Ar-RaziAr‑Rum · 30:24–32

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Ar-Rum 30:24–32

30:24–25Page 406

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَيُحۡيِۦ بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٢٤

And of His signs is [that] He shows you the lightning [causing] fear and aspiration, and He sends down rain from the sky by which He brings to life the earth after its lifelessness. Indeed in that are signs for a people who use reason.

وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ بِأَمۡرِهِۦۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمۡ دَعۡوَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ إِذَآ أَنتُمۡ تَخۡرُجُونَ ٢٥

And of His signs is that the heaven and earth stand [i.e., remain] by His command. Then when He calls you with a [single] call from the earth, immediately you will come forth.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .

لَمّا ذَكَرَ العَرَضِيّاتِ الَّتِي لِلْأنْفُسِ اللّازِمَةِ والمُفارِقَةِ ذَكَرَ العَرَضِيّاتِ الَّتِي لِلْآفاقِ، وقالَ: ﴿يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ﴾ . وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لَمّا قَدَّمَ دَلائِلَ الأنْفُسِ هاهُنا قَدَّمَ العَرَضِيّاتِ الَّتِي لِلْأنْفُسِ وأخَّرَ العَرَضِيّاتِ الَّتِي لِلْآفاقِ، كَما أخَّرَ دَلائِلَ الآفاقِ، بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدَّمَ لَوازِمَ الأنْفُسِ عَلى العَوارِضِ المُفارِقَةِ حَيْثُ ذَكَرَ أوَّلًا اخْتِلافَ الألْسِنَةِ والألْوانِ ثُمَّ

صفحة ١٠٠

المَنامَ والِابْتِغاءَ، وقَدَّمَ في الآفاقِ العَوارِضَ المُفارِقَةَ عَلى اللَّوازِمِ حَيْثُ قالَ: ﴿يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا ويُنَزِّلُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ مُتَغَيِّرُ الحالِ، والعَوارِضُ لَهُ غَيْرُ بَعِيدَةٍ، وأمّا اللَّوازِمُ فِيهِ فَقَرِيبَةٌ. وأمّا السَّماواتُ والأرْضُ فَقَلِيلَةُ التَّغَيُّرِ، فالعَوارِضُ فِيها أغْرَبُ مِنَ اللَّوازِمِ، فَقَدَّمَ ما هو أعْجَبُ لِكَوْنِهِ أدْخَلَ في كَوْنِهِ آيَةً. ونَزِيدُهُ بَيانًا فَنَقُولُ: الإنْسانُ يَتَغَيَّرُ حالُهُ بِالكِبَرِ والصِّغَرِ والصِّحَّةِ والسَّقَمِ ولَهُ صَوْتٌ يُعْرَفُ بِهِ لا يَتَغَيَّرُ ولَهُ لَوْنٌ يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ، وهو يَتَغَيَّرُ في الأحْوالِ وذَلِكَ لا يَتَغَيَّرُ وهو آيَةٌ عَجِيبَةٌ، والسَّماءُ والأرْضُ ثابِتانِ لا يَتَغَيَّرانِ، ثُمَّ يُرى في بَعْضِ الأحْوالِ أمْطارٌ هاطِلَةٌ وبُرُوقٌ هائِلَةٌ، والسَّماءُ كَما كانَتْ والأرْضُ كَذَلِكَ، فَهو آيَةٌ دالَّةٌ عَلى فاعِلٍ مُخْتارٍ يُدِيمُ أمْرًا مَعَ تَغَيُّرِ المَحَلِّ ويُزِيلُ أمْرًا مَعَ ثَباتِ المَحَلِّ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: كَما قَدَّمَ السَّماءَ عَلى الأرْضِ قَدَّمَ ما هو مِنَ السَّماءِ وهو البَرْقُ والمَطَرُ عَلى ما هو مِنَ الأرْضِ وهو الإنْباتُ والإحْياءُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: كَما أنَّ في إنْزالِ المَطَرِ وإنْباتِ الشَّجَرِ مَنافِعَ، كَذَلِكَ في تَقَدُّمِ البَرْقِ والرَّعْدِ عَلى المَطَرِ مَنفَعَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ البَرْقَ إذا لاحَ، فالَّذِي لا يَكُونُ تَحْتَ كِنٍّ يَخافُ الِابْتِلالَ فَيَسْتَعِدُّ لَهُ، والَّذِي لَهُ صِهْرِيجٌ أوْ مَصْنَعٌ يَحْتاجُ إلى الماءِ أوْ زَرْعٌ يُسَوِّي مَجارِيَ الماءِ، وأيْضًا العَرَبُ مِن أهْلِ البَوادِي فَلا يَعْلَمُونَ البِلادَ المُعْشِبَةَ إنْ لَمْ يَكُونُوا قَدْ رَأوُا البُرُوقَ اللّائِحَةَ مِن جانِبٍ دُونَ جانِبٍ، واعْلَمْ أنَّ فَوائِدَ البَرْقِ وإنْ لَمْ تَظْهَرْ لِلْمُقِيمِينَ بِالبِلادِ فَهي ظاهِرَةٌ لِلْبادِينَ؛ ولِهَذا جَعَلَ تَقْدِيمَ البَرْقِ عَلى تَنْزِيلِ الماءِ مِنَ السَّماءِ نِعْمَةً وآيَةً، وأمّا كَوْنُهُ آيَةً فَظاهِرٌ فَإنَّ في السَّحابِ لَيْسَ إلّا ماءً وهَواءً، وخُرُوجُ النّارِ مِنها بِحَيْثُ تَحْرِقُ الجِبالَ في غايَةِ البُعْدِ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن خالِقٍ هو اللَّهُ، قالَتِ الفَلاسِفَةُ: السَّحابُ فِيهِ كَثافَةٌ ولَطافَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الهَواءِ والماءِ. فالهَواءُ ألْطَفُ مِنهُ والماءُ أكْثَفُ فَإذا هَبَّتْ رِيحٌ قَوِيَّةٌ تَخْرِقُ السَّحابَ بِعُنْفٍ فَيَحْدُثُ صَوْتُ الرَّعْدِ ويَخْرُجُ مِنهُ النّارُ كَمِساسِ جِسْمٍ جِسْمًا بِعُنْفٍ، وهَذا كَما أنَّ النّارَ تَخْرُجُ مِن وُقُوعِ الحَجَرِ عَلى الحَدِيدِ فَإنْ قالَ قائِلٌ: الحَجَرُ والحَدِيدُ جِسْمانِ صَلْبانِ، والسَّحابُ والرِّيحُ جِسْمانِ رَطْبانِ، فَيَقُولُونَ لَكِنْ حَرَكَةُ يَدِ الإنْسانِ ضَعِيفَةٌ، وحَرَكَةُ الرِّيحِ قَوِيَّةٌ تَقْلَعُ الأشْجارَ، فَنَقُولُ لَهُمُ: البَرْقُ والرَّعْدُ أمْرانِ حادِثانِ لا بُدَّ لَهُما مِن سَبَبٍ، وقَدْ عُلِمَ بِالبُرْهانِ كَوْنُ كُلِّ حادِثٍ مِنَ اللَّهِ فَهُما مِنَ اللَّهِ، ثُمَّ إنّا نَقُولُ هَبْ أنَّ الأمْرَ كَما تَقُولُونَ، فَهُبُوبُ تِلْكَ الرِّيحِ القَوِيَّةِ مِنَ الأُمُورِ الحادِثَةِ العَجِيبَةِ، لا بُدَّ لَهُ مَن سَبَبٍ ويَنْتَهِي إلى واجِبِ الوُجُودِ، فَهو آيَةٌ لِلْعاقِلِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ كَيْفَما فَرَضْتُمْ ذَلِكَ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ هاهُنا: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ لَمّا كانَ حُدُوثُ الوَلَدِ مِنَ الوالِدِ أمْرًا عادِيًّا مُطَّرِدًا قَلِيلَ الِاخْتِلافِ كانَ يَتَطَرَّقُ إلى الأوْهامِ العامِّيَّةِ أنَّ ذَلِكَ بِالطَّبِيعَةِ؛ لِأنَّ المُطَّرِدَ أقْرَبُ إلى الطَّبِيعَةِ مِنَ المُخْتَلِفِ، لَكِنَّ البَرْقَ والمَطَرَ لَيْسَ أمْرًا مُطَّرِدًا غَيْرَ مُتَخَلِّفٍ إذْ يَقَعُ بِبَلْدَةٍ دُونَ بَلْدَةٍ وفي وقْتٍ دُونَ وقْتٍ وتارَةً تَكُونُ قَوِيَّةً وتارَةً تَكُونُ ضَعِيفَةً، فَهو أظْهَرُ في العَقْلِ دَلالَةً عَلى الفاعِلِ المُخْتارِ، فَقالَ هو آيَةٌ لِمَن لَهُ عَقْلٌ إنْ لَمْ يَتَفَكَّرْ تَفَكُّرًا تامًّا.

* *

صفحة ١٠١

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾

لَمّا ذَكَرَ مِنَ العَوارِضِ الَّتِي لِلسَّماءِ والأرْضِ بَعْضَها، ذَكَرَ مِن لَوازِمِها البَعْضَ وهي قِيامُها، فَإنَّ الأرْضَ لِثِقَلِها يَتَعَجَّبُ الإنْسانُ مِن وُقُوفِها وعَدَمِ نُزُولِها، وكَوْنُ السَّماءِ يَتَعَجَّبُ مِن عُلُوِّها وثَباتِها مِن غَيْرِ عَمَدٍ، وهَذا مِنَ اللَّوازِمِ، فَإنَّ الأرْضَ لا تَخْرُجُ عَنْ مَكانِها الَّذِي هي فِيهِ، والسَّماءُ كَذَلِكَ لا تَخْرُجُ عَنْ مَكانِها الَّذِي هي فِيهِ، فَإنْ قِيلَ إنَّها تَتَحَرَّكُ في مَكانِها كالرَّحى ولَكِنِ اتَّفَقَ العُقَلاءُ عَلى أنَّها في مَكانِها لا تَخْرُجُ عَنْهُ، وهَذِهِ آيَةٌ ظاهِرَةٌ؛ لِأنَّ كَوْنَهُما في المَوْضِعِ الَّذِي هُما فِيهِ وعَلى المَوْضِعِ الَّذِي هُما عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ المُمْكِنَةِ، وكَوْنُهُما في غَيْرِ ذَلِكَ المَوْضِعِ جائِزٌ، فَكانَ يُمْكِنُ أنْ يَخْرُجا مِنهُ فَلَمّا لَمْ يَخْرُجا كانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لِلْجائِزِ عَلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِفاعِلٍ مُخْتارٍ، والفَلاسِفَةُ قالُوا: كَوْنُ الأرْضِ في المَكانِ الَّذِي هي فِيهِ طَبِيعِيٌّ لَها؛ لِأنَّها أثْقَلُ الأشْياءِ، والثَّقِيلُ يَطْلُبُ المَرْكَزَ، والخَفِيفُ يَطْلُبُ المُحِيطَ، والسَّماءُ كَوْنُها في مَكانِها إنْ كانَتْ ذاتَ مَكانِ فَلَذاتِها فَقِيامُهُما فِيهِما بِطَبْعِهِما، فَنَقُولُ: قَدْ تَقَدَّمَ مِرارًا أنَّ القَوْلَ بِالطَّبِيعَةِ باطِلٌ، والَّذِي نَزِيدُهُ هاهُنا أنَّكم وافَقْتُمُونا بِأنَّ ما جازَ عَلى أحَدِ المِثْلَيْنِ جازَ عَلى المِثْلِ الآخَرِ، لَكِنَّ مُقَعَّرَ الفَلَكِ لا يُخالِفُ مُحَدَّبَهُ في الطَّبْعِ، فَيَجُوزُ حُصُولُ مُقَعَّرِهِ في مَوْضِعِ مُحَدَّبِهِ، وذَلِكَ بِالخُرُوجِ والزَّوالِ، فَإذَنِ الزَّوالُ عَنِ المَكانِ مُمْكِنٌ لا سِيَّما عَلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَإنَّها مُحَدَّدَةُ الجِهاتِ عَلى مَذْهَبِكم أيْضًا، والأرْضُ كانَتْ تَجُوزُ عَلَيْها الحَرَكَةُ الدَّوْرِيَّةُ، كَما تَقُولُونَ عَلى السَّماءِ، فَعَدَمُها وسُكُونُها لَيْسَ إلّا بِفاعِلٍ مُخْتارٍ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرَ اللَّهُ مِن كُلِّ بابٍ أمْرَيْنِ، أمّا مِنَ الأنْفُسِ فَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ اسْتَدَلَّ بِخَلْقِ الزَّوْجَيْنِ ومِنَ الآفاقِ السَّماءُ والأرْضُ في قَوْلِهِ: ﴿خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ومِن لَوازِمَ الإنْسانِ اخْتِلافُ اللِّسانِ واخْتِلافُ الألْوانِ، ومِن عَوارِضِهِ المَنامُ والِابْتِغاءُ، ومِن عَوارِضِ الآفاقِ البُرُوقُ والأمْطارُ ومِن لَوازِمِها قِيامُ السَّماءِ وقِيامُ الأرْضِ؛ لِأنَّ الواحِدَ يَكْفِي لِإقْرارٍ بِالحَقِّ والثّانِي: يُفِيدُ الظَّنَّ، وقَوْلُ الآخَرِ يُفِيدُ تَأْكِيدَهُ؛ ولِهَذا قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِأمْرِهِ﴾ أيْ بِقَوْلِهِ: (قَوْمًا) أوْ بِإرادَتِهِ قِيامَهُما، وذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ مُوافِقٌ لِلْإرادَةِ، وعِنْدَنا لَيْسَ كَذَلِكَ ولَكِنَّ النِّزاعَ في الأمْرِ الَّذِي لِلتَّكْلِيفِ لا في الأمْرِ الَّذِي لِلتَّكْوِينِ، فَإنّا لا نُنازِعُهم في أنَّ قَوْلَهُ: (كُنْ) وكُونُوا ﴿يانارُ كُونِي﴾ [الأنْبِياءِ: ٦٩] مُوافِقٌ لِلْإرادَةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ هاهُنا: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ﴾ وقالَ قَبْلَهُ: ﴿ومِن آياتِهِ يُرِيكُمُ﴾ ولَمْ يَقُلْ أنْ يُرِيَكم، وإنْ قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إنَّ أنْ مُضْمَرَةٌ هُناكَ مَعْناهُ مِن آياتِهِ (أنْ يُرِيَكم) لِيَصِيرَ كالمَصْدَرِ بِأنْ، وذَلِكَ لِأنَّ القِيامَ لَمّا كانَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ أخْرَجَ الفِعْلَ بِأنَّ عَنِ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ، وجَعَلَهُ مَصْدَرًا؛ لِأنَّ المُسْتَقْبَلَ يُنْبِئُ عَنِ التَّجَدُّدِ، وفي البَرْقِ لَمّا كانَ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَتَجَدَّدُ في زَمانٍ دُونَ زَمانٍ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ، ولَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ شَيْئًا مِنَ الحُرُوفِ المَصْدَرِيَّةِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرَ سِتَّةَ دَلائِلَ، وذَكَرَ في أرْبَعَةٍ مِنها إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ، ولَمْ يَذْكُرْ في الأوَّلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ ولا في الآخَرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ﴾ أمّا في الأوَّلِ فَلِأنَّ قَوْلَهُ بَعْدَهُ: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾ أيْضًا دَلِيلُ الأنْفُسِ، فَخَلْقُ الأنْفُسِ وخَلْقُ الأزْواجِ مِن بابٍ واحِدٍ،

صفحة ١٠٢

عَلى ما بَيَّنّا، غَيْرَ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِن كُلِّ بابٍ أمْرَيْنِ لِلتَّقْرِيرِ بِالتَّكْرِيرِ، فَإذا قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ كانَ عائِدًا إلَيْهِما، وأمّا في قِيامِ السَّماءِ والأرْضِ فَنَقُولُ في الآياتِ السَّماوِيَّةِ ذَكَرَ أنَّها آياتٌ لِلْعالِمِينَ، ولِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ لِظُهُورِها، فَلَمّا كانَ في أوَّلِ الأمْرِ ظاهِرًا فَفي آخِرِ الأمْرِ بَعْدَ سَرْدِ الدَّلائِلِ يَكُونُ أظْهَرَ، فَلَمْ يُمَيِّزْ أحَدًا عَنْ أحَدٍ في ذَلِكَ، وذَكَرَ ما هو مَدْلُولُهُ وهو قُدْرَتُهُ عَلى الإعادَةِ، وقالَ: ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ وفِيها مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ما وجْهُ العَطْفِ بِثُمَّ، وبِمَ تَعَلُّقُ ثُمَّ ؟ فَنَقُولُ مَعْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ إنَّهُ تَعالى إذا بَيَّنَ لَكم كَمالَ قُدْرَتِهِ بِهَذِهِ الآياتِ بَعْدَ ذَلِكَ يُخْبِرُكم، ويُعْلِمُكم أنَّهُ إذا قالَ لِلْعِظامِ الرَّمِيمَةِ اخْرُجُوا مِنَ الأجْداثِ يَخْرُجُونَ أحْياءً.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُ القائِلِ دَعا فُلانٌ فُلانًا مِنَ الجَبَلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الدُّعاءُ مِنَ الجَبَلِ، كَما يَقُولُ القائِلُ يا فُلانُ اصْعَدْ إلى الجَبَلِ، فَيُقالُ دَعاهُ مِنَ الجَبَلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَدْعُوُّ يُدْعى مِنَ الجَبَلِ كَما يَقُولُ القائِلُ يا فُلانُ انْزِلْ مِنَ الجَبَلِ، فَيُقالُ دَعاهُ مِنَ الجَبَلِ، ولا يَخْفى عَلى العاقِلِ أنَّ الدُّعاءَ لا يَكُونُ مِنَ الأرْضِ إذا كانَ الدّاعِي هو اللَّهُ، فالمَدْعُوُّ يُدْعى مِنَ الأرْضِ يَعْنِي أنْتُمْ تَكُونُونَ في الأرْضِ فَيَدْعُوكم مِنها فَتَخْرُجُونَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا أنْتُمْ﴾ قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لِلْمُفاجَأةِ يَعْنِي يَكُونُ ذَلِكَ بِكُنْ فَيَكُونُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ هاهُنا إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ، وقالَ في خَلْقِ الإنْسانِ أوَّلًا: ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ فَنَقُولُ هُناكَ يَكُونُ خَلْقٌ وتَقْدِيرٌ وتَدْرِيجٌ وتَراخٍ حَتّى يَصِيرَ التُّرابُ قابِلًا لِلْحَياةِ، فَيَنْفُخُ فِيهِ رُوحَهُ، فَإذا هو بَشَرٌ، وأمّا في الإعادَةِ لا يَكُونُ تَدْرِيجٌ وتَراخٍ بَلْ يَكُونُ نِداءٌ وخُرُوجٌ، فَلَمْ يَقُلْ هاهُنا ثُمَّ.

30:26–27Page 407

وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ ٢٦

And to Him belongs whoever is in the heavens and earth. All are to Him devoutly obedient.

وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٧

And it is He who begins creation; then He repeats it, and that is [even] easier for Him. To Him belongs the highest description [i.e., attribute] in the heavens and earth. And He is the Exalted in Might, the Wise.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾

لَمّا ذَكَرَ الآياتِ وكانَ مَدْلُولُها القُدْرَةَ عَلى الحَشْرِ الَّتِي هي الأصْلُ الآخَرُ، والوَحْدانِيَّةُ الَّتِي هي الأصْلُ الأوَّلِ، أشارَ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَعْنِي لا شَرِيكَ لَهُ أصْلًا؛ لِأنَّ كُلَّ مَن في السَّماواتِ وكُلَّ مَن في الأرْضِ لَهُ ومِلْكُهُ، فَكُلٌّ لَهُ مُنْقادُونَ قانِتُونَ، والشَّرِيكُ يَكُونُ مُنازِعًا مُماثِلًا، فَلا شَرِيكَ لَهُ أصْلًا، ثُمَّ ذَكَرَ المَدْلُولَ الآخَرَ، فَقالَ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أيْ في نَظَرِكُمُ الإعادَةُ أهْوَنُ مِنَ الإبْداءِ لِأنَّ مَن يَفْعَلُ فِعْلًا أوَّلًا يَصْعُبُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إذا فَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ مِثْلَهُ يَكُونُ أهْوَنَ، وقِيلَ المُرادُ هو هَيِّنٌ عَلَيْهِ كَما قِيلَ في قَوْلِ القائِلِ: اللَّهُ أكْبَرُ أيْ كَبِيرٌ، وقِيلَ المُرادُ هو أهْوَنُ عَلَيْهِ أيِ الإعادَةُ أهْوَنُ عَلى الخالِقِ مِن الِابْتِداءِ؛ لِأنَّ في البَدْءِ يَكُونُ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ لَحْمًا ثُمَّ عَظْمًا ثُمَّ يُخْلَقُ بَشَرًا ثُمَّ يَخْرُجُ طِفْلًا يَتَرَعْرَعُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَيَصْعُبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كُلُّهُ، وأمّا في الإعادَةِ فَيَخْرُجُ

صفحة ١٠٣

بَشَرًا سَوِيًّا بِكُنْ فَيَكُونُ أهْوَنَ عَلَيْهِ، والوَجْهُ الأوَّلُ أصَحُّ وعَلَيْهِ نَتَكَلَّمُ فَنَقُولُ: هو أهْوَنُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ في البَدْءِ خَلْقَ الأجْزاءِ وتَأْلِيفَها، والإعادَةُ تَأْلِيفٌ، ولا شَكَّ أنَّ الأمْرَ الواحِدَ أهْوَنُ مِن أمْرَيْنِ، ولا يَلْزَمُ مِن هَذا أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ فِيهِ صُعُوبَةٌ، ولِنُبَيِّنَ هَذا فَنَقُولُ: الهَيِّنُ هو ما لا يَتْعَبُ فِيهِ الفاعِلُ، والأهْوَنُ ما لا يَتْعَبُ فِيهِ الفاعِلُ بِالطَّرِيقِ الأُولى، فَإذا قالَ قائِلٌ إنَّ الرَّجُلَ القَوِيَّ لا يَتْعَبُ مِن نَقْلِ شَعِيرَةٍ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ، وسَلَّمَ السّامِعُ لَهُ ذَلِكَ، فَإذا قالَ فَكَوْنُهُ لا يَتْعَبُ مِن نَقْلِ خَرْدَلَةٍ يَكُونُ ذَلِكَ كَلامًا مَعْقُولًا مُبْقِي عَلى حَقِيقَتِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيْ قَوْلُنا هو أهْوَنُ عَلَيْهِ يُفْهَمُ مِنهُ أمْرانِ. أحَدُهُما: هو ما يَكُونُ في الآخَرِ تَعَبٌ كَما يُقالُ إنَّ نَقْلَ الخَفِيفِ أهْوَنُ مِن نَقْلِ الثَّقِيلِ.

والآخَرُ: هو ما ذَكَرْنا مِنَ الأوْلَوِيَّةِ مِن غَيْرِ لُزُومِ تَعَبٍ في الآخَرِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ كَوْنَهُ أهْوَنَ بِالمَعْنى الثّانِي لا يُفْهَمُ مِنهُ الأوَّلُ، وهاهُنا فائِدَةٌ ذَكَرَها صاحِبُ ”الكَشّافِ“ وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩] وقالَ هاهُنا: وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ فَقَدَّمَ هُناكَ كَلِمَةَ عَلَيَّ وأخَّرَها هُنا، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْنى الَّذِي قالَ هُناكَ إنَّهُ هَيِّنٌ هو خَلْقُ الوَلَدِ مِنَ العَجُوزِ، وأنَّهُ صَعْبٌ عَلى غَيْرِهِ ولَيْسَ بِهَيِّنٍ إلّا عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٩] يَعْنِي لا عَلى غَيْرِي، وأمّا هاهُنا المَعْنى الَّذِي ذُكِرَ أنَّهُ أهْوَنُ هو الإعادَةُ، والإعادَةُ عَلى كُلِّ مُبْدِئٍ أهْوَنُ، فَقالَ: وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ لا عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ، فالتَّقْدِيمُ هُناكَ كانَ لِلْحَصْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ وهو قَوْلُنا أهْوَنُ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْكم لَهُ مَعْنًى، وعَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ لَهُ مَعْنًى، أمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَلَمّا قالَ: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ وكانَ ذَلِكَ مَثَلًا مَضْرُوبًا لِمَن في الأرْضِ مِنَ النّاسِ، فَيُفِيدُ ذَلِكَ أنَّ لَهُ المَثَلَ الأعْلى مِن أمْثِلَةِ النّاسِ وهم أهْلُ الأرْضِ ولا يُفِيدُ أنَّ لَهُ المَثَلَ الأعْلى مِن أمْثِلَةِ المَلائِكَةِ فَقالَ: ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَعْنِي هَذا مَثَلٌ مَضْرُوبٌ لَكم ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ مِن هَذا المَثَلِ ومِن كُلِّ مَثَلٍ يُضْرَبُ في السَّماواتِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فَمَعْناهُ أنَّ لَهُ المَثَلَ الأعْلى أيْ فِعْلَهُ وإنْ شَبَّهَهُ بِفِعْلِكم ومَثَّلَهُ بِهِ، لَكِنَّ ذاتَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فَلَهُ المَثَلُ الأعْلى وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وقِيلَ: المَثَلُ الأعْلى أيِ الصِّفَةُ العُلْيا وهي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيْ كامِلُ القُدْرَةِ عَلى المُمْكِناتِ، شامِلُ العِلْمِ بِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ، فَيَعْلَمُ الأجْزاءَ في الأمْكِنَةِ ويَقْدِرُ عَلى جَمْعِها وتَأْلِيفِها.

30:28Page 407

ضَرَبَ لَكُم مَّثَلٗا مِّنۡ أَنفُسِكُمۡۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ فَأَنتُمۡ فِيهِ سَوَآءٞ تَخَافُونَهُمۡ كَخِيفَتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٢٨

He presents to you an example from yourselves. Do you have among those whom your right hands possess [i.e., slaves] any partners in what We have provided for you so that you are equal therein [and] would fear them as your fear of one another [within a partnership]?1 Thus do We detail the verses for a people who use reason.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسَكم كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾

لَمّا بَيَّنَ الإعادَةَ والقُدْرَةَ عَلَيْها بِالمَثَلِ بَعْدَ الدَّلِيلَيْنِ، بَيَّنَ الوَحْدانِيَّةَ أيْضًا بِالمَثَلِ بَعْدَ الدَّلِيلِ، ومَعْناهُ أنْ يَكُونَ لَهُ مَمْلُوكٌ لا يَكُونُ شَرِيكًا لَهُ في مالِهِ ولا يَكُونُ لَهُ حُرْمَةٌ مِثْلُ حُرْمَةِ سَيِّدِهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِبادُ اللَّهِ

صفحة ١٠٤

شُرَكاءً لَهُ، وكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهم عَظَمَةٌ مِثْلُ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى حَتّى يُعْبَدُوا، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بَيْنَ المَثَلِ والمُمَثَّلِ بِهِ مُشابَهَةٌ ما، ثُمَّ إنْ كانَ بَيْنَهُما مُخالَفَةٌ فَقَدْ يَكُونُ مُؤَكِّدًا لِمَعْنى المَثَلِ، وقَدْ يَكُونُ مُوهِنًا لَهُ، وهاهُنا وجْهُ المُشابَهَةِ مَعْلُومٌ، وأمّا المُخالَفَةُ فَمَوْجُودَةٌ أيْضًا وهي مُؤَكَّدَةٌ وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ.

أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ يَعْنِي ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكم مَعَ حَقارَتِها ونُقْصانِها وعَجْزِها، وقاسَ نَفْسَهُ عَلَيْكم مَعَ عِظَمِها وكَمالِها وقُدْرَتِها.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ يَعْنِي عَبْدُكم لَكم عَلَيْهِمْ مِلْكُ اليَدِ وهو طارِ[ ئٌ ] قابِلٌ لِلنَّقْلِ والزَّوالِ، أمّا النَّقْلُ فَبِالبَيْعِ وغَيْرِهِ، والزَّوالُ بِالعِتْقِ، ومَمْلُوكُ اللَّهِ لا خُرُوجَ لَهُ مِن مُلْكِ اللَّهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَإذا لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ مَمْلُوكَ يَمِينِكم شَرِيكًا لَكم مَعَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَصِيرَ مِثْلَكم مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، بَلْ هو في الحالِ مِثْلُكم في الآدَمِيَّةِ حَتّى أنَّكم لَيْسَ لَكم تَصَرُّفٌ في رُوحِهِ وآدَمِيَّتِهِ بِقَتْلٍ وقَطْعٍ، ولَيْسَ لَكم مَنعُهم مِنَ العِبادَةِ وقَضاءِ الحاجَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَمْلُوكُ اللَّهِ الَّذِي هو مَمْلُوكُهُ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ شَرِيكًا لَهُ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي الَّذِي لَكَمَ هو في الحَقِيقَةِ لَيْسَ لَكم بَلْ هو مِنَ اللَّهِ ومِن رِزْقِهِ، والَّذِي مِنَ اللَّهِ فَهو في الحَقِيقَةِ لَهُ، فَإذا لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ لَكم شَرِيكٌ في مالِكم مِن حَيْثُ الِاسْمِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ فِيما لَهُ مِن حَيْثُ الحَقِيقَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ أيْ هَلْ أنْتُمْ ومَمالِيكُكم في شَيْءٍ مِمّا تَمْلِكُونَ سَواءٌ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلا يَكُونُ لِلَّهِ شَرِيكٌ في شَيْءٍ مِمّا يَمْلِكُهُ، لَكِنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَهو لِلَّهِ فَما تَدَّعُونَ إلَهِيَّتَهُ لا يَمْلِكُ شَيْئًا أصْلًا ولا مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَرْدَلٍ فَلا يُعْبَدُ لِعَظَمَتِهِ ولا لِمَنفَعَةٍ تَصِلُ إلَيْكم مِنهُ، وأمّا قَوْلُكم: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المَمْلُوكَ هَلْ لَهُ عِنْدَكم حُرْمَةٌ كَحُرْمَةِ الأحْرارِ، وإذا لَمْ يَكُنْ لِلْمَمْلُوكِ مَعَ مُساواتِهِ إيّاكم في الحَقِيقَةِ والصِّفَةِ عِنْدَكم حُرْمَةٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ المَمالِيكِ الَّذِينَ لا مُساواةَ بَيْنَهم وبَيْنَ المالِكِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وإلى هَذا أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿تَخافُونَهم كَخِيفَتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: بِهَذا نَفى جَمِيعَ وُجُوهِ حُسْنِ العِبادَةِ عَنِ الغَيْرِ؛ لِأنَّ الأغْيارَ إذا لَمْ يَصْلُحُوا لِلشَّرِكَةِ فَلَيْسَ لَهم مِلْكٌ ولا مُلْكٌ، فَلا عَظَمَةَ لَهم حَتّى يُعْبَدُوا لِعَظَمَتِهِمْ ولا يُرْتَجى مِنهم مَنفَعَةٌ لِعَدَمِ مِلْكِهِمْ حَتّى يُعْبَدُوا لِنَفْعٍ، ولَيْسَ لَهم قُوَّةٌ وقُدْرَةٌ؛ لِأنَّهم عَبِيدٌ والعَبْدُ المَمْلُوكُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، فَلا تَخافُوهم كَما تَخافُونَ أنْفُسَكم، فَكَيْفَ تَخافُونَهم خَوْفًا أكْثَرَ مِن خَوْفِكم بَعْضًا مِن بَعْضٍ حَتّى تَعْبُدُوهم لِلْخَوْفِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أيْ نُبَيِّنُها بِالدَّلائِلِ والبَراهِينِ القَطْعِيَّةِ والأمْثِلَةِ والمُحاكِياتِ الإقْناعِيَّةِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، يَعْنِي لا يَخْفى الأمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا عَلى مَن لا يَكُونُ لَهُ عَقْلٌ.

30:29Page 407

بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ فَمَن يَهۡدِي مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٩

But those who wrong follow their [own] desires without knowledge. Then who can guide one whom Allāh has sent astray? And for them there are no helpers.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أهْواءَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ أيْ لا يَجُوزُ أنْ يُشْرِكَ بِالمالِكِ مَمْلُوكُهُ ولَكِنَّ الَّذِينَ أشْرَكُوا اتَّبَعُوا أهْواءَهم مِن غَيْرِ عِلْمٍ، وأثْبَتُوا شُرَكاءَ مِن غَيْرِ

صفحة ١٠٥

دَلِيلٍ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ بِإرادَةِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ أيْ هَؤُلاءِ أضَلَّهُمُ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهم، فَيَنْبَغِي أنْ لا يُحْزِنَكَ قَوْلُهم، وهاهُنا لَطِيفَةٌ وهي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن يَهْدِي مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ مُقَوٍّ لِما تَقَدَّمَ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا قالَ؛ لِأنَّ اللَّهَ لا شَرِيكَ لَهُ بِوَجْهٍ ما ثُمَّ قالَ تَعالى بَلِ المُشْرِكُونَ يُشْرِكُونَ مِن غَيْرِ عِلْمٍ، يُقالُ فِيهِ أنْتَ أثْبَتَّ لَهم تَصَرُّفًا عَلى خِلافِ رِضاهُ، والسَّيِّدُ العَزِيزُ هو الَّذِي لا يَقْدِرُ عَبْدُهُ عَلى تَصَرُّفٍ يُخالِفُ رِضاهُ، فَقالَ: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِاسْتِقْلالِهِ بَلْ بِإرادَةِ اللَّهِ، وما لَهم مِن ناصِرِينَ، لَمّا تَرَكُوا اللَّهَ تَرَكَهُمُ اللَّهُ، ومَن أخَذُوهُ لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا فَلا ناصِرَ لَهم.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أيْ إذا تَبَيَّنَ الأمْرُ وظَهَرَتِ الوَحْدانِيَّةُ ولَمْ يَهْتَدِ المُشْرِكُ فَلا تَلْتَفِتْ أنْتَ إلَيْهِمْ وأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ أيْ أقْبِلْ بِكُلِّكَ عَلى الدِّينِ، عَبَّرَ عَنِ الذّاتِ بِالوَجْهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] أيْ ذاتَهُ بِصِفاتِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ مائِلًا عَنْ كُلِّ ما عَداهُ، أيْ أقْبِلْ عَلى الدِّينِ ومِلْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، أيْ لا يَكُونُ في قَلْبِكَ شَيْءٌ آخَرُ فَتَعُودَ إلَيْهِ، وهَذا قَرِيبٌ مِن مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ﴾ أيِ الزَمْ فِطْرَةَ اللَّهِ وهي التَّوْحِيدُ، فَإنَّ اللَّهَ فَطَرَ النّاسَ عَلَيْهِ حَيْثُ أخَذَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ وسَألَهم: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فَقالُوا: بَلى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَنِ الحُزْنِ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِن قَوْمُهُ، فَقالَ هم خُلِقُوا لِلشَّقاوَةِ، ومَن كُتِبَ شَقِيًّا لا يَسْعَدُ، وقِيلَ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أيِ الوَحْدانِيَّةُ مُتَرَسِّخَةٌ فِيهِمْ لا تَغَيُّرَ لَها حَتّى إنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ يَقُولُونَ اللَّهُ، لَكِنَّ الإيمانَ الفِطْرِيَّ غَيْرُ كافٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ لِعِبادَتِهِ وهم كُلُّهم عَبِيدُهُ، لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ أيْ لَيْسَ كَوْنُهم عَبِيدًا مِثْلَ كَوْنِ المَمْلُوكِ عَبْدًا لِإنْسانٍ فَإنَّهُ يَنْتَقِلُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ ويَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ بِالعِتْقِ، بَلْ لا خُرُوجَ لِلْخَلْقِ عَنِ العِبادَةِ والعُبُودِيَّةِ، وهَذا لِبَيانِ فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: العِبادَةُ لِتَحْصِيلِ الكَمالِ، والعَبْدُ يَكْمُلُ بِالعِبادَةِ فَلا يَبْقى عَلَيْهِ تَكْلِيفٌ، وقَوْلُ المُشْرِكِينَ: إنَّ النّاقِصَ لا يَصْلُحُ لِعِبادَةِ اللَّهِ، وإنَّما الإنْسانُ عَبَدَ الكَواكِبَ، والكَواكِبُ عَبِيدُ اللَّهِ، وقَوْلُ النَّصارى إنَّ عِيسى كانَ يَحِلُّ اللَّهُ فِيهِ وصارَ إلَهًا فَقالَ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ بَلْ كُلُّهم عَبِيدٌ لا خُرُوجَ لَهم عَنْ ذَلِكَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ ذَلِكَ هو الدِّينُ المُسْتَقِيمُ.

30:30–32Page 407

فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٠

So direct your face [i.e., self] toward the religion, inclining to truth. [Adhere to] the fiṭrah1 of Allāh upon which He has created [all] people. No change should there be in the creation of Allāh.2 That is the correct religion, but most of the people do not know.

۞ مُنِيبِينَ إِلَيۡهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٣١

[Adhere to it], turning in repentance to Him, and fear Him and establish prayer and do not be of those who associate others with Allāh

مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٣٢

[Or] of those who have divided their religion and become sects, every faction rejoicing in what it has.1

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ واتَّقُوهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾

لَمّا قالَ حَنِيفًا أيْ مائِلًا عَنْ غَيْرِهِ قالَ: ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ أيْ مُقْبِلِينَ عَلَيْهِ، والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ﴾ مَعَ النَّبِيِّ، والمُرادُ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوهُ﴾ يَعْنِي إذا أقْبَلْتُمْ عَلَيْهِ وتَرَكْتُمُ الدُّنْيا فَلا تَأْمَنُوا

صفحة ١٠٦

فَتَتْرُكُوا عِبادَتَهُ بَلْ خافُوهُ وداوِمُوا عَلى العِبادَةِ وأقِيمُوا الصَّلاةَ أيْ: كُونُوا عابِدِينَ عِنْدَ حُصُولِ القُرْبَةِ كَما كُنْتُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ يَعْنِي ولا تُشْرِكُوا بَعْدَ الإيمانِ أيْ: ولا تَقْصِدُوا بِذَلِكَ غَيْرَ اللَّهِ، وهاهُنا وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ اللَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿مُنِيبِينَ﴾ أثْبَتَ التَّوْحِيدَ الَّذِي هو مُخْرِجٌ عَنِ الإشْراكِ الظّاهِرِ وبِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أرادَ إخْراجَ العَبْدِ عَنِ الشِّرْكِ الخَفِيِّ، أيْ لا تَقْصِدُوا بِعَمَلِكم إلّا وجْهَ اللَّهِ، ولا تَطْلُبُوا بِهِ إلّا رِضاءَ اللَّهِ فَإنَّ الدُّنْيا والآخِرَةَ تَحْصِيلٌ وإنْ لَمْ تَطْلُبُوها إذا حَصَلَ رِضا اللَّهِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا﴾ يَعْنِي لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلى الإسْلامِ، وذَهَبَ كُلُّ أحَدٍ إلى مَذْهَبٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ وكانُوا شِيَعًا يَعْنِي بَعْضُهم عَبَدَ اللَّهَ لِلدُّنْيا، وبَعْضُهم لِلْجَنَّةِ، وبَعْضُهم لِلْخَلاصِ مِنَ النّارِ، وكُلُّ واحِدٍ بِما في نَظَرِهِ فَرِحٌ، وأمّا المُخْلِصُ فَلا يَفْرَحُ بِما يَكُونُ لَدَيْهِ، وإنَّما يَكُونُ فَرَحُهُ بِأنْ يَحْصُلَ عِنْدَ اللَّهِ ويَقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ ما لَدَيْنا نافِدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ [النحل: ٩٦] فَلا مَطْلُوبَ لَكم فِيما لَدَيْكم حَتّى تَفْرَحُوا بِهِ، وإنَّما المَطْلُوبُ ما لَدى اللَّهِ، وبِهِ الفَرَحُ كَما قالَ تَعالى: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] جَعَلَهم فَرِحِينَ بِكَوْنِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وبِكَوْنِ ما أُوتُوا مِن فَضْلِهِ الَّذِي لا نَفادَ لَهُ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] لا بِما عِنْدَهم فَإنَّ كُلَّ ما عِنْدَ العَبْدِ فَهو نافِدٌ، أمّا في الدُّنْيا فَظاهِرٌ، وأمّا في الآخِرَةِ فَلِأنَّ ما وصَلَ إلى العَبْدِ مِنَ الِالتِذاذِ بِالمَأْكُولِ والمَشْرُوبِ فَهو يَزُولُ، ولَكِنَّ اللَّهَ يُجَدِّدُ لَهُ مِثْلَهُ إلى الأبَدِ مِن فَضْلِهِ الَّذِي لا نَفادَ لَهُ، فالَّذِي لا نَفادَ لَهُ هو فَضْلُهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском