Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:38–46
22:38Page 336
۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ ٣٨
Indeed, Allāh defends those who have believed. Indeed, Allāh does not like everyone treacherous and ungrateful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلّا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ ومَساجِدُ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ ما يَلْزَمُ الحَجَّ ومَناسِكَهُ وما فِيهِ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا مِن قَبْلُ أنَّ الكُفّارَ صَدُّوهم أتْبَعَ ذَلِكَ بِبَيانِ ما يُزِيلُ الصَّدَّ ويُؤْمَنُ مَعَهُ التَّمَكُّنُ مِنَ الحَجِّ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ ونافِعٌ بِالألِفِ ومِثْلُهُ ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ ألِفٍ فِيهِما. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ ”إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ“ بِالألِفِ، ﴿ولَوْلا دَفْعُ﴾ بِغَيْرِ ألِفٍ، فَمَن قَرَأ ”يُدافِعُ“ فَمَعْناهُ يُبالِغُ في الدَّفْعِ عَنْهم، وقالَ الخَلِيلُ: يُقالُ: دَفَعَ اللَّهُ المَكْرُوهَ عَنْكَ دَفْعًا ودافَعَ عَنْكَ دِفاعًا، والدِّفاعُ أحْسَنُهُما.
المسألة الثّانِيَةُ: ذَكَرَ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولَمْ يَذْكُرْ ما يَدْفَعُهُ حَتّى يَكُونَ أفْخَمَ وأعْظَمَ وأعَمَّ، وإنْ كانَ في الحَقِيقَةِ أنَّهُ يُدافِعُ بَأْسَ المُشْرِكِينَ. فَلِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ يَدْفَعُ عَنِ المُؤْمِنِينَ كَيْدَ مَن هَذا صِفَتُهُ.
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ مُقاتِلٌ: إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ كُفّارَ مَكَّةَ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا بِمَكَّةَ، هَذا حِينَ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالكَفِّ عَنْ كُفّارِ مَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ حِينَ آذَوْهم، فاسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ ﷺ في قَتْلِهِمْ سِرًّا فَنَهاهم.
المسألة الرّابِعَةُ: هَذِهِ الآيَةُ بِشارَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِإعْلائِهِمْ عَلى الكُفّارِ وكَفِّ بَوائِقِهِمْ عَنْهم وهي كَقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾ [آل عمران: ١١١] وقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٥١] وقالَ: ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] ﴿وأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ فالمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ العِلَّةَ في أنَّهُ يُدافِعُ عَنِ
صفحة ٣٥
الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ صَدَّهم، وهو الخَوّانُ الكَفُورُ أيْ خَوّانٌ في أمانَةِ اللَّهِ كَفُورٌ لِنِعْمَتِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧] قالَ مُقاتِلٌ: أقَرُّوا بِالصّانِعِ وعَبَدُوا غَيْرَهُ فَأيُّ خِيانَةٍ أعْظَمُ مِن هَذِهِ ؟
22:39–41Page 337
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ ٣٩
Permission [to fight] has been given to those who are being fought,1 because they were wronged. And indeed, Allāh is competent to give them victory.
ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٤٠
[They are] those who have been evicted from their homes without right - only because they say, "Our Lord is Allāh." And were it not that Allāh checks the people, some by means of others, there would have been demolished monasteries, churches, synagogues, and mosques in which the name of Allāh is much mentioned [i.e., praised]. And Allāh will surely support those who support Him [i.e., His cause]. Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.
ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ ٤١
[And they are] those who, if We give them authority in the land, establish prayer and give zakāh and enjoin what is right and forbid what is wrong. And to Allāh belongs the outcome of [all] matters.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والبَصْرَةِ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ ”أُذِنَ“ بِضَمِّ الألِفِ والباقُونَ بِفَتْحِها أيْ: أذِنَ اللَّهُ لَهم في القِتالِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وعاصِمٌ ”يُقاتَلُونَ“ بِنَصْبِ التّاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”أذِنَ“ بِنَصْبِ الألِفِ، ”يُقاتِلُونَ“ بِكَسْرِ التّاءِ. قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: يَعْنِي أذِنَ اللَّهُ لِلَّذِينَ يَحْرِصُونَ عَلى قِتالِ المُشْرِكِينَ في المُسْتَقْبَلِ، ومَن قَرَأ بِفَتْحِ التّاءِ فالتَّقْدِيرُ: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ في القِتالِ.
المسألة الثّانِيَةُ: في الآيَةِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ في القِتالِ فَحُذِفَ المَأْذُونُ فِيهِ لِدَلالَةِ يُقاتَلُونَ عَلَيْهِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ فالمُرادُ أنَّهم أُذِنُوا في القِتالِ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مَظْلُومِينَ، وهم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كانَ مُشْرِكُو مَكَّةَ يُؤْذُونَهم أذًى شَدِيدًا، وكانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِن بَيْنِ مَضْرُوبٍ ومَشْجُوجٍ يَتَظَلَّمُونَ إلَيْهِ، فَيَقُولُ لَهُمُ: اصْبِرُوا، فَإنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِقِتالٍ حَتّى هاجَرَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وهي أوَّلُ آيَةٍ أذِنَ فِيها بِالقِتالِ بَعْدَ ما نَهى عَنْهُ في نَيِّفٍ وسَبْعِينَ آيَةً، وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ خَرَجُوا مُهاجِرِينَ فاعْتَرَضَهم مُشْرِكُو مَكَّةَ فَأُذِنَ في مُقاتَلَتِهِمْ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ فَذَلِكَ وعْدٌ مِنهُ تَعالى بِنَصْرِهِمْ كَما يَقُولُ المَرْءُ لِغَيْرِهِ: إنْ أطَعْتَنِي فَأنا قادِرٌ عَلى مُجازاتِكَ، لا يَعْنِي بِذَلِكَ القُدْرَةَ بَلْ يُرِيدُ أنَّهُ سَيَفْعَلُ ذَلِكَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهم إنَّما أُذِنُوا في القِتالِ لِأجْلِ أنَّهم ظُلِمُوا فَبَيَّنَ ذَلِكَ الظُّلْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلّا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى ظُلْمَهم لَهم بِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهم أخْرَجُوهم مِن دِيارِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهم أخْرَجُوهم بِسَبَبِ أنَّهم قالُوا: ﴿رَبُّنا اللَّهُ﴾ وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الوَجْهَيْنِ عَظِيمٌ في الظُّلْمِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ اسْتَثْنى مِن غَيْرِ حَقٍّ قَوْلَهم: ﴿رَبُّنا اللَّهُ﴾ وهو مِنَ الحَقِّ ؟ قُلْنا: تَقْدِيرُ الكَلامِ أنَّهم أُخْرِجُوا بِغَيْرِ مُوجِبٍ سِوى التَّوْحِيدِ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُوجِبَ الإقْرارِ والتَّمْكِينِ لا مُوجِبَ الإخْراجِ والتَّسْيِيرِ، ومِثْلُهُ ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ﴾ أنَّ عادَتَهُ جَلَّ جَلالُهُ أنْ يَحْفَظَ دِينَهُ بِهَذا الأمْرِ قَرَأ نافِعٌ: ”لَهُدِمَتْ“ بِالتَّخْفِيفِ وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما المُرادُ بِهَذا الدِّفاعِ الَّذِي أضافَهُ إلى نَفْسِهِ ؟ الجَوابُ: هو إذْنُهُ لِأهْلِ دِينِهِ بِمُجاهَدَةِ الكُفّارِ، فَكَأنَّهُ قالَ تَعالى: ولَوْلا دِفاعُ اللَّهِ أهْلَ الشِّرْكِ بِالمُؤْمِنِينَ، مِن حَيْثُ يَأْذَنُ لَهم في جِهادِهِمْ ويَنْصُرُهم عَلى أعْدائِهِمْ لاسْتَوْلى أهْلُ الشِّرْكِ عَلى أهْلِ الأدْيانِ وعَطَّلُوا ما يَبْنُونَهُ مِن مَواضِعِ العِبادَةِ، ولَكِنَّهُ دَفَعَ عَنْ
صفحة ٣٦
هَؤُلاءِ بِأنْ أمَرَ بِقِتالِ أعْداءِ الدِّينِ لِيَتَفَرَّغَ أهْلُ الدِّينِ لِلْعِبادَةِ وبِناءِ البُيُوتِ لَها، ولِهَذا المَعْنى ذَكَرَ الصَّوامِعَ والبِيَعَ والصَّلَواتِ وإنْ كانَتْ لِغَيْرِ أهْلِ الإسْلامِ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ وُجُوهًا أُخَرَ:
أحَدُها: قالَ الكَلْبِيُّ: يَدْفَعُ اللَّهُ بِالنَّبِيِّينَ عَنِ المُؤْمِنِينَ وبِالمُجاهِدِينَ عَنِ القاعِدِينَ عَنِ الجِهادِ. وثانِيها: رَوى أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: يَدْفَعُ اللَّهُ بِالمُحْسِنِ عَنِ المُسِيءِ، وبِالَّذِي يُصَلِّي عَنِ الَّذِي لا يُصَلِّي، وبِالَّذِي يَتَصَدَّقُ عَنِ الَّذِي لا يَتَصَدَّقُ، وبِالَّذِي يَحُجُّ عَنِ الَّذِي لا يَحُجُّ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بِالمُسْلِمِ الصّالِحِ عَنْ مِائَةٍ مِن أهْلِ بَيْتِهِ ومِن جِيرانِهِ»، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ. وثالِثُها: قالَ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: يَدْفَعُ بِدِينِ الإسْلامِ وبِأهْلِهِ عَنْ أهْلِ الذِّمَّةِ. ورابِعُها: قالَ مُجاهِدٌ: يَدْفَعُ عَنِ الحُقُوقِ بِالشُّهُودِ وعَنِ النُّفُوسِ بِالقِصاصِ.
* * *
السُّؤالُ الثّانِي: لِماذا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ مَواضِعِ عِباداتِ اليَهُودِ والنَّصارى وبَيْنَ مَواضِعِ عِبادَةِ المُسْلِمِينَ ؟ الجَوابُ: لِأجْلِ ما سَألْتَ عَنْهُ اخْتَلَفُوا عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ الحَسَنُ: المُرادُ بِهَذِهِ المَواضِعِ أجْمَعَ مَواضِعُ المُؤْمِنِينَ، وإنِ اخْتَلَفَتِ العِباراتُ عَنْها. وثانِيها: قَوْلُ الزَّجّاجِ: ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَ في شَرْعِ كُلِّ نَبِيٍّ المَكانُ الَّذِي يُصَلّى فِيهِ، فَلَوْلا ذَلِكَ الدَّفْعُ لَهُدِّمَ في زَمَنِ مُوسى الكَنائِسُ الَّتِي كانُوا يُصَلُّونَ فِيها في شَرْعِهِ، وفي زَمَنِ عِيسى الصَّوامِعُ، وفي زَمَنِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ المَساجِدُ، فَعَلى هَذا إنَّما دُفِعَ عَنْهم حِينَ كانُوا عَلى الحَقِّ قَبْلَ التَّحْرِيفِ وقَبْلَ النَّسْخِ. وثالِثُها: بَلِ المُرادُ لَهُدِّمَتْ هَذِهِ الصَّوامِعُ في أيّامِ الرَّسُولِ ﷺ؛ لِأنَّها عَلى كُلِّ حالٍ يَجْرِي فِيها ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى فَلَيْسَتْ بِمَنزِلَةِ عِبادَةِ الأوْثانِ.
* * *
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما الصَّوامِعُ والبِيَعُ والصَّلَواتُ والمَساجِدُ ؟ الجَوابُ: ذَكَرُوا فِيها وُجُوهًا:
أحَدُها: الصَّوامِعُ لِلنَّصارى والبِيَعُ لِلْيَهُودِ والصَّلَواتُ لِلصّابِئِينَ والمَساجِدُ لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ أبِي العالِيَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وثانِيها: الصَّوامِعُ لِلنَّصارى وهي الَّتِي بَنَوْها في الصَّحارى، والبِيَعُ لَهم أيْضًا وهي الَّتِي يَبْنُونَها في البَلَدِ، والصَّلَواتُ لِلْيَهُودِ، قالَ الزَّجّاجُ: وهي بِالعِبْرانِيَّةِ: صَلُوتا.
وثالِثُها: الصَّوامِعُ لِلصّابِئِينَ والبِيَعُ لِلنَّصارى والصَّلَواتُ لِلْيَهُودِ عَنْ قَتادَةَ. ورابِعُها: أنَّها بِأسْرِها أسْماءُ المَساجِدِ عَنِ الحَسَنِ، أمّا الصَّوامِعُ فَلِأنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ يَتَّخِذُونَ الصَّوامِعَ، وأمّا البِيَعُ فَأُطْلِقَ هَذا الِاسْمُ عَلى المَساجِدِ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ، وأمّا الصَّلَواتُ فالمَعْنى أنَّهُ لَوْلا ذَلِكَ الدَّفْعُ لانْقَطَعَتِ الصَّلَواتُ ولَخُرِّبَتِ المَساجِدُ.
* * *
السُّؤالُ الرّابِعُ: الصَّلَواتُ كَيْفَ تُهَدَّمُ خُصُوصًا عَلى تَأْوِيلِ مَن تَأوَّلَهُ عَلى صَلاةِ المُسْلِمِينَ ؟ الجَوابُ: مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: المُرادُ بِهَدْمِ الصَّلاةِ إبْطالُها وإهْلاكُ مَن يَفْعَلُها كَقَوْلِهِمْ هَدَمَ فُلانٌ إحْسانَ فُلانٍ إذا قابَلَهُ بِالكُفْرِ دُونَ الشُّكْرِ. وثانِيها: بَلِ المُرادُ مَكانُ الصَّلَواتِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يَصِحُّ هَدْمُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أيْ أهْلَها. وثالِثُها: لَمّا كانَ الأغْلَبُ فِيما ذُكِرَ ما يَصِحُّ أنْ يُهَدَّمَ جازَ ضَمُّ ما لا يَصِحُّ أنْ يُهَدَّمَ إلَيْهِ، كَقَوْلِهِمْ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا، وإنْ كانَ الرُّمْحُ لا يُتَقَلَّدُ.
* * *
السُّؤالُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ مُخْتَصٌّ بِالمَساجِدِ أوْ عائِدٌ إلى الكُلِّ ؟ الجَوابُ: قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: عائِدٌ إلى الكُلِّ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُذْكَرُ في هَذِهِ المَواضِعِ كَثِيرًا، والأقْرَبُ أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالمَساجِدِ تَشْرِيفًا لَها بِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ يَحْصُلُ فِيها كَثِيرًا.
* * *
السُّؤالُ السّادِسُ: لِمَ قَدَّمَ الصَّوامِعَ والبِيَعَ في الذِّكْرِ عَلى المَساجِدِ ؟ الجَوابُ: لِأنَّها أقْدَمُ في
صفحة ٣٧
الوُجُودِ، وقِيلَ: أخَّرَها في الذِّكْرِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢] ولِأنَّ أوَّلَ الفِكْرِ آخِرُ العَمَلِ، فَلَمّا كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْرَ الرُّسُلِ وأُمَّتُهُ خَيْرَ الأُمَمِ لا جَرَمَ كانُوا آخِرَهم، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ» .
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ فَقالَ بَعْضُهم: مَن يَنْصُرُهُ بِتَلَقِّي الجِهادِ بِالقَبُولِ نُصْرَةً لِدِينِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ مَن يَقُومُ بِسائِرِ دِينِهِ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّ نُصْرَةَ اللَّهِ عَلى الحَقِيقَةِ لا تَصِحُّ، وإنَّما المُرادُ مِن نُصْرَةِ اللَّهِ نُصْرَةُ دِينِهِ كَما يُقالُ في وِلايَةِ اللَّهِ وعَداوَتِهِ مِثْلُ ذَلِكَ وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ وعْدٌ بِالنَّصْرِ لِمَن هَذِهِ حالُهُ ونَصْرُ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ أنْ يُقَوِّيَهُ عَلى أعْدائِهِ حَتّى يَكُونَ هو الظّافِرَ، ويَكُونَ قائِمًا بِإيضاحِ الأدِلَّةِ والبَيِّناتِ، ويَكُونُ بِالإعانَةِ عَلى المَعارِفِ والطّاعاتِ، وفِيهِ تَرْغِيبٌ في الجِهادِ مِن حَيْثُ وعَدَهُمُ النَّصْرَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ قَوِيٌّ عَلى هَذِهِ النُّصْرَةِ الَّتِي وعَدَها المُؤْمِنِينَ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ المَنعُ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿عَزِيزٌ﴾ لِأنَّ العَزِيزَ هو الَّذِي لا يُضامُ ولا يُمْنَعُ مِمّا يُرِيدُهُ. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وصَفَ الَّذِينَ أذِنَ لَهم في القِتالِ في الآيَةِ الأُولى فَقالَ: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ والمُرادُ مِن هَذا التَّمَكُّنِ السَّلْطَنَةُ ونَفاذُ القَوْلِ عَلى الخَلْقِ؛ لِأنَّ المُتَبادَرَ إلى الفَهْمِ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ لَيْسَ إلّا هَذا، ولِأنّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى أصْلِ القُدْرَةِ لَكانَ كُلُّ العِبادِ كَذَلِكَ وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ تَرَتُّبُ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ عَلَيْهِ في مَعْرِضِ الجَزاءِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَن كانَ قادِرًا عَلى الفِعْلِ أتى بِهَذِهِ الأشْياءِ. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: المُرادُ بِذَلِكَ هُمُ المُهاجِرُونَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهُمْ﴾ صِفَةٌ لِمَن تَقَدَّمَ وهو قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ والأنْصارُ ما أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ، فَيَصِيرُ مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ المُهاجِرِينَ بِأنَّهُ إنْ مَكَّنَهم مِنَ الأرْضِ وأعْطاهُمُ السَّلْطَنَةَ، فَإنَّهم أتَوْا بِالأُمُورِ الأرْبَعَةِ، وهي إقامَةُ الصَّلاةِ وإيتاءُ الزَّكاةِ والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، لَكِنْ قَدْ ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَكَّنَ الأئِمَّةَ الأرْبَعَةَ مِنَ الأرْضِ وأعْطاهُمُ السَّلْطَنَةَ عَلَيْها فَوَجَبَ كَوْنُهم آتِينَ بِهَذِهِ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ. وإذا كانُوا آمِرِينَ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ وناهِينَ عَنْ كُلِّ مُنْكَرٍ وجَبَ أنْ يَكُونُوا عَلى الحَقِّ، فَمِن هَذا الوجه دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى إمامَةِ الأرْبَعَةِ. ولا يَجُوزُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ وحْدَهُ؛ لِأنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى الجَمْعِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن سَلْطَنَتِهِمْ ومُلْكِهِمْ كائِنٌ لا مَحالَةَ. ثُمَّ إنَّ الأُمُورَ تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالعاقِبَةِ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي لا يَزُولُ مُلْكُهُ أبَدًا وهو أيْضًا يُؤَكِّدُ ما قُلْناهُ.
22:42–44Page 337
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَثَمُودُ ٤٢
And if they deny you, [O Muḥammad] - so, before them, did the people of Noah and ʿAad and Thamūd deny [their prophets],
وَقَوۡمُ إِبۡرَٰهِيمَ وَقَوۡمُ لُوطٖ ٤٣
And the people of Abraham and the people of Lot
وَأَصۡحَٰبُ مَدۡيَنَۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰۖ فَأَمۡلَيۡتُ لِلۡكَٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٤٤
And the inhabitants of Madyan. And Moses was denied, so I prolonged enjoyment for the disbelievers; then I seized them, and how [terrible] was My reproach.
صفحة ٣٨
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وثَمُودُ﴾ ﴿وقَوْمُ إبْراهِيمَ وقَوْمُ لُوطٍ﴾ ﴿وأصْحابُ مَدْيَنَ وكُذِّبَ مُوسى فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ فَهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فِيما تَقَدَّمَ إخْراجَ الكُفّارِ المُؤْمِنِينَ مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ، وأذِنَ في مُقاتَلَتِهِمْ وضَمِنَ لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ النُّصْرَةَ وبَيَّنَ أنَّ لِلَّهِ عاقِبَةَ الأُمُورِ، أرْدَفَهُ بِما يَجْرِي مَجْرى التَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ في الصَّبْرِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِن أذِيَّتِهِ وأذِيَّةِ المُؤْمِنِينَ بِالتَّكْذِيبِ وغَيْرِهِ، فَقالَ: وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم سائِرُ الأُمَمِ أنْبِياءَهم، وذَكَرَ اللَّهُ سَبْعَةً مِنهم. فَإنْ قِيلَ: ولِمَ قالَ: ﴿وكُذِّبَ مُوسى﴾ ولَمْ يَقُلْ: قَوْمُ مُوسى ؟ فالجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما كَذَّبَهُ قَوْمُهُ بَنُو إسْرائِيلَ وإنَّما كَذَّبَهُ غَيْرُ قَوْمِهِ وهُمُ القِبْطُ.
الثّانِي: كَأنَّهُ قِيلَ: بَعْدَ ما ذَكَرَ تَكْذِيبَ كُلِّ قَوْمٍ رَسُولَهُ، وكُذِّبَ مُوسى أيْضًا مَعَ وُضُوحِ آياتِهِ وعِظَمِ مُعْجِزاتِهِ فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِهِ ؟
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ يَعْنِي أمْهَلْتُهم إلى الوَقْتِ المَعْلُومِ عِنْدِي ثُمَّ أخَذْتُهم بِالعُقُوبَةِ ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِ[يٌّ]، أيْ فَكَيْفَ كانَ إنْكارِي عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ، ألَيْسَ كانَ واقِعًا قَطْعًا ؟ ألَمْ أُبْدِلْهم بِالنِّعْمَةِ نِقْمَةً وبِالكَثْرَةِ قِلَّةً وبِالحَياةِ مَوْتًا وبِالعِمارَةِ خَرابًا ؟ ألَسْتُ أعْطَيْتُ الأنْبِياءَ جَمِيعَ ما وعَدْتُهم مِنَ النُّصْرَةِ عَلى أعْدائِهِمْ والتَّمْكِينِ لَهم في الأرْضِ. فَيَنْبَغِي أنْ تَكُونَ عادَتُكَ يا مُحَمَّدُ الصَّبْرَ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهُ تَعالى إنَّما يُمْهِلُ لِلْمَصْلَحَةِ فَلا بُدَّ مِنَ الرِّضاءِ والتَّسْلِيمِ، وإنْ شَقَّ ذَلِكَ عَلى القَلْبِ. واعْلَمْ أنَّ بِدُونِ ذَلِكَ يَحْصُلُ التَّسْلِيَةُ لِمَن حالُهُ دُونَ حالِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَيْفَ بِذَلِكَ مَعَ مَنزِلَتِهِ، لَكِنَّهُ في كُلِّ وقْتٍ يَصِلُ إلَيْهِ مِن جِهَتِهِمْ ما يَزِيدُهُ غَمًّا، فَأجْرى اللَّهُ عادَتَهُ بِأنْ يُصَبِّرَهُ حالًا بَعْدَ حالٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ وبِأيِّ جِنْسٍ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ هَلَكُوا.
وهاهُنا بَحْثٌ، وهو أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يَفْعَلُ بِهِ وبِقَوْمِهِ كُلَّ ما فَعَلَ بِهِمْ وبِقَوْمِهِمْ إلّا عَذابَ الِاسْتِئْصالِ، فَإنَّهُ لا يَفْعَلُهُ بِقَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ وإنْ كانَ قَدْ مَكَّنَهم مِن قَتْلِ أعْدائِهِمْ وثَبَّتَهم. قالَ الحَسَنُ: السَّبَبُ في تَأخُّرِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ مَشْرُوطٌ بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ عِنْدَ اللَّهِ حَدًّ[ا] مِنَ الكُفْرِ مَن بَلَغَهُ عَذَّبَهُ ومَن لَمْ يَبْلُغْهُ لَمْ يُعَذِّبْهُ. والثّانِي: أنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ قَوْمًا حَتّى يَعْلَمَ أنَّ أحَدًا مِنهم لا يُؤْمِنُ، فَأمّا إذا حَصَلَ الشَّرْطانِ وهو أنْ يَبْلُغُوا ذَلِكَ الحَدَّ مِنَ الكُفْرِ وعَلِمَ اللَّهُ أنَّ أحَدًا مِنهم لا يُؤْمِنُ، فَحِينَئِذٍ يَأْمُرُ الأنْبِياءَ فَيَدْعُونَ عَلى أُمَمِهِمْ فَيَسْتَجِيبُ اللَّهُ دُعاءَهم فَيُعَذِّبُهم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠] أيْ مِن إجابَةِ القَوْمِ، وقَوْلِهِ لِنُوحٍ: ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] وإذا عَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَإنَّهُ يُنَجِّي المُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ [هود: ٨٢] أيْ بِالعَذابِ نَجَّيْنا هُودًا، واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في هَذِهِ المسألة قَدْ تَقَدَّمَ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُوصَفُ ما يُنْزِلُهُ بِالكَفّارِ مِنَ الهَلاكِ بِالعَذابِ المُعَجَّلِ بِأنَّهُ نَكِيرٌ ؟ قُلْنا: إذا كانَ رادِعًا لِغَيْرِهِ وصادِعًا لَهُ عَنْ مِثْلِ ما أوْجَبَ ذَلِكَ صارَ نَكِيرًا.
22:45Page 337
فَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئۡرٖ مُّعَطَّلَةٖ وَقَصۡرٖ مَّشِيدٍ ٤٥
And how many a city did We destroy while it was committing wrong - so it is [now] fallen into ruin1 - and [how many] an abandoned well and [how many] a lofty palace.2
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
صفحة ٣٩
المسألة الأُولى: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَكَأيِّنْ﴾ فَكَمْ عَلى وجْهِ التَّكْثِيرِ، وقِيلَ أيْضًا مَعْناهُ، ورُبَّ قَرْيَةٍ والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ أوْكَدُ في الزَّجْرِ، فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ قَوْمٍ مِنَ المُكَذِّبِينَ وأنَّهُ عَجَّلَ إهْلاكَهم أتْبَعَهُ بِما دَلَّ عَلى أنَّ لِذَلِكَ أمْثالًا وإنْ لَمْ يُذْكَرْ مُفَصَّلًا.
المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ الكُوفَةِ والمَدِينَةِ ”أهْلَكْناها“ بِالنُّونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ: ”أهْلَكْتُها“ وهو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ لِقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُولى ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أخَذْتُهُمْ﴾ .
المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أهْلَكْناها﴾ أيْ أهْلَها ودَلَّ بِقَوْلِهِ: وهي ظالِمَةٌ عَلى ما ذَكَرْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ إهْلاكَ نَفْسِ القَرْيَةِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ إهْلاكِها إهْلاكُ مَن فِيها؛ لِأنَّ العَذابَ النّازِلَ إذا بَلَغَ أنْ يُهْلِكَ القَرْيَةَ فَتَصِيرَ مُنْهَدِمَةً حَصَلَ بِهَلاكِها هَلاكُ مَن فِيها وإنْ كانَ الأوَّلُ أقْرَبَ.
أمّا قَوْلُهُ وهي: ﴿خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ فَفِيهِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما مَعْنى هَذِهِ اللَّفْظَةِ ؟ فَقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: كُلُّ مُرْتَفِعٍ أظَلَّكَ مِن سَقْفِ بَيْتٍ أوْ خَيْمَةٍ أوْ ظُلَّةٍ فَهو عَرْشٌ، والخاوِي السّاقِطُ مِن خَوِيَ النَّجْمُ إذا سَقَطَ، أوِ الخالِي مِن خَوِيَ المَنزِلُ إذا خَلا مِن أهْلِهِ، فَإنْ فَسَّرْنا الخاوِيَ بِالسّاقِطِ، كانَ المَعْنى أنَّها ساقِطَةٌ عَلى سُقُوفِها، أيْ خَرَّتْ سُقُوفُها عَلى الأرْضِ، ثُمَّ تَهَدَّمَتْ حِيطانُها فَسَقَطَتْ فَوْقَ السُّقُوفِ، وإنْ فَسَّرْناهُ بِالخالِي كانَ المَعْنى أنَّها خالِيَةٌ عَنِ النّاسِ مَعَ بَقاءِ عُرُوشِها وسَلامَتِها، قالَ: ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: هي خاوِيَةٌ وهي عَلى عُرُوشِها، بِمَعْنى أنَّ السُّقُوفَ سَقَطَتْ عَلى الأرْضِ فَصارَتْ في قَرارِ الحِيطانِ وبَقِيَتِ الحِيطانُ قائِمَةً فَهي مُشْرِفَةٌ عَلى السُّقُوفِ السّاقِطَةِ، وبِالجُمْلَةِ فالآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّها بَقِيَتْ مَحَلًّا لِلِاعْتِبارِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما مَحَلُّ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ مِنَ الإعْرابِ. أعْنِي ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ فَهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ الجَوابُ: الأُولى في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ. والثّانِيَةُ: لا مَحَلَّ لَها؛ لِأنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى أهْلَكْناها وهَذا الفِعْلُ لَيْسَ لَهُ مَحَلٌّ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي كانَتْ ظالِمَةً وهي الآنَ خاوِيَةٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَرَأ الحَسَنُ: ”مُعْطَلَةٍ“ مِن أعْطَلَهُ بِمَعْنى مُعَطَّلَةٍ، ومَعْنى المُعَطَّلَةِ أنَّها عامِرَةٌ فِيها الماءُ ويُمْكِنُ الِاسْتِقاءُ مِنها إلّا أنَّها عُطِّلَتْ أيْ تُرِكَتْ لا يُسْتَقى مِنها لِهَلاكِ أهْلِها، وفي المَشِيدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُجَصَّصُ لِأنَّ الجِصَّ بِالمَدِينَةِ يُسَمّى الشِّيدَ. والثّانِي: أنَّهُ المَرْفُوعُ المُطَوَّلُ، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ القَرْيَةَ مَعَ تَكَلُّفِ بِنائِهِمْ لَها واغْتِباطِهِمْ بِها جُعِلَتْ لِأجْلِ كُفْرِهِمْ بِهَذا الوَصْفِ، وكَذَلِكَ البِئْرُ الَّتِي كَلَّفُوها وصارَتْ شِرْبَهم صارَتْ مُعَطَّلَةً بِلا شارِبٍ ولا وارِدٍ، والقَصْرُ الَّذِي أحْكَمُوهُ بِالجِصِّ وطَوَّلُوهُ صارَ ظاهِرًا خالِيًا بِلا ساكِنٍ، وجَعَلَ ذَلِكَ تَعالى عِبْرَةً لِمَنِ اعْتَبَرَ وتَدَبَّرَ. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ تَفْسِيرَ عَلى بِمَعَ أوْلى؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ وهي خاوِيَةٌ مَعَ عُرُوشِها، ومَعْلُومٌ أنَّها إذا كانَتْ كَذَلِكَ كانَتْ أدْخَلَ في الِاعْتِبارِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
المسألة الثّانِيَةُ: رَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ هَذِهِ البِئْرَ نَزَلَ عَلَيْها صالِحٌ مَعَ أرْبَعَةِ آلافِ نَفَرٍ مِمَّنْ
صفحة ٤٠
آمَنَ بِهِ، ونَجّاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ العَذابِ وهم بِحَضْرَمَوْتَ، وإنَّما سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ صالِحًا حِينَ حَضَرَها ماتَ ثَمَّ، وثَمَّ بَلْدَةٌ عِنْدَ البِئْرِ اسْمُها حاضُورا بَناها قَوْمُ صالِحٍ، وأمَّرُوا عَلَيْها حاسِرَ بْنَ جُلاسٍ وجَعَلُوا وزِيرَهُ سِنْحارِيبَ، وأقامُوا بِها زَمانًا ثُمَّ كَفَرُوا وعَبَدُوا صَنَمًا، وأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ حَنْظَلَةَ بْنَ صَفْوانَ فَقَتَلُوهُ في السُّوقِ فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وعَطَّلَ بِئْرَهم وخَرَّبَ قُصُورَهم. قالَ الإمامُ أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ، وهَذا عَجِيبٌ لِأنِّي زُرْتُ قَبْرَ صالِحٍ بِالشّامِ بِبَلْدَةٍ يُقالُ لَها: عَكَّةُ، فَكَيْفَ يُقالُ إنَّهُ بِحَضْرَمَوْتَ ؟
22:46Page 337
أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ ٤٦
So have they not traveled through the earth and have hearts by which to reason and ears by which to hear? For indeed, it is not eyes that are blinded, but blinded are the hearts which are within the breasts.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ فالمَقْصُودُ مِنهُ ذِكْرُ ما يَتَكامَلُ بِهِ ذَلِكَ الِاعْتِبارُ؛ لِأنَّ الرُّؤْيَةَ لَها حَظٌّ عَظِيمٌ في الِاعْتِبارِ وكَذَلِكَ اسْتِماعُ الأخْبارِ فِيهِ مَدْخَلٌ، ولَكِنْ لا يَكْمُلُ هَذانِ الأمْرانِ إلّا بِتَدَبُّرِ القَلْبِ؛ لِأنَّ مَن عايَنَ وسَمِعَ ثُمَّ لَمْ يَتَدَبَّرْ ولَمْ يَعْتَبِرْ لَمْ يَنْتَفِعِ البَتَّةَ ولَوْ تَفَكَّرَ فِيما سَمِعَ لانْتَفَعَ، فَلِهَذا قالَ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ كَأنَّهُ قالَ: لا عَمًى في أبْصارِهِمْ فَإنَّهم يَرَوْنَ بِها، لَكِنَّ العَمى في قُلُوبِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما أبْصَرُوهُ، وهاهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ هَلْ يَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِالسَّفَرِ ؟ الجَوابُ: يُحْتَمَلُ أنَّهم ما سافَرُوا فَحَثَّهم عَلى السَّفَرِ لِيَرَوْا مَصارِعَ مَن أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ويُشاهِدُوا آثارَهم فَيَعْتَبِرُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا قَدْ سافَرُوا ورَأوْا ذَلِكَ ولَكِنْ لَمْ يَعْتَبِرُوا، فَجُعِلُوا كَأنْ لَمْ يُسافِرُوا ولَمْ يَرَوْا.
السُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ والجَوابُ: هَذا الضَّمِيرُ ضَمِيرُ القِصَّةِ والشَّأْنِ، يَجِيءُ مُؤَنَّثًا ومُذَكَّرًا وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”فَإنَّهُ“ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا يُفَسِّرُهُ الأبْصارُ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: أيُّ فائِدَةٍ في ذِكْرِ الصُّدُورِ مَعَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ القَلْبَ لا يَكُونُ إلّا في الصَّدْرِ ؟ الجَوابُ: أنَّ المُتَعارَفَ أنَّ العَمى مَكانُهُ الحَدَقَةُ، فَلَمّا أُرِيدَ إثْباتُهُ لِلْقَلْبِ عَلى خِلافِ المُتَعارَفِ احْتِيجَ إلى زِيادَةِ بَيانٍ كَما تَقُولُ: لَيْسَ المَضاءُ لِلسَّيْفِ ولَكِنَّهُ لِلِسانِكَ الَّذِي بَيْنَ فَكَّيْكَ، فَقَوْلُكَ: الَّذِي بَيْنَ فَكَّيْكَ تَقْرِيرٌ لِما ادَّعَيْتَهُ لِلِّسانِ وتَثْبِيتٌ؛ لِأنَّ مَحَلَّ المَضاءِ هو هو لا غَيْرُ، وكَأنَّكَ قُلْتَ: ما نَفَيْتُ المَضاءَ عَنِ السَّيْفِ وأثْبَتُّهُ لِلِسانِكَ سَهْوًا، ولَكِنِّي تَعَمَّدْتُهُ عَلى اليَقِينِ. وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ القَلْبَ قَدْ يُجْعَلُ كِنايَةً عَنِ الخاطِرِ والتَّدَبُّرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] وعِنْدَ قَوْمٍ أنَّ مَحَلَّ التَّفَكُّرِ هو الدِّماغُ فاللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ هو الصَّدْرُ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: هَلْ تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ العَقْلَ هو العِلْمُ وعَلى أنَّ مَحَلَّ العِلْمِ هو القَلْبُ ؟ الجَوابُ: نَعَمْ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها﴾ العِلْمُ، وقَوْلُهُ: ﴿يَعْقِلُونَ بِها﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّ القَلْبَ آلَةٌ لِهَذا التَّعَقُّلِ، فَوَجَبَ جَعْلُ القَلْبِ مَحَلًّا لِلتَّعَقُّلِ، ويُسَمّى الجَهْلُ بِالعَمى لِأنَّ الجاهِلَ لِكَوْنِهِ مُتَحَيِّرًا يُشْبِهُ الأعْمى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences