Ar-RaziAn‑Nisa · 4:119–124

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:119–124

4:119–122Page 97

وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا ١١٩

And I will mislead them, and I will arouse in them [sinful] desires, and I will command them so they will slit the ears of cattle, and I will command them so they will change the creation of Allāh." And whoever takes Satan as an ally instead of Allāh has certainly sustained a clear loss.

يَعِدُهُمۡ وَيُمَنِّيهِمۡۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ١٢٠

He [i.e., Satan] promises them and arouses desire in them. But Satan does not promise them except delusion.

أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنۡهَا مَحِيصٗا ١٢١

The refuge of those will be Hell, and they will not find from it an escape.

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٗاۚ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلٗا ١٢٢

But the ones who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. [It is] the promise of Allāh, [which is] truth, and who is more truthful than Allāh in statement.

قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِن أُصُولِنا.

فالأصْلُ الأوَّلُ: المُضِلُّ هو الشَّيْطانُ، ولَيْسَ المُضِلُّ هو اللَّهَ تَعالى. قالُوا: وإنَّما قُلْنا: إنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُضِلَّ هو الشَّيْطانُ؛ لِأنَّ الشَّيْطانَ ادَّعى ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى ما كَذَّبَهُ فِيهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] وقَوْلُهُ: ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢]، وقَوْلُهُ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعْرافِ: ١٦] وأيْضًا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ وصْفَهُ بِكَوْنِهِ مُضِلًّا لِلنّاسِ في مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهُ، وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن كَوْنِ الإلَهِ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ.

والأصْلُ الثّانِي: وهو أنَّ أهْلَ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: الإضْلالُ عِبارَةٌ عَنْ خَلْقِ الكُفْرِ والضَّلالِ، وقُلْنا: لَيْسَ الإضْلالُ عِبارَةً عَنْ خَلْقِ الكُفْرِ والضَّلالِ، بِدَلِيلِ أنَّ إبْلِيسَ وصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ مُضِلٌّ مَعَ أنَّهُ بِالإجْماعِ لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ الضَّلالِ.

والجَوابُ: أنَّ هَذا كَلامُ إبْلِيسَ فَلا يَكُونُ حُجَّةً، وأيْضًا أنَّ كَلامَ إبْلِيسَ في هَذِهِ المَسْألَةِ مُضْطَرِبٌ

صفحة ٣٩

جِدًّا، فَتارَةً يَمِيلُ إلى القَدَرِ المَحْضِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحِجْرِ: ٣٩ ] . وأُخْرى إلى الجَبْرِ المَحْضِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي﴾ [الحِجْرِ ٣٩] . وتارَةً يُظْهِرُ التَّرَدُّدَ فِيهِ حَيْثُ قالَ: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القَصَصِ: ٦٣] يَعْنِي: أنَّ قَوْلَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ: نَحْنُ أُغْوِينا فَمَنِ الَّذِي أغْوانا عَنِ الدِّينِ ؟ ولا بُدَّ مِنَ انْتِهاءِ الكُلِّ بِالآخِرَةِ إلى اللَّهِ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ . واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ادَّعى أنَّهُ يُضِلُّ الخَلْقَ قالَ: ﴿ولَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ وهَذا يُشْعِرُ بِأنَّهُ لا حِيلَةَ لَهُ في الإضْلالِ أقْوى مِن إلْقاءِ الأمانِيِّ في قُلُوبِ الخَلْقِ، وطَلَبُ الأمانِيِّ يُورِثُ شَيْئَيْنِ؛ الحِرْصَ والأمَلَ، والحِرْصُ والأمَلُ يَسْتَلْزِمانِ أكْثَرَ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، وهُما كالأمْرَيْنِ اللّازِمَيْنِ لِجَوْهَرِ الإنْسانِ قالَ ﷺ: «”يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ ويَشِبُّ مَعَهُ اثْنانِ الحِرْصُ والأمَلُ“» . والحِرْصُ يَسْتَلْزِمُ رُكُوبَ أهْوالِ الدُّنْيا وأهْوالِ الدِّينِ، فَإنَّهُ إذا اشْتَدَّ حِرْصُهُ عَلى الشَّيْءِ فَقَدْ لا يَقْدِرُ عَلى تَحْصِيلِهِ إلّا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ وإيذاءِ الخَلْقِ، وإذا طالَ أمَلُهُ نَسِيَ الآخِرَةَ وصارَ غَرِيقًا في الدُّنْيا، فَلا يَكادُ يُقْدِمُ عَلى التَّوْبَةِ، ولا يَكادُ يُؤَثِّرُ فِيهِ الوَعْظُ، فَيَصِيرُ قَلْبُهُ كالحِجارَةِ أوْ أشَدَّ قَسْوَةً.

ورابِعُها: قَوْلُهُ ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ . البَتْكُ: القَطْعُ، وسَيْفٌ باتِكٌ: أيْ قاطِعٌ، والتَّبْتِيكُ التَّقْطِيعُ. قالَ الواحِدِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: التَّبْتِيكُ هَهُنا هو قَطْعُ آذانِ البَحِيرَةِ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَشُقُّونَ آذانَ النّاقَةِ إذا ولَدَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ وجاءَ الخامِسُ ذَكَرًا، وحَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ الِانْتِفاعَ بِها. وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ أنَّهم يُقَطِّعُونَ آذانَ الأنْعامِ نُسُكًا في عِبادَةِ الأوْثانِ، فَهم يَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ عِبادَةٌ، مَعَ أنَّهُ في نَفْسِهِ كُفْرٌ وفِسْقٌ.

خامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ ولِلْمُفَسِّرِينَ هَهُنا قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ تَغْيِيرُ دِينِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، والحَسَنِ، والضَّحّاكِ، ومُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ، وفي تَقْرِيرِ هَذا القَوْلِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى فَطَرَ الخَلْقَ عَلى الإسْلامِ يَوْمَ أخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ كالذَّرِّ، وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهُ رَبُّهم وآمَنُوا بِهِ، فَمَن كَفَرَ فَقَدْ غَيَّرَ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ ﷺ: «”كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ، ولَكِنْ أبَواهُ يُهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانِهِ ويُمَجِّسانِهِ“» .

والوَجْهُ الثّانِي: في تَقْرِيرِ هَذا القَوْلِ: أنَّ المُرادَ مِن تَغْيِيرِ دِينِ اللَّهِ هو تَبْدِيلُ الحَلالِ حَرامًا أوِ الحَرامِ حَلالًا.

القَوْلُ الثّانِي: حَمْلُ هَذا التَّغْيِيرِ عَلى تَغْيِيرِ أحْوالٍ كُلُّها تَتَعَلَّقُ بِالظّاهِرِ، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ الحَسَنُ: المُرادُ ما رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «”لَعَنَ اللَّهُ الواصِلاتِ والواشِماتِ“» قالَ: وذَلِكَ لِأنَّ المَرْأةَ تَتَوَصَّلُ بِهَذِهِ الأفْعالِ إلى الزِّنا.

الثّانِي: رُوِيَ عَنْ أنَسٍ، وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، وعِكْرِمَةَ، وأبِي صالِحٍ أنَّ مَعْنى تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ هَهُنا: هو الإخْصاءُ، وقَطْعُ الآذانِ، وفَقْءُ العُيُونِ؛ ولِهَذا كانَ أنَسٌ يَكْرَهُ إخْصاءَ الغَنَمِ، وكانَتِ العَرَبُ إذا بَلَغَتْ إبِلُ أحَدِهِمْ ألْفًا عَوَّرُوا عَيْنَ فَحْلِها.

الثّالِثُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ هو التَّخَنُّثُ، وأقُولُ: يَجِبُ إدْخالُ السَّحّاقاتِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا القَوْلِ؛ لِأنَّ التَّخَنُّثَ عِبارَةٌ عَنْ ذَكَرٍ يُشْبِهُ الأُنْثى، والسَّحْقَ عِبارَةٌ عَنْ أُنْثى تُشْبِهُ الذَّكَرَ.

الرّابِعُ: حَكى الزَّجّاجُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الأنْعامَ لِيَرْكَبُوها ويَأْكُلُوها، فَحَرَّمُوها عَلى أنْفُسِهِمْ؛ كالبَحائِرِ والسَّوائِبِ والوَصائِلِ. وخَلَقَ الشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّرَةً لِلنّاسِ، يَنْتَفِعُونَ بِها، فَعَبَدَها المُشْرِكُونَ، فَغَيَّرُوا خَلْقَ اللَّهِ، هَذا جُمْلَةُ كَلامِ المُفَسِّرِينَ في هَذا البابِ، ويَخْطُرُ بِبالِي هَهُنا وجْهٌ آخَرُ في تَخْرِيجِ الآيَةِ عَلى سَبِيلِ المَعْنى؛ وذَلِكَ لِأنَّ دُخُولَ الضَّرَرِ والمَرَضِ في الشَّيْءِ يَكُونُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: التَّشَوُّشُ، والنُّقْصانُ، والبُطْلانُ. فادَّعى الشَّيْطانُ لَعَنَهُ اللَّهُ إلْقاءَ أكْثَرِ الخَلْقِ في مَرَضِ الدِّينِ، وضَرَرُ الدِّينِ هو

صفحة ٤٠

قَوْلُهُ: ﴿ولَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ ثُمَّ إنَّ هَذا المَرَضَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عَلى أحَدِ الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ الَّتِي ذَكَرْناها، وهي التَّشَوُّشُ والنُّقْصانُ والبُطْلانُ، فَأمّا التَّشَوُّشُ فالإشارَةُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّ صاحِبَ الأمانِيِّ يَشْغَلُ عَقْلَهُ وفِكْرَهُ في اسْتِخْراجِ المَعانِي الدَّقِيقَةِ، والحِيَلِ والوَسائِلِ اللَّطِيفَةِ في تَحْصِيلِ المَطالِبِ الشَّهْوانِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ، فَهَذا مَرَضٌ رُوحانِيٌّ مِن جِنْسِ التَّشَوُّشِ، وأمّا النُّقْصانُ فالإشارَةُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّ بَتْكَ الآذانِ نَوْعُ نُقْصانٍ؛ وهَذا لِأنَّ الإنْسانَ إذا صارَ مُسْتَغْرِقَ العَقْلِ في طَلَبِ الدُّنْيا صارَ فاتِرَ الرَّأْيِ ضَعِيفَ الحَزْمِ في طَلَبِ الآخِرَةِ، وأمّا البُطْلانُ فالإشارَةُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّ التَّغْيِيرَ يُوجِبُ بُطْلانَ الصِّفَةِ الحاصِلَةِ في المُدَّةِ الأُولى، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن بَقِيَ مُواظِبًا عَلى طَلَبِ اللَّذّاتِ العاجِلَةِ مُعْرِضًا عَنِ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ فَلا يَزالُ يَزِيدُ في قَلْبِهِ الرَّغْبَةُ في الدُّنْيا والنُّفْرَةُ عَنِ الآخِرَةِ، ولا تَزالُ تَتَزايَدُ هَذِهِ الأحْوالُ إلى أنْ يَتَغَيَّرَ القَلْبُ بِالكُلِّيَّةِ فَلا يَخْطُرُ بِبالِهِ ذِكْرُ الآخِرَةِ البَتَّةَ، ولا يَزُولُ عَنْ خاطِرِهِ حُبُّ الدُّنْيا البَتَّةَ، فَتَكُونُ حَرَكَتُهُ وسُكُونُهُ، وقَوْلُهُ وفِعْلُهُ لِأجْلِ الدُّنْيا، وذَلِكَ يُوجِبُ تَغْيِيرَ الخِلْقَةِ؛ لِأنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ إنَّما دَخَلَتْ في هَذا العالَمِ الجُسْمانِيِّ عَلى سَبِيلِ السَّفَرِ، وهي مُتَوَجِّهَةٌ إلى عالَمِ القِيامَةِ، فَإذا نَسِيَتْ مَعادَها، وألِفَتْ هَذِهِ المَحْسُوساتِ الَّتِي لا بُدَّ مِنَ انْقِضائِها وفَنائِها كانَ هَذا بِالحَقِيقَةِ تَغْيِيرًا لِلْخِلْقَةِ، وهو كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [الحَشْرِ: ١٩] وقالَ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ [الحَجِّ: ٤٦] .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الشَّيْطانِ دَعاوِيَهِ في الإغْواءِ والضَّلالِ حَذَّرَ النّاسَ عَنْ مُتابَعَتِهِ، فَقالَ: ﴿ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ . واعْلَمْ أنَّ أحَدًا لا يَخْتارُ أنْ يَتَّخِذَ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ، ولَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ إذا فَعَلَ ما أمَرَهُ الشَّيْطانُ بِهِ، وتَرَكَ ما أمَرَهُ الرَّحْمَنُ بِهِ صارَ كَأنَّهُ اتَّخَذَ الشَّيْطانَ ولِيًّا لِنَفْسِهِ، وتَرَكَ وِلايَةَ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما قالَ: ﴿خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾؛ لِأنَّ طاعَةَ اللَّهِ تُفِيدُ المَنافِعَ العَظِيمَةَ الدّائِمَةَ الخالِصَةَ عَنْ شَوائِبِ الضَّرَرِ، وطاعَةَ الشَّيْطانِ تُفِيدُ المَنافِعَ الثَّلاثَةَ المُنْقَطِعَةَ المَشُوبَةَ بِالغُمُومِ والأحْزانِ والآلامِ الغالِبَةِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ عَقْلًا، فَمَن رَغِبَ في وِلايَتِهِ فَقَدْ فاتَهُ أشْرَفُ المَطالِبِ وأجَلُّها بِسَبَبِ أخَسِّ المَطالِبِ وأدْوَنِها، ولا شَكَّ أنَّ هَذا هو الخَسارُ المُطْلَقُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ . واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ عُمْدَةَ أمْرِ الشَّيْطانِ إنَّما هو بِإلْقاءِ الأمانِيِّ في القَلْبِ، وأمّا تَبْتِيكُ الآذانِ وتَغْيِيرُ الخِلْقَةِ فَذاكَ مِن نَتائِجِ إلْقاءِ الأمانِيِّ في القَلْبِ، ومِن آثارِهِ، فَلا جَرَمَ نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى عَلى ما هو العُمْدَةُ في دَفْعِ تِلْكَ الأمانِيِّ، وهو أنَّ تِلْكَ الأمانِيَّ لا تُفِيدُ إلّا الغُرُورَ، والغُرُورُ: هو أنْ يَظُنَّ الإنْسانُ بِالشَّيْءِ أنَّهُ نافِعٌ ولَذِيذٌ، ثُمَّ يَتَبَيَّنَ اشْتِمالُهُ عَلى أعْظَمِ الآلامِ والمَضارِّ، وجَمِيعُ أحْوالِ الدُّنْيا كَذَلِكَ، والعاقِلُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلى شَيْءٍ مِنها، ومِثالُ هَذا أنَّ الشَّيْطانَ يُلْقِي في قَلْبِ الإنْسانِ أنَّهُ سَيَطُولُ عُمُرُهُ، ويَنالُ مِنَ الدُّنْيا أمَلَهُ ومَقْصُودَهُ، ويَسْتَوْلِي عَلى أعْدائِهِ، ويَقَعُ في قَلْبِهِ أنَّ الدُّنْيا دُوَلٌ، فَرُبَّما تَيَسَّرَتْ لَهُ كَما تَيَسَّرَتْ لِغَيْرِهِ، إلّا أنَّ كُلَّ ذَلِكَ غُرُورٌ فَإنَّهُ رُبَّما لَمْ يَطُلْ عُمُرُهُ، وإنْ طالَ فَرُبَّما لَمْ يَجِدْ مَطْلُوبَهُ، وإنْ طالَ عُمُرُهُ ووَجَدَ مَطْلُوبَهُ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ عِنْدَ المَوْتِ في أعْظَمِ أنْواعِ الغَمِّ والحَسْرَةِ؛ فَإنَّ المَطْلُوبَ كُلَّما كانَ ألَذَّ وأشْهى، وكانَ الإلْفُ مَعَهُ أدْوَمَ وأبْقى كانَتْ مُفارَقَتُهُ أشَدَّ إيلامًا، وأعْظَمَ تَأْثِيرًا في حُصُولِ الغَمِّ والحَسْرَةِ، فَظَهَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُنَبِّهَةٌ عَلى ما هو العُمْدَةُ والقاعِدَةُ في هَذا البابِ.

صفحة ٤١

وفِي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ الشَّيْطانَ يَعِدُهم بِأنَّهُ لا قِيامَةَ ولا جَزاءَ فاجْتَهَدُوا في اسْتِيفاءِ اللَّذّاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ واعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا أنَّ الغُرُورَ عِبارَةٌ عَنِ الحالَةِ الَّتِي تَحْصُلُ لِلْإنْسانِ عِنْدَ وِجْدانِ ما يُسْتَحْسَنُ ظاهِرُهُ إلّا أنَّهُ يَعْظُمُ تَأذِّيهِ عِنْدَ انْكِشافِ الحالِ فِيهِ، والِاسْتِغْراقُ في طَيِّباتِ الدُّنْيا، والِانْهِماكُ في مَعاصِي اللَّهِ سُبْحانَهُ وإنْ كانَ في الحالِ لَذِيذًا إلّا أنَّ عاقِبَتَهُ عَذابُ جَهَنَّمَ، وسُخْطُ اللَّهِ، والبُعْدُ عَنْ رَحْمَتِهِ، فَكانَ هَذا المَعْنى مِمّا يُقَوِّي ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن أنَّهُ لَيْسَ إلّا الغُرُورُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ المَحِيصُ: المَعْدِلُ والمَفَرُّ.

قالَ الواحِدِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: هَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِن وُرُودِها.

الثّانِي: التَّخْلِيدُ الَّذِي هو نَصِيبُ الكُفّارِ، وهَذا غَيْرُ بَعِيدٍ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَجِدُونَ﴾ عائِدٌ إلى الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، وهُمُ الَّذِينَ قالَ الشَّيْطانُ: لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا. والأظْهَرُ أنَّ الَّذِي يَكُونُ نَصِيبًا لِلشَّيْطانِ هُمُ الكُفّارُ.

ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ الوَعِيدَ أرْدَفَهُ بِالوَعْدِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى في أكْثَرِ آياتِ الوَعْدِ ذَكَرَ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ ولَوْ كانَ الخُلُودُ يُفِيدُ التَّأْبِيدَ والدَّوامَ لَلَزِمَ التَّكْرارُ وهو خِلافُ الأصْلِ، فَعَلِمْنا أنَّ الخُلُودَ عِبارَةٌ عَنْ طُولِ المُكْثِ لا عَنِ الدَّوامِ، وأمّا في آياتِ الوَعِيدِ فَإنَّهُ يَذْكُرُ الخُلُودَ ولَمْ يَذْكُرِ التَّأْبِيدَ إلّا في حَقِّ الكُفّارِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِقابَ الفُسّاقِ مُنْقَطِعٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: هُما مَصْدَرانِ:

الأوَّلُ: مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ، كَأنَّهُ قالَ: وعَدَ وعْدًا، و”حَقًّا“ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ، أيْ: حَقَّ ذَلِكَ حَقًّا.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ وهو تَوْكِيدٌ ثالِثٌ بَلِيغٌ.

وفائِدَةُ هَذِهِ التَّوْكِيداتِ مُعارَضَةُ ما ذَكَرَهُ الشَّيْطانُ لِأتْباعِهِ مِنَ المَواعِيدِ الكاذِبَةِ والأمانِيِّ الباطِلَةِ، والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ وعْدَ اللَّهِ أوْلى بِالقَبُولِ وأحَقُّ بِالتَّصْدِيقِ مِن قَوْلِ الشَّيْطانِ الَّذِي لَيْسَ أحَدٌ أكْذَبَ مِنهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) بِإشْمامِ الصّادِ الزّايَ، وكَذَلِكَ كَلُّ صادٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها دالٌ في القُرْآنِ، نَحْوَ: (قَصْدُ السَّبِيلِ) [النَّحْلِ: ٩] (فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ) [الحِجْرِ: ٩٤] والقِيلُ: مَصْدَرُ قالَ قَوْلًا وقِيلًا، وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: فالقِيلُ والقالُ: اسْمانِ لا مَصْدَرانِ.

4:123Page 98

لَّيۡسَ بِأَمَانِيِّكُمۡ وَلَآ أَمَانِيِّ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِۗ مَن يَعۡمَلۡ سُوٓءٗا يُجۡزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدۡ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٢٣

It [i.e., Paradise] is not [obtained] by your wishful thinking nor by that of the People of the Scripture. Whoever does a wrong will be recompensed for it, and he will not find besides Allāh a protector or a helper.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الأُمْنِيَّةُ أُفْعُولَةٌ مِنَ المُنْيَةِ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا اللَّفْظِ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحَجِّ: ٥٢] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَيْسَ: فِعْلٌ، فَلا بُدَّ مِنَ اسْمٍ يَكُونُ هو مُسْنَدًا إلَيْهِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: لَيْسَ الثَّوابُ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ والوَعْدُ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ الآيَةَ، بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ، أيْ

صفحة ٤٢

لَيْسَ يُسْتَحَقُّ بِالأمانِيِّ إنَّما يُسْتَحَقُّ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

الثّانِي: لَيْسَ وضْعُ الدِّينِ عَلى أمانِيِّكم.

الثّالِثُ: لَيْسَ الثَّوابُ والعِقابُ بِأمانِيِّكم، والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ إسْنادَ ”لَيْسَ“ إلى ما هو مَذْكُورٌ فِيما قَبْلُ أوْلى مِن إسْنادِهِ إلى ما هو غَيْرُ مَذْكُورٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ خِطابٌ مَعَ مَن ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ خِطابٌ مَعَ عَبَدَةِ الأوْثانِ، وأمانِيُّهم: أنْ لا يَكُونُ هُناكَ حَشْرٌ، ولا نَشْرٌ، ولا ثَوابٌ، ولا عِقابٌ، وإنِ اعْتَرَفُوا بِهِ لَكِنَّهم يَصِفُونَ أصْنامَهم بِأنَّها شُفَعاؤُهم عِنْدَ اللَّهِ، وأمّا أمانِيُّ أهْلِ الكِتابِ فَهو قَوْلُهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البَقَرَةِ: ١١١] . وقَوْلُهم: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائِدَةِ: ١٨] فَلا يُعَذِّبُنا، وقَوْلُهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البَقَرَةِ: ٨٠] .

القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ مَعَ المُسْلِمِينَ، وأمانِيُّهم أنْ يَغْفِرَ لَهم وإنِ ارْتَكَبُوا الكَبائِرَ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ تَعالى يَخُصُّ بِالعَفْوِ والرَّحْمَةِ مَن يَشاءُ، كَما قالَ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ١١٦] . ورُوِيَ أنَّهُ تَفاخَرَ المُسْلِمُونَ وأهْلُ الكِتابِ، فَقالَ أهْلُ الكِتابِ: نَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم، وكِتابُنا قَبْلَ كِتابِكم، ونَحْنُ أوْلى بِاللَّهِ مِنكم، وقالَ المُسْلِمُونَ: نَبِيُّنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ، وكِتابُنا ناسِخُ الكُتُبِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَعْفُو عَنْ شَيْءٍ مِنَ السَّيِّئاتِ، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا يُشْكِلُ بِالصَّغائِرِ فَإنَّها مَغْفُورَةٌ قالُوا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ العامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ حُجَّةٌ.

والثّانِي: أنَّ صاحِبَ الصَّغِيرَةِ قَدِ انْحَبَطَ مِن ثَوابِ طاعَتِهِ بِمِقْدارِ عِقابِ تِلْكَ المَعْصِيَةِ، فَهَهُنا قَدْ وصَلَ جَزاءُ تِلْكَ المَعْصِيَةِ إلَيْهِ.

أجابَ أصْحابُنا عَنْهُ بِأنَّ الكَلامَ عَلى عُمُوماتِهِ قَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٨١] والَّذِي نَزِيدُهُ في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الجَزاءِ ما يَصِلُ إلى الإنْسانِ في الدُّنْيا مِنَ الغُمُومِ والهُمُومِ، والأحْزانِ والآلامِ والأسْقامِ ؟ والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْنا القُرْآنُ والخَبَرُ، أمّا القُرْآنُ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا﴾ [المائِدَةِ: ٣٨] سَمّى ذَلِكَ القَطْعَ بِالجَزاءِ، وأمّا الخَبَرُ فَما «رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: كَيْفَ الصَّلاحُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ؟ فَقالَ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يا أبا بَكْرٍ ألَسْتَ تَمْرَضُ، ألَيْسَ يُصِيبُكَ الأذى ؟ فَهو ما تُجْزَوْنَ» .

«وعَنْ عائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْها- أنَّ رَجُلًا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: أنُجْزى بِكُلِّ ما نَعْمَلُ ؟ ! لَقَدْ هَلَكْنا، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ كَلامُهُ، فَقالَ: يُجْزى المُؤْمِنُ في الدُّنْيا بِمُصِيبَتِهِ في جَسَدِهِ وما يُؤْذِيهِ» . وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَكَيْنا وحَزِنّا وقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أبْقَتْ هَذِهِ الآيَةُ لَنا شَيْئًا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”أبْشِرُوا فَإنَّهُ لا يُصِيبُ أحَدٌ مِنكم مُصِيبَةٌ في الدُّنْيا إلّا جَعَلَها اللَّهُ لَهُ كَفّارَةً حَتّى الشَّوْكَةُ الَّتِي تَقَعُ في قَدَمِهِ“» .

الوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: هَبْ أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ إنَّما يَصِلُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، لَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ الجَزاءُ بِنَقْصِ ثَوابِ إيمانِهِ وسائِرِ طاعاتِهِ ؟ ويَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ والخَبَرُ والمَعْقُولُ.

أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ .

صفحة ٤٣

وأمّا الخَبَرُ: فَما رَوى الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّتْ عَلى المُؤْمِنِينَ مَشَقَّةً شَدِيدَةً، وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وأيُّنا لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا فَكَيْفَ الجَزاءُ ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنَّهُ تَعالى وعَدَ عَلى الطّاعَةِ عَشْرَ حَسَناتٍ وعَلى المَعْصِيَةِ الواحِدَةِ عُقُوبَةً واحِدَةً، فَمَن جُوزِيَ بِالسَّيِّئَةِ نَقَصَتْ واحِدَةٌ مِن عَشَرَةٍ، وبَقِيَتْ لَهُ تِسْعُ حَسَناتٍ فَوَيْلٌ لِمَن غَلَبَتْ آحادُهُ أعْشارَهُ“» .

وأمّا المَعْقُولُ: فَهو أنَّ ثَوابَ الإيمانِ وجَمِيعَ الطّاعاتِ أعْظَمُ لا مَحالَةَ مِن عِقابِ الكَبِيرَةِ الواحِدَةِ، والعَدْلُ يَقْتَضِي أنْ يُحَطَّ مِنَ الأكْثَرِ مِثْلُ الأقَلِّ، فَيَبْقى حِينَئِذٍ مِنَ الأكْثَرِ شَيْءٌ زائِدٌ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ بِسَبَبِ تِلْكَ الزِّيادَةِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في الكُفّارِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ [النِّساءِ: ١٢٤] . فالمُؤْمِنُ الَّذِي أطاعَ اللَّهَ سَبْعِينَ سَنَةً ثُمَّ شَرِبَ قَطْرَةً مِنَ الخَمْرِ فَهو مُؤْمِنٌ قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّهُ يَدْخُلُ الجَنَّةَ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُهم: خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا فَهو باطِلٌ لِلدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى﴾ [الحُجُراتِ: ٩] سَمّى الباغِيَ حالَ كَوْنِهِ باغِيًا مُؤْمِنًا، وقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٧] سَمّى صاحِبَ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوانِ مُؤْمِنًا، وقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ﴾ [التَّحْرِيمِ: ٨] . سَمّاهُ مُؤْمِنًا حالَ ما أمَرَهُ بِالتَّوْبَةِ، فَثَبَتَ أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ، وإذا كانَ مُؤْمِنًا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ حُجَّةً في أنَّ المُؤْمِنَ الَّذِي يَكُونُ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ مَخْصُوصًا بِأهْلِ الكُفْرِ.

الوَجْهُ الرّابِعُ في الجَوابِ: هَبْ أنَّ النَّصَّ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨] أخَصُّ مِنهُ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ؛ ولِأنَّ إلْحاقَ التَّأْوِيلِ بِعُمُوماتِ الوَعِيدِ أوْلى مِن إلْحاقِهِ بِعُمُوماتِ الوَعْدِ؛ لِأنَّ الوَفاءَ بِالوَعْدِ كَرَمٌ، وإهْمالَ الوَعِيدِ وحَمْلَهُ عَلى التَّأْوِيلِ بِالتَّعْرِيضِ جُودٌ وإحْسانٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المُحَرَّماتِ، فَدَخَلَ فِيهِ ما صَدَرَ عَنِ الكُفّارِ مِمّا هو مُحَرَّمٌ في دِينِ الإسْلامِ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿يُجْزَ بِهِ﴾ يَدُلُّ عَلى وُصُولِ جَزاءِ كُلِّ ذَلِكَ إلَيْهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الجَزاءُ عِبارَةً عَمّا يَصِلُ إلَيْهِمْ مِنَ الهُمُومِ والغُمُومِ في الدُّنْيا ؟ .

قُلْنا: إنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَصِلَ جَزاءُ أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا إذْ لا سَبِيلَ إلى إيصالِ ذَلِكَ الجَزاءِ إلَيْهِمْ في الآخِرَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ تَنَعُّمُهم في الدُّنْيا أكْثَرَ ولَذّاتُهم هَهُنا أكْمَلَ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «”الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ“» وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يُقالَ: إنَّ جَزاءَ أفْعالِهِمُ المَحْظُورَةِ تَصِلُ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا، فَوَجَبَ القَوْلُ بِوُصُولِ ذَلِكَ الجَزاءِ إلَيْهِمْ في الآخِرَةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ العَبْدَ فاعِلٌ، ودَلَّتْ أيْضًا عَلى أنَّهُ بِعَمَلِ السُّوءِ يَسْتَحِقُّ الجَزاءَ، وإذا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى مَجْمُوعِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، فَقَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّ اللَّهَ غَيْرُ خالِقٍ لِأفْعالِ العِبادِ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا كانَ عَمَلًا لِلْعَبْدِ امْتَنَعَ كَوْنُهُ عَمَلًا لِلَّهِ تَعالى؛ لِاسْتِحالَةِ حُصُولِ مَقْدُورٍ واحِدٍ

صفحة ٤٤

بِقادِرَيْنِ.

والثّانِي: أنَّهُ لَوْ حَصَلَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَما اسْتَحَقَّ العَبْدُ عَلَيْهِ جَزاءً البَتَّةَ وذَلِكَ باطِلٌ؛ لَأنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّ العَبْدَ يَسْتَحِقُّ الجَزاءَ عَلى عَمَلِهِ، واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ عَلى هَذا النَّوْعِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ مُكَرَّرٌ في هَذا الكِتابِ.

* * *

(ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا) .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ .

قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى نَفْيِ الشَّفاعَةِ، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنّا قُلْنا إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في حَقِّ الكُفّارِ.

والثّانِي: أنَّ شَفاعَةَ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ في حَقِّ العُصاةِ إنَّما تَكُونُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا ولِيَّ لِأحَدٍ ولا نَصِيرَ لِأحَدٍ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.

4:124Page 98

وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ نَقِيرٗا ١٢٤

And whoever does righteous deeds, whether male or female, while being a believer - those will enter Paradise and will not be wronged, [even as much as] the speck on a date seed.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ .

قالَ مَسْرُوقٌ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ . قالَ أهْلُ الكِتابِ لِلْمُسْلِمِينَ: نَحْنُ وأنْتُمْ سَواءٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”يُدْخَلُونَ الجَنَّةَ“ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وكَذَلِكَ في سُورَةِ مَرْيَمَ وفي حم المُؤْمِنِ، والباقُونَ: بِفَتْحِ الياءِ، وضَمِّ الخاءِ في هَذِهِ السُّوَرِ جَمِيعًا عَلى أنَّ الدُّخُولَ مُضافٌ إلَيْهِمْ، وكِلاهُما حَسَنٌ، والأوَّلُ أحْسَنُ؛ لِأنَّهُ أفْخَمُ، ويَدُلُّ عَلى مُثِيبٍ أدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ ويُوافِقُ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾ .

وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ فَهي مُطابِقَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٧٠]، ولِقَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ [الحِجْرِ: ٤٦] . واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالُوا: الفَرْقُ بَيْنَ ”مَنِ“ الأُولى والثّانِيَةِ، أنَّ الأُولى لِلتَّبْعِيضِ، والمُرادُ: مَن يَعْمَلْ بَعْضَ الصّالِحاتِ؛ لِأنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَعْمَلَ جَمِيعَ الصّالِحاتِ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ إذا عَمِلَ بَعْضَها حالَ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا اسْتَحَقَّ الثَّوابَ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ لا يَبْقى مُخَلَّدًا في النّارِ، بَلْ يُنْقَلُ إلى الجَنَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ إذا كانَ قَدْ صَلّى وصامَ وحَجَّ وزَكّى وجَبَ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ، ولَزِمَ بِحُكْمِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى وعِيدِ الفُسّاقِ أنْ يَدْخُلَ النّارَ، فَأمّا أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ، ثُمَّ يُنْقَلَ إلى النّارِ فَذَلِكَ باطِلٌ بِالإجْماعِ، أوْ يَدْخُلُ النّارَ ثُمَّ يُنْقَلُ إلى الجَنَّةِ فَذَلِكَ هو الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ واللَّهُ أعْلَمُ.

صفحة ٤٥

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: النَّقِيرُ: نُقْرَةٌ في ظَهْرِ النَّواةِ مِنها تَنْبُتُ النَّخْلَةُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يُنْقَصُونَ قَدْرَ مَنبِتِ النَّواةِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ خَصَّ اللَّهُ الصّالِحِينَ بِأنَّهم لا يُظْلَمُونَ مَعَ أنَّ غَيْرَهم كَذَلِكَ كَما قالَ: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقالَ: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٠٨] .

والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الرّاجِعُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾ عائِدًا إلى عُمّالِ السُّوءِ وعُمّالِ الصّالِحاتِ جَمِيعًا.

والثّانِي: أنَّ كُلَّ ما لا يَنْقُصُ عَنِ الثَّوابِ كانَ بِأنْ لا يَزِيدَ في العِقابِ أوْلى هَذا هو الحُكْمُ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا الحُكْمَ عَلى وفْقِ تَعارُفِ الخَلْقِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском