَّ عامَّةَ أهْلِ بَلَدِهِمْ كانُوا مَجُوسًا، وفِيهِمْ قَوْمٌ يُخْفُونَ إيمانَهم، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ مَلِكُهم ظالِمًا، فَقَوْلُهم: ﴿أزْكى طَعامًا﴾ يُرِيدُونَ أيُّها أبْعَدُ عَنِ الغَصْبِ، وقِيلَ: أيُّها أطْيَبُ وألَذُّ، وقِيلَ: أيُّها أرْخَصُ، قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿أيُّها﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و﴿أزْكى﴾ خَبَرُهُ و﴿طَعامًا﴾ نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولْيَتَلَطَّفْ﴾ أيْ يَكُونُ ذَلِكَ في سِرٍّ وكِتْمانٍ يَعْنِي دُخُولَ المَدِينَةِ وشِراءَ الطَّعامِ ﴿ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ أيْ لا يُخْبِرَنَّ بِمَكانِكم أحَدًا مِن أهْلِ المَدِينَةِ: ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يَطَّلِعُوا ويُشْرِفُوا عَلى مَكانِكم أوْ عَلى أنْفُسِكم مِن قَوْلِهِمْ: ظَهَرْتُ عَلى فُلانٍ إذا عَلَوْتَهُ، وظَهَرْتُ عَلى السَّطْحِ إذا صِرْتَ فَوْقَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ (الصَّفِّ: ١٤) أيْ عالِينَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (التَّوْبَةِ: ٣٣) أيْ لِيُعْلِيَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ يَقْتُلُوكم، والرَّجْمُ بِمَعْنى القَتْلِ كَثِيرٌ في التَّنْزِيلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ (هُودٍ: ٩١) وقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَرْجُمُونِ﴾ (الدُّخانِ: ٢٠) وأصْلُهُ الرَّمْيُ، قالَ الزَّجّاجُ: أيْ يَقْتُلُوكم بِالرَّجْمِ، والرَّجْمُ أخْبَثُ أنْواعِ القَتْلِ: ﴿أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ﴾ أيْ يَرُدُّوكم إلى دِينِهِمْ ﴿ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ أيْ إذا رَجَعْتُمْ إلى دِينِهِمْ لَنْ تَسْعَدُوا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿إذًا أبَدًا﴾ يَدُلُّ عَلى الشَّرْطِ؛ أيْ ولَنْ تُفْلِحُوا إنْ رَجَعْتُمْ إلى مِلَّتِهِمْ أبَدًا، قالَ القاضِي: ما عَلى المُؤْمِنِ الفارِّ بِدِينِهِ أعْظَمُ مِن هَذَيْنِ، فَأحَدُهُما فِيهِ هَلاكُ النَّفْسِ وهو الرَّجْمُ الَّذِي هو أخْبَثُ أنْواعِ القَتْلِ، والآخَرُ هَلاكُ الدِّينِ بِأنْ يُرَدُّوا إلى الكُفْرِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهم لَوْ أُكْرِهُوا عَلى الكُفْرِ حَتّى إنَّهم أظْهَرُوا الكُفْرَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مَضَرَّةٌ، فَكَيْفَ قالُوا: ﴿ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم لَوْ رَدُّوا هَؤُلاءِ المُسْلِمِينَ إلى الكُفْرِ عَلى سَبِيلِ الإكْراهِ بَقُوا مُظْهِرِينَ لِذَلِكَ الكُفْرِ مُدَّةً، فَإنَّهُ يَمِيلُ قَلْبُهم إلى ذَلِكَ الكُفْرِ ويَصِيرُونَ كافِرِينَ في الحَقِيقَةِ، فَهَذا الِاحْتِمالُ قائِمٌ فَكانَ خَوْفُهم مِنهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском