Ash-ShinqitiAl‑Hijr · 15:80

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Hijr 15:80

15:80Page 266

وَلَقَدۡ كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡحِجۡرِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٨٠

And certainly did the companions of al-Ḥijr1 [i.e., the Thamūd] deny the messengers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ .

الحِجْرُ: مَنازِلُ ثَمُودَ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ عِنْدَ وادِي القُرى. فَمَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ﴾، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى تَكْذِيبَ ثَمُودَ لِنَبِيِّهِ صالِحٍ - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ - في مَواضِعَ أُخَرَ.

• كَقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ إذْ قالَ لَهم أخُوهم صالِحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ الآياتِ [الشعراء: ١٤١]

• وقَوْلِهِ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها﴾ [الشمس: ١٤]

• وقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ ﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٣ - ٢٤]

• وقَوْلِهِ: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ وقالُوا ياصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَإنَّما قالَ إنَّهم كَذَّبُوا المُرْسَلِينَ مَعَ أنَّ الَّذِي كَذَّبُوهُ هو صالِحٌ وحْدَهُ، لِأنَّ دَعْوَةَ جَمِيعِ الرُّسُلِ واحِدَةٌ، وهي تَحْقِيقُ مَعْنى ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِأدِلَّةٍ عُمُومِيَّةٍ وخُصُوصِيَّةٍ. قالَ مُعَمِّمًا لِجَمِيعِهِمْ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٢٥] . وقالَ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وقالَ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَقالَ في تَخْصِيصِ الرُّسُلِ بِأسْمائِهِمْ: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَقالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: ٢٣] وقالَ: ﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٥٠] وقالَ: ﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٨٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

فَإذا حَقَّقْتَ أنَّ دَعْوَةَ الرُّسُلِ واحِدَةٌ عَرَفْتَ أنَّ مَن كَذَّبَ واحِدًا مِنهم فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَهم. ولِذا صَرَّحَ تَعالى بِأنَّ مَن كَفَرَ بِبَعْضِهِمْ فَهو كافِرٌ حَقًّا. قالَ: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١]، (p-٣٩٠)وَبَيَّنَ أنَّهُ لا تَصِحُّ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ [ ٢ \ ١٣٦ و ٣ \ ٨٤ ]، وقَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ووَعَدَ الأجْرَ عَلى عَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهم في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ . الآيَةَ [النساء: ١٥٢]، وقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ المَسْألَةَ في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ .

* *

تَنْبِيهٌ.

اعْلَمْ أنَّهُ ﷺ مَرَّ بِالحِجْرِ المَذْكُورِ في هَذِهِ الآيَةِ في طَرِيقِهِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «لَمّا مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِالحِجْرِ، قالَ: ”لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم أنْ يُصِيبَكم ما أصابَهم، إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ“، ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ، وأسْرَعَ السَّيْرَ حَتّى أجازَ الوادِيَ» ”، هَذا لَفْظُ البُخارِيِّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في كِتابِ أحادِيثِ الأنْبِياءِ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَزَلَ الحِجْرَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، أمَرَهم ألّا يَشْرَبُوا مِن بِئْرِها ولا يَسْتَقُوا مِنها، فَقالُوا: قَدْ عَجَنّا مِنها واسْتَقَيْنا، فَأمَرَهم أنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ العَجِينَ، ويُهْرِقُوا ذَلِكَ الماءَ»“ . ثُمَّ قالَ البُخارِيُّ: ويُرْوى عَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ وأبِي الشُّمُوسِ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِإلْقاءِ الطَّعامِ، ثُمَّ قالَ: وقالَ أبُو ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَنِ اعْتَجَنَ بِمائِهِ» .

ثُمَّ ساقَ بِسَنَدِهِ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ أخْبَرَهُ: «أنَّ النّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أرْضَ ثَمُودَ الحِجْرَ واسْتَقَوْا مِن بِئْرِها، واعْتَجَنُوا بِهِ، فَأمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُهْرِقُوا ما اسْتَقَوْا مِن بِيارِهِمْ، وأنْ يَعْلِفُوا الإبِلَ العَجِينَ، وأمَرَهم أنْ يَسْتَسْقُوا مِنَ البِئْرِ الَّتِي تَرِدُها النّاقَةُ» " .

ثُمَّ قالَ: تابَعَهُ أُسامَةُ، عَنْ نافِعٍ، ثُمَّ ساقَ بِسَنَدِهِ، عَنْ سالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أبِيهِ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا مَرَّ بِالحِجْرِ قالَ: ”لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا، إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ أنْ يُصِيبَكم ما أصابَهم“، ثُمَّ تَقَنَّعَ بِرِدائِهِ وهو عَلى الرَّحْلِ» .

ثُمَّ ساقَ أيْضًا بِسَنَدِهِ، عَنْ سالِمٍ: أنَّ ابْنَ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم، إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ أنْ يُصِيبَكم ما أصابَهم»“، هَذا كُلُّهُ لَفْظُ البُخارِيِّ في صَحِيحِهِ. وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ: أمّا حَدِيثُ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ فَوَصَلَهُ أحْمَدُ (p-٢٩١)والطَّبَرانِيُّ مِن طَرِيقِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ سَبْرَةَ - وهو بِفَتْحِ السِّينِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ الباءِ المُوَحَّدَةِ - الجُهَنِيُّ، قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأصْحابِهِ حِينَ راحَ مِنَ الحِجْرِ: ”مَن كانَ عَجَنَ مِنكم مِن هَذا الماءِ عَجِينَةً أوْ حاسَ حَيْسًا؛ فَلْيُلْقِهِ»“، ولَيْسَ لِسَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ في البُخارِيِّ إلّا هَذا المَوْضِعُ. وأمّا حَدِيثُ أبِي الشُّمُوسِ - وهو بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ -، وهو بِكْرِيٌّ لا يُعْرَفُ اسْمُهُ - فَوَصَلَهُ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مِندَهْ مِن طَرِيقِ سُلَيْمِ بْنِ مُطَيْرٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْهُ، قالَ: ”كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . . . . . . . فَذَكَرَ الحَدِيثَ وفِيهِ: فَألْقى ذُو العَجِينِ عَجِينَهُ، وذُو الحَيْسِ حَيْسَهُ“ . ورَواهُ ابْنُ أبِي عاصِمٍ مِن هَذا الوَجْهِ، وزادَ: «فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَدْ حِسْتُ حَيْسَةً فَأُلْقِمُها راحِلَتِي ؟ قالَ: نَعَمْ» .

وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ أيْضًا: قَوْلُهُ: وقالَ أبُو ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ”مَنِ اعْتَجَنَ بِمائِهِ“ وصَلَهُ البَزّارُ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُدامَةَ عَنْهُ: «أنَّهم كانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَآتَوْا عَلى وادٍ، فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ”إنَّكم بِوادٍ مَلْعُونٍ فَأسْرِعُوا“ وقالَ: ”مَنِ اعْتَجَنَ عَجِينَةً، أوْ طَبَخَ قِدْرًا؛ فَلْيَكُبَّها» . الحَدِيثَ. قالَ: لا أعْلَمُهُ إلّا بِهَذا الإسْنادِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠]، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِ الحِجْرِ:“ لا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ القَوْمِ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ، فَإنْ لَمْ تَكُونُوا باكِينَ فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ؛ أنْ يُصِيبَكم مِثْلَ ما أصابَهم» ”وَأخْرَجَ البُخارِيُّ أيْضًا، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في كِتابِ الصَّلاةِ، في بابِ الصَّلاةِ في مَواضِعِ الخَسْفِ والعَذابِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ:“ لا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ، إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ، فَإنْ لَمْ تَكُونُوا باكِينَ فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ؛ لا يُصِيبُكم ما أصابَهم» . وبَعْضُ هَذِهِ الرِّواياتِ الَّتِي ذَكَرْناها عَنِ البُخارِيِّ أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أيْضًا في صَحِيحِهِ، فَقَدِ اتَّفَقا عَلى النَّهْيِ عَنْ دُخُولِ دِيارِهِمْ إلّا في حالِ البُكاءِ، وعَلى إسْراعِهِ ﷺ حَتّى جاوَزَ دِيارَهم. وفي هَذِهِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ النَّهْيُ عَنِ الدُّخُولِ إلى مَواضِعِ الخَسْفِ والعَذابِ إلّا في حالَةِ البُكاءِ، وفِيها الإسْراعُ بِمُجاوَزَتِها، وعَدَمُ الِاسْتِسْقاءِ مِن مِياهِها، وعَدَمُ أكْلِ الطَّعامِ الَّذِي عُجِنَ بِها، ومِن هُنا قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا يَجُوزُ التَّطَهُّرُ بِمائِها، ولا تَصِحُّ الصَّلاةُ فِيها؛ لِأنَّ ماءَها لَمّا لَمْ يَصْلُحْ لِلْأكْلِ والشُّرْبِ، عُلِمَ أنَّهُ غَيْرُ صالِحٍ لِلطَّهارَةِ الَّتِي هي تَقَرُّبٌ إلى اللَّهِ تَعالى.

قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: بابُ الصَّلاةِ في مَواضِعِ الخَسْفِ والعَذابِ: ”وَيُذْكَرُ أنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَرِهَ الصَّلاةَ بِخَسْفِ بابِلَ. وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ: هَذا الأثَرُ رَواهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن (p-٢٩٢)طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي المُحِلِّ - وهو بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ المُهْمَلَةِ وتَشْدِيدِ اللّامِ -، قالَ“ كُنّا مَعَ عَلِيٍّ فَمَرَرْنا عَلى الخَسْفِ الَّذِي بِبابِلَ، فَلَمْ يُصَلِّ حَتّى أجازَهُ - أيْ: تَعَدّاهُ - ”وَمِن طَرِيقٍ أُخْرى، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ:“ ما كُنْتُ لِأُصَلِّيَ بِأرْضٍ خَسَفَ اللَّهُ بِها ثَلاثَ مِرارٍ ”. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ثَلاثَ مِرارٍ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالخَسْفِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيها إلّا خَسْفٌ واحِدٌ. وإنَّما أرادَ أنَّ عَلِيًّا قالَ ذَلِكَ ثَلاثًا. ورَواهُ أبُو داوُدَ مَرْفُوعًا مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ ولَفْظُهُ:“ نَهانِي حَبِيبِي ﷺ أنْ أُصَلِّيَ في أرْضِ بابِلَ؛ فَإنَّها مَلْعُونَةٌ ”في إسْنادِهِ ضَعْفٌ، واللّائِقُ بِتَعْلِيقِ المُصَنِّفِ ما تَقَدَّمَ، والمُرادُ بِالخَسْفِ هُنا ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ الآيَةَ [النحل: ٢٦]، ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ والأخْبارِ: أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ أنَّ النُّمْرُوذَ بْنَ كَنْعانَ بَنى بِبابِلَ بُنْيانًا عَظِيمًا، يُقالُ: إنَّ ارْتِفاعَهُ كانَ خَمْسَةَ آلافِ ذِراعٍ فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِمْ. قالَ الخَطّابِيُّ:“ لا أعْلَمُ أحَدًا مِنَ العُلَماءِ حَرَّمَ الصَّلاةَ في أرْضِ بابِلَ " انْتَهى. مَحَلُّ الغَرَضِ مِن فَتْحِ البارِي.

وَقَوْلُ الخَطّابِيِّ يُعارِضُهُ ما رَأيْتُهُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ولَكِنَّهُ يَشْهَدُ لَهُ عُمُومُ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «وَجُعِلَتْ لَنا الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا»، وحَدِيثُ أبِي داوُدَ المَرْفُوعُ، عَنْ عَلِيٍّ الَّذِي أشارَ لَهُ ابْنُ حَجَرٍ: أنَّ فِيهِ ضَعْفًا هو قَوْلُهُ: ”حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ، أخْبَرَنا ابْنُ وهْبٍ، قالَ حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، ويَحْيى بْنُ أزْهَرَ، عَنْ عَمّارِ بْنِ سَعْدٍ المُرادِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ الغِفارِيِّ: «أنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرَّ بِبابِلَ وهو يَسِيرُ، فَجاءَهُ المُؤَذِّنُ يُؤْذِنُهُ بِصَلاةِ العَصْرِ. فَلَمّا بَرَزَ مِنها أمَرَ المُؤَذِّنَ فَأقامَ الصَّلاةَ، فَلَمّا فَرَغَ مِنها قالَ:“ إنَّ حَبِيبِي ﷺ نَهانِي أنْ أُصَلِّيَ في المَقْبَرَةِ، ونَهانِي أنْ أُصَلِّيَ في أرْضِ بابِلَ؛ فَإنَّها مَلْعُونَةٌ» " .

حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ صالِحٍ، ثَنا ابْنُ وهْبٍ، أخْبَرَنِي يَحْيى بْنُ أزْهَرَ، وابْنُ لَهِيعَةَ، عَنِ الحَجّاجِ بْنِ شَدّادٍ، عَنْ أبِي صالِحٍ الغِفارِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ بِمَعْنى سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ، قالَ: " فَلَمّا خَرَجَ - مَكانَ فَلَمّا بَرَزَ - اهـ.

وَقَدْ يَظْهَرُ لِلنّاظِرِ في إسْنادَيْ هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ لا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ القَبُولِ، ولَكِنْ فِيهِ عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ نَبَّهَ عَلَيْها ابْنُ يُونُسَ، أمّا كَوْنُهُ لا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ القَبُولِ؛ فَلِأنَّ طَرِيقَتَهُ الأُولى أوَّلُ طَبَقاتِها: سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ ولا خِلافَ في كَوْنِهِ ثِقَةً، وفي الثّانِيَةِ: أحْمَدُ بْنُ صالِحٍ مَكانَ سُلَيْمانَ المَذْكُورِ، وأحْمَدُ بْنُ صالِحٍ ثِقَةٌ حافِظٌ. وكَلامُ النَّسائِيِّ فِيهِ غَلَطٌ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، كَما قالَ العِراقِيُّ في ألْفِيَّتِهِ:

؎وَرُبَّما رُدَّ كَلامُ الجارِحِ كالنَّسائِيِّ في أحْمَدَ بْنِ صالِحٍ

وَسَبَبُ غَلَطِهِ في ذَلِكَ أنَّ ابْنَ مَعِينٍ كَذَّبَ أحْمَدَ بْنَ صالِحٍ الشُّمُونِيُّ. فَظَنَّ النَّسائِيُّ أنَّ (p-٢٩٣)مُرادَ ابْنِ مَعِينٍ أحْمَدُ بْنُ صالِحٍ هَذا الَّذِي هو أبُو جَعْفَرِ بْنُ الطَّبَرِيِّ المِصْرِيُّ، ولَيْسَ كَذَلِكَ كَما جَزَمَ بِهِ ابْنُ حِبّانَ.

والطَّبَقَةُ الثّانِيَةُ في كِلا الإسْنادَيْنِ:

ابْنُ وهْبٍ وهو: عَبْدَ اللَّهِ بْنُ وهْبِ بْنِ مُسْلِمٍ القُرَشِيُّ، مَوْلاهم أبُو مُحَمَّدٍ المِصْرِيُّ ثِقَةٌ حافِظٌ عابِدٌ مَشْهُورٌ.

والطَّبَقَةُ الثّالِثَةُ مِنَ الإسْنادَيْنِ: يَحْيى بْنُ أزْهَرَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ، ويَحْيى بْنُ أزْهَرَ البَصْرِيُّ مَوْلى قُرَيْشٍ صَدُوقٌ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ صَدُوقٌ خَلَطَ بَعْدَ احْتِراقِ كُتُبِهِ. والظّاهِرُ أنَّ اعْتِضادَ أحَدِهِما بِالآخَرِ لا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ الحُسْنِ. ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ راوِيَ الحَدِيثِ ابْنُ وهْبٍ ومَعْلُومٌ أنَّ رِوايَةَ ابْنِ وهْبٍ، وابْنِ المُبارَكِ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، أعْدَلُ مِن رِوايَةِ غَيْرِهِما عَنْهُ.

والطَّبَقَةُ الرّابِعَةُ في الإسْنادِ الأوَّلِ: عَمّارُ بْنُ سَعْدٍ المُرادِيُّ. وفي الإسْنادِ الثّانِي: الحَجّاجُ بْنُ شَدّادٍ، وعَمّارُ بْنُ سَعْدٍ المُرادِيُّ، ثُمَّ السَّلْهَمِيُّ، والحَجّاجُ بْنُ شَدّادٍ الصَّنْعانِيُّ نَزِيلُ مِصْرَ، كِلاهُما مَقْبُولٌ كَما قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ في التَّقْرِيبِ، واعْتِضادُ أحَدِهِما بِالآخَرِ لا يَقِلُّ عَنْ دَرَجَةِ الحُسْنِ.

والطَّبَقَةُ الخامِسَةُ في كِلا الإسْنادَيْنِ: أبُو صالِحٍ الغِفارِيُّ وهو سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعِدادُهُ في أهْلِ مِصْرَ، وهو ثِقَةٌ.

والطَّبَقَةُ السّادِسَةُ في كِلَيْهِما: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فالَّذِي يَظْهَرُ صَلاحِيَةُ الحَدِيثِ لِلِاحْتِجاجِ، ولَكِنَّهُ فِيهِ عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ ذَكَرَها ابْنُ يُونُسَ، وهي: أنَّ رِوايَةَ أبِي صالِحٍ الغِفارِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ مُرْسَلَةٌ، كَما ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ في التَّقْرِيبِ. وقالَ البَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرى: ”بابُ مِن كَرِهَ الصَّلاةَ في مَوْضِعِ الخَسْفِ والعَذابِ،“ أنْبَأ أبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبارِيُّ، أنْبَأ أبُو بَكْرِ بْنُ داسَةَ، ثَنا أبُو داوُدَ، ثُمَّ ساقَ حَدِيثَ أبِي داوُدَ المَذْكُورِ آنِفًا بِلَفْظِهِ في المَتْنِ والإسْنادَيْنِ. ثُمَّ قالَ: ورُوِّينا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مُحِلٍّ العُمَرِيِّ، قالَ: كُنّا مَعَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، فَمَرَّ بِنا عَلى الخَسْفِ الَّذِي بِبابِلَ فَلَمْ يُصَلِّ حَتّى أجازَهُ. وعَنْ حُجْرٍ الحَضْرَمِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: ”ما كُنْتُ لِأُصَلِّيَ بِأرْضٍ خَسَفَ اللَّهُ بِها ثَلاثَ مَرّاتٍ“ . ثُمَّ قالَ البَيْهَقِيُّ: وهَذا النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ فِيها إنْ ثَبَتَ مَرْفُوعًا لَيْسَ لِمَعْنًى يَرْجِعُ إلى الصَّلاةِ؛ فَلَوْ صَلّى فِيها لَمْ يُعِدْ، ثُمَّ ساقَ البَيْهَقِيُّ بَعْضَ رِواياتِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي قَدَّمْنا عَنِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ، ثُمَّ قالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ أحَبَّ الخُرُوجَ مِن تِلْكَ المَساكِنِ، وكَرِهَ المُقامَ فِيها إلّا باكِيًا، فَدَخَلَ في ذَلِكَ المُقامُ لِلصَّلاةِ وغَيْرِها. اهـ.

(p-٢٩٤)وَهَذا الَّذِي ذَكَرْنا هو حاصِلُ ما جاءَ في الصَّلاةِ في مَواضِعِ الخَسْفِ والتَّطَهُّرِ بِمِياهِها، فَذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ الصَّلاةَ بِها صَحِيحَةٌ والتَّطَهُّرَ بِمائِها مُجْزِئٌ، واسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ النُّصُوصِ كَقَوْلِهِ ﷺ: ”وَجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ كُلُّها مَسْجِدًا“ الحَدِيثَ. وكَعُمُومِ الأدِلَّةِ عَلى رَفْعِ الحَدَثِ، وحُكْمِ الخَبَثِ بِالماءِ المُطْلَقِ. وذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّها لا تَجُوزُ الصَّلاةُ فِيها، ولا تَصِحُّ الطَّهارَةُ بِمائِها، واسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَلِيٍّ المَرْفُوعِ: أنَّ حَبِيبَهُ ﷺ نَهاهُ عَنِ الصَّلاةِ في خَسْفِ بابِلَ؛ لِأنَّها أرْضٌ مَلْعُونَةٌ. قالُوا: والنَّهْيُ يَقْتَضِي الفَسادَ؛ لِأنَّ ما نَهى عَنْهُ ﷺ لَيْسَ مِن أمْرِنا، «وَمَن أحْدَثَ في أمْرِنا ما لَيْسَ مِنهُ فَهو رَدٌّ» كَما ثَبَتَ في الحَدِيثِ. واحْتَجُّوا لِعَدَمِ الطَّهارَةِ بِمائِها بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَنَعَ مِنِ اسْتِعْمالِهِ في الأكْلِ والشُّرْبِ وهُما لَيْسا بِقُرْبَةٍ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى مَنعِ الطَّهارَةِ بِهِ مِن بابِ أوْلى.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لَنا رُجْحانُهُ؛ أنَّ مَن مَرَّ عَلَيْها يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُسْرِعَ في سَيْرِهِ حَتّى يَخْرُجَ مِنهُ، كَفِعْلِهِ ﷺ وفِعْلِ صِهْرِهِ، وابْنِ عَمِّهِ، وأبِي سِبْطَيْهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - جَمِيعًا، وأنَّهُ لا يَدْخُلُ إلّا باكِيًا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. فَلَوْ نَزَلَ فِيها وصَلّى فالظّاهِرُ صِحَّةُ صَلاتِهِ إذْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ صَحِيحٌ بِدَلالَةٍ واضِحَةٍ عَلى بُطْلانِها، والحُكْمُ بِبُطْلانِ العِبادَةِ يَحْتاجُ إلى نَصٍّ قَوِيِّ المَتْنِ والدَّلالَةِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

مَسائِلُ لَها تَعَلُّقٌ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ.

قَدْ عَلِمْتَ أنَّ الحِجْرَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ﴾ الآيَةَ [الحجر: ٨٠]: هو دِيارُ ثَمُودَ، وأنَّهُ ورَدَ النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ في مَواضِعِ الخَسْفِ؛ فَبِهَذِهِ المُناسَبَةِ نَذْكُرُ الأماكِنَ الَّتِي نُهِيَ عَنِ الصَّلاةِ فِيها ونُبَيِّنُ ما صَحَّ فِيهِ النَّهْيُ وما لَمْ يَصِحَّ.

والمَواضِعُ الَّتِي ورَدَ النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ فِيها تِسْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا سَتَأْتِي كُلُّها.

عَنْ زَيْدِ بْنِ جَبِيرَةَ، عَنْ داوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ نافِعٍ، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ”نَهى أنْ يُصَلّى في سَبْعَةِ مَواطِنَ: في المَزْبَلَةِ، والمَجْزَرَةِ، والمَقْبَرَةِ، وقارِعَةِ الطَّرِيقِ، وفي الحَمّامِ وفي أعْطانِ الإبِلِ، وفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ»“ . رَواهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في مُسْنَدِهِ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ. وقالَ التِّرْمِذِيُّ في إسْنادِهِ: لَيْسَ بِذاكَ. وقَدْ رَوى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ هَذا الحَدِيثَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ العُمَرِيِّ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ. والحَدِيثُ ضَعِيفٌ لا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ؛ لِأنَّ الإسْنادَ الأوَّلَ فِيهِ زَيْدُ بْنُ جَبِيرَةَ وهو مَتْرُوكٌ، قالَ فِيهِ ابْنَ حَجَرٍ في (p-٢٩٥)التَّقْرِيبِ: مَتْرُوكٌ. وقالَ في تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ: قالَ ابْنُ مَعِينٍ: هو لا شَيْءَ. وقالَ البُخارِيُّ: مُنْكَرُ الحَدِيثِ. وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: مَتْرُوكُ الحَدِيثِ. وقالَ النَّسائِيُّ: لَيْسَ بِثِقَةٍ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: ضَعِيفُ الحَدِيثِ، مُنْكَرُ الحَدِيثِ جِدًّا، مَتْرُوكُ الحَدِيثِ لا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ. وقالَ ابْنُ عَدِيٍّ: عامَّةٌ ما يَرْوِيهِ لا يُتابِعُهُ عَلَيْهِ أحَدٌ. قُلْتَ: وقالَ السّاجِيُّ: حَدَّثَ عَنْ داوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ بِحَدِيثٍ مُنْكَرٍ جِدًّا، يَعْنِي حَدِيثَ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ في سَبْعِ مَواطِنَ. وقالَ الفَسَوِيُّ: ضَعِيفٌ مُنْكَرُ الحَدِيثِ. وقالَ الأزْدِيُّ: مَتْرُوكٌ. وقالَ ابْنُ حِبّانَ: يَرْوِي المَناكِيرَ عَنِ المَشاهِيرِ؛ فاسْتَحَقَّ التَّنَكُّبَ عَنْ رِوايَتِهِ. وقالَ الحاكِمُ: رَوى عَنْ أبِيهِ وداوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ وغَيْرِهِما المَناكِيرَ. وقالَ الدّارَقُطْنِيُّ: ضَعِيفٌ. قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ ضَعِيفٌ اهـ كَلامُ ابْنِ حَجَرٍ. وأحَدُ إسْنادَيِ ابْنِ ماجَهْ فِيهِ أبُو صالِحٍ كاتِبُ اللَّيْثِ، وهو كَثِيرُ الغَلَطِ، وفِيهِ ابْنُ عُمَرَ العُمَرِيُّ ضَعَّفَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ وأخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ. وقالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ في العِلَلِ: هُما جَمِيعًا - يَعْنِي الحَدِيثَيْنِ - واهِيانِ. وصَحَّحَ الحَدِيثَ المَذْكُورَ ابْنُ السَّكَنِ وإمامُ الحَرَمَيْنِ.

اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ المَواضِعَ الَّتِي ورَدَ النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ فِيها، هي السَّبْعَةُ المَذْكُورَةُ، والصَّلاةُ إلى المَقْبَرَةِ وإلى جِدارِ مِرْحاضٍ عَلَيْهِ نَجاسَةٌ، والكَنِيسَةِ والبَيْعَةِ، وإلى التَّماثِيلِ، وفي دارِ العَذابِ، وفي المَكانِ المَغْصُوبِ، والصَّلاةُ إلى النّائِمِ، والمُتَحَدِّثِ، وفي بَطْنِ الوادِي، وفي مَسْجِدِ الضِّرارِ، والصَّلاةُ إلى التَّنُّورِ، فالمَجْمُوعُ تِسْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا. وسَنُبَيِّنُ أدِلَّةَ النَّهْيِ عَنْها مُفَصَّلَةً - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - أمّا في مَواضِعِ الخَسْفِ والعَذابِ فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ ذَلِكَ قَرِيبًا.

وَأمّا الصَّلاةُ في المَقْبَرَةِ والصَّلاةُ إلى القَبْرِ: فَكِلاهُما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ النَّهْيُ عَنْهُ. أمّا الصَّلاةُ في المَقابِرِ: فَقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ في النَّهْيِ عَنْها، مِنها ما رَواهُ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قالَ في مَرَضِ مَوْتِهِ: ”لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ والنَّصارى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ»“، يُحَذِّرُ ما صَنَعُوا، ولَوْلا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ ﷺ غَيْرَ أنَّهُ خَشِيَ أنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. وفي الصَّحِيحَيْنِ أيْضًا نَحْوُهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وفي بَعْضِ الرِّواياتِ المُتَّفَقِ عَلَيْها: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ والنَّصارى»، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ الِاقْتِصارُ عَلى اليَهُودِ. والنَّبِيُّ ﷺ لا يَلْعَنُ إلّا عَلى فِعْلٍ حَرامٍ شَدِيدِ الحُرْمَةِ. وعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيانَ البَجَلِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وهو (p-٢٩٦)يَقُولُ: ”إنِّي أبْرَأُ إلى اللَّهِ أنْ يَكُونَ لِي مِنكم خَلِيلٌ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَما اتَّخَذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، ولَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِن أُمَّتِي خَلِيلًا لاتَّخَذْتُ أبا بَكْرٍ خَلِيلًا. ألا وإنَّ مَن كانَ قَبْلَكم كانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ وصالِحِيهِمْ مَساجِدَ. إلّا فَلا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَساجِدَ إنِّي أنْهاكم عَنْ ذَلِكَ»“ . أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ بِهَذا اللَّفْظِ، رَواهُ النَّسائِيُّ أيْضًا.

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اجْعَلُوا مِن صَلاتِكم في بُيُوتِكم، ولا تَتَّخِذُوها قُبُورًا» أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ، والإمامُ أحْمَدُ، وأصْحابُ السُّنَنِ، إلّا ابْنَ ماجَهْ، وقَوْلُهُ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ: ”وَلا تَتَّخِذُوها قُبُورًا“ دَلِيلٌ عَلى أنَّ القُبُورَ لَيْسَتْ مَحَلَّ صَلاةٍ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الحَدِيثِ: صَلُّوا ولا تَكُونُوا كالأمْواتِ في قُبُورِهِمْ؛ فَإنَّهم لا يُصَلُّونَ. وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرْفُوعًا: «إنَّ مِن شَرارِ النّاسِ مَن تُدْرِكُهُمُ السّاعَةُ وهم أحْياءٌ، والَّذِينَ يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَساجِدَ» . ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ أيْضًا.

والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ لا مَطْعَنَ فِيها، وهي تَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى تَحْرِيمِ الصَّلاةِ في المَقْبَرَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ صُلِّيَ فِيهِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ المَسْجِدِ؛ لِأنَّ المَسْجِدَ في اللُّغَةِ مَكانُ السُّجُودِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «وَجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا» . الحَدِيثَ. أيْ: كُلُّ مَكانٍ مِنها تَجُوزُ الصَّلاةُ فِيهِ. وظاهِرُ النُّصُوصِ المَذْكُورَةِ العُمُومُ، سَواءٌ نُبِشَتِ المَقْبَرَةُ واخْتَلَطَ تُرابُها بِصَدِيدِ الأمْواتِ أوْ لَمْ تُنْبَشْ؛ لِأنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ لَيْسَتْ بِنَجاسَةِ المَقابِرِ كَما يَقُولُهُ الشّافِعِيَّةُ؛ بِدَلِيلِ اللَّعْنِ الوارِدِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَلى مَنِ اتَّخَذَ قُبُورَ الأنْبِياءِ مَساجِدَ. ومَعْلُومٌ أنَّ قُبُورَ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ لَيْسَتْ نَجِسَةً، فالعِلَّةُ لِلنَّهْيِ سَدُّ الذَّرِيعَةِ؛ لِأنَّهم إذا عَبَدُوا اللَّهَ عِنْدَ القُبُورِ آلَ بِهِمُ الأمْرُ إلى عِبادَةِ القُبُورِ.

فالظّاهِرُ مِنَ النُّصُوصِ المَذْكُورَةِ: مَنعُ الصَّلاةِ عِنْدَ المَقابِرِ مُطْلَقًا، وهو مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ، وفي صِحَّتِها عِنْدَهُ رِوايَتانِ وإنْ تَحَقَّقَتْ طَهارَتُها. وذَهَبَ مالِكٌ: إلى أنَّ الصَّلاةَ فِيها مَكْرُوهَةٌ. وذَهَبَ الشّافِعِيَّةُ: إلى أنَّها إذا كانَتْ نَجِسَةً لِاخْتِلاطِ أرْضِها بِصَدِيدِ الأمْواتِ لِأجْلِ النَّبْشِ؛ فالصَّلاةُ فِيها باطِلَةٌ، وإنْ كانَتْ لَمْ تُنْبَشْ؛ فالصَّلاةُ فِيها مَكْرُوهَةٌ عِنْدَهم. وذَكَرَ النَّوَوِيُّ عَنِ ابْنِ المُنْذِرِ: أنَّهُ قالَ: رُوِّينا عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، وعَطاءٍ، والنَّخَعِيِّ، أنَّهم كَرِهُوا الصَّلاةَ في المَقْبَرَةِ. قالَ: ولَمْ يَكْرَهْها أبُو هُرَيْرَةَ، وواثِلَةُ بْنُ الأسْقَعِ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، ونَقَلَ صاحِبُ الحاوِي عَنْ داوُدَ: أنَّهُ قالَ: تَصِحُّ الصَّلاةُ وإنْ تَحَقَّقَ نَبْشُها. وذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ النَّهْيَ عَنِ الصَّلاةِ في المَقْبَرَةِ عَنْ خَمْسَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ وهم: عُمَرُ، وعَلِيٌّ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأنَسٌ (p-٢٩٧)وابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ: ما نَعْلَمُ لَهم مُخالِفًا، وحَكاهُ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ: إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، ونافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وطاوُسٍ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ، وخَيْثَمَةَ، وغَيْرِهِمْ. وقَدْ حَكى الخَطّابِيُّ ”في مَعالِمِ السُّنَنِ“ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أنَّهُ رَخَّصَ في الصَّلاةِ في المَقْبَرَةِ. وحُكِيَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ صَلّى في المَقْبَرَةِ.

وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قالَ: قُلْتُ لِنافِعٍ: أكانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ أنْ يُصَلّى وسْطَ القُبُورِ ؟ قالَ: لَقَدْ صَلَّيْنا عَلى عائِشَةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وسْطَ البَقِيعِ والإمامُ يَوْمَ صَلَّيْنا عَلى عائِشَةَ أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وحَضَرَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. رَواهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ. ومِمَّنْ كَرِهَ الصَّلاةَ في المَقْبَرَةِ: أبُو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ. واحْتَجَّ مَن قالَ بِجَوازِ الصَّلاةِ في المَقْبَرَةِ: بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى عَلى المِسْكِينَةِ السَّوْداءِ بِالمَقْبَرَةِ. وسَيَأْتِي قَرِيبًا - إنْ شاءَ اللَّهُ - حُكْمُ الصَّلاةِ إلى جِهَةِ القَبْرِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: أظْهَرُ الأقْوالِ دَلِيلًا في هَذِهِ المَسْألَةِ عِنْدِي قَوْلُ الإمامِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -؛ لِأنَّ النُّصُوصَ صَرِيحَةٌ في النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ في المَقابِرِ، ولَعْنِ مَنِ اتَّخَذَ المَساجِدَ عَلَيْها، وهي ظاهِرَةٌ جِدًّا في التَّحْرِيمِ. أمّا البُطْلانُ فَمُحْتَمَلٌ؛ لِأنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الفَسادَ لِقَوْلِهِ ﷺ: «مَن أحْدَثَ مِن أمْرِنا هَذا ما لَيْسَ مِنهُ فَهو رَدٌّ» . والصَّلاةُ في المَقابِرِ مَنهِيٌّ عَنْها، فَلَيْسَتْ مِن أمْرِنا فَهي رَدٌّ. ويَحْتَمِلُ أنْ يُقالَ: الصَّلاةُ مِن أمْرِنا فَلَيْسَتْ رَدًّا، وكَوْنُها في المَكانِ المَنهِيِّ عَنْهُ هو الَّذِي لَيْسَ مِن أمْرِنا.

كَما عُلِمَ الخِلافُ بَيْنَ العُلَماءِ في كُلِّ مَنهِيٍّ عَنْهُ لَهُ جِهَتانِ: إحْداهُما مَأْمُورٌ بِهِ مِنها: كَكَوْنِهِ صَلاةً، والأُخْرى مَنهِيٌّ عَنْهُ مِنها: كَكَوْنِهِ في مَوْضِعِ نَهْيٍ، أوْ وقْتِ نَهْيٍ، أوْ أرْضٍ مَغْصُوبَةٍ، أوْ بِحَرِيرٍ، أوْ ذَهَبٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنِ انْفَكَّتْ جِهَةُ الأمْرِ عَنْ جِهَةِ النَّهْيِ لَمْ يَقْتَضِ النَّهْيُ الفَسادَ، وإنْ لَمْ تَنْفَكَّ عَنْها اقْتَضاهُ. ولَكِنَّهم عِنْدَ التَّطْبِيقِ يَخْتَلِفُونَ، فَيَقُولُ أحَدُهم: الجِهَةُ هُنا مُنْفَكَّةٌ. ويَقُولُ الآخَرُ: لَيْسَتْ مُنْفَكَّةً كالعَكْسِ، فَيَقُولُ الحَنْبَلِيُّ مَثَلًا: الصَّلاةُ في الأرْضِ المَغْصُوبَةِ لا يُمْكِنُ أنْ تَنْفَكَّ فِيها جِهَةُ الأمْرِ عَنْ جِهَةِ النَّهْيِ؛ لِكَوْنِ حَرَكَةِ أرْكانِ الصَّلاةِ كالرُّكُوعِ والسُّجُودِ والقِيامِ كُلُّها يَشْغَلُ المُصَلِّي بِهِ حَيِّزًا مِنَ الفَراغِ لَيْسَ مَمْلُوكًا لَهُ، فَنَفْسُ شَغْلِهِ لَهُ بِبَدَنِهِ أثْناءَ الصَّلاةِ حَرامٌ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قُرْبَةً بِحالٍ. فَيَقُولُ المُعْتَرِضُ كالمالِكِيِّ والشّافِعِيِّ: الجِهَةُ مُنْفَكَّةٌ هُنا؛ لِأنَّ هَذا الفِعْلَ مِن حَيْثُ كَوْنِهِ صَلاةً قُرْبَةٌ، ومِن حَيْثُ كَوْنِهِ غَصْبًا حَرامٌ، فَلَهُ صَلاتُهُ وعَلَيْهِ غَصْبُهُ كالصَّلاةِ بِالحَرِيرِ. وإلى هَذا المَسْألَةِ وأقْوالِ العُلَماءِ فِيها أشارَ في مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:

؎دُخُولُ ذِي كَراهَةٍ فِيما أُمِرَ بِهِ بِلا قَيْدٍ وفَصْلٍ قَدْ حُظِرْ

؎(p-٢٩٨)فَنَفْيُ صِحَّةٍ ونَفْيُ الأجْرِ ∗∗∗ في وقْتِ كُرْهٍ لِلصَّلاةِ يَجْرِي

؎وَإنْ يَكُ النَّهْيُ عَنِ الأمْرِ انْفَصَلْ ∗∗∗ فالفِعْلُ بِالصِّحَّةِ لا الأجْرُ اتَّصَلْ

؎وَذا إلى الجُمْهُورِ ذُو انْتِسابِ ∗∗∗ وقِيلَ بِالأجْرِ مَعَ العِقابِ

؎وَقَدْ رُوِي البُطْلانُ والقَضاءُ ∗∗∗ وقِيلَ ذا فَقَطْ لَهُ انْتِفاءُ

؎مِثْلَ الصَّلاةِ بِالحَرِيرِ والذَّهَبِ ∗∗∗ أوْ في مَكانِ الغَصْبِ والوُضُو انْقَلَبْ

؎وَمَعْطَنٍ ومَنهَجٍ ومَقْبَرَهْ ∗∗∗ كَنِيسَةٍ وذِي حَمِيمٍ مَجْزَرَهْ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском