Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:112–114
6:112Page 142
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ١١٢
And thus We have made for every prophet an enemy - devils from mankind and jinn, inspiring to one another decorative speech in delusion. But if your Lord had willed, they would not have done it, so leave them and that which they invent.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: (وكَذَلِكَ) مَنسُوقٌ عَلى شَيْءٍ، وفي تَعْيِينِ ذَلِكَ الشَّيْءِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مَنسُوقٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ أيْ كَما فَعَلْنا ذَلِكَ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ .
الثّانِي: مَعْناهُ: جَعَلْنا لَكَ عَدُوًّا كَما جَعَلْنا لِمَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (كَذَلِكَ) عَطْفًا عَلى مَعْنى ما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَ لَهُ أعْداءً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي جَعَلَ أُولَئِكَ الأعْداءَ أعْداءً لِلنَّبِيِّ ﷺ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ العَداوَةَ مَعْصِيَةٌ وكُفْرٌ. فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ خالِقَ الخَيْرِ والشَّرِّ والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ والإيمانِ والكُفْرِ هو اللَّهُ تَعالى.
أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ: بِأنَّ المُرادَ بِهَذا الجَعْلِ الحُكْمُ والبَيانُ، فَإنَّ الرَّجُلَ إذا حَكَمَ بِكُفْرِ إنْسانٍ قِيلَ: إنَّهُ كَفَّرَهُ، وإذا أخْبَرَ عَنْ عَدالَتِهِ، قِيلَ: إنَّهُ عَدَّلَهُ، فَكَذا هاهُنا أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَوْنَهم أعْداءً لَهُ لا جَرَمَ قالَ: إنَّهُ جَعَلَهم أعْداءً لَهُ، وأجابَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ عَنْهُ: بِأنَّهُ تَعالى لَمّا أرْسَلَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى العالَمِينَ وخَصَّهُ بِتِلْكَ المُعْجِزَةِ حَسَدُوهُ، وصارَ ذَلِكَ الحَسَدُ سَبَبًا لِلْعَداوَةِ القَوِيَّةِ، فَلِهَذا التَّأْوِيلِ قالَ: إنَّهُ تَعالى جَعَلَهم أعْداءً لَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ المُتَنَبِّي:
فَأنْتَ الَّذِي صَيَّرْتَهم لِي حُسَّدًا
وأجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ: بِأنَّهُ تَعالى أمَرَ الأنْبِياءَ بِعَدَواتِهِمْ وأعْلَمَهم كَوْنَهم أعْداءً لَهم، وذَلِكَ يَقْتَضِي صَيْرُورَتَهم أعْداءً لِلْأنْبِياءِ؛ لِأنَّ العَداوَةَ لا تَحْصُلُ إلّا مِنَ الجانِبَيْنِ، فَلِهَذا الوَجْهِ جازَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى جَعَلَهم أعْداءً لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأجْوِبَةَ ضَعِيفَةٌ جِدًّا لِما بَيَّنّا أنَّ الأفْعالَ مُسْتَنِدَةٌ إلى الدَّواعِي، وهي حادِثَةٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَقَدْ صَحَّ مَذْهَبُنا.
ثُمَّ هاهُنا بَحْثٌ آخَرُ: وهو أنَّ العَداوَةَ والصَّداقَةَ يَمْتَنِعُ أنْ تَحْصُلَ بِاخْتِيارِ الإنْسانِ، فَإنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَبْلُغُ
صفحة ١٢٦
فِي عَداوَةِ غَيْرِهِ إلى حَيْثُ لا يَقْدِرُ البَتَّةَ عَلى إزالَةِ تِلْكَ الحالَةِ عَنْ قَلْبِهِ، بَلْ قَدْ لا يَقْدِرُ عَلى إخْفاءِ آثارِ تِلْكَ العَداوَةِ، ولَوْ أتى بِكُلِّ تَكَلُّفٍ وحِيلَةٍ لَعَجِزَ عَنْهُ، ولَوْ كانَ حُصُولُ العَداوَةِ والصَّداقَةِ في القَلْبِ بِاخْتِيارِ الإنْسانِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مُتَمَكِّنًا مِن قَلْبِ العَداوَةِ بِالصَّداقَةِ وبِالضِّدِّ، وكَيْفَ لا نَقُولُ ذَلِكَ والشُّعَراءُ عَرَفُوا أنَّ ذَلِكَ خارِجٌ عَنِ الوُسْعِ ؟ قالَ المُتَنَبِّي:
يُرادُ مِنَ القَلْبِ نِسْيانُكم ∗∗∗ وتَأْبى الطِّباعُ عَلى النّاقِلِ
والعاشِقُ الَّذِي يَشْتَدُّ عِشْقُهُ قَدْ يَحْتالُ بِجَمِيعِ الحِيَلِ في إزالَةِ عِشْقِهِ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، ولَوْ كانَ حُصُولُ ذَلِكَ الحُبِّ والبُغْضِ بِاخْتِيارِهِ لَما عَجَزَ عَنْ إزالَتِهِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: النَّصْبُ في قَوْلِهِ: ﴿شَياطِينَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: (عَدُوًّا) .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (عَدُوًّا) مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، والتَّقْدِيرُ: وكَذَلِكَ جَعَلْنا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ أعْداءَ الأنْبِياءِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في مَعْنى شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ عَلى قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى مَرَدَةُ الإنْسِ والجِنِّ، والشَّيْطانُ كُلُّ عاتٍ مُتَمَرِّدٍ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ، وهَؤُلاءِ قالُوا: إنَّ مِنَ الجِنِّ شَياطِينَ، ومِنَ الإنْسِ شَياطِينَ، وإنَّ الشَّيْطانَ مِنَ الجِنِّ إذا أعْياهُ المُؤْمِنُ ذَهَبَ إلى مُتَمَرِّدٍ مِنَ الإنْسِ، وهو شَيْطانُ الإنْسِ فَأغْراهُ بِالمُؤْمِنِ لِيَفْتِنَهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ لِأبِي ذَرٍّ: «هَلْ تَعَوَّذْتَ بِاللَّهِ مِن شَرِّ شَياطِينِ الجِنِّ والإنْسِ ؟ قالَ قُلْتُ: وهَلْ لِلْإنْسِ مِن شَياطِينَ ؟ قالَ: نَعَمْ؛ هم شَرٌّ مِن شَياطِينِ الجِنِّ» .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الجَمِيعَ مِن ولَدِ إبْلِيسَ إلّا أنَّهُ جَعَلَ ولَدَهُ قِسْمَيْنِ، فَأرْسَلَ أحَدَ القِسْمَيْنِ إلى وسْوَسَةِ الإنْسِ، والقِسْمَ الثّانِي إلى وسْوَسَةِ الجِنِّ، فالفَرِيقانِ شَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: القَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ الشِّكايَةُ مِن سَفاهَةِ الكُفّارِ الَّذِينَ هُمُ الأعْداءُ، وهُمُ الشَّياطِينُ، ومِنهم مَن يَقُولُ: القَوْلُ الثّانِي أوْلى؛ لِأنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَقْتَضِي إضافَةَ الشَّياطِينِ إلى الإنْسِ والجِنِّ. والإضافَةُ تَقْتَضِي المُغايَرَةَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالشَّياطِينُ نَوْعٌ مُغايِرٌ لِلْجِنِّ وهم أوْلادُ إبْلِيسَ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ: قَوْلُهُ: (عَدُوًّا) بِمَعْنى أعْداءً، وأنْشَدَ ابْنُ الأنْبارِيِّ:
إذا أنا لَمْ أنْفَعْ صَدِيقِي بِوِدِّهِ ∗∗∗ فَإنَّ عَدُوِّي لَنْ يَضُرُّهُمُو بُغْضِي
أرادَ أعْدائِي، فَأدّى الواحِدَ عَنِ الجَمْعِ، ولَهُ نَظائِرُ في القُرْآنِ، ومِنها:
قَوْلُهُ: ﴿ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات: ٢٤] جَعَلَ المُكْرَمِينَ وهو جَمْعٌ نَعْتًا لِلضَّيْفِ وهو واحِدٌ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ﴾ [ق: ١٠] .
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ [النور: ٣١] .
ورابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٢، ٣] .
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ [آل عمران: ٩٣] أكَّدَ المُفْرِدَ بِما يُؤَكَّدُ الجَمْعُ بِهِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا حاجَةَ إلى هَذا التَّكَلُّفِ، فَإنَّ التَّقْدِيرَ: وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عَدُوًّا واحِدًا، إذْ لا يَجِبُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الأنْبِياءِ أكْثَرُ مِن عَدُوٍّ واحِدٍ.
* * *
صفحة ١٢٧
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ فالمُرادُ أنَّ أُولَئِكَ الشَّياطِينَ يُوَسْوِسُ بَعْضُهم بَعْضًا.
واعْلَمْ أنَّهُ لا يَجِبُ أنْ تَكُونَ كُلُّ مَعْصِيَةٍ تَصْدُرُ عَنْ إنْسانٍ فَإنَّها تَكُونُ بِسَبَبِ وسْوَسَةِ شَيْطانٍ، وإلّا لَزِمَ دُخُولُ التَّسَلْسُلِ أوِ الدَّوْرِ في هَؤُلاءِ الشَّياطِينِ، فَوَجَبَ الِاعْتِرافُ بِانْتِهاءِ هَذِهِ القَبائِحِ والمَعاصِي إلى قَبِيحٍ أوَّلَ، ومَعْصِيَةٍ سابِقَةٍ حَصَلَتْ لا بِوَسْوَسَةِ شَيْطانٍ آخَرَ.
إذا ثَبَتَ هَذا الأصْلُ فَنَقُولُ: إنَّ أُولَئِكَ الشَّياطِينَ كَما أنَّهم يُلْقُونَ الوَساوِسَ إلى الإنْسِ والجِنِّ فَقَدْ يُوَسْوِسُ بَعْضُهم بَعْضًا، ولِلنّاسِ فِيهِ مَذاهِبُ: مِنهم مَن قالَ: الأرْواحُ إمّا فَلَكِيَّةٌ وإمّا أرْضِيَّةٌ، والأرْواحُ الأرْضِيَّةُ مِنها طَيِّبَةٌ طاهِرَةٌ خَيِّرَةٌ آمِرَةٌ بِالطّاعَةِ والأفْعالِ الحَسَنَةِ، وهُمُ المَلائِكَةُ الأرْضِيَّةُ. ومِنها خَبِيثَةٌ قَذِرَةٌ شِرِّيرَةٌ، آمِرَةٌ بِالقَبائِحِ والمَعاصِي، وهُمُ الشَّياطِينُ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الأرْواحَ الطَّيِّبَةَ كَما أنَّها تَأْمُرُ النّاسَ بِالطّاعاتِ والخَيْراتِ، فَكَذَلِكَ قَدْ يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِالطّاعاتِ، والأرْواحُ الخَبِيثَةُ كَما أنَّها تَأْمُرُ النّاسَ بِالقَبائِحِ والمُنْكَراتِ، فَكَذَلِكَ قَدْ يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِتِلْكَ القَبائِحِ والزِّيادَةِ فِيها. وما لَمْ يَحْصُلْ نَوْعٌ مِن أنْواعِ المُناسَبَةِ بَيْنَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ، وبَيْنَ تِلْكَ الأرْواحِ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ الِانْضِمامُ، فالنُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ، إذا كانَتْ طاهِرَةً نَقِيَّةً عَنِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ كانَتْ مِن جِنْسِ الأرْواحِ الطّاهِرَةِ فَتَنْضَمُّ إلَيْها، وإذا كانَتْ خَبِيثَةً مَوْصُوفَةً بِالصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ كانَتْ مِن جِنْسِ الأرْواحِ الخَبِيثَةِ فَتَنْضَمُّ إلَيْها، ثُمَّ إنَّ صِفاتِ الطَّهارَةِ كَثِيرَةٌ، وصِفاتِ الخُبْثِ والنُّقْصانِ كَثِيرَةٌ، وبِحَسَبِ كُلِّ نَوْعٍ مِنها طَوائِفُ مِنَ البَشَرِ وطَوائِفُ مِنَ الأرْواحِ الأرْضِيَّةِ بِحَسَبِ تِلْكَ المُجانَسَةِ والمُشابَهَةِ والمُشاكَلَةِ يَنْضَمُّ الجِنْسُ إلى جِنْسِهِ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ في أفْعالِ الخَيْرِ كانَ الحامِلُ عَلَيْها مَلَكًا، وكانَ تَقْوِيَةُ ذَلِكَ الخاطِرِ إلْهامًا، وإنْ كانَ في بابِ الشَّرِّ كانَ الحامِلُ عَلَيْها شَيْطانًا، وكانَ تَقْوِيَةُ ذَلِكَ الخاطِرِ وسْوَسَةً.
إذا عَرَفْتَ هَذا الأصْلَ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى عَبَّرَ عَنْ هَذِهِ الحالَةِ المَذْكُورَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ فَيَجِبُ عَلَيْنا تَفْسِيرُ ألْفاظٍ ثَلاثَةٍ:
الأوَّلُ: الوَحْيُ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الإيماءِ والقَوْلِ السَّرِيعِ.
والثّانِي: الزُّخْرُفُ وهو الَّذِي يَكُونُ باطِنُهُ باطِلًا، وظاهِرُهُ مُزَيَّنًا ظاهِرًا، يُقالُ: فُلانٌ يُزَخْرِفُ كَلامَهُ إذا زَيَّنَهُ بِالباطِلِ والكَذِبِ، وكُلُّ شَيْءٍ حَسَنٍ مُمَوَّهٍ فَهو مُزَخْرَفٌ.
واعْلَمْ أنَّ تَحْقِيقَ الكَلامِ فِيهِ أنَّ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْتَقِدْ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ كَوْنَهُ مُشْتَمِلًا عَلى خَيْرٍ راجِحٍ ونَفْعٍ زائِدٍ، فَإنَّهُ لا يَرْغَبُ فِيهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ الفاعِلُ المُخْتارُ مُخْتارًا لِكَوْنِهِ طالِبًا لِلْخَيْرِ والنَّفْعِ، ثُمَّ إنْ كانَ هَذا الِاعْتِقادُ مُطابِقًا لِلْمُعْتَقَدِ، فَهو الحَقُّ والصِّدْقُ والإلْهامُ وإنْ كانَ صادِرًا مِنَ المَلَكِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَقَدًا مُطابِقًا لِلْمُعْتَقَدِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ظاهِرُهُ مُزَيَّنًا؛ لِأنَّهُ في اعْتِقادِهِ سَبَبٌ لِلنَّفْعِ الزّائِدِ والصَّلاحِ الرّاجِحِ، ويَكُونُ باطِنُهُ فاسِدًا باطِلًا؛ لِأنَّ هَذا الِاعْتِقادَ غَيْرُ مُطابِقٍ لِلْمُعْتَقَدِ فَكانَ مُزَخْرَفًا، فَهَذا تَحْقِيقُ هَذا الكَلامِ.
والثّالِثُ: قَوْلُهُ: (غُرُورًا) قالَ الواحِدِيُّ: (غُرُورًا) مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، وهَذا المَصْدَرُ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ مَعْنى إيحاءِ الزُّخْرُفِ مِنَ القَوْلِ مَعْنى الغُرُورِ، فَكَأنَّهُ قالَ: يَغُرُّونَ غُرُورًا، وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ المَغْرُورَ هو الَّذِي يَعْتَقِدُ في الشَّيْءِ كَوْنَهُ مُطابِقًا لِلْمَنفَعَةِ والمَصْلَحَةِ مَعَ أنَّهُ في نَفْسِهِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فالغُرُورُ إمّا أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنْ عَيْنِ هَذا الجَهْلِ أوْ عَنْ حالَةٍ مُتَوَلِّدَةٍ عَنْ هَذا الجَهْلِ، فَظَهَرَ بِما ذَكَرْنا أنَّ تَأْثِيرَ هَذِهِ الأرْواحِ الخَبِيثَةِ بَعْضُها في
صفحة ١٢٨
بَعْضٍ لا يُمْكِنُ أنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِعِبارَةٍ أكْمَلَ ولا أقْوى دَلالَةً عَلى تَمامِ المَقْصُودِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ وأصْحابُنا يَحْتَجُّونَ بِهِ عَلى أنَّ الكُفْرَ والإيمانَ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى، والمُعْتَزِلَةُ يَحْمِلُونَهُ عَلى مَشِيئَةِ الإلْجاءِ، وقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُ هَذِهِ المَسْألَةِ عَلى الِاسْتِقْصاءِ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ يُرِيدُ ما زَيَّنَ لَهم إبْلِيسُ وغَرَّهم بِهِ، قالَ القاضِيَ: هَذا القَوْلُ يَتَضَمَّنُ التَّحْذِيرَ الشَّدِيدَ مِنَ الكُفْرِ والتَّرْغِيبَ الكامِلَ في الإيمانِ، ويَقْتَضِي زَوالَ الغَمِّ عَنْ قَلْبِ الرَّسُولِ مِن حَيْثُ يَتَصَوَّرُ ما أعَدَّ اللَّهُ لِلْقَوْمِ عَلى كُفْرِهِمْ مِن أنْواعِ العَذابِ، وما أعَدَّ لَهُ مِن مَنازِلِ الثَّوابِ بِسَبَبِ صَبْرِهِ عَلى سَفاهَتِهِمْ ولُطْفِهِ بِهِمْ.
6:113Page 142
وَلِتَصۡغَىٰٓ إِلَيۡهِ أَفۡـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَلِيَرۡضَوۡهُ وَلِيَقۡتَرِفُواْ مَا هُم مُّقۡتَرِفُونَ ١١٣
And [it is] so the hearts of those who disbelieve in the Hereafter will incline toward it [i.e., deceptive speech] and that they will be satisfied with it and that they will commit that which they are committing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ولِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ .
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الصَّغْوَ في اللُّغَةِ مَعْناهُ: المَيْلُ. يُقالُ في المُسْتَمِعِ إذا مالَ بِحاسَّتِهِ إلى ناحِيَةِ الصَّوْتِ أنَّهُ يُصْغِي، ويُقالُ: أصْغى الإناءَ إذا أمالَهُ حَتّى انْصَبَّ بَعْضُهُ في البَعْضِ، ويُقالُ لِلْقَمَرِ إذا مالَ إلى الغُرُوبِ صَغا وأصْغى. فَقَوْلُهُ: (ولِتَصْغى) أيْ ولِتَمِيلَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”اللّامُ“ في قَوْلِهِ: ”ولِتَصْغى“ لا بُدَّ لَهُ مِن مُتَعَلِّقٍ. فَقالَ أصْحابُنا: التَّقْدِيرُ: وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِن شَياطِينِ الجِنِّ والإنْسِ، ومِن صِفَتِهِ أنَّهُ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا، وإنَّما فَعَلْنا ذَلِكَ لِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ أيْ وإنَّما أوْجَدْنا العَداوَةَ، في قَلْبِ الشَّياطِينِ الَّذِينَ مِن صِفَتِهِمْ ما ذَكَرْناهُ لِيَكُونَ كَلامُهُمُ المُزَخْرَفُ مَقْبُولًا عِنْدَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ، قالُوا: وإذا حَمَلْنا الآيَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ يُظْهِرُ أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ أمّا المُعْتَزِلَةُ، فَقَدْ أجابُوا عَنْهُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.
الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ قالَ: إنَّ هَذا الكَلامَ خَرَجَ مَخْرَجَ الأمْرِ ومَعْناهُ الزَّجْرُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ﴾ [الإسراء: ٦٤] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا﴾ وتَقْدِيرُ الكَلامِ كَأنَّهُ قالَ لِلرَّسُولِ: ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٧] ثُمَّ قالَ لَهم عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَتُهم ولِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ.
والوَجْهُ الثّانِي: وهو الَّذِي اخْتارَهُ الكَعْبِيُّ أنَّ هَذِهِ اللّامَ لامُ العاقِبَةِ أيْ سَتَؤُولُ عاقِبَةُ أمْرِهِمْ إلى هَذِهِ الأحْوالِ.
قالَ القاضِي: ويَبْعُدُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ العاقِبَةُ تَحْصُلُ في الآخِرَةِ؛ لِأنَّ الإلْجاءَ حاصِلٌ في الآخِرَةِ، فَلا يَجُوزُ أنْ تَمِيلَ قُلُوبُ الكُفّارِ إلى قَبُولِ المَذْهَبِ الباطِلِ، ولا أنْ يَرْضَوْهُ ولا أنْ يَقْتَرِفُوا الذَّنْبَ، بَلْ يَجِبُ أنْ تُحْمَلَ عَلى أنَّ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ تَؤُولُ إلى أنْ يَقْبَلُوا الأباطِيلَ، ويَرْضَوْا بِها ويَعْمَلُوا بِها.
صفحة ١٢٩
والوَجْهُ الثّالِثُ: وهو الَّذِي اخْتارَهُ أبُو مُسْلِمٍ، قالَ: ”اللّامُ“ في قَوْلِهِ: ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ والتَّقْدِيرُ أنَّ بَعْضَهم يُوحِي إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ لِيُغْرَوْا بِذَلِكَ ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ولِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا﴾ الذُّنُوبَ، ويَكُونُ المُرادُ أنَّ مَقْصُودَ الشَّياطِينِ مِن ذَلِكَ الإيحاءِ هو مَجْمُوعُ هَذِهِ المَعانِي. فَهَذا جُمْلَةُ ما ذَكَرُوهُ في هَذا البابِ.
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الجُبّائِيُّ فَضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ ذَكَرَها القاضِي:
فَأحَدُها: أنَّ ”الواوَ“ في قَوْلِهِ: (ولِتَصْغى) تَقْتَضِي تَعَلُّقَهُ بِما قَبْلَهُ، فَحَمْلُهُ عَلى الِابْتِداءِ بِعِيدٌ.
وثانِيها: أنَّ ”اللّامَ“ في قَوْلِهِ: (ولِتَصْغى) لامُ كَيْ فَيَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّها لامُ الأمْرِ، ويَقْرُبُ ذَلِكَ مِن أنْ يَكُونَ تَحْرِيفًا لِكَلامِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ لا يَجُوزُ.
وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو أنْ يُقالَ: هَذِهِ اللّامُ لامُ العاقِبَةِ فَهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ هَذا مَجازٌ وحَمْلُهُ عَلى ”كَيْ“ حَقِيقَةٌ فَكانَ قَوْلُنا أوْلى.
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ، فَهو أحْسَنُ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ في هَذا البابِ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الغَرَضُ مِن ذَلِكَ الإيحاءِ هو التَّغْرِيرَ. وإذا عَطَفْنا عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَهَذا أيْضًا عَيْنُ التَّغْرِيرِ لا مَعْنى التَّغْرِيرِ، إلّا أنَّهُ يَسْتَمِيلُهُ إلى ما يَكُونُ باطِنُهُ قَبِيحًا، وظاهِرُهُ حَسَنًا. وقَوْلُهُ: ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ عَيْنُ هَذِهِ الِاسْتِمالَةِ، فَلَوْ عَطَفْنا لَزِمَ أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ عَيْنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ، أمّا إذا قُلْنا: تَقْدِيرُ الكَلامِ وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِن شَأْنِهِ أنْ يُوحِيَ زُخْرُفَ القَوْلِ لِأجْلِ التَّغْرِيرِ، وإنَّما جَعَلْنا مِثْلَ هَذا الشَّخْصِ عَدُوًّا لِلنَّبِيِّ لِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الكُفّارِ، فَيَبْعُدُوا بِذَلِكَ السَّبَبِ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ، وحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ عَطْفُ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ. فَثَبَتَ أنَّ ما ذَكَرْناهُ أوْلى.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: زَعَمَ أصْحابُنا أنَّ البِنْيَةَ لَيْسَتْ مَشْرُوطًا لِلْحَياةِ، فالحَيُّ هو الجُزْءُ الَّذِي قامَتْ بِهِ الحَياةُ، والعالِمُ هو الجُزْءُ الَّذِي قامَ بِهِ العِلْمُ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الحَيُّ والعالِمُ هو الجُمْلَةُ لا ذَلِكَ الجُزْءُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ؛ لِأنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَجُعِلَ المَوْصُوفُ بِالمَيْلِ والرَّغْبَةِ هو القَلْبُ، لا جُمْلَةُ الحَيِّ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الَّذِينَ قالُوا الإنْسانُ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِلْبَدَنِ اخْتَلَفُوا، مِنهم مَن قالَ: المُتَعَلِّقُ الأوَّلُ هو القَلْبُ، وبِواسِطَتِهِ تَتَعَلَّقُ النَّفْسُ بِسائِرِ الأعْضاءِ كالدِّماغِ والكَبِدِ. ومِنهم مَن قالَ: القَلْبُ مُتَعَلِّقُ النَّفْسِ الحَيَوانِيَّةِ، والدِّماغُ مُتَعَلِّقُ النَّفْسِ الطَّبِيعِيَّةِ، والأوَّلُونَ تَعَلَّقُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ تَعالى جَعَلَ مَحَلَّ الصَّغْوِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ المَيْلِ والإرادَةِ القَلْبَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُتَعَلِّقَ بِالنَّفْسِ القَلْبُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الكِنايَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ﴾ عائِدَةٌ إلى زُخْرُفِ القَوْلِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: (ولِيَرْضَوْهُ) .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الِاقْتِرافَ هو الِاكْتِسابُ، يُقالُ في المَثَلِ: الِاعْتِرافُ
صفحة ١٣٠
يُزِيلُ الِاقْتِرافَ، كَما يُقالُ: التَّوْبَةُ تَمْحُو الحَوْبَةَ. وقالَ الزَّجّاجُ: (لِيَقْتَرِفُوا) أيْ لِيَخْتَلِفُوا ولِيَكْذِبُوا، والأوَّلُ أصَحُّ.
6:114Page 142
أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗاۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٞ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ١١٤
[Say], "Then is it other than Allāh I should seek as judge while it is He who has revealed to you the Book [i.e., the Qur’ān] explained in detail?" And those to whom We [previously] gave the Scripture know that it is sent down from your Lord in truth, so never be among the doubters.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾
فِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لِيُؤْمِنُنَّ بِها، أجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ في إظْهارِ تِلْكَ الآياتِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ أظْهَرَها لَبَقَوْا مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى نُبُوَّتِهِ قَدْ حَصَلَ وكَمُلَ، فَكانَ ما يَطْلُبُونَهُ طَلَبًا لِلزِّيادَةِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَجِبُ الِالتِفاتُ إلَيْهِ. وإنَّما قُلْنا: إنَّ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى نُبُوَّتِهِ قَدْ حَصَلَ لِوَجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بِنُبُوَّتِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أنْزَلَ إلَيْهِ الكِتابَ المُفَصَّلَ المُبينَ المُشْتَمِلَ عَلى العُلُومِ الكَثِيرَةِ والفَصاحَةِ الكامِلَةِ، وقَدْ عَجَزَ الخَلْقُ عَنْ مُعارَضَتِهِ. فَظُهُورُ مِثْلِ هَذا المُعْجِزِ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ حَكَمَ بِنُبُوَّتِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾ يَعْنِي قُلْ يا مُحَمَّدُ: إنَّكم تَتَحَكَّمُونَ في طَلَبِ سائِرِ المُعْجِزاتِ، فَهَلْ يَجُوزُ في العَقْلِ أنْ يُطْلَبَ غَيْرُ اللَّهِ حَكَمًا ؟ فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ يَقُولُ إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ. ثُمَّ قُلْ: إنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِي حَيْثُ خَصَّنِي بِمِثْلِ هَذا الكِتابِ المُفَصَّلِ الكامِلِ البالِغِ إلى حَدِّ الإعْجازِ.
والوَجْهُ الثّانِي: مِنَ الأُمُورِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ؛ اشْتِمالُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَسُولٌ حَقٌّ، وعَلى أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ حَقٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ وبِالجُمْلَةِ فالوَجْهانِ مَذْكُورانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] .
أمّا قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا مِن بابِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٤١] .
والثّانِي: التَّقْدِيرُ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ في أنَّ أهْلَ الكِتابِ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ.
والثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (فَلا تَكُونَنَّ) خِطابًا لِكُلِّ واحِدٍ، والمَعْنى أنَّهُ لَمّا ظَهَرَتِ الدَّلائِلُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَمْتَرِيَ فِيها أحَدٌ.
الرّابِعُ: قِيلَ هَذا الخِطابُ وإنْ كانَ في الظّاهِرِ لِلرَّسُولِ إلّا أنَّ المُرادَ مِنهُ أُمَّتُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ (مُنَزَّلٌ) بِالتَّشْدِيدِ والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، والفَرْقُ بَيْنَ التَّنْزِيلِ والإنْزالِ قَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا.
صفحة ١٣١
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾ الحَكَمُ والحاكِمُ واحِدٌ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، غَيْرَ أنَّ بَعْضَ أهْلِ التَّأْوِيلِ قالَ: الحَكَمُ أكْمَلُ مِنَ الحاكِمِ؛ لِأنَّ الحاكِمَ كُلُّ مَن يَحْكُمُ. وأمّا الحَكَمُ فَهو الَّذِي لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى حَكَمٌ حَقٌّ لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ. فَلَمّا أظْهَرَ المُعْجِزَ الواحِدَ وهو القُرْآنُ فَقَدْ حَكَمَ بِصِحَّةِ هَذِهِ النُّبُوَّةِ، ولا مَرْتَبَةَ فَوْقَ حُكْمِهِ فَوَجَبَ القَطْعُ بِصِحَّةِ هَذِهِ النُّبُوَّةِ. فَأمّا أنَّهُ هَلْ يُظْهِرُ سائِرَ المُعْجِزاتِ أمْ لا ؟ فَلا تَأْثِيرَ لَهُ في هَذا البابِ بَعْدَ أنْ ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِصِحَّةِ هَذِهِ النُّبُوَّةِ بِواسِطَةِ إظْهارِ المُعْجِزِ الواحِدِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences