Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:66–74
19:66–70Page 310
وَيَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوۡفَ أُخۡرَجُ حَيًّا ٦٦
And man [i.e., the disbeliever] says, "When I have died, am I going to be brought forth alive?"
أَوَلَا يَذۡكُرُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ يَكُ شَيۡـٔٗا ٦٧
Does man not remember that We created him before, while he was nothing?
فَوَرَبِّكَ لَنَحۡشُرَنَّهُمۡ وَٱلشَّيَٰطِينَ ثُمَّ لَنُحۡضِرَنَّهُمۡ حَوۡلَ جَهَنَّمَ جِثِيّٗا ٦٨
So by your Lord, We will surely gather them and the devils; then We will bring them to be present around Hell upon their knees.1
ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمۡ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ عِتِيّٗا ٦٩
Then We will surely extract from every sect those of them who were worst against the Most Merciful in insolence.
ثُمَّ لَنَحۡنُ أَعۡلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمۡ أَوۡلَىٰ بِهَا صِلِيّٗا ٧٠
Then, surely it is We who are most knowing of those most worthy of burning therein.
قوله تعالى: ﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أئِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهم والشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هم أوْلى بِها صِلِيًّا﴾ .
صفحة ٢٠٦
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالعِبادَةِ والمُصابَرَةِ عَلَيْها فَكَأنَّ سائِلًا سَألَ وقالَ هَذِهِ العِباداتُ لا مَنفَعَةَ فِيها في الدُّنْيا، وأمّا في الآخِرَةِ فَقَدْ أنْكَرَها قَوْمٌ فَلا بُدَّ مِن ذِكْرِ الدَّلالَةِ عَلى القَوْلِ بِالحَشْرِ حَتّى يَظْهَرَ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالعِبادَةِ مُفِيدٌ فَلِهَذا حَكى اللَّهُ تَعالى قَوْلَ مُنْكِرِي الحَشْرِ فَقالَ: ﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أئِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ وإنَّما قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، وذَكَرُوا في الإنْسانِ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ يَكُونَ المُرادُ الجِنْسَ بِأسْرِهِ، فَإنْ قِيلَ كُلُّهم غَيْرُ قائِلِينَ بِذَلِكَ فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذا القَوْلُ ؟ قُلْنا الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ لَمّا كانَتْ مَوْجُودَةً فِيما هو مِن جِنْسِهِمْ صَحَّ إسْنادُها إلى جَمِيعِهِمْ، كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا وإنَّما القاتِلُ رَجُلٌ مِنهم.
والثّانِي: أنَّ هَذا الِاسْتِبْعادَ مَوْجُودٌ ابْتِداءً في طَبْعِ كُلِّ أحَدٍ إلّا أنَّ بَعْضَهم تَرَكَ ذَلِكَ الِاسْتِبْعادَ المَبْنِيَّ عَلى مَحْضِ الطَّبْعِ بِالدَّلالَةِ القاطِعَةِ الَّتِي قامَتْ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِهِ.
الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ شَخْصٌ مُعَيَّنٌ فَقِيلَ: هو أبُو جَهْلٍ، وقِيلَ: هو أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وقِيلَ: المُرادُ جِنْسُ الكُفّارِ القائِلِينَ بِعَدَمِ البَعْثِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أقامَ الدَّلالَةَ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ والقُرّاءُ كُلُّهم عَلى يَذَّكَّرُ بِالتَّشْدِيدِ إلّا نافِعًا وابْنَ عامِرٍ وعاصِمًا قَدْ خَفَّفُوا، أيْ أوَلا يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ، وإذا قُرِئَ أوَلا يَذَّكَّرُ فَهو أقْرَبُ إلى المُرادِ إذِ الغَرَضُ التَّفَكُّرُ والنَّظَرُ في أنَّهُ إذا خُلِقَ مِن قَبْلُ لا مِن شَيْءٍ فَجائِزٌ أنْ يُعادَ ثانِيًا، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لَوِ اجْتَمَعَ كُلُّ الخَلائِقِ عَلى إيرادِ حُجَّةٍ في البَعْثِ عَلى هَذا الِاخْتِصارِ لَما قَدَرُوا عَلَيْها، إذْ لا شَكَّ أنَّ الإعادَةَ ثانِيًا أهْوَنُ مِنَ الإيجادِ أوَّلًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الإنْسانَ عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ جَواهِرَ مُتَألِّفَةٍ قامَتْ بِها أعْراضٌ وهَذا المَجْمُوعُ ما كانَ شَيْئًا، ولَكِنْ لِمَ قُلْتَ إنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ ما كانَ شَيْئًا قَبْلَ كَوْنِهِ مَوْجُودًا ؟ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أمَرَ تَعالى الإنْسانَ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ الذِّكْرَ هو العِلْمُ بِما قَدْ عَلِمَهُ مِن قَبْلُ ثُمَّ تَخَلَّلَهُما سَهْوٌ ؟ قُلْنا: المُرادُ أوَلا يَتَفَكَّرُ فَيَعْلَمَ ؟ خُصُوصًا إذا قُرِئَ أوَلا يَذَّكَّرُ الإنْسانُ بِالتَّشْدِيدِ أمّا إذا قُرِئَ أوَلا يَذْكُرُ بِالتَّخْفِيفِ فالمُرادُ أوَلا يَعْلَمُ ذَلِكَ مِن حالِ نَفْسِهِ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَيًّا في الدُّنْيا ثُمَّ صارَ حَيًّا، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قَرَّرَ المَطْلُوبَ بِالدَّلِيلِ أرْدَفَهُ بِالتَّهْدِيدِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهم والشَّياطِينَ﴾ وفائِدَةُ القَسَمِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: أنَّ العادَةَ جارِيَةٌ بِتَأْكِيدِ الخَبَرِ بِاليَمِينِ.
والثّانِي: أنَّ في إقْسامِ اللَّهِ تَعالى بِاسْمِهِ مُضافًا إلى اسْمِ رَسُولِهِ ﷺ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ ﷺ ورَفْعًا مِنهُ كَما رَفَعَ مِن شَأْنِ السَّماءِ والأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: ٢٣] والواوُ في ﴿والشَّياطِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْعَطْفِ، وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى مَعَ وهي بِمَعْنى مَعَ أوْقَعُ، والمَعْنى أنَّهم يُحْشَرُونَ مَعَ قُرَنائِهِمْ مِنَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ أغْوَوْهم يُقْرَنُ كُلُّ كافِرٍ مَعَ شَيْطانٍ في سِلْسِلَةٍ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ وهَذا الإحْضارُ يَكُونُ قَبْلَ إدْخالِهِمْ جَهَنَّمَ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُحْضِرُهم عَلى أذَلِّ صُورَةٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جِثِيًّا﴾ لِأنَّ البارِكَ عَلى رُكْبَتَيْهِ صُورَتُهُ صُورَةُ الذَّلِيلِ أوْ صُورَتُهُ صُورَةُ العاجِزِ، فَإنَّ قِيلَ هَذا المَعْنى حاصِلٌ لِلْكُلِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً﴾ [الجاثية: ٢٨] والسَّبَبُ فِيهِ جَرَيانُ العادَةِ أنَّ النّاسَ في مَواقِفِ المُطالَباتِ مِنَ المُلُوكِ يَتَجاثَوْنَ عَلى رُكَبِهِمْ لِما في ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِنْظارِ والقَلَقِ، أوْ لِما يَدْهَمُهم مِن شِدَّةِ الأمْرِ الَّذِي لا يُطِيقُونَ مَعَهُ القِيامَ عَلى أرْجُلِهِمْ، وإذا كانَ هَذا عامًّا لِلْكُلِّ فَكَيْفَ يَدُلُّ عَلى مَزِيدِ ذُلٍّ لِلْكُفّارِ ؟ قُلْنا: لَعَلَّ المُرادَ أنَّهم يَكُونُونَ مِن وقْتِ الحَشْرِ إلى وقْتِ الحُضُورِ في المَوْقِفِ عَلى هَذِهِ الحالَةِ وذَلِكَ
صفحة ٢٠٧
يُوجِبُ مَزِيدَ الذُّلِّ في حَقِّهِمْ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ والمُرادُ بِالشِّيعَةِ وهي فِعْلَةٌ كَفِرْقَةٍ وفِئَةٍ الطّائِفَةُ الَّتِي شاعَتْ، أيْ تَبِعَتْ غاوِيًا مِنَ الغُواةِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: ١٥٩] والمُرادُ أنَّهُ تَعالى يُحْضِرُهم أوَّلًا حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ثُمَّ يُمَيِّزُ البَعْضَ مِنَ البَعْضِ، فَمَن كانَ أشَدَّهم تَمَرُّدًا في كُفْرِهِ خُصَّ بِعَذابٍ أعْظَمَ؛ لِأنَّ عَذابَ الضّالِّ المُضِلِّ يَجِبُ أنْ يَكُونَ فَوْقَ عَذابِ مَن يَضِلُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ، ولَيْسَ عَذابُ مَن يَتَمَرَّدُ ويَتَجَبَّرُ كَعَذابِ المُقَلِّدِ ولَيْسَ عَذابُ مَن يُورِدُ الشُّبَهَ في الباطِلِ كَعَذابِ مَن يَقْتَدِي بِهِ مَعَ الغَفْلَةِ قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨] . وقالَ: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَنْزِعُ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مَن كانَ أشَدَّ عُتُوًّا وأشَدَّ تَمَرُّدًا لِيَعْلَمَ أنَّ عَذابَهُ أشَدُّ، فَفائِدَةُ هَذا التَّمْيِيزِ التَّخْصِيصُ بِشِدَّةِ العَذابِ، لا التَّخْصِيصُ بِأصْلِ العَذابِ، فَلِذَلِكَ قالَ في جَمِيعِهِمْ: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هم أوْلى بِها صِلِيًّا﴾ ولا يُقالُ أوْلى إلّا مَعَ اشْتِراكِ القَوْمِ في العَذابِ، واخْتَلَفُوا في إعْرابِ أيُّهم فَعَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ مُرْتَفِعٌ عَلى الحِكايَةِ تَقْدِيرُهُ لَنَنْزِعَنَّ الَّذِينَ يُقالُ فِيهِمْ أيُّهم أشَدُّ وسِيبَوَيْهِ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى الضَّمِّ لِسُقُوطِ صَدْرِ الجُمْلَةِ الَّتِي هي صِلَةٌ حَتّى لَوْ جِيءَ بِهِ لَأُعْرِبَ وقِيلَ أيُّهم هو أشَدُّ.
19:71–72Page 310
وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتۡمٗا مَّقۡضِيّٗا ٧١
And there is none of you except he will come to it.1 This is upon your Lord an inevitability decreed.
ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّٗا ٧٢
Then We will save those who feared Allāh and leave the wrongdoers within it, on their knees.
قوله تعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ مِن قَبْلُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهم والشَّياطِينَ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ يَعْنِي جَهَنَّمَ واخْتَلَفُوا، فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الكُفّارِ فَكَنّى عَنْهم أوَّلًا كِنايَةَ الغَيْبَةِ ثُمَّ خاطَبَ خِطابَ المُشافَهَةِ، قالُوا: إنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَرِدُوا النّارَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أُمُورٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] والمُبْعَدُ عَنْها لا يُوصَفُ بِأنَّهُ وارِدُها.
والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ [الأنبياء: ١٠٢] ولَوْ ورَدُوا جَهَنَّمَ لَسَمِعُوا حَسِيسَها.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿وهم مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩] وقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّهُ عامٌّ في كُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ فَلَمْ يَخُصَّ. وهَذا الخِطابُ مُبْتَدَأٌ مُخالِفٌ لِلْخِطابِ الأوَّلِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيْ مِنَ الوارِدِينَ مَنِ اتَّقى ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ إلّا والكُلُّ وارِدُونَ والأخْبارُ المَرْوِيَّةُ دالَّةٌ عَلى هَذا القَوْلِ، ثُمَّ هَؤُلاءِ اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ الوُرُودِ فَقالَ بَعْضُهم: الوُرُودُ الدُّنُوُّ مِن جَهَنَّمَ، وأنْ يَصِيرُوا حَوْلَها وهو مَوْضِعُ المُحاسَبَةِ، واحْتَجُّوا عَلى أنَّ الوُرُودَ قَدْ يُرادُ بِهِ القُرْبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلُوا وارِدَهُمْ﴾ [يوسف: ١٩] ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ الوارِدَ ما دَخَلَ الماءَ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] وأرادَ بِهِ القُرْبَ. ويُقالُ: ورَدَتِ القافِلَةُ البَلْدَةَ وإنْ لَمْ تَدْخُلْها، فَعَلى هَذا مَعْنى الآيَةِ أنَّ الجِنَّ والإنْسَ يَحْضُرُونَ حَوْلَ
صفحة ٢٠٨
جَهَنَّمَ: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ أيْ واجِبًا مَفْرُوغًا مِنهُ بِحُكْمِ الوَعِيدِ ثُمَّ نُنَجِّي أيْ نُبْعِدُ الَّذِينَ اتَّقَوْا عَنْ جَهَنَّمَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا القَوْلَ ما رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ: ”«لا يَدْخُلُ النّارَ أحَدٌ شَهِدَ بَدْرًا والحُدَيْبِيَةَ“ فَقالَتْ حَفْصَةُ: ألَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ: ”فَمَهْ ! ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا»﴾ “، ولَوْ كانَ الوُرُودُ عِبارَةً عَنِ الدُّخُولِ لَكانَ سُؤالُ حَفْصَةَ لازِمًا.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الوُرُودَ هو الدُّخُولُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ والخَبَرُ، أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] وقالَ: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨] ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] والمُبْعَدُ هو الَّذِي لَوْلا التَّبْعِيدُ لَكانَ قَرِيبًا، فَهَذا إنَّما يَحْصُلُ لَوْ كانُوا في النّارِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُبْعِدُهم عَنْها، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم يَبْقَوْنَ في ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي ورَدُوهُ وهم إنَّما يَبْقَوْنَ في النّارِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا قَدْ دَخَلُوا النّارَ، وأمّا الخَبَرُ فَهو «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ قالَ: ”أخْبَرَ اللَّهُ عَنِ الوُرُودِ ولَمْ يُخْبِرْ بِالصُّدُورِ، فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: يابْنَ رَواحَةَ اقْرَأْ ما بَعْدَها ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا“»، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ابْنَ رَواحَةَ فَهِمَ مِنَ الوُرُودِ الدُّخُولَ والنَّبِيُّ ﷺ ما أنْكَرَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ، وعَنْ جابِرٍ: ”أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الوُرُودُ الدُّخُولُ لا يَبْقى بَرٌّ ولا فاجِرٌ إلّا دَخَلَها فَتَكُونُ عَلى المُؤْمِنِينَ بَرْدًا وسَلامًا حَتّى إنَّ لِلنّاسِ ضَجِيجًا مِن بَرْدِها» “ .
والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ يَقُولُونَ: المُؤْمِنُونَ يَدْخُلُونَ النّارَ مِن غَيْرِ خَوْفٍ وضَرَرٍ البَتَّةَ بَلْ مَعَ الغِبْطَةِ والسُّرُورِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] ولِأنَّ الآخِرَةَ دارُ الجَزاءِ لا دارُ التَّكْلِيفِ، وإيصالُ الغَمِّ والحُزْنِ إنَّما يَجُوزُ في دارِ التَّكْلِيفِ، ولِأنَّهُ صَحَّتِ الرِّوايَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”«أنَّ المَلائِكَةَ تُبَشِّرُ في القَبْرِ مَن كانَ مِن أهْلِ الثَّوابِ بِالجَنَّةِ حَتّى يَرى مَكانَهُ في الجَنَّةِ ويَعْلَمَهُ» “ . وكَذَلِكَ القَوْلُ في حالِ المُعايَنَةِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَرِدُوا القِيامَةَ وهم شاكُّونَ في أمْرِهِمْ، وإنَّما تُؤَثِّرُ هَذِهِ الأحْوالُ في أهْلِ النّارِ؛ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ كَوْنَهم مِن أهْلِ النّارِ والعِقابِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في أنَّهُ كَيْفَ يَنْدَفِعُ عَنْهم ضَرَرُ النّارِ، فَقالَ بَعْضُهم: البُقْعَةُ المُسَمّاةُ بِجَهَنَّمَ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ في خِلالِها ما لا نارَ فِيهِ، ويَكُونَ مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُسْلَكُ فِيها إلى دَرَكاتِ جَهَنَّمَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يُدْخَلَ الكُلُّ في جَهَنَّمَ فالمُؤْمِنُونَ يَكُونُونَ في تِلْكَ المَواضِعِ الخالِيَةِ عَنِ النّارِ، والكُفّارُ يَكُونُونَ في وسَطِ النّارِ.
وثانِيها: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُخْمِدُ النّارَ فَيَعْبُرُها المُؤْمِنُونَ وتَنْهارُ بِغَيْرِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: ”يَرِدُونَها كَأنَّها إهالَةٌ“ وعَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: ”«أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ألَيْسَ وعَدَنا رَبُّنا بِأنْ نَرِدَ النّارَ ؟ فَيُقالُ لَهم: قَدْ ورَدْتُمُوها وهي خامِدَةٌ» “ .
وثالِثُها: أنَّ حَرارَةَ النّارِ لَيْسَتْ بِطَبْعِها فالأجْزاءُ المُلاصِقَةُ لِأبْدانِ الكُفّارِ يَجْعَلُها اللَّهُ عَلَيْهِمْ مُحْرِقَةً مُؤْذِيَةً والأجْزاءُ المُلاصِقَةُ لِأبْدانِ المُؤْمِنِينَ يَجْعَلُها اللَّهُ بَرْدًا وسَلامًا عَلَيْهِمْ، كَما في حَقِّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وكَما أنَّ الكُوزَ الواحِدَ مِنَ الماءِ يَشْرَبُهُ القِبْطِيُّ فَكانَ يَصِيرُ دَمًا، ويَشْرَبُهُ الإسْرائِيلِيُّ فَكانَ يَصِيرُ ماءً عَذْبًا. واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن أحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ في المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِالعَذابِ حَتّى يَكُونُوا في النّارِ مَعَ المُعاقَبِينَ، فَإنْ قِيلَ: إذا لَمْ يَكُنْ عَلى المُؤْمِنِينَ عَذابٌ في دُخُولِهِمُ النّارَ، فَما الفائِدَةُ في ذَلِكَ الدُّخُولِ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:
صفحة ٢٠٩
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ مِمّا يَزِيدُهم سُرُورًا إذا عَلِمُوا الخَلاصَ مِنهُ.
وثانِيها: أنَّ فِيهِ مَزِيدُ غَمٍّ عَلى أهْلِ النّارِ، حَيْثُ يَرَوْنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هم أعْداؤُهم يَتَخَلَّصُونَ مِنها وهم يَبْقَوْنَ فِيها.
وثالِثُها: أنَّ فِيهِ مَزِيدَ غَمٍّ عَلى أهْلِ النّارِ مِن حَيْثُ تَظْهَرُ فَضِيحَتُهم عِنْدَ المُؤْمِنِينَ بَلْ وعِنْدَ الأوْلِياءِ، وعِنْدَ مَن كانَ يُخَوِّفُهم مِنَ النّارِ، فَما كانُوا يَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ.
ورابِعُها: أنَّ المُؤْمِنِينَ إذا كانُوا مَعَهم في النّارِ يُبَكِّتُونَهم فَزادَ ذَلِكَ غَمًّا لِلْكُفّارِ وسُرُورًا لِلْمُؤْمِنِينَ.
وخامِسُها: أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا يُخَوِّفُونَهم بِالحَشْرِ والنَّشْرِ ويُقِيمُونَ عَلَيْهِمْ صِحَّةَ الدَّلائِلِ فَما كانُوا يَقْبَلُونَ تِلْكَ الدَّلائِلَ، فَإذا دَخَلُوا جَهَنَّمَ مَعَهم أظْهَرُوا لَهم أنَّهم كانُوا صادِقِينَ فِيما قالُوا، وأنَّ المُكَذِّبِينَ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ كانُوا كاذِبِينَ.
وسادِسُها: أنَّهم إذا شاهَدُوا ذَلِكَ العَذابَ صارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَزِيدِ التِذاذِهِمْ بِنَعِيمِ الجَنَّةِ كَما قالَ الشّاعِرُ:
وبِضِدِّها تَتَبَيَّنُ الأشْياءُ
فَأمّا الَّذِينَ تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] فَقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى الدُّخُولِ في جَهَنَّمَ وأيْضًا فالمُرادُ عَنْ عَذابِها وكَذا قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ [الأنبياء: ١٠٢] فَإنْ قِيلَ: هَلْ ثَبَتَ بِالأخْبارِ كَيْفِيَّةُ دُخُولِ النّارِ ثُمَّ خُرُوجِ المُتَّقِينَ مِنها إلى الجَنَّةِ ؟ قُلْنا: ثَبَتَ بِالأخْبارِ أنَّ المُحاسَبَةَ تَكُونُ في الأرْضِ أوْ حَيْثُ كانَتِ الأرْضُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وجَهَنَّمُ قَرِيبَةٌ مِنَ الأرْضِ والجَنَّةُ في السَّماءِ فَفي مَوْضِعِ المُحاسَبَةِ يَكُونُ الِاجْتِماعُ، فَيَدْخُلُونَ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ إلى جَهَنَّمَ ثُمَّ يَرْفَعُ اللَّهُ أهْلَ الجَنَّةِ ويُنَجِّيهِمْ ويَدْفَعُ أهْلَ النّارِ فِيها. أمّا قَوْلُهُ: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ فالحَتْمُ مَصْدَرُ حَتَمَ الأمْرَ إذا أوْجَبَهُ فَسُمِّي المَحْتُومُ بِالحَتْمِ كَقَوْلِهِمْ: خَلْقُ اللَّهِ وضَرْبُ الأسِيرِ، واحْتَجَّ مَن أوْجَبَ العِقابَ عَقْلًا فَقالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ ما جاءَ مِن جِهَةِ الوَعِيدِ والأخْبارِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ عَلى لِلْوُجُوبِ والَّذِي ثَبَتَ بِمُجَرَّدِ الإخْبارِ لا يُسَمّى واجِبًا. والجَوابُ أنَّ وعْدَ اللَّهِ تَعالى لَمّا اسْتَحالَ تَطَرُّقُ الخُلْفِ إلَيْهِ جَرى مَجْرى الواجِبِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ﴾ قُرِئَ نُنَجِّي ونُنْجِي ويُنَجّى عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، قالَ القاضِي: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى قَوْلِنا في الوَعِيدِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الكُلَّ يَرِدُونَها ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ مَن يَنْجُو وهُمُ المُتَّقُونَ والفاسِقُ لا يَكُونُ مُتَّقِيًا، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مَن عَدا المُتَّقِينَ يَذَرُهم فِيها جِثِيًّا فَثَبَتَ أنَّ الفاسِقَ يَبْقى في النّارِ أبَدًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُتَّقِي هو الَّذِي اتَّقى الشِّرْكَ بِقَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واعْلَمْ أنَّ الَّذِي قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ هو الحَقُّ الَّذِي يَشْهَدُ الدَّلِيلُ بِصِحَّتِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وبِرُسُلِهِ صَحَّ أنْ يُقالَ: إنَّهُ مُتَّقٍ عَنِ الشِّرْكِ ومَن صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ مُتَّقٍ عَنِ الشِّرْكِ صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ مُتَّقٍ؛ لِأنَّ المُتَّقِيَ جُزْءٌ مِنَ المُتَّقِي عَنِ الشِّرْكِ ومَن صَدَقَ عَلَيْهِ المُرَكَّبُ صَدَقَ عَلَيْهِ المُفْرَدُ، فَثَبَتَ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُتَّقٍ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ وجَبَ أنْ يَخْرُجَ مِنَ النّارِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ فَصارَتْ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي تَوَهَّمُوها دَلِيلًا مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى فَسادِ قَوْلِهِمْ. قالَ القاضِي: وتَدُلُّ الآيَةُ أيْضًا، عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ مِنَ المُكَلَّفِينَ مَن لا يَكُونُ في الجَنَّةِ ولا في النّارِ، قُلْنا: هَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ولَيْسَ فِيها ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُنَجِّيهِمْ إلى الجَنَّةِ، ثُمَّ هَبْ أنَّها تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُتَّقِينَ يَكُونُونَ في الجَنَّةِ والظّالِمِينَ يَبْقَوْنَ في النّارِ، فَيَبْقى هَهُنا قِسْمٌ ثالِثٌ خارِجٌ عَنِ القِسْمَيْنِ: وهو الَّذِي اسْتَوَتْ طاعَتُهُ ومَعْصِيَتُهُ فَتَسْقُطُ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما بِالأُخْرى، فَيَبْقى لا مُطِيعًا ولا عاصِيًا، فَهَذا القِسْمُ إنْ بَطَلَ فَإنَّما يَبْطُلُ بِشَيْءٍ سِوى هَذِهِ الآيَةِ فَلا تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ دالَّةً عَلى الحَصْرِ الَّذِي ادَّعاهُ. ومِنَ المُعْتَزِلَةِ مَن تَمَسَّكَ في الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ:
صفحة ٢١٠
﴿ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ ولَفْظُ الظّالِمِينَ لَفْظُ جَمْعٍ دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ التَّعْرِيفِ؛ فَيُفِيدُ العُمُومَ، والكَلامُ عَلى التَّمَسُّكِ بِصِيَغِ العُمُومِ قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا كَثِيرَةً في هَذا الكِتابِ. أمّا قَوْلُهُ: ﴿جِثِيًّا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قَوْلُهُ: ﴿ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالوُرُودِ الجُثُوُّ حَوالَيْها وأنَّ المُؤْمِنِينَ يُفارِقُونَ الكَفَرَةَ إلى الجَنَّةِ بَعْدَ نَجاتِهِمْ ويَبْقى الكَفَرَةُ في مَكانِهِمْ جاثِينَ.
19:73–74Page 310
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ خَيۡرٞ مَّقَامٗا وَأَحۡسَنُ نَدِيّٗا ٧٣
And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who disbelieve say to those who believe, "Which of [our] two parties is best in position and best in association?"1
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَحۡسَنُ أَثَٰثٗا وَرِءۡيٗا ٧٤
And how many a generation have We destroyed before them who were better in possessions and [outward] appearance?
قوله تعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أقامَ الحُجَّةَ عَلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْهم أنَّهم عارَضُوا حُجَّةَ اللَّهِ بِكَلامٍ فَقالُوا: لَوْ كُنْتُمْ أنْتُمْ عَلى الحَقِّ وكُنّا عَلى الباطِلِ؛ لَكانَ حالُكم في الدُّنْيا أحْسَنَ وأطْيَبَ مِن حالِنا؛ لِأنَّ الحَكِيمَ لا يَلِيقُ بِهِ أنْ يُوقِعَ أوْلِياءَهُ المُخْلِصِينَ في العَذابِ والذُّلِّ وأعْداءَهُ المُعْرِضِينَ عَنْ خِدْمَتِهِ في العِزِّ والرّاحَةِ، ولَمّا كانَ الأمْرُ بِالعَكْسِ فَإنَّ الكُفّارَ كانُوا في النِّعْمَةِ والرّاحَةِ والِاسْتِعْلاءِ، والمُؤْمِنِينَ كانُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ في الخَوْفِ والذُّلِّ دَلَّ عَلى أنَّ الحَقَّ لَيْسَ مَعَ المُؤْمِنِينَ، هَذا حاصِلُ شُبْهَتِهِمْ في هَذا البابِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] ويُرْوى أنَّهم كانُوا يُرَجِّلُونَ شُعُورَهم ويَدَّهِنُونَ ويَتَطَيَّبُونَ ويَتَزَيَّنُونَ بِالزِّينَةِ الفاخِرَةِ، ثُمَّ يَدَّعُونَ مُفْتَخِرِينَ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ أنَّهم أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنهم. بَقِيَ بَحْثانِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّها مُرَتَّلاتُ الألْفاظِ مُبَيَّناتُ المَعانِي إمّا مُحْكَماتٌ أوْ مُتَشابِهاتٌ فَقَدْ تَبِعَها البَيانُ بِالمُحْكَماتِ أوْ بِتَبْيِينِ الرَّسُولِ قَوْلًا أوْ فِعْلًا.
وثانِيها: أنَّها ظاهِراتُ الإعْجازِ تُحُدِّيَ بِها فَما قَدَرُوا عَلى مُعارَضَتِها.
وثالِثُها: المُرادُ بِكَوْنِها آياتٍ بَيِّناتٍ أيْ دَلائِلَ ظاهِرَةً واضِحَةً لا يَتَوَجَّهُ عَلَيْها سُؤالٌ ولا اعْتِراضٌ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى في إثْباتِ صِحَّةِ الحَشْرِ: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٧] .
البَحْثُ الثّانِي: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (مُقامًا) بِالضَّمِّ وهو مَوْضِعُ الإقامَةِ والمَنزِلِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ وهو مَوْضِعُ القِيامِ، والمُرادُ بِالنَّدِيِّ المَجْلِسُ يُقالُ: نَدِيٌّ ونادٍ، والجَمْعُ الأنْدِيَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] وقالَ: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] ويُقالُ: نَدَوْتُ القَوْمَ أنْدُوهم إذا جَمَعْتُهم في المَجْلِسِ، ومِنهُ دارُ النَّدْوَةِ بِمَكَّةَ وكانَتْ مُجْتَمَعَ القَوْمِ. ثُمَّ أجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ .
وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ أنْ يُقالَ: إنَّ مَن كانَ أعْظَمَ نِعْمَةً مِنكم في الدُّنْيا قَدْ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى وأبادَهم، فَلَوْ دَلَّ حُصُولُ نِعَمِ الدُّنْيا لِلْإنْسانِ عَلى كَوْنِهِ حَبِيبًا لِلَّهِ تَعالى؛ لَوَجَبَ في حَبِيبِ اللَّهِ أنْ لا يُوصِلَ إلَيْهِ غَمًّا في الدُّنْيا ووَجَبَ عَلَيْهِ أنْ لا يُهْلِكَ أحَدًا مِنَ المُنَعَّمِينَ في دارِ الدُّنْيا وحَيْثُ أهْلَكَهم دَلَّ إمّا عَلى فَسادِ المُقَدِّمَةِ الأُولى
صفحة ٢١١
وهِيَ أنَّ مَن وجَدَ الدُّنْيا كانَ حَبِيبًا لِلَّهِ تَعالى، أوْ عَلى فَسادِ المُقَدِّمَةِ الثّانِيَةِ وهي أنَّ حَبِيبَ اللَّهِ لا يُوصِلُ اللَّهُ إلَيْهِ غَمًّا، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَيَفْسُدُ ما ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ الشُّبْهَةِ، بَقِيَ البَحْثُ عَنْ تَفْسِيرِ الألْفاظِ فَنَقُولُ: أهْلُ كُلِّ عَصْرٍ قَرْنٌ لِمَن بَعْدَهم؛ لِأنَّهم يَتَقَدَّمُونَهم، و(هم أحْسَنُ) في مَحَلِّ النَّصْبِ صِفَةُ (لَكم)، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ تَرَكْتَ هم لَمْ يَكُنْ لَكَ بُدٌّ مِن نَصْبِ (أحْسَنُ) عَلى الوَصْفِيَّةِ، والأثاثُ مَتاعُ البَيْتِ، أمّا رِئْيًا فَقُرِئَ عَلى خَمْسَةِ أوْجُهٍ؛ لِأنَّها إمّا أنْ تُقْرَأ بِالرّاءِ الَّتِي لَيْسَ فَوْقَها نُقْطَةٌ، أوْ بِالزّايِ الَّتِي فَوْقَها نُقْطَةٌ، فَأمّا الأوَّلُ فَإمّا أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الهَمْزَةِ والياءِ أوْ يُكْتَفى بِالياءِ. أمّا إذا جُمِعَ بَيْنَ الهَمْزَةِ والياءِ فَفِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها ياءٌ وهو المَنظَرُ والهَيْئَةُ فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن رَأيْتُ رِئْيًا.
والثّانِي: رِيئًا عَلى القَلْبِ كَقَوْلِهِمْ راءٍ في رَأى، أمّا إنِ اكْتَفَيْنا بِالياءِ فَتارَةً بِالياءِ المُشَدَّدَةِ عَلى قَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً، والإدْغامِ، أوْ مِنَ الرِّيِّ: الَّذِي هو النِّعْمَةُ والتَّرَفُّهُ، مِن قَوْلِهِمْ: رَيّانُ مِنَ النَّعِيمِ.
والثّانِي: بِالياءِ عَلى حَذْفِ الهَمْزَةِ رَأْسًا ووَجْهُهُ أنْ يُخَفَّفَ المَقْلُوبُ وهو رِيئًا بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى الياءِ السّاكِنَةِ قَبْلَها، وأمّا بِالزّايِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ زِيًّا فاشْتِقاقُهُ مِنَ الزِّيِّ وهو الجَمْعُ؛ لِأنَّ الزِّيَّ مَحاسِنُ مَجْمُوعَةٌ، والمَعْنى أحْسَنُ مِن هَؤُلاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences