Ar-RaziAli 'Imran · 3:45–48

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:45–48

3:45Page 55

إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ٤٥

[And mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allāh gives you good tidings of a word1 from Him, whose name will be the Messiah, Jesus, the son of Mary - distinguished in this world and the Hereafter and among those brought near [to Allāh].

قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يامَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ .

صفحة ٤٢

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ حالَ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ، في أوَّلِ أمْرِها وفي آخِرِ أمْرِها، وشَرَحَ كَيْفِيَّةَ وِلادَتِها لِعِيسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَقالَ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في العامِلِ في ”إذْ“ قِيلَ: العامِلُ فِيهِ. وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: يَخْتَصِمُونَ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”إذْ“ الأُولى في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٣٥ ] وقِيلَ التَّقْدِيرُ: إنَّ ما وصَفْتُهُ مِن أُمُورِ زَكَرِيّا، وهِبَةِ اللَّهِ لَهُ يَحْيى كانَ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ، وأمّا أبُو عُبَيْدَةَ: فَإنَّهُ يَجْرِي في هَذا البابِ عَلى مَذْهَبٍ لَهُ مَعْرُوفٍ، وهو أنَّ ”إذْ“ صِلَةٌ في الكَلامِ وزِيادَةٌ، واعْلَمْ أنَّ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ فِيهِما بَعْضُ الضَّعْفِ وذَلِكَ لِأنَّ مَرْيَمَ حالَ ما كانُوا يُلْقُونَ الأقْلامَ وحالَ ما كانُوا يَخْتَصِمُونَ ما بَلَغَتِ الجِدَّ الَّذِي تُبَشَّرُ فِيهِ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، إلّا قَوْلَ الحَسَنِ: فَإنَّهُ يَقُولُ إنَّها كانَتْ عاقِلَةً في حالِ الصِّغَرِ، فَإنَّ ذَلِكَ كانَ مِن كَراماتِها، فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ جازَ في تِلْكَ الحالِ أنْ يَرِدَ عَلَيْها البُشْرى مِنَ المَلائِكَةِ، وإلّا فَلا بُدَّ مِن تَأخُّرِ هَذِهِ البُشْرى إلى حِينِ العَقْلِ، ومِنهم مَن تَكَلَّفَ الجَوابَ، فَقالَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ الِاخْتِصامُ والبُشْرى وقَعا في زَمانٍ واسِعٍ، كَما تَقُولُ لَقِيتُهُ في سَنَةِ كَذا، وهَذا الجَوابُ بَعِيدٌ والأصْوَبُ هو الوَجْهُ الثّالِثُ، والرّابِعُ، أمّا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ: فَقَدْ عَرَفْتَ ضَعْفَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ﴾ يُفِيدُ الجَمْعَ إلّا أنَّ المَشْهُورَ أنَّ ذَلِكَ المُنادِي كانَ جِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقَدْ قَرَّرْناهُ فِيما تَقَدَّمَ، وأمّا البِشارَةُ فَقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَها في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] .

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ فَقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَ الكَلِمَةِ مِن وُجُوهٍ، وألْيَقُها بِهَذا المَوْضِعِ وجْهانِ الأوَّلُ: أنَّ كُلَّ عُلُوقٍ وإنْ كانَ مَخْلُوقًا بِواسِطَةِ الكَلِمَةِ وهي قَوْلُهُ: (كُنْ) إلّا أنَّ ما هو السَّبَبُ المُتَعارَفُ كانَ مَفْقُودًا في حَقِّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو الأبُ، فَلا جَرَمَ كانَ إضافَةُ حُدُوثِهِ إلى الكَلِمَةِ أكْمَلَ وأتَمَّ فَجُعِلَ بِهَذا التَّأْوِيلِ كَأنَّهُ نَفْسُ الكَلِمَةِ كَما أنَّ مَن غَلَبَ عَلَيْهِ الجُودُ والكَرَمُ والإقْبالُ يُقالُ فِيهِ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ إنَّهُ نَفْسُ الجُودِ، ومَحْضُ الكَرَمِ، وصَرِيحُ الإقْبالِ، فَكَذا هاهُنا.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ السُّلْطانَ العادِلَ قَدْ يُوصَفُ بِأنَّهُ ظِلُّ اللَّهِ في أرْضِهِ، وبِأنَّهُ نُورُ اللَّهِ لِما أنَّهُ سَبَبٌ لِظُهُورِ ظِلِّ العَدْلِ، ونُورِ الإحْسانِ، فَكَذَلِكَ كانَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَبَبًا لِظُهُورِ كَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِسَبَبِ كَثْرَةِ بَياناتِهِ وإزالَةِ الشُّبَهاتِ والتَّحْرِيفاتِ عَنْهُ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُسَمّى بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى هَذا التَّأْوِيلِ.

فَإنْ قِيلَ: ولِمَ قُلْتُمْ إنَّ حُدُوثَ الشَّخْصِ مِن غَيْرِ نُطْفَةِ الأبِ مُمْكِنٌ ؟ قُلْنا: أمّا عَلى أُصُولِ المُسْلِمِينَ فالأمْرُ فِيهِ ظاهِرٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ تَرْكِيبَ الأجْسامِ وتَأْلِيفَها عَلى وجْهٍ يَحْصُلُ فِيها الحَياةُ والفَهْمُ والنُّطْقُ أمْرٌ مُمْكِنٌ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى المُمْكِناتِ بِأسْرِها، وكانَ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرًا عَلى إيجادِ الشَّخْصِ، لا مِن نُطْفَةِ الأبِ، وإذا ثَبَتَ الإمْكانُ، ثُمَّ إنَّ المُعْجِزَ قامَ عَلى صِدْقِ النَّبِيِّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ صادِقًا، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِ ذَلِكَ المُمْكِنِ، والصّادِقُ إذا أخْبَرَ عَنْ وُقُوعِ المُمْكِنِ وجَبَ القَطْعُ بِكَوْنِهِ كَذَلِكَ، فَثَبَتَ صِحَّةُ ما ذَكَرْناهُ.

الثّانِي: ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] فَلَمّا لَمْ يَبْعُدْ تَخْلِيقُ آدَمَ مِن غَيْرِ أبٍ فَلَأنْ لا يَبْعُدَ تَخْلِيقُ عِيسى مِن غَيْرِ أبٍ كانَ أوْلى وهَذِهِ حُجَّةٌ ظاهِرَةٌ، وأمّا عَلى أُصُولِ الفَلاسِفَةِ فالأمْرُ في تَجْوِيزِهِ ظاهِرٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ الفَلاسِفَةَ اتَّفَقُوا عَلى

صفحة ٤٣

أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ حُدُوثُ الإنْسانِ عَلى سَبِيلِ التَّوالُدِ مِن غَيْرِ تَوَلُّدٍ قالُوا: لِأنَّ بَدَنَ الإنْسانِ إنَّما اسْتَعَدَّ لِقَبُولِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ الَّتِي تُدَبَّرُ بِواسِطَةِ حُصُولِ المِزاجِ المَخْصُوصِ في ذَلِكَ البَدَنِ، وذَلِكَ المِزاجُ إنَّما جُعِلَ لِامْتِزاجِ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ عَلى قَدْرٍ مُعَيَّنٍ في مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَحُصُولُ أجْزاءِ العَناصِرِ عَلى ذَلِكَ القَدْرِ الَّذِي يُناسِبُ بَدَنَ الإنْسانِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ وامْتِزاجُها غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، فامْتِزاجُها يَكُونُ عِنْدَ حُدُوثِ الكَيْفِيَّةِ المِزاجِيَّةِ واجِبًا، وعِنْدَ حُدُوثِ الكَيْفِيَّةِ المِزاجِيَّةِ يَكُونُ تَعَلُّقُ النَّفْسِ بِذَلِكَ البَدَنِ واجِبًا، فَثَبَتَ أنَّ حُدُوثَ الإنْسانِ عَلى سَبِيلِ التَّوَلُّدِ مَعْقُولٌ مُمْكِنٌ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَحُدُوثُ الإنْسانِ لا عَنِ الأبِ أوْلى بِالجَوازِ والإمْكانِ.

الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنّا نُشاهِدُ حُدُوثَ كَثِيرٍ مِنَ الحَيَواناتِ عَلى سَبِيلِ التَّوَلُّدِ، كَتَوَلُّدِ الفَأْرِ عَنِ المَدَرِ، والحَيّاتِ عَنِ الشَّعْرِ، والعَقارِبِ عَنِ الباذَرُوجِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَتَوَلُّدُ الوَلَدِ لا عَنِ الأبِ أوْلى أنْ لا يَكُونَ مُمْتَنِعًا.

الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّ التَّخَيُّلاتِ الذِّهْنِيَّةَ كَثِيرًا ما تَكُونُ أسْبابًا لِحُدُوثِ الحَوادِثِ الكَثِيرَةِ لَيْسَ أنَّ تَصَوُّرَ المُنافِي يُوجِبُ حُصُولَ كَيْفِيَّةِ الغَضَبِ، ويُوجِبُ حُصُولَ السُّخُونَةِ الشَّدِيدَةِ في البَدَنِ، ألَيْسَ اللَّوْحُ الطَّوِيلُ إذا كانَ مَوْضُوعًا عَلى الأرْضِ قَدَرَ الإنْسانُ عَلى المَشْيِ عَلَيْهِ ولَوْ جُعِلَ كالقَنْطَرَةِ عَلى وهْدَةٍ لَمْ يَقْدِرْ عَلى المَشْيِ عَلَيْهِ؟ بَلْ كُلَّما مَشى عَلَيْهِ يَسْقُطُ وما ذاكَ إلّا أنَّ تَصَوُّرَ السُّقُوطِ يُوجِبُ حُصُولَ السُّقُوطِ، وقَدْ ذَكَرُوا في كُتُبِ الفَلْسَفَةِ أمْثِلَةً كَثِيرَةً لِهَذا البابِ، وجَعَلُوها كالأصْلِ في بَيانِ جَوازِ المُعْجِزاتِ والكَراماتِ، فَما المانِعُ مِن أنْ يُقالَ إنَّهُ لَمّا تَخَيَّلَتْ صُورَتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَفى ذَلِكَ في عُلُوقِ الوَلَدِ في رَحِمِها، وإذا كانَ كُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ مُمْكِنًا مُحْتَمَلًا كانَ القَوْلُ بِحُدُوثِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن غَيْرِ واسِطَةِ الأبِ قَوْلًا غَيْرَ مُمْتَنِعٍ، ولَوْ أنَّكَ طالَبْتَ جَمِيعَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ مِن أرْبابِ الطَّبائِعِ والطِّبِّ والفَلْسَفَةِ عَلى إقامَةِ حُجَّةٍ إقْناعِيَّةٍ في امْتِناعِ حُدُوثِ الوَلَدِ مِن غَيْرِ الأبِ لَمْ يَجِدُوا إلَيْهِ سَبِيلًا إلّا الرُّجُوعَ إلى اسْتِقْراءِ العُرْفِ والعادَةِ، وقَدِ اتَّفَقَ عُلَماءُ الفَلاسِفَةِ عَلى أنَّ مِثْلَ هَذا الِاسْتِقْراءِ لا يُفِيدُ الظَّنَّ القَوِيَّ فَضْلًا عَنِ العِلْمِ، فَعَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُمْكِنٌ فَلَمّا أُخْبِرَ العِبادُ عَنْ وُقُوعِهِ وجَبَ الجَزْمُ بِهِ والقَطْعُ بِصِحَّتِهِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ فَلَفْظَةُ ”مِن“ لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ هاهُنا إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ اللَّهُ تَعالى مُتَجَزِّئًا مُتَبَعِّضًا مُتَحَمِّلًا لِلِاجْتِماعِ والِافْتِراقِ وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ وتَعالى اللَّهُ عَنْهُ، بَلِ المُرادُ مِن كَلِمَةِ ”مِن“ هاهُنا ابْتِداءُ الغايَةِ وذَلِكَ لِأنَّ في حَقِّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا لَمْ تَكُنْ واسِطَةُ الأبِ مَوْجُودَةً صارَ تَأْثِيرُ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى في تَكْوِينِهِ وتَخْلِيقِهِ أكْمَلَ وأظْهَرَ فَكانَ كَوْنُهُ كَلِمَةَ ”اللَّهِ“ مَبْدَأً لِظُهُورِهِ ولِحُدُوثِهِ أكْمَلَ فَكانَ المَعْنى لَفْظَ ما ذَكَرْناهُ لا ما يَتَوَهَّمُهُ النَّصارى والحُلُولِيَّةُ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: المَسِيحُ: هَلْ هو اسْمٌ مُشْتَقٌّ، أوْ مَوْضُوعٌ ؟ .

والجَوابُ: فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ واللَّيْثُ: أصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ مَشِيحًا، فَعَرَّبَتْهُ العَرَبُ وغَيَّرُوا لَفْظَهُ، وعِيسى: أصْلُهُ يَشُوعُ كَما قالُوا في مُوسى: أصْلُهُ مُوشى، أوْ مِيشا بِالعِبْرانِيَّةِ، وعَلى هَذا القَوْلِ لا يَكُونُ لَهُ اشْتِقاقٌ.

صفحة ٤٤

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ وعَلَيْهِ الأكْثَرُونَ، ثُمَّ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما سُمِّيَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَسِيحًا، لِأنَّهُ ما كانَ يَمْسَحُ بِيَدِهِ ذا عاهَةٍ إلّا بَرِئَ مِن مَرَضِهِ.

الثّانِي: قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: سُمِّيَ مَسِيحًا لِأنَّهُ كانَ يَمْسَحُ الأرْضَ أيْ يَقْطَعُها، ومِنهُ مِساحَةُ أقْسامِ الأرْضِ، وعَلى هَذا المَعْنى يَجُوزُ أنْ يُقالَ: لِعِيسى مَسِّيحٌ بِالتَّشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ فَسِّيقٌ وشَرِّيبٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ مَسِيحًا؛ لِأنَّهُ كانَ يَمْسَحُ رَأْسَ اليَتامى لِلَّهِ تَعالى، فَعَلى هَذِهِ الأقْوالِ: هو فَعِيلٌ بِمَعْنى: فاعِلٍ، كَرَحِيمٍ بِمَعْنى: راحِمٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُ مُسِحَ مِنَ الأوْزارِ والآثامِ.

والخامِسُ: سُمِّيَ مَسِيحًا لِأنَّهُ ما كانَ في قَدَمِهِ خَمْصٌ، فَكانَ مَمْسُوحَ القَدَمَيْنِ.

والسّادِسُ: سُمِّيَ مَسِيحًا؛ لِأنَّهُ كانَ مَمْسُوحًا بِدُهْنٍ طاهِرٍ مُبارَكٍ يُمْسَحُ بِهِ الأنْبِياءُ، ولا يُمْسَحُ بِهِ غَيْرُهم. ثُمَّ قالُوا: وهَذا الدُّهْنُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى جَعَلَهُ عَلامَةً حَتّى تَعْرِفَ المَلائِكَةُ أنَّ كُلَّ مَن مُسِحَ بِهِ وقْتَ الوِلادَةِ فَإنَّهُ يَكُونُ نَبِيًّا.

السّابِعُ: سُمِّيَ مَسِيحًا؛ لِأنَّهُ مَسَحَهُ جِبْرِيلُ ﷺ بِجَناحِهِ وقْتَ وِلادَتِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ صَوْنًا لَهُ عَنْ مَسِّ الشَّيْطانِ.

الثّامِنُ: سُمِّيَ مَسِيحًا؛ لِأنَّهُ خَرَجَ مِن بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ.

وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ يَكُونُ المَسِيحُ، بِمَعْنى: المَمْسُوحِ، فَعِيلٌ بِمَعْنى: مَفْعُولٍ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ المَسِيحُ: المَلَكُ.

وقالَ النَّخَعِيُّ: المَسِيحُ الصِّدِّيقُ واللَّهُ أعْلَمُ. ولَعَلَّهُما قالا ذَلِكَ مِن جِهَةِ كَوْنِهِ مَدْحًا لا لِدَلالَةِ اللُّغَةِ عَلَيْهِ.

وأمّا المَسِيحُ الدَّجّالُ فَإنَّما سُمِّيَ مَسِيحًا لِأحَدِ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: لِأنَّهُ مَمْسُوحُ أحَدِ العَيْنَيْنِ.

والثّانِي: أنَّهُ يَمْسَحُ الأرْضَ أيْ: يَقْطَعُها في المُدَّةِ القَلِيلَةِ، قالُوا: ولِهَذا قِيلَ لَهُ: دَجّالٌ لِضَرْبِهِ في الأرْضِ، وقَطْعِهِ أكْثَرَ نَواحِيها، يُقالُ: قَدْ دَجَلَ الدَّجّالُ إذا فَعَلَ ذَلِكَ، وقِيلَ: سُمِّيَ دَجّالًا مِن قَوْلِهِ: دَجَّلَ الرَّجُلُ إذا مَوَّهَ ولَبَّسَ.

السُّؤالُ الثّانِي: المَسِيحُ كانَ كاللَّقَبِ لَهُ، وعِيسى كالِاسْمِ فَلِمَ قُدِّمَ اللَّقَبُ عَلى الِاسْمِ ؟ .

الجَوابُ: أنَّ المَسِيحَ كاللَّقَبِ الَّذِي يُفِيدُ كَوْنَهُ شَرِيفًا رَفِيعَ الدَّرَجَةِ، مِثْلَ الصِّدِّيقِ والفارُوقِ فَذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا بِلَقَبِهِ لِيُفِيدَ عُلُوَّ دَرَجَتِهِ، ثُمَّ ذَكَرَهُ بِاسْمِهِ الخاصِّ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: لِمَ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ والخِطابُ مَعَ مَرْيَمَ ؟ .

الجَوابُ: لِأنَّ الأنْبِياءَ يُنْسَبُونَ إلى الآباءِ لا إلى الأُمَّهاتِ، فَلَمّا نَسَبَهُ اللَّهُ تَعالى إلى الأُمِّ دُونَ الأبِ، كانَ ذَلِكَ إعْلامًا لَها بِأنَّهُ مُحْدَثٌ بِغَيْرِ الأبِ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِزِيادَةِ فَضْلِهِ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِ.

السُّؤالُ الرّابِعُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: اسْمُهُ عائِدٌ إلى الكَلِمَةِ وهي مُؤَنَّثَةٌ فَلِمَ ذُكِّرَ الضَّمِيرُ ؟ .

الجَوابُ: لِأنَّ المُسَمّى بِها مُذَكَّرٌ.

السُّؤالُ الخامِسُ: لِمَ قالَ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، والِاسْمُ لَيْسَ إلّا عِيسى، وأمّا المَسِيحُ فَهو لَقَبٌ، وأمّا ابْنُ مَرْيَمَ فَهو صِفَةٌ ؟ .

الجَوابُ: الِاسْمُ عَلامَةُ المُسَمّى ومُعَرِّفٌ لَهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ هو مَجْمُوعُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى الوَجِيهِ: ذُو الجاهِ والشَّرَفِ والقَدْرِ، يُقالُ: وجُهَ الرَّجُلُ، يَوْجُهُ وجاهَةً فَهو وجِيهٌ، إذا صارَتْ لَهُ مَنزِلَةٌ رَفِيعَةٌ عِنْدَ النّاسِ والسُّلْطانِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: الوَجِيهُ: هو الكَرِيمُ؛ لِأنَّ أشْرَفَ

صفحة ٤٥

أعْضاءِ الإنْسانِ وجْهُهُ فَجُعِلَ الوَجْهُ اسْتِعارَةً عَنِ الكَرَمِ والكَمالِ.

واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ مُوسى ﷺ بِأنَّهُ كانَ وجِيهًا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] ثُمَّ لِلْمُفَسِّرِينَ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: قالَ الحَسَنُ: كانَ وجِيهًا في الدُّنْيا بِسَبَبِ النُّبُوَّةِ، وفي الآخِرَةِ بِسَبَبِ عُلُوِّ المَنزِلَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: أنَّهُ وجِيهٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وأمّا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَهو وجِيهٌ في الدُّنْيا بِسَبَبِ أنَّهُ يُسْتَجابُ دُعاؤُهُ، ويُحْيِي المَوْتى، ويُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِسَبَبِ دُعائِهِ، ووَجِيهٌ في الآخِرَةِ بِسَبَبِ أنَّهُ يَجْعَلُهُ شَفِيعَ أُمَّتِهِ المُحِقِّينَ ويَقْبَلُ شَفاعَتَهم فِيهِمْ كَما يَقْبَلُ شَفاعَةَ أكابِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ وجَّهَهُ في الدُّنْيا بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ مُبَرَّأً مِنَ العُيُوبِ الَّتِي وصَفَهُ اليَهُودُ بِها، ووَجِيهٌ في الآخِرَةِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ ثَوابِهِ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كانَ وجِيهًا في الدُّنْيا واليَهُودُ عامَلُوهُ بِما عامَلُوهُ ؟ قُلْنا: قَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى سَمّى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالوَجِيهِ مَعَ أنَّ اليَهُودَ طَعَنُوا فِيهِ، وآذَوْهُ إلى أنْ بَرَّأهُ اللَّهُ تَعالى مِمّا قالُوا، وذَلِكَ لَمْ يَقْدَحْ في وجاهَةِ مُوسى -عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَكَذا هاهُنا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: ”وجِيهًا“ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِهَذا الوَلَدِ وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والفَرّاءُ يُسَمِّي هَذا قَطْعًا كَأنَّهُ قالَ: عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ الوَجِيهُ فَقُطِعَ مِنهُ التَّعْرِيفُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٤٥] فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ ذَلِكَ كالمَدْحِ العَظِيمِ لِلْمَلائِكَةِ فَألْحَقَهُ بِمِثْلِ مَنزِلَتِهِمْ ودَرَجَتِهِمْ بِواسِطَةِ هَذِهِ الصِّفَةِ.

وثانِيها: أنَّ هَذا الوَصْفَ كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَيُرْفَعُ إلى السَّماءِ وتُصاحِبُهُ المَلائِكَةُ.

وثالِثُها: أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ وجِيهٍ في الآخِرَةِ يَكُونُ مُقَرَّبًا؛ لِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ عَلى مَنازِلَ ودَرَجاتٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] .

3:46Page 56

وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٤٦

He will speak to the people in the cradle and in maturity and will be of the righteous."

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى قَوْلِهِ: ”وجِيهًا“ والتَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قالَ: وجِيهًا ومُكَلِّمًا لِلنّاسِ وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ عَطْفَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى الِاسْمِيَّةِ غَيْرُ جائِزٍ إلّا لِلضَّرُورَةِ أوِ الفائِدَةِ، والأوْلى أنْ يُقالَ تَقْدِيرُ الآيَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٤٥]: الوَجِيهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ المَعْدُودُ مِنَ المُقَرَّبِينَ، وهَذا المَجْمُوعُ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في المَهْدِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ حِجْرُ أُمِّهِ.

والثّانِي: هو هَذا الشَّيْءُ المَعْرُوفُ الَّذِي هو مَضْجَعُ الصَّبِيِّ وقْتَ الرَّضاعِ، وكَيْفَ كانَ فالمُرادُ مِنهُ: فَإنَّهُ يُكَلِّمُ النّاسَ في الحالَةِ الَّتِي يَحْتاجُ الصَّبِيُّ فِيها إلى المَهْدِ، ولا يَخْتَلِفُ هَذا المَقْصُودُ سَواءٌ كانَ في حِجْرِ أُمِّهِ أوْ كانَ في المَهْدِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (وكَهْلًا) عُطِفَ عَلى الظَّرْفِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي المَهْدِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يُكَلِّمُ النّاسَ صَغِيرًا وكَهْلًا وهاهُنا سُؤالاتٌ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الكَهْلُ ؟ .

صفحة ٤٦

الجَوابُ: الكَهْلُ في اللُّغَةِ ما اجْتَمَعَ قُوَّتُهُ وكَمُلَ شَبابُهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ العَرَبِ اكْتَهَلَ النَّباتُ إذا قَوِيَ وتَمَّ قالَ الأعْشى:

يُضاحِكُ الشَّمْسَ مِنها كَوْكَبٌ شَرِقٌ مُؤَزَّرٌ بِعَمِيمِ النَّبْتِ مُكْتَهِلُ

أرادَ بِالمُكْتَهِلِ المُتَناهِي في الحُسْنِ والكَمالِ.

السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ تَكَلُّمَهُ حالَ كَوْنِهِ في المَهْدِ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَأمّا تَكَلُّمُهُ حالَ الكُهُولَةِ فَلَيْسَ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِهِ ؟ .

والجَوابُ: مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ بَيانُ كَوْنِهِ مُتَقَلِّبًا في الأحْوالِ مِنَ الصِّبا إلى الكُهُولَةِ، والتَّغَيُّرُ عَلى الإلَهِ تَعالى مُحالٌ، والمُرادُ مِنهُ الرَّدُّ عَلى وفْدِ نَجْرانَ في قَوْلِهِمْ: إنَّ عِيسى كانَ إلَهًا.

والثّانِي: المُرادُ مِنهُ أنْ يُكَلِّمَ النّاسَ مَرَّةً واحِدَةً في المَهْدِ لِإظْهارِ طَهارَةِ أُمِّهِ، ثُمَّ عِنْدَ الكُهُولَةِ يَتَكَلَّمُ بِالوَحْيِ والنُّبُوَّةِ. والثّالِثُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْناهُ أنَّهُ يُكَلِّمُ حالَ كَوْنِهِ في المَهْدِ، وحالَ كَوْنِهِ كَهْلًا عَلى حَدٍّ واحِدٍ وصِفَةٍ واحِدَةٍ وذَلِكَ لا شَكَّ أنَّهُ غايَةٌ في المُعْجِزِ. الرّابِعُ: قالَ الأصَمُّ: المُرادُ مِنهُ أنَّهُ يَبْلُغُ حالَ الكُهُولَةِ.

السُّؤالُ الثّالِثُ: نُقِلَ أنَّ عُمُرَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى أنْ رُفِعَ كانَ ثَلاثًا وثَلاثِينَ سَنَةً وسِتَّةَ أشْهُرٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَهو ما بَلَغَ الكُهُولَةَ.

والجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: بَيَّنّا أنَّ الكَهْلَ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الكامِلِ التّامِّ، وأكْمَلُ أحْوالِ الإنْسانِ إذا كانَ بَيْنَ الثَّلاثِينَ والأرْبَعِينَ فَصَحَّ وصْفُهُ بِكَوْنِهِ كَهْلًا في هَذا الوَقْتِ.

والثّانِي: هو قَوْلُ الحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ البَجَلِيِّ: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: (وكَهْلًا) أنْ يَكُونَ كَهْلًا بَعْدَ أنْ يَنْزِلَ مِنَ السَّماءِ في آخِرِ الزَّمانِ، ويُكَلِّمَ النّاسَ، ويَقْتُلَ الدَّجّالَ، قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: وفي هَذِهِ الآيَةِ نَصٌّ في أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَيَنْزِلُ إلى الأرْضِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنْكَرَتِ النَّصارى كَلامَ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في المَهْدِ، واحْتَجُّوا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِأنَّ كَلامَهُ في المَهْدِ مِن أعْجَبِ الأُمُورِ وأغْرَبِها، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ لَوْ وقَعَتْ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ وُقُوعُها في حُضُورِ الجَمْعِ العَظِيمِ الَّذِي يَحْصُلُ القَطْعُ واليَقِينُ بِقَوْلِهِمْ؛ لِأنَّ تَخْصِيصَ مِثْلِ هَذا المُعْجِزِ بِالواحِدِ والِاثْنَيْنِ لا يَجُوزُ، ومَتى حَدَثَتِ الواقِعَةُ العَجِيبَةُ جَدًّا عِنْدَ حُضُورِ الجَمْعِ العَظِيمِ فَلا بُدَّ وأنْ تَتَوَفَّرَ الدَّواعِي عَلى النَّقْلِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ بالِغًا حَدَّ التَّواتُرِ، وإخْفاءُ ما يَكُونُ بالِغًا إلى حَدِّ التَّواتُرِ مُمْتَنِعٌ، وأيْضًا فَلَوْ كانَ ذَلِكَ لَكانَ ذَلِكَ الإخْفاءُ هاهُنا مُمْتَنِعًا؛ لِأنَّ النَّصارى بالَغُوا في إفْراطِ مَحَبَّتِهِ إلى حَيْثُ قالُوا إنَّهُ كانَ إلَهًا، ومَن كانَ كَذَلِكَ يَمْتَنِعُ أنْ يَسْعى في إخْفاءِ مَناقِبِهِ وفَضائِلِهِ بَلْ رُبَّما يَجْعَلُ الواحِدَ ألْفًا، فَثَبَتَ أنْ لَوْ كانَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ مَوْجُودَةً لَكانَ أوْلى النّاسِ بِمَعْرِفَتِها النَّصارى، ولَمّا أطْبَقُوا عَلى إنْكارِها عَلِمْنا أنَّهُ ما كانَ مَوْجُودًا البَتَّةَ.

أجابَ المُتَكَلِّمُونَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، وقالُوا: إنَّ كَلامَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في المَهْدِ إنَّما كانَ لِلدَّلالَةِ عَلى بَراءَةِ حالِ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - مِنَ الفاحِشَةِ، وكانَ الحاضِرُونَ جَمْعًا قَلِيلِينَ، فالسّامِعُونَ لِذَلِكَ الكَلامِ، كانَ جَمْعًا قَلِيلًا، ولا يَبْعُدُ في مِثْلِهِ التَّواطُؤُ عَلى الإخْفاءِ، وبِتَقْدِيرِ: أنْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ إلّا أنَّ اليَهُودَ كانُوا يُكَذِّبُونَهم في ذَلِكَ ويَنْسُبُونَهم إلى البُهْتِ، فَهم أيْضًا قَدْ سَكَتُوا لِهَذِهِ العِلَّةِ فَلِأجْلِ هَذِهِ الأسْبابِ بَقِيَ الأمْرُ

صفحة ٤٧

مَكْتُومًا مَخْفِيًّا إلى أنْ أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُحَمَّدًا ﷺ بِذَلِكَ، وأيْضًا فَلَيْسَ كُلُّ النَّصارى يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، فَإنَّهُ نُقِلَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ: لَمّا قَرَأ عَلى النَّجاشِيِّ سُورَةَ مَرْيَمَ، قالَ النَّجاشِيُّ: لا تَفاوُتَ بَيْنَ واقِعَةِ عِيسى، وبَيْنَ المَذْكُورِ في هَذا الكَلامِ بِذَرَّةٍ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: كَوْنُ عِيسى كَلِمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، وكَوْنُهُ ﴿وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ وكَوْنُهُ مِنَ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وكَوْنُهُ مُكَلِّمًا لِلنّاسِ في المَهْدِ وفي الكُهُولَةِ، كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ أعْظَمُ وأشْرَفُ مِن كَوْنِهِ صالِحًا، فَلِمَ خَتَمَ اللَّهُ تَعالى أوْصافَ عِيسى بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ ؟ .

قُلْنا: إنَّهُ لا رُتْبَةَ أعْظَمُ مِن كَوْنِ المَرْءِ صالِحًا؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا ويَكُونُ في جَمِيعِ الأفْعالِ والتُّرُوكِ مُواظِبًا عَلى النَّهْجِ الأصْلَحِ، والطَّرِيقِ الأكْمَلِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَقاماتِ في الدُّنْيا والدِّينِ في أفْعالِ القُلُوبِ، وفي أفْعالِ الجَوارِحِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ التَّفاصِيلِ أرْدَفَهُ بِهَذا الكَلامِ الَّذِي يَدُلُّ عَلى أرْفَعِ الدَّرَجاتِ.

3:47–48Page 56

قَالَتۡ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٧

She said, "My Lord, how will I have a child when no man has touched me?" [The angel] said, "Such is Allāh; He creates what He wills. When He decrees a matter, He only says to it, 'Be,' and it is.

وَيُعَلِّمُهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ ٤٨

And He will teach him writing and wisdom1 and the Torah and the Gospel

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾

قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّها إنَّما قالَتْ ذَلِكَ لِأنَّ التَّبْشِيرَ بِهِ يَقْتَضِي التَّعَجُّبَ مِمّا وقَعَ عَلى خِلافِ العادَةِ، وقَدْ قَرَّرْنا مِثْلَهُ في قِصَّةِ زَكَرِيّا - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وقَوْلُهُ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ ”ويُعَلِّمُهُ“ بِالياءِ والباقُونَ بِالنُّونِ، أمّا الياءُ فَعُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: (ما يَشاءُ) وقالَ المُبَرِّدُ: عُطِفَ عَلى يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ، وكَذا وكَذا ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ﴾ ومَن قَرَأ بِالنُّونِ قالَ تَقْدِيرُ الآيَةِ أنَّها: قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ فَقالَ لَها اللَّهُ: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَهَذا وإنْ كانَ إخْبارًا عَلى وجْهِ المُغايَبَةِ، فَقالَ ”ونُعَلِّمُهُ“؛ لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ مَعْناهُ: كَذَلِكَ نَحْنُ نَخْلُقُ ما نَشاءُ ”ونُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ“ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ أُمُورٌ أرْبَعَةٌ مَعْطُوفٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ بِواوِ العَطْفِ، والأقْرَبُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنَ الكِتابِ تَعْلِيمُ الخَطِّ والكِتابَةِ، ثُمَّ المُرادُ بِالحِكْمَةِ تَعْلِيمُ العُلُومِ وتَهْذِيبُ الأخْلاقِ؛ لِأنَّ كَمالَ الإنْسانِ في أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ لِذاتِهِ، والخَيْرَ لِأجْلِ العَمَلِ بِهِ، ومَجْمُوعُهُما هو المُسَمّى بِالحِكْمَةِ، ثُمَّ بَعْدَ أنْ صارَ

صفحة ٤٨

عالِمًا بِالخَطِّ والكِتابَةِ، ومُحِيطًا بِالعُلُومِ العَقْلِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ، يُعَلِّمُهُ التَّوْراةَ، وإنَّما أُخِّرَ تَعْلِيمُ التَّوْراةِ عَنْ تَعْلِيمِ الخَطِّ والحِكْمَةِ؛ لِأنَّ التَّوْراةَ كِتابٌ إلَهِيٌّ، وفِيهِ أسْرارٌ عَظِيمَةٌ، والإنْسانُ ما لَمْ يَتَعَلَّمِ العُلُومَ الكَثِيرَةَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَخُوضَ في البَحْثِ عَلى أسْرارِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، ثُمَّ قالَ في المَرْتَبَةِ الرّابِعَةِ ”والإنْجِيلَ“ وإنَّما أُخِّرَ ذِكْرُ الإنْجِيلِ عَنْ ذِكْرِ التَّوْراةِ؛ لِأنَّ مَن تَعَلَّمَ الخَطَّ، ثُمَّ تَعَلَّمَ عُلُومَ الحَقِّ، ثُمَّ أحاطَ بِأسْرارِ الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ فَقَدْ عَظُمَتْ دَرَجَتُهُ في العِلْمِ فَإذا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ كِتابًا آخَرَ وأوْقَفَهُ عَلى أسْرارِهِ فَذَلِكَ هو الغايَةُ القُصْوى، والمَرْتَبَةُ العُلْيا في العِلْمِ والفَهْمِ والإحاطَةِ بِالأسْرارِ العَقْلِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ، والِاطْلاعِ عَلى الحِكَمِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ، فَهَذا ما عِنْدِي في تَرْتِيبِ هَذِهِ الألْفاظِ الأرْبَعَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском