Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
فاطر
Fatir
Originator · Meccan · 45 ayahs
35:1Page 434
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٓ أَجۡنِحَةٖ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۚ يَزِيدُ فِي ٱلۡخَلۡقِ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١
[All] praise is [due] to Allāh, Creator of the heavens and the earth, [who] made the angels messengers having wings, two or three or four. He increases in creation what He wills. Indeed, Allāh is over all things competent.
صفحة ٣
(سُورَةُ فاطِرٍ)
(أرْبَعُونَ وخَمْسُ آياتٍ مَكِّيَّةٌ)
﷽
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾
﷽
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ قَدْ ذَكَرْنا فِيما تَقَدَّمَ أنَّ الحَمْدَ يَكُونُ عَلى النِّعْمَةِ في أكْثَرِ الأمْرِ، ونِعَمُ اللَّهِ قِسْمانِ: عاجِلَةٌ وآجِلَةٌ، والعاجِلَةُ وُجُودٌ وبَقاءٌ، والآجِلَةُ كَذَلِكَ إيجادٌ مَرَّةً وإبْقاءٌ أُخْرى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] إشارَةٌ إلى النِّعْمَةِ العاجِلَةِ الَّتِي هي الإيجادُ، واسْتَدْلَلْنا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلًا﴾ [الأنعام: ٢] وقَوْلِهِ في الكَهْفِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ﴾ [الكهف: ١] إشارَةً إلى النِّعْمَةِ العاجِلَةِ الَّتِي هي الإبْقاءُ، فَإنَّ البَقاءَ والصَّلاحَ بِالشَّرْعِ والكِتابِ، ولَوْلاهُ لَوَقَعَتِ المُنازَعَةُ والمُخاصَمَةُ بَيْنَ النّاسِ ولا يُفْصَلُ بَيْنَهم، فَكانَ يُفْضِي ذَلِكَ إلى التَّقاتُلِ والتَّفانِي، فَإنْزالُ الكِتابِ نِعْمَةٌ يَتَعَلَّقُ بِها البَقاءُ العاجِلُ، وفي قَوْلِهِ في سُورَةِ سَبَأٍ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ [سبأ: ٢] إشارَةٌ إلى نِعْمَةِ الإيجادِ الثّانِي بِالحَشْرِ، واسْتَدْلَلْنا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ [سبأ: ٢] مِنَ الأجْسامِ ﴿وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ [سبأ: ٢] مِنَ الأرْواحِ ﴿وما يَعْرُجُ فِيها﴾ [سبأ: ٢] وقَوْلِهِ عَنِ الكافِرِينَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي﴾ [سبأ: ٣] وهَهُنا الحَمْدُ إشارَةٌ إلى نِعْمَةِ البَقاءِ في الآخِرَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ أيْ: يَجْعَلُهم رُسُلًا يَتَلَقَّوْنَ عِبادَ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وتَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿فاطِرِ السَّماواتِ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: مَعْناهُ مُبْدِعُها كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ شاقِّهِما لِنُزُولِ الأرْواحِ مِنَ السَّماءِ وخُرُوجِ الأجْسادِ مِنَ الأرْضِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ فَإنَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ تَكُونُ المَلائِكَةُ رُسُلًا، وعَلى هَذا فَأوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ مُتَّصِلٌ بِآخِرِ ما مَضى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ بَيانٌ لِانْقِطاعِ رَجاءِ مَن كانَ في شَكٍّ مُرِيبٍ وتَيَقُّنِهِ بِأنْ لا قَبُولَ لِتَوْبَتِهِ ولا فائِدَةَ لِقَوْلِهِ آمَنتُ. كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿وقالُوا آمَنّا بِهِ وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ﴾ [سبأ: ٥٢] فَلَمّا ذَكَرَ حالَهم بَيَّنَ حالَ المُوقِنِ وبَشَّرَهُ بِإرْسالِهِ المَلائِكَةَ إلَيْهِمْ مُبَشِّرِينَ، وبَيَّنَ أنَّهُ يَفْتَحُ لَهم أبْوابَ الرَّحْمَةِ.
* * *
صفحة ٤
﴿أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ أقَلُّ ما يَكُونُ لِذِي الجَناحِ أنْ يَكُونَ لَهُ جَناحانِ وما بَعْدَهُما زِيادَةٌ، وقالَ قَوْمٌ فِيهِ إنَّ الجَناحَ إشارَةٌ إلى الجِهَةِ، وبَيانُهُ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، وكُلُّ شَيْءٍ فَهو تَحْتَ قُدْرَتِهِ ونِعْمَتِهِ، والمَلائِكَةُ لَهم وجْهٌ إلى اللَّهِ يَأْخُذُونَ مِنهُ نِعَمَهُ ويُعْطُونَ مَن دُونَهم مِمّا أخَذُوهُ بِإذْنِ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [ الشُّعَراءِ: ١٩٣ - ١٩٤] وقَوْلِهِ: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥] وقالَ تَعالى في حَقِّهِمْ: ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النازعات: ٥] فَهُما جَناحانِ، وفِيهِمْ مَن يَفْعَلُ ما يَفْعَلُ مِنَ الخَيْرِ بِواسِطَةٍ، وفِيهِمْ مَن يَفْعَلُهُ لا بِواسِطَةٍ، فالفاعِلُ بِواسِطَةٍ فِيهِ ثَلاثُ جِهاتٍ، ومِنهم مَن لَهُ أرْبَعُ جِهاتٍ وأكْثَرُ، والظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا وهو الَّذِي عَلَيْهِ إطْباقُ المُفَسِّرِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن خَصَّصَهُ وقالَ: المُرادُ الوَجْهُ الحَسَنُ، ومِنهم مَن قالَ: الصَّوْتُ الحَسَنُ، ومِنهم مَن قالَ: كُلُّ وصْفٍ مَحْمُودٍ، والأوْلى أنْ يُعَمَّمَ، ويُقالَ: اللَّهُ تَعالى قادِرٌ كامِلٌ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، فَيَزِيدُ ما يَشاءُ ويَنْقُصُ ما يَشاءُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يُقَرِّرُ قَوْلَهُ: ﴿يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ .
لَمّا بَيَّنَ كَمالَ القُدْرَةِ ذَكَرَ بَيانَ نُفُوذِ المَشِيئَةِ ونَفاذِ الأمْرِ، وقالَ: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ، يَعْنِي إنْ رَحِمَ فَلا مانِعَ لَهُ، وإنْ لَمْ يَرْحَمْ فَلا باعِثَ لَهُ عَلَيْها، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى سَبْقِ رَحْمَتِهِ غَضَبَهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: التَّقْدِيمُ حَيْثُ قَدَّمَ بَيانَ فَتْحِ أبْوابِ الرَّحْمَةِ في الذِّكْرِ، وهو وإنْ كانَ ضَعِيفًا لَكِنَّهُ وجْهٌ مِن وُجُوهِ الفَضْلِ.
وثانِيها: هو أنَّهُ أنَّثَ الكِنايَةَ في الأوَّلِ فَقالَ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ وجازَ مِن حَيْثُ العَرَبِيَّةُ أنْ يُقالَ لَهُ ويَكُونُ عائِدًا إلى ما، ولَكِنْ قالَ تَعالى: (لَها) لِيُعْلَمَ أنَّ المَفْتُوحَ أبْوابُ الرَّحْمَةِ ولا مُمْسِكَ لِرَحْمَتِهِ فَهي وصْلَةٌ إلى مَن رَحِمَتْهُ، وقالَ عِنْدَ الإمْساكِ ﴿وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾ بِالتَّذْكِيرِ ولَمْ يَقُلْ لَهُما فَما صَرَّحَ بِأنَّهُ لا مُرْسِلَ لِلرَّحْمَةِ، بَلْ ذَكَرَهُ بِلَفْظٍ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الَّذِي لا يُرْسِلُ هو غَيْرُ الرَّحْمَةِ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما يُمْسِكْ﴾ عامٌّ مِن غَيْرِ بَيانٍ وتَخْصِيصٍ بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ فَإنَّهُ مُخَصَّصٌ مُبَيَّنٌ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ اللَّهِ، فاسْتَثْنى هَهُنا وقالَ: لا مُرْسِلَ لَهُ إلّا اللَّهُ فَنَزَلَ لَهُ مُرْسَلًا. وعِنْدَ الإمْساكِ قالَ: لا مُمْسِكَ لَها، ولَمْ يَقُلْ: غَيْرُ اللَّهِ لِأنَّ الرَّحْمَةَ إذا جاءَتْ لا تَرْتَفِعُ فَإنَّ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ لا يُعَذِّبُهُ بَعْدَها هو ولا غَيْرُهُ، ومَن يُعَذِّبُهُ اللَّهُ فَقَدْ يَرْحَمُهُ اللَّهُ بَعْدَ العَذابِ كالفُسّاقِ مِن أهْلِ الإيمانِ.
35:2–5Page 434
مَّا يَفۡتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحۡمَةٖ فَلَا مُمۡسِكَ لَهَاۖ وَمَا يُمۡسِكۡ فَلَا مُرۡسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢
Whatever Allāh grants to people of mercy - none can withhold it; and whatever He withholds - none can release it thereafter. And He is the Exalted in Might, the Wise.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ هَلۡ مِنۡ خَٰلِقٍ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٣
O mankind, remember the favor of Allāh upon you. Is there any creator other than Allāh who provides for you from the heaven and earth? There is no deity except Him, so how are you deluded?
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٤
And if they deny you, [O Muḥammad] - already were messengers denied before you. And to Allāh are returned [all] matters.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ٥
O mankind, indeed the promise of Allāh is truth, so let not the worldly life delude you and be not deceived about Allāh by the Deceiver [i.e., Satan].
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ أيْ كامِلُ القُدْرَةِ ﴿الحَكِيمُ﴾ أيْ كامِلُ العِلْمِ.
﴿ياأيُّها النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾
لَمّا بَيَّنَ أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، وبَيَّنَ بَعْضَ وُجُوهِ النِّعْمَةِ الَّتِي تَسْتَوْجِبُ الحَمْدَ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ بَيَّنَ نِعَمَهُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ فَقالَ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ وهي مَعَ كَثْرَتِها مُنْحَصِرَةٌ في قِسْمَيْنِ نِعْمَةِ الإيجادِ، ونِعْمَةِ الإبْقاءِ.
فَقالَ تَعالى: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ إشارَةً إلى نِعْمَةِ الإيجادِ في الِابْتِداءِ.
وقالَ تَعالى: ﴿يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ إشارَةً إلى نِعْمَةِ الإبْقاءِ بِالرِّزْقِ إلى الِانْتِهاءِ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ نَظَرًا إلى عَظَمَتِهِ حَيْثُ هو عَزِيزٌ حَكِيمٌ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ نافِذُ الإرادَةِ في كُلِّ شَيْءٍ ولا مِثْلَ لِهَذا ولا مَعْبُودَ لِذاتِهِ غَيْرُ هَذا ونَظَرًا إلى نِعْمَتِهِ حَيْثُ لا خالِقَ غَيْرُهُ ولا رازِقَ إلّا هو.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ كَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنْ هَذا الظّاهِرِ ؟ فَكَيْفَ تُشْرِكُونَ المَنحُوتَ بِمَن لَهُ المَلَكُوتُ.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ الأصْلَ الأوَّلَ وهو التَّوْحِيدُ، ذَكَرَ الأصْلَ الثّانِيَ: وهو الرِّسالَةُ فَقالَ تَعالى: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ .
ثُمَّ بَيَّنَ مِن حَيْثُ الإجْمالُ أنَّ المُكَذِّبَ في العَذابِ. والمُكَذَّبَ لَهُ الثَّوابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ الأصْلَ الثّالِثَ: وهو الحَشْرُ.
فَقالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ أيِ الشَّيْطانُ وقَدْ ذَكَرْنا ما فِيهِ مِنَ المَعْنى اللَّطِيفِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمانَ ونُعِيدُهُ هَهُنا فَنَقُولُ: المُكَلَّفُ قَدْ يَكُونُ ضَعِيفَ الذِّهْنِ قَلِيلَ العَقْلِ سَخِيفَ الرَّأْيِ فَيَغْتَرُّ بِأدْنى شَيْءٍ، وقَدْ يَكُونُ فَوْقَ ذَلِكَ فَلا يَغْتَرُّ بِهِ ولَكِنْ إذا جاءَهُ غارٌّ وزَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ وهَوَّنَ عَلَيْهِ مَفاسِدَهُ، وبَيَّنَ لَهُ مَنافِعَهُ، يَغْتَرُّ لِما فِيها مِنَ اللَّذَّةِ مَعَ ما يَنْضَمُّ إلَيْهِ مِن دُعاءِ ذَلِكَ الغارِّ إلَيْهِ، وقَدْ يَكُونُ قَوِيَّ الجَأْشِ غَزِيرَ العَقْلِ فَلا يَغْتَرُّ ولا يُغَرُّ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ إشارَةً إلى الدَّرَجَةِ الأُولى، وقالَ: ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ إشارَةً إلى الثّانِيَةِ لِيَكُونَ واقِعًا في الدَّرَجَةِ الثّالِثَةِ وهي العُلْيا فَلا يُغَرُّ ولا يَغْتَرُّ.
35:6–7Page 435
إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ إِنَّمَا يَدۡعُواْ حِزۡبَهُۥ لِيَكُونُواْ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ٦
Indeed, Satan is an enemy to you; so take him as an enemy. He only invites his party to be among the companions of the Blaze.
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٌ ٧
Those who disbelieve will have a severe punishment, and those who believe and do righteous deeds will have forgiveness and great reward.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ ذَكَرَ
صفحة ٦
ما يَمْنَعُ العاقِلَ مِنَ الِاغْتِرارِ، وقالَ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ ولا تَسْمَعُوا قَوْلَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ أيِ اعْمَلُوا ما يَسُوءُهُ وهو العَمَلُ الصّالِحُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ إشارَةً إلى مَعْنًى لَطِيفٍ وهو أنَّ مَن يَكُونُ لَهُ عَدُوٌّ فَلَهُ في أمْرِهِ طَرِيقانِ:
أحَدُهُما: أنْ يُعادِيَهُ مُجازاةً لَهُ عَلى مُعاداتِهِ.
والثّانِي: أنْ يُذْهِبَ عَداوَتَهُ بِإرْضائِهِ، فَلَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ﴾ أمَرَهم بِالعَداوَةِ وأشارَ إلى أنَّ الطَّرِيقَ لَيْسَ إلّا هَذا، وأمّا الطَّرِيقُ الآخَرُ وهو الإرْضاءُ فَلا فائِدَةَ فِيهِ لِأنَّكم إذا راضَيْتُمُوهُ واتَّبَعْتُمُوهُ فَهو لا يُؤَدِّيكم إلّا إلى السَّعِيرِ.
واعْلَمْ أنَّ مَن عَلِمَ أنَّ لَهُ عَدُوًّا لا مَهْرَبَ لَهُ مِنهُ وجَزَمَ بِذَلِكَ فَإنَّهُ يَقِفُ عِنْدَهُ ويَصْبِرُ عَلى قِتالِهِ، والصَّبْرُ مَعَهُ الظَّفَرُ، فَكَذَلِكَ الشَّيْطانُ لا يَقْدِرُ الإنْسانُ أنْ يَهْرُبَ مِنهُ فَإنَّهُ مَعَهُ، ولا يَزالُ يَتْبَعُهُ إلّا أنْ يَقِفَ لَهُ ويَهْزِمَهُ، فَهَزِيمَةُ الشَّيْطانِ بِعَزِيمَةِ الإنْسانِ، فالطَّرِيقُ الثَّباتُ عَلى الجادَّةِ والِاتِّكالُ عَلى العِبادَةِ.
ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى حالَ حِزْبِهِ وحالَ حِزْبِ اللَّهِ، فَقالَ:
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ فالمُعادِي لِلشَّيْطانِ وإنْ كانَ في الحالِ في عَذابٍ ظاهِرٍ ولَيْسَ بِشَدِيدٍ، والإنْسانُ إذا كانَ عاقِلًا يَخْتارُ العَذابَ المُنْقَطِعَ اليَسِيرَ دَفْعًا لِلْعَذابِ الشَّدِيدِ المُؤَبَّدِ ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ إذْ عَرَضَ في طَرِيقِهِ شَوْكٌ ونارٌ ولا يَكُونُ لَهُ بُدٌّ مِن أحَدِهِما يَتَخَطّى الشَّوْكَ ولا يَدْخُلُ النّارَ ونِسْبَةُ النّارِ الَّتِي في الدُّنْيا إلى النّارِ الَّتِي في الآخِرَةِ دُونَ نِسْبَةِ الشَّوْكِ إلى النّارِ العاجِلَةِ.
وقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ قَدْ ذُكِرَ تَفْسِيرُهُ مِرارًا، وبُيِّنَ فِيهِ أنَّ الإيمانَ في مُقابَلَتِهِ المَغْفِرَةُ فَلا يُؤَبَّدُ مُؤْمِنٌ في النّارِ، والعَمَلُ الصّالِحُ في مُقابَلَتِهِ الأجْرُ الكَبِيرُ.
35:8Page 435
أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنٗاۖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۖ فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَيۡهِمۡ حَسَرَٰتٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ ٨
Then is one to whom the evil of his deed has been made attractive so he considers it good [like one rightly guided]? For indeed, Allāh sends astray whom He wills and guides whom He wills. So do not let yourself perish over them in regret. Indeed, Allāh is Knowing of what they do.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ .
يَعْنِي لَيْسَ مَن عَمِلَ سَيِّئًا كالَّذِي عَمِلَ صالِحًا، كَما قالَ بَعْدَ هَذا بِآياتٍ وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ، ولَهُ تَعَلُّقٌ بِما قَبْلَهُ وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ المُسِيءِ الكافِرِ والمُحْسِنِ المُؤْمِنِ، وما مِن أحَدٍ يَعْتَرِفُ بِأنَّهُ يَعْمَلُ سَيِّئًا إلّا قَلِيلٌ، فَكانَ الكافِرُ يَقُولُ: الَّذِي لَهُ العَذابُ الشَّدِيدُ هو الَّذِي يَتْبَعُ الشَّيْطانَ وهو مُحَمَّدٌ وقَوْمُهُ الَّذِينَ اسْتَهْوَتْهُمُ الجِنُّ فاتَّبَعُوها، والَّذِي لَهُ الأجْرُ العَظِيمُ نَحْنُ الَّذِينَ دُمْنا عَلى ما كانَ عَلَيْهِ آباؤُنا فَقالَ اللَّهُ تَعالى لَسْتُمْ أنْتُمْ بِذَلِكَ فَإنَّ المُحْسِنَ غَيْرٌ، ومَن زُيِّنَ لَهُ العَمَلُ السَّيِّئُ فَرَآهُ حَسَنًا غَيْرٌ، بَلِ الَّذِينَ زُيِّنَ لَهُمُ السَّيِّئُ دُونَ مَن أساءَ وعَلِمَ أنَّهُ مُسِيءٌ فَإنَّ الجاهِلَ الَّذِي يَعْلَمُ جَهْلَهُ والمُسِيءَ الَّذِي يَعْلَمُ سُوءَ عَمَلِهِ يَرْجِعُ ويَتُوبُ والَّذِي لا يَعْلَمُ يُصِرُّ عَلى الذُّنُوبِ والمُسِيءُ العالِمُ لَهُ صِفَةُ ذَمٍّ بِالإساءَةِ وصِفَةُ مَدْحٍ بِالعِلْمِ. والمُسِيءُ الَّذِي يَرى الإساءَةَ إحْسانًا لَهُ صِفَتا ذَمٍّ: الإساءَةُ والجَهْلُ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الكُلَّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ النّاسَ أشْخاصُهم مُتَساوِيَةٌ في الحَقِيقَةِ، والإساءَةُ
صفحة ٧
والإحْسانُ، والسَّيِّئَةُ والحَسَنَةُ يَمْتازُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ فَإذا عَرَفَها البَعْضُ دُونَ البَعْضِ لا يَكُونُ ذَلِكَ بِاسْتِقْلالٍ مِنهم، فَلا بُدَّ مِنَ الِاسْتِنادِ إلى إرادَةِ اللَّهِ.
ثُمَّ سَلّى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ حَزِنَ مِن إصْرارِهِمْ بَعْدَ إتْيانِهِ بِكُلِّ آيَةٍ ظاهِرَةٍ وحُجَّةٍ باهِرَةٍ فَقالَ: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ [الكهف: ٦] .
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ حُزْنَهُ إنْ كانَ لِما بِهِمْ مِنَ الضَّلالِ فاللَّهُ عالِمٌ بِهِمْ وبِما يَصْنَعُونَ لَوْ أرادَ إيمانَهم وإحْسانَهم لَصَدَّهم عَنِ الضَّلالِ ورَدَّهم عَنِ الإضْلالِ، وإنْ كانَ لِما بِهِ مِنهم مِنَ الإيذاءِ فاللَّهُ عالِمٌ بِفِعْلِهِ يُجازِيهِمْ عَلى ما يَصْنَعُونَ.
35:9Page 435
وَٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَسُقۡنَٰهُ إِلَىٰ بَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَحۡيَيۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ ٩
And it is Allāh who sends the winds, and they stir the clouds, and We drive them to a dead land and give life thereby to the earth after its lifelessness. Thus is the resurrection.
ثُمَّ عادَ إلى البَيانِ فَقالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ .
هُبُوبُ الرِّياحِ دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى الفاعِلِ المُخْتارِ وذَلِكَ لِأنَّ الهَواءَ قَدْ يَسْكُنُ وقَدْ يَتَحَرَّكُ، وعِنْدَ حَرَكَتِهِ قَدْ يَتَحَرَّكُ إلى اليَمِينِ، وقَدْ يَتَحَرَّكُ إلى اليَسارِ، وفي حَرَكاتِهِ المُخْتَلِفَةِ قَدْ يُنْشِئُ السَّحابَ، وقَدْ لا يُنْشِئُ، فَهَذِهِ الِاخْتِلافاتُ دَلِيلٌ عَلى مُسَخِّرٍ مُدَبِّرٍ ومُؤَثِّرٍ مُقَدِّرٍ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ﴾ بِلَفْظِ الماضِي وقالَ: ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ بِصِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا أسْنَدَ فِعْلَ الإرْسالِ إلى اللَّهِ وما يَفْعَلُ اللَّهُ يَكُونُ بِقَوْلِهِ كُنْ، فَلا يَبْقى في العَدَمِ لا زَمانًا ولا جُزْءًا مِنَ الزَّمانِ، فَلَمْ يَقُلْ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ لِوُجُوبِ وُقُوعِهِ وسُرْعَةِ كَوْنِهِ كَأنَّهُ كانَ وكَأنَّهُ فَرَغَ مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَهو قَدَّرَ الإرْسالَ في الأوْقاتِ المَعْلُومَةِ إلى المَواضِعِ المُعَيَّنَةِ، والتَّقْدِيرُ كالإرْسالِ، ولَمّا أسْنَدَ فِعْلَ الإثارَةِ إلى الرِّيحِ وهو يُؤَلَّفُ في زَمانٍ فَقالَ: ﴿تُثِيرُ﴾ أيْ عَلى هَيْئَتِها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ: ﴿أرْسَلَ﴾ إسْنادًا لِلْفِعْلِ إلى الغائِبِ وقالَ: ﴿سُقْناهُ﴾ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى المُتَكَلِّمِ وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأحْيَيْنا﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ في الأوَّلِ عَرَّفَ نَفْسَهُ بِفِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ وهو الإرْسالُ، ثُمَّ لَمّا عُرِفَ قالَ: أنا الَّذِي عَرَفْتَنِي سُقْتُ السَّحابَ وأحْيَيْتُ الأرْضَ، فَنَفْيُ الأوَّلِ كانَ تَعْرِيفًا بِالفِعْلِ العَجِيبِ، وفي الثّانِي كانَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ فَإنَّ كَمالَ نِعْمَةِ الرِّياحِ والسُّحُبِ بِالسَّوْقِ والإحْياءِ وقَوْلُهُ: ”سُقْناهُ وأحْيَيْنا“ بِصِيغَةِ الماضِي يُؤَيِّدُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿أرْسَلَ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿تُثِيرُ﴾ .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ما وجْهُ التَّشْبِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّ الأرْضَ المَيِّتَةَ لَمّا قَبِلَتِ الحَياةَ اللّائِقَةَ بِها كَذَلِكَ الأعْضاءُ تَقْبَلُ الحَياةَ.
وثانِيها: كَما أنَّ الرِّيحَ يَجْمَعُ القِطَعَ السَّحابِيَّةَ كَذَلِكَ يُجْمَعُ بَيْنَ أجْزاءِ الأعْضاءِ وأبْعاضِ الأشْياءِ.
وثالِثُها: كَما أنّا نَسُوقُ الرِّيحَ والسَّحابَ إلى البَلَدِ المَيِّتِ نَسُوقُ الرُّوحَ والحَياةَ إلى البَدَنِ المَيِّتِ.
صفحة ٨
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ما الحِكْمَةُ في اخْتِيارِ هَذِهِ الآيَةِ مِن بَيْنِ الآياتِ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَهُ في كُلِّ شَيْءٍ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدٌ، فَنَقُولُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ أنَّهُ فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ، وذَكَرَ مِنَ الأُمُورِ السَّماوِيَّةِ الأرْواحَ وإرْسالَها بِقَوْلِهِ: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ ذَكَرَ مِنَ الأُمُورِ الأرْضِيَّةِ الرِّياحَ وإرْسالَها بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ .
35:10Page 435
مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِيعًاۚ إِلَيۡهِ يَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرۡفَعُهُۥۚ وَٱلَّذِينَ يَمۡكُرُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۖ وَمَكۡرُ أُوْلَٰٓئِكَ هُوَ يَبُورُ ١٠
Whoever desires honor [through power] - then to Allāh belongs all honor.1 To Him ascends good speech, and righteous work raises it.2 But they who plot evil deeds will have a severe punishment, and the plotting of those - it will perish.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ومَكْرُ أُولَئِكَ هو يَبُورُ﴾ .
لَمّا بَيَّنَ بُرْهانَ الإيمانِ إشارَةً إلى ما كانَ يَمْنَعُ الكُفّارَ مِنهُ وهو العِزَّةُ الظّاهِرَةُ الَّتِي كانُوا يَتَوَهَّمُونَها مِن حَيْثُ إنَّهم ما كانُوا في طاعَةِ أحَدٍ ولَمْ يَكُنْ لَهم مَن يَأْمُرُهم ويَنْهاهم، فَكانُوا يَنْحِتُونَ الأصْنامَ وكانُوا يَقُولُونَ إنَّ هَذِهِ آلِهَتُنا، ثُمَّ إنَّهم كانُوا يَنْقُلُونَها مَعَ أنْفُسِهِمْ، وأيَّةُ عِزَّةٍ فَوْقَ المَعِيَّةِ مَعَ المَعْبُودِ فَهم كانُوا يَطْلُبُونَ العِزَّةَ وهي عَدَمُ التَّذَلُّلِ لِلرَّسُولِ وتَرْكُ الِاتِّباعِ لَهُ، فَقالَ: إنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ بِهَذا الكُفْرِ العِزَّةَ في الحَقِيقَةِ، فَهي كُلُّها لِلَّهِ ومَن يَتَذَلَّلُ لَهُ فَهو العَزِيزُ، ومَن يَتَعَزَّزُ عَلَيْهِ فَهو الذَّلِيلُ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فَقَوْلُهُ: ﴿جَمِيعًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنْ لا عِزَّةَ لِغَيْرِهِ، فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلِلَّهِ العِزَّةُ﴾ أيْ في الحَقِيقَةِ وبِالذّاتِ وقَوْلُهُ: ﴿ولِرَسُولِهِ﴾ أيْ بِواسِطَةِ القُرْبِ مِنَ العَزِيزِ وهو اللَّهُ ولِلْمُؤْمِنِينَ بِواسِطَةِ قُرْبِهِمْ مِنَ العَزِيزِ بِاللَّهِ وهو الرَّسُولُ، وذَلِكَ لِأنَّ عِزَّةَ المُؤْمِنِينَ بِواسِطَةِ النَّبِيِّ ﷺ ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ تَقْرِيرٌ لِبَيانِ العِزَّةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الكُفّارَ كانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ لا نَعْبُدُ مَن لا نَراهُ ولا نَحْضُرُ عِنْدَهُ؛ لِأنَّ البُعْدَ مِنَ المَلِكِ ذِلَّةٌ، فَقالَ تَعالى: إنْ كُنْتُمْ لا تَصِلُونَ إلَيْهِ، فَهو يَسْمَعُ كَلامَكم ويَقْبَلُ الطَّيِّبَ فَمَن قَبِلَ كَلامَهُ وصَعِدَ إلَيْهِ فَهو عَزِيزٌ ومَن رَدَّ كَلامَهُ في وجْهِهِ فَهو ذَلِيلٌ، وأمّا هَذِهِ الأصْنامُ لا يَتَبَيَّنُ عِنْدَها الذَّلِيلُ مِنَ العَزِيزِ إذْ لا عِلْمَ لَها فَكُلُّ أحَدٍ يَمَسُّها، وكَذَلِكَ يَرى عِلْمَكم فَمَن عَمِلَ صالِحًا رَفَعَهُ إلَيْهِ، ومَن عَمِلَ سَيِّئًا رَدَّهُ عَلَيْهِ فالعَزِيزُ مَنِ الَّذِي عَمَلُهُ لِوَجْهِهِ والذَّلِيلُ مَن يُدْفَعُ الَّذِي عَمِلَهُ في وجْهِهِ، وأمّا هَذِهِ الأصْنامُ فَلا تَعْلَمُ شَيْئًا فَلا عَزِيزَ يُرْفَعُ عِنْدَها ولا ذَلِيلَ، فَلا عِزَّةَ بِها بَلْ عَلَيْها ذِلَّةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ ذِلَّةَ السَّيِّدِ ذِلَّةٌ لِلْعَبْدِ ومَن كانَ مَعْبُودُهُ ورَبُّهُ وإلَهُهُ حِجارَةً أوْ خَشَبًا ماذا يَكُونُ هو ؟
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ وُجُوهٌ:
أحَدُها: كَلِمَةُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ هي الطَّيِّبَةُ.
وثانِيها: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ طَيِّبٌ.
ثالِثُها: هَذِهِ الكَلِماتُ الأرْبَعُ وخامِسَةٌ وهي تَبارَكَ اللَّهُ والمُخْتارُ أنَّ كُلَّ كَلامٍ هو ذِكْرُ اللَّهِ أوْ هو لِلَّهِ كالنَّصِيحَةِ والعِلْمِ، فَهو إلَيْهِ يَصْعَدُ.
صفحة ٩
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وفي الهاءِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: هي عائِدَةٌ إلى الكَلِمِ الطَّيِّبِ؛ أيِ العَمَلُ الصّالِحُ هو الَّذِي يَرْفَعُهُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ، ورَدَ في الخَبَرِ: ”«لا يَقْبَلُ اللَّهُ قَوْلًا بِلا عَمَلٍ» “ .
وثانِيهِما: هي عائِدَةٌ إلى العَمَلِ الصّالِحِ، وعَلى هَذا في الفاعِلِ الرّافِعِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: هو الكَلِمُ الطَّيِّبُ يَرْفَعُ العَمَلَ الصّالِحَ، وهَذا يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا﴾ (النَّحْلِ: ٩٧) ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ .
وثانِيهِما: الرّافِعُ هو اللَّهُ تَعالى.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ما وجْهُ تَرْجِيحِ الذِّكْرِ عَلى العَمَلِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي حَيْثُ يَصْعَدُ الكَلِمُ بِنَفْسِهِ ويُرْفَعُ العَمَلُ بِغَيْرِهِ، فَنَقُولُ: الكَلامُ شَرِيفٌ، فَإنَّ امْتِيازَ الإنْسانِ عَنْ كُلِّ حَيَوانٍ بِالنُّطْقِ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسْراءِ: ٧٠) أيْ بِالنَّفْسِ النّاطِقَةِ، والعَمَلُ حَرَكَةٌ وسُكُونٌ يَشْتَرِكُ فِيهِ الإنْسانُ وغَيْرُهُ، والشَّرِيفُ إذا وصَلَ إلى بابِ المَلِكِ لا يُمْنَعُ ومَن دُونَهُ لا يَجِدُ الطَّرِيقَ إلّا عِنْدَ الطَّلَبِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ الكافِرَ إذا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ إنْ كانَ عَنْ صِدْقٍ أمِنَ عَذابَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ كانَ ظاهِرًا أمِنَ في نَفْسِهِ ودَمِهِ وأهْلِهِ وحَرَمِهِ في الدُّنْيا، ولا كَذَلِكَ العَمَلُ بِالجَوارِحِ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ (النِّساءِ: ٥٧) .
ووَجْهٌ آخَرُ: القَلْبُ هو الأصْلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: («ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألا وهي القَلْبُ» ) وما في القَلْبِ لا يَظْهَرُ إلّا بِاللِّسانِ، وما في اللِّسانِ لا يَتَبَيَّنُ صِدْقُهُ إلّا بِالفِعْلِ، ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ لا يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ إلّا عَنْ قَلْبٍ، وأمّا الفِعْلُ قَدْ يَكُونُ لا عَنْ قَلْبٍ كالعَبَثِ بِاللِّحْيَةِ؛ ولِأنَّ النّائِمَ لا يَخْلُو عَنْ فِعْلٍ مِن حَرَكَةٍ وتَقَلُّبٍ، وهو في أكْثَرِ الأمْرِ لا يَتَكَلَّمُ في نَوْمِهِ إلّا نادِرًا، لِما ذَكَرْنا أنَّ الكَلامَ بِالقَلْبِ ولا كَذَلِكَ العَمَلُ، فالقَوْلُ أشْرَفُ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَكْرُ لا يَتَعَدّى فَبِمَ انْتِصابُ السَّيِّئاتِ ؟ وقالَ بِأنَّ مَعْناهُ: الَّذِينَ يَمْكُرُونَ المَكَراتِ السَّيِّئاتِ، فَهو وصْفُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: اسْتُعْمِلَ المَكْرُ اسْتِعْمالَ العَمَلِ فَعَدّاهُ تَعْدِيَتَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٧) ﴿والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ﴾ يَحْتَمِلُ ما ذَكَرْناهُ أنْ يَكُونَ السَّيِّئاتُ وصْفًا لِمَصْدَرٍ تَقْدِيرُهُ: الَّذِينَ يَعْمَلُونَ العَمَلاتِ السَّيِّئاتِ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ هَذا في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ إشارَةً إلى بَقائِهِ وارْتِقائِهِ ﴿ومَكْرُ أُولَئِكَ﴾ أيِ العَمَلُ السَّيِّئُ ﴿هُوَ يَبُورُ﴾ إشارَةٌ إلى فَنائِهِ.
35:11Page 435
وَٱللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ جَعَلَكُمۡ أَزۡوَٰجٗاۚ وَمَا تَحۡمِلُ مِنۡ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلۡمِهِۦۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٖ وَلَا يُنقَصُ مِنۡ عُمُرِهِۦٓ إِلَّا فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ١١
And Allāh created you from dust, then from a sperm-drop; then He made you mates. And no female conceives nor does she give birth except with His knowledge. And no aged person is granted [additional] life nor is his lifespan lessened but that it is in a register. Indeed, that for Allāh is easy.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ .
قَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ الدَّلائِلَ مَعَ كَثْرَتِها وعَدَمِ دُخُولِها في عَدَدٍ مَحْصُورٍ مُنْحَصِرَةٌ في قِسْمَيْنِ: دَلائِلِ الآفاقِ ودَلائِلِ الأنْفُسِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] فَلَمّا ذَكَرَ دَلائِلَ الآفاقِ
صفحة ١٠
مِنَ السَّماواتِ، وما يُرْسَلُ مِنها مِنَ المَلائِكَةِ والأرْضِ، وما يُرْسَلُ فِيها مِنَ الرِّياحِ شَرَعَ في دَلائِلِ الأنْفُسِ، وقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَهُ مِرارًا، وذَكَرْنا ما قِيلَ مِن أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن تُرابٍ﴾ إشارَةٌ إلى خَلْقِ آدَمَ ﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ إشارَةٌ إلى خَلْقِ أوْلادِهِ، وبَيَّنّا أنَّ الكَلامَ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى هَذا التَّأْوِيلِ بَلْ ﴿خَلَقَكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ النّاسِ وهم أوْلادُ آدَمَ كُلُّهم مِن تُرابٍ ومِن نُطْفَةٍ؛ لِأنَّ كُلَّهم مِن نُطْفَةٍ والنُّطْفَةَ مِن غِذاءٍ، والغِذاءَ بِالآخِرَةِ يَنْتَهِي إلى الماءِ والتُّرابِ، فَهو مِن تُرابٍ صارَ نُطْفَةً.
وقَوْلُهُ: ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ﴾ إشارَةٌ إلى كَمالِ العَمَلِ، فَإنَّ ما في الأرْحامِ قَبْلَ الِانْخِلاقِ بَلْ بَعْدَهُ ما دامَ في البَطْنِ لا يَعْلَمُ حالَهُ أحَدٌ، كَيْفَ والأُمُّ الحامِلَةُ لا تَعْلَمُ مِنهُ شَيْئًا، فَلَمّا ذَكَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ كَمالَ قُدْرَتِهِ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلّا بِعِلْمِهِ﴾ كَمالَ عِلْمِهِ ثُمَّ بَيَّنَ نُفُوذَ إرادَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ﴾ فَبَيَّنَ أنَّهُ هو القادِرُ العالِمُ المُرِيدُ والأصْنامُ لا قُدْرَةَ لَها ولا عِلْمَ ولا إرادَةَ، فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّ شَيْءٌ مِنها العِبادَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أيِ الخَلْقَ مِنَ التُّرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ التَّعْمِيرُ والنُّقْصانُ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ العِلْمَ بِما تَحْمِلُهُ الأُنْثى يَسِيرٌ والكُلُّ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ، والأوَّلُ أشْبَهُ، فَإنَّ اليَسِيرَ اسْتِعْمالُهُ في الفِعْلِ ألْيَقُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences