Ar-RaziAli 'Imran · 3:179–180

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:179–180

3:179Page 73

مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجۡتَبِي مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ١٧٩

Allāh would not leave the believers in that [state] you are in [presently] until He separates the evil from the good. Nor would Allāh reveal to you the unseen. But [instead], Allāh chooses of His messengers whom He wills, so believe in Allāh and His messengers. And if you believe and fear Him, then for you is a great reward.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن بَقِيَّةِ الكَلامِ في قِصَّةِ أُحُدٍ، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّ الأحْوالَ الَّتِي وقَعَتْ في تِلْكَ الحادِثَةِ مِنَ القَتْلِ والهَزِيمَةِ، ثُمَّ دُعاءِ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهم مَعَ ما كانَ بِهِمْ مِنَ الجِراحاتِ إلى الخُرُوجِ لِطَلَبِ العَدُوِّ، ثُمَّ دُعائِهِ إيّاهم مَرَّةً أُخْرى إلى بَدْرٍ الصُّغْرى لِمَوْعِدِ أبِي سُفْيانَ، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّ كُلَّ هَذِهِ الأحْوالِ

صفحة ٩٠

صارَ دَلِيلًا عَلى امْتِيازِ المُؤْمِنِ مِنَ المُنافِقِ، لِأنَّ المُنافِقِينَ خافُوا ورَجَعُوا وشَمَتُوا بِكَثْرَةِ القَتْلى مِنكم، ثُمَّ ثَبَّطُوا وزَهَّدُوا المُؤْمِنِينَ عَنِ العَوْدِ إلى الجِهادِ، فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ لا يَجُوزُ في حِكْمَتِهِ أنْ يَذَرَكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ اخْتِلاطِ المُنافِقِينَ بِكم وإظْهارِهِمْ أنَّهم مِنكم ومِن أهْلِ الإيمانِ بَلْ كانَ يَجِبُ في حِكْمَتِهِ إلْقاءُ هَذِهِ الحَوادِثِ والوَقائِعِ حَتّى يَحْصُلَ هَذا الِامْتِيازُ، فَهَذا وجْهُ النَّظْمِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”حَتّى يُمَيِّزَ الخَبِيثَ“ بِالتَّشْدِيدِ، وكَذَلِكَ في الأفْعالِ، والباقُونَ ”يَمِيزَ“ بِالتَّخْفِيفِ وفَتْحِ الياءِ الأُولى وكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ الياءِ الأخِيرَةِ، قالَ الواحِدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وهُما لُغَتانِ يُقالُ مِزْتُ الشَّيْءَ بَعْضَهُ مِن بَعْضٍ فَأنا أُمَيِّزُهُ مَيْزًا أوْ أُمَيِّزُهُ تَمْيِيزًا، ومِنهُ الحَدِيثُ ”«مَن مازَ أذًى عَنْ طَرِيقٍ فَهو لَهُ صَدَقَةٌ» “ وحُجَّةُ مَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ وفَتْحِ الياءِ أنَّ المَيْزَ يُفِيدُ فائِدَةَ التَّمْيِيزِ وهو أخَفُّ في اللَّفْظِ فَكانَ أوْلى، وحَكى أبُو زَيْدٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كانَ يَقُولُ: التَّشْدِيدُ لِلْكَثْرَةِ، فَأمّا واحِدٌ مِن واحِدٍ فَيَمِيزُ بِالتَّخْفِيفِ، واللَّهُ تَعالى قالَ: ﴿حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ فَذَكَرَ شَيْئَيْنِ، وهَذا كَما قالَ بَعْضُهم في الفَرْقِ والتَّفْرِيقِ، وأيْضًا قالَ تَعالى: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ﴾ [يس: ٥٩] وهو مُطاوِعُ المَيْزِ، وحُجَّةُ مَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ: أنَّ التَّشْدِيدَ لِلتَّكْثِيرِ والمُبالَغَةِ، وفي المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ كَثْرَةٌ، فَلَفْظُ التَّمْيِيزِ هَهُنا أوْلى، ولَفْظُ الطَّيِّبِ والخَبِيثِ وإنْ كانَ مُفْرَدًا إلّا أنَّهُ لِلْجِنْسِ، فالمُرادُ بِهِما جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ لا اثْنانِ مِنهُما.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ مَعْنى الآيَةِ: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَكم يا مَعْشَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ اخْتِلاطِ المُؤْمِنِ بِالمُنافِقِ وأشْباهِهِ حَتّى يُمَيِّزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، أيِ المُنافِقَ مِنَ المُؤْمِنِ، واخْتَلَفُوا بِأيِّ شَيْءٍ مَيَّزَ بَيْنَهم، وذَكَرُوا وُجُوهًا:

أحَدُها: بِإلْقاءِ المِحَنِ والمَصائِبِ والقَتْلِ والهَزِيمَةِ، فَمَن كانَ مُؤْمِنًا ثَبَتَ عَلى إيمانِهِ وعَلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ، ومَن كانَ مُنافِقًا ظَهَرَ نِفاقُهُ وكُفْرُهُ.

وثانِيها: أنَّ اللَّهَ وعَدَ بِنُصْرَةِ المُؤْمِنِينَ وإذْلالِ الكافِرِينَ، فَلَمّا قَوِيَ الإسْلامُ عَظُمَتْ دَوْلَتُهُ وذَلَّ الكُفْرُ وأهْلُهُ، وعِنْدَ ذَلِكَ حَصَلَ هَذا الِامْتِيازُ.

وثالِثُها: القَرائِنُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ، مِثْلُ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَفْرَحُونَ بِنُصْرَةِ الإسْلامِ وقُوَّتِهِ، والمُنافِقِينَ كانُوا يَغْتَمُّونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَهُنا سُؤالٌ، وهو أنَّ هَذا التَّمْيِيزَ إنْ ظَهَرَ وانْكَشَفَ فَقَدْ ظَهَرَ كُفْرُ المُنافِقِينَ، وظُهُورُ الكُفْرِ مِنهم يَنْفِي كَوْنَهم مُنافِقِينَ، وإنْ لَمْ يَظْهَرْ لَمْ يَحْصُلْ مَوْعُودُ اللَّهِ.

وجَوابُهُ: أنَّهُ ظَهَرَ بِحَيْثُ يُفِيدُ الِامْتِيازَ الظَّنِّيَّ، لا الِامْتِيازَ القَطْعِيَّ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَكَمَ بِأنْ يَظْهَرَ هَذا التَّمْيِيزُ، ثُمَّ بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ ذَلِكَ التَّمْيِيزُ بِأنْ يُطْلِعَكُمُ اللَّهُ عَلى غَيْبِهِ فَيَقُولُ إنَّ فُلانًا مُنافِقٌ وفُلانًا مُؤْمِنٌ، وفُلانًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ وفُلانًا مِن أهْلِ النّارِ، فَإنَّ سُنَّةَ اللَّهِ جارِيَةٌ بِأنَّهُ لا يَطَّلِعُ عَوامُّ النّاسِ عَلى غَيْبِهِ، بَلْ لا سَبِيلَ لَكم إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ الِامْتِيازِ إلّا بِالِامْتِحاناتِ مِثْلُ ما ذَكَرْنا مِن وُقُوعِ المِحَنِ والآفاتِ، حَتّى يَتَمَيَّزَ عِنْدَها المُوافِقُ مِنَ المُنافِقِ، فَأمّا مَعْرِفَةُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاطِّلاعِ مِنَ الغَيْبِ فَهو مِن خَواصِّ الأنْبِياءِ، فَلِهَذا قالَ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ ولَكِنَّ اللَّهَ يَصْطَفِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ فَخَصَّهم بِإعْلامِهِمْ أنَّ هَذا مُؤْمِنٌ وهَذا مُنافِقٌ. ويُحْتَمَلُ: ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ فَيَمْتَحِنُ خَلْقَهُ بِالشَّرائِعِ عَلى أيْدِيهِمْ حَتّى يَتَمَيَّزَ الفَرِيقانِ بِالِامْتِحانِ، ويُحْتَمَلَ أيْضًا أنْ يَكُونَ المَعْنى: وما كانَ اللَّهُ

صفحة ٩١

لِيَجْعَلَكم كُلَّكم عالِمِينَ بِالغَيْبِ مِن حَيْثُ يُعْلِمُ الرَّسُولَ حَتّى تَصِيرُوا مُسْتَغْنِينَ عَنِ الرَّسُولِ، بَلِ اللَّهُ يَخُصُّ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِالرِّسالَةِ، ثُمَّ يُكَلِّفُ الباقِينَ طاعَةَ هَؤُلاءِ الرُّسُلِ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ والمَقْصُودُ أنَّ المُنافِقِينَ طَعَنُوا في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِوُقُوعِ الحَوادِثِ المَكْرُوهَةِ في قِصَّةِ أُحُدٍ، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ كانَ فِيها مَصالِحُ، مِنها تَمْيِيزُ الخَبِيثِ مِنَ الطَّيِّبِ، فَلَمّا أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها قالَ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ يَعْنِي لَمّا دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى نُبُوَّتِهِ، وهَذِهِ الشُّبْهَةُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوها في الطَّعْنِ في نُبُوَّتِهِ فَقَدْ أجَبْنا عَنْها، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ، وإنَّما قالَ: (ورُسُلِهِ) ولَمْ يَقُلْ: ورَسُولِهِ لِدَقِيقَةٍ، وهي أنَّ الطَّرِيقَ الَّذِي بِهِ يُتَوَصَّلُ إلى الإقْرارِ بِنُبُوَّةِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَيْسَ إلّا المُعْجِزُ وهو حاصِلٌ في حَقِّ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَوَجَبَ الإقْرارُ بِنُبُوَّةِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأنْبِياءِ، فَلِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ قالَ: (ورُسُلِهِ) والمَقْصُودُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ طَرِيقَ إثْباتِ نُبُوَّةِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ واحِدٌ، فَمَن أقَرَّ بِنُبُوَّةِ واحِدٍ مِنهم لَزِمَهُ الإقْرارُ بِنُبُوَّةِ الكُلِّ، ولَمّا أمَرَهم بِذَلِكَ قَرَنَ بِهِ الوَعْدَ بِالثَّوابِ فَقالَ: ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وهو ظاهِرٌ.

3:180Page 73

وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٨٠

And let not those who [greedily] withhold what Allāh has given them of His bounty ever think that it is better for them. Rather, it is worse for them. Their necks will be encircled by what they withheld on the Day of Resurrection. And to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth. And Allāh, of what you do, is [fully] Aware.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهم سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في التَّحْرِيضِ عَلى بَذْلِ النَّفْسِ في الجِهادِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ شَرَعَ هَهُنا في التَّحْرِيضِ عَلى بَذْلِ المالِ في الجِهادِ، وبَيَّنَ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِمَن يَبْخَلُ بِبَذْلِ المالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ ”ولا تَحْسَبَنَّ“ بِالتّاءِ، والباقُونَ بِالياءِ، أمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ بِالتّاءِ المُنَقَّطَةِ مِن فَوْقُ فَقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ ولا تَحْسَبَنَّ بُخْلَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ خَيْرًا لَهم، فَحُذِفَ المُضافُ لِدَلالَةِ يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ، وأمّا مَن قَرَأ بِالياءِ المُنَقَّطَةِ مِن تَحْتُ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ فاعِلُ ”يَحْسَبَنَّ“ ضَمِيرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ ضَمِيرَ أحَدٍ، والتَّقْدِيرُ: ولا يَحْسَبَنَّ رَسُولُ اللَّهِ أوْ لا يَحْسَبَنَّ أحَدٌ بُخْلَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ خَيْرًا لَهم، وإنَّما جازَ حَذْفُهُ لِدَلالَةِ يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: مَن كَذَبَ كانَ شَرًّا لَهُ، أيِ الكَذِبُ، ومِثْلُهُ:

إذا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرى إلَيْهِ

أيِ السَّفَهُ. وأنْشَدَ الفَرّاءُ:

هُمُ المُلُوكُ وأبْناءُ المُلُوكِ هُمُ ∗∗∗ والآخِذُونَ بِهِ والسّادَةُ الأُوَلُ

فَقَوْلُهُ ”بِهِ“ يُرِيدُ بِالمُلْكِ، ولَكِنَّهُ اكْتَفى عَنْهُ بِذِكْرِ المُلُوكِ.

صفحة ٩٢

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هو في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ تُسَمِّيهِ البَصْرِيُّونَ فَصْلًا، والكُوفِيُّونَ عِمادًا، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ ”يَبْخَلُونَ“ فَهو بِمَنزِلَةِ ما إذا ذَكَرَ البُخْلَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ البُخْلَ خَيْرًا لَهم، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ لِلْمُبْتَدَأِ حَقِيقَةً، ولِلْخَبَرِ حَقِيقَةً، وكَوْنُ حَقِيقَةُ المُبْتَدَأِ مَوْصُوفًا بِحَقِيقَةِ الخَبَرِ أمْرٌ زائِدٌ عَلى حَقِيقَةِ المُبْتَدَأِ وحَقِيقَةِ الخَبَرِ، فَإذا كانَتْ هَذِهِ المَوْصُوفِيَّةُ أمْرًا زائِدًا عَلى الذّاتَيْنِ فَلا بُدَّ مِن صِيغَةٍ ثالِثَةٍ دالَّةٍ عَلى هَذِهِ المَوْصُوفِيَّةِ وهي كَلِمَةُ ”هو“ .

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى ذَمِّ البُخْلِ بِشَيْءٍ مِنَ الخَيْراتِ والمَنافِعِ، وذَلِكَ الخَيْرُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مالًا، وأنْ يَكُونَ عِلْمًا.

فالقَوْلُ الأوَّلُ: إنَّ هَذا الوَعِيدَ ورَدَ عَلى البُخْلِ بِالمالِ، والمَعْنى: لا يَتَوَهَّمَنَّ هَؤُلاءِ البُخَلاءُ أنَّ بُخْلَهم هو خَيْرٌ لَهم، بَلْ هو شَرٌّ لَهم، وذَلِكَ لِأنَّهُ يَبْقى عِقابُ بُخْلِهِمْ عَلَيْهِمْ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ مَعَ أنَّهُ لا تَبْقى تِلْكَ الأمْوالُ عَلَيْهِمْ وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن هَذا البُخْلِ: البُخْلُ بِالعِلْمِ، وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ كانُوا يَكْتُمُونَ نَعْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِفَتَهُ، فَكانَ ذَلِكَ الكِتْمانُ بُخْلًا، يُقالُ: فُلانٌ يَبْخَلُ بِعِلْمِهِ، ولا شَكَّ أنَّ العِلْمَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَلَّمَ اليَهُودَ والنَّصارى ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَإذا كَتَمُوا ما في هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ مِنَ البِشارَةِ بِمَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ ذَلِكَ بُخْلًا.

واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أوْلى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ﴾ ولَوْ فَسَّرْنا الآيَةَ بِالعِلْمِ احْتَجْنا إلى تَحَمُّلِ المَجازِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، ولَوْ فَسَّرْناها بِالمالِ لَمْ نَحْتَجْ إلى المَجازِ فَكانَ هَذا أوْلى.

الثّانِي: أنّا لَوْ حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى المالِ كانَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا في بَذْلِ المالِ في الجِهادِ، فَحِينَئِذٍ يَحْصُلُ لِهَذِهِ الآيَةِ مَعَ ما قَبْلَها نَظْمٌ حَسَنٌ، ولَوْ حَمَلْناها عَلى أنَّ اليَهُودَ كَتَمُوا ما عَرَفُوهُ مِنَ التَّوْراةِ انْقَطَعَ النَّظْمُ، إلّا عَلى سَبِيلِ التَّكَلُّفِ، فَكانَ الأوَّلُ أوْلى.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ البُخْلَ عِبارَةٌ عَنْ مَنعِ الواجِبِ، وأنَّ مَنعَ التَّطَوُّعِ لا يَكُونُ بُخْلًا، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى الوَعِيدِ الشَّدِيدِ في البُخْلِ، والوَعِيدُ لا يَلِيقُ إلّا عَلى الواجِبِ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى ذَمَّ البُخْلَ وعابَهُ، ومَنعُ التَّطَوُّعِ لا يَجُوزُ أنْ يُذَمَّ فاعِلُهُ، وأنْ يُعابَ بِهِ.

وثالِثُها: وهو أنَّهُ تَعالى لا يَنْفَكُّ عَنْ تَرْكِ التَّفَضُّلِ لِأنَّهُ لا نِهايَةَ لِمَقْدُوراتِهِ في التَّفَضُّلِ، وكُلُّ ما يَدْخُلُ في الوُجُودِ فَهو مُتَناهٍ، فَيَكُونُ لا مَحالَةَ تارِكًا التَّفَضُّلَ، فَلَوْ كانَ تَرْكُ التَّفَضُّلِ بُخْلًا لَزِمَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى مَوْصُوفًا بِالبُخْلِ لا مَحالَةَ تَعالى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْهُ عُلُوًّا كَبِيرًا.

ورابِعُها: قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«وأيُّ داءٍ أدْوَأُ مِنَ البُخْلِ» “ ومَعْلُومٌ أنَّ تارِكَ التَّطَوُّعِ لا يَلِيقُ بِهِ هَذا الوَصْفُ.

وخامِسُها: أنَّهُ لَوْ كانَ تارِكُ التَّفَضُّلِ بَخِيلًا لَوَجَبَ فِيمَن يَمْلِكُ المالَ كُلَّهُ العَظِيمَ أنْ لا يَتَخَلَّصُ مِنَ البُخْلِ إلّا بِإخْراجِ الكُلِّ.

وسادِسُها: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] وكَلِمَةُ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ، فَكانَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ بَعْضَ ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَتِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥]

صفحة ٩٣

فَوَصَفَهم بِالهُدى والفَلاحِ، ولَوْ كانَ تارِكُ التَّطَوُّعِ بَخِيلًا مَذْمُومًا لَما صَحَّ ذَلِكَ. فَثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ البُخْلَ عِبارَةٌ عَنْ تَرْكِ الواجِبِ، إلّا أنَّ الإنْفاقَ الواجِبَ أقْسامٌ كَثِيرَةٌ، مِنها إنْفاقُهُ عَلى نَفْسِهِ وعَلى أقارِبِهِ الَّذِينَ يَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهم، ومِنها ما يَتَّصِلُ بِأبْوابِ الزَّكاةِ، ومِنها ما إذا احْتاجَ المُسْلِمُونَ إلى دَفْعِ عَدُوٍّ يَقْصِدُ قَتْلَهم ومالَهم، فَهَهُنا يَجِبُ عَلَيْهِمْ إنْفاقُ الأمْوالِ عَلى مَن يَدْفَعُهُ عَنْهم، لِأنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى دَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ، ومِنها إذا صارَ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مُضْطَرًّا فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مِقْدارَ ما يَسْتَبْقِي بِهِ رَمَقَهُ، فَكُلُّ هَذِهِ الإنْفاقاتِ مِنَ الواجِباتِ وتَرْكُهُ مِن بابِ البُخْلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ هَذا الوَعِيدِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنْ يُحْمَلَ هَذا عَلى ظاهِرِهِ وهو أنَّهُ تَعالى يُطَوِّقُهم بِطَوْقٍ يَكُونُ سَبَبًا لِعَذابِهِمْ. قِيلَ إنَّهُ تَعالى يُصَيِّرُ تِلْكَ الأمْوالَ في أعْناقِهِمْ حَيّاةً تَكُونُ لَهم كالأطْواقِ تَلْتَوِي في أعْناقِهِمْ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ تَلْتَوِيَ تِلْكَ الحَيّاتُ في سائِرِ أبْدانِهِمْ، فَأمّا ما يَصِيرُ مِن ذَلِكَ في أعْناقِهِمْ فَعَلى جِهَةِ أنَّهم كانُوا التَزَمُوا أداءَ الزَّكاةِ ثُمَّ امْتَنَعُوا عَنْها، وأمّا ما يَلْتَوِي مِنها في سائِرِ أبْدانِهِمْ فَعَلى جِهَةِ أنَّهم كانُوا يَضُمُّونَ تِلْكَ الأمْوالَ إلى أنْفُسِهِمْ، فَعُوِّضُوا مِنها بِأنْ جُعِلَتْ حَيّاتٌ التَوَتْ عَلَيْهِمْ كَأنَّهم قَدِ التَزَمُوها وضَمُّوها إلى أنْفُسِهِمْ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الطَّوْقُ طَوْقًا مِن نارٍ يُجْعَلُ في أعْناقِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥] وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: تُجْعَلُ تِلْكَ الزَّكاةُ المَمْنُوعَةُ في عُنُقِهِمْ كَهَيْئَةِ الطَّوْقِ شُجاعًا ذا زَبِيبَتَيْنِ يَلْدَغُ بِهِما خَدَّيْهِ ويَقُولُ: أنا الزَّكاةُ الَّتِي بَخِلْتَ في الدُّنْيا بِي.

القَوْلُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: (سَيُطَوَّقُونَ) قالَ مُجاهِدٌ: سَيُكَلَّفُونَ أنْ يَأْتُوا بِما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، ونَظِيرُهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ ”وعَلى الَّذِينَ يَطُوقُونَهُ فِدْيَةٌ“ قالَ المُفَسِّرُونَ: يُكَلَّفُونَهُ ولا يُطِيقُونَهُ، فَكَذا قَوْلُهُ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ يُؤْمَرُونَ بِأداءِ ما مَنَعُوا حِينَ لا يُمْكِنُهُمُ الإتْيانُ بِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَوْبِيخًا عَلى مَعْنى: هَلّا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ حِينَ كانَ مُمْكِنًا.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ﴾ أيْ سَيَلْزَمُونَ إثْمَهُ في الآخِرَةِ، وهَذا عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ لا عَلى أنَّ ثَمَّ أطْواقًا، يُقالُ مِنهُ: فُلانٌ كالطَّوْقِ في رَقَبَةِ فُلانٍ، والعَرَبُ يُعَبِّرُونَ عَنْ تَأْكِيدِ إلْزامِ الشَّيْءِ بِتَصْيِيرِهِ في العُنُقِ، ومِنهُ يُقالُ: قَلَّدْتُكَ هَذا الأمْرَ، وجَعَلْتُ هَذا الأمْرَ في عُنُقِكَ؛ قالَ تَعالى: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] .

القَوْلُ الرّابِعُ: إذا فَسَّرْنا هَذا البُخْلَ بِالبُخْلِ بِالعِلْمِ كانَ مَعْنى ”سَيُطَوَّقُونَ“ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ في رِقابِهِمْ طَوْقًا مِن نارٍ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ ألْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجامٍ مِنَ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ» “ والمَعْنى أنَّهم عُوقِبُوا في أفْواهِهِمْ وألْسِنَتِهِمْ بِهَذا اللِّجامِ لِأنَّهم لَمْ يَنْطِقُوا بِأفْواهِهِمْ وألْسِنَتِهِمْ بِما يَدُلُّ عَلى الحَقِّ.

واعْلَمْ أنَّ تَفْسِيرَ هَذا البُخْلِ بِكِتْمانِ دَلائِلِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ غَيْرُ بَعِيدٍ، وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى

صفحة ٩٤

مَوْصُوفُونَ بِالبُخْلِ في القُرْآنِ مَذْمُومُونَ بِهِ؛ قالَ تَعالى في صِفَتِهِمْ: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣] وقالَ أيْضًا فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧] وأيْضًا ذَكَرَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] وذَلِكَ مِن أقْوالِ اليَهُودِ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ تَكُونَ الآيَةُ عامَّةً في البُخْلِ بِالعِلْمِ، وفي البُخْلِ بِالمالِ، ويَكُونُ الوَعِيدُ حاصِلًا عَلَيْهِما مَعًا.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَن يَلْزَمُهُ هَذِهِ الحُقُوقُ ولا تَسْقُطُ عَنْهُ هو المُصَدِّقُ بِالرَّسُولِ وبِالشَّرِيعَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هو شَرٌّ لَهُمْ﴾ فَلِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى حِرْمانِ الثَّوابِ وحُصُولِ النّارِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَهو صَرِيحٌ بِالوَعِيدِ.

واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في هَذِهِ المَسْألَةِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: ولَهُ ما فِيها مِمّا يَتَوارَثُهُ أهْلُهُما مِن مالٍ وغَيْرِهِ، فَما لَهم يَبْخَلُونَ عَلَيْهِ بِمِلْكِهِ ولا يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِهِ! ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] .

والثّانِي: وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ: المُرادُ أنَّهُ يَفْنى أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ وتَبْقى الأمْلاكُ ولا مالِكَ لَها إلّا اللَّهُ، فَجَرى هَذا مَجْرى الوِراثَةِ إذْ كانَ الخَلْقُ يَدَعُونَ الأمْلاكَ، فَلَمّا ماتُوا عَنْها ولَمْ يُخْلِفُوا أحَدًا كانَ هو الوارِثَ لَها، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ يَبْطُلُ مِلْكُ جَمْعِ المالِكِينَ إلّا مِلْكَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَيَصِيرُ كالمِيراثِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُقالُ ورِثَ فُلانٌ عِلْمَ فُلانٍ إذا انْفَرَدَ بِهِ بَعْدَ أنْ كانَ مُشارِكًا فِيهِ، وقالَ تَعالى: ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ [النمل: ١٦] وكانَ المَعْنى انْفِرادَهُ بِذَلِكَ الأمْرِ بَعْدَ أنْ كانَ داوُدُ مُشارِكًا لَهُ فِيهِ وغالِبًا عَلَيْهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ”بِما يَعْمَلُونَ“ بِالياءِ عَلى المُغايَبَةِ كِنايَةً عَنِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، والمَعْنى واللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ مِن مَنعِهِمُ الحُقُوقَ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ، والباقُونَ قَرَءُوا بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، وذَلِكَ لِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ خِطابٌ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ، والغَيْبَةُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنَ الخِطابِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الياءُ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ وهي أبْلَغُ في الوَعِيدِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском