Ash-ShinqitiAl‑Hijr · 15:80

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Hijr 15:80, continued

وَأمّا الصَّلاةُ إلى القُبُورِ فَإنَّها لا تَجُوزُ أيْضًا، بِدَلِيلِ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، والإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ أبِي مَرْثَدٍ الغَنَوِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لا تُصَلُّوا إلى القُبُورِ ولا تَجْلِسُوا عَلَيْها»“ . هَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ. وفي لَفْظٍ لَهُ أيْضًا: «لا تَجْلِسُوا عَلى القُبُورِ ولا تُصَلُّوا إلَيْها» . والقاعِدَةُ المُقَرَّرَةُ في الأُصُولِ: أنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. فَأظْهَرُ الأقْوالِ دَلِيلًا مَنعُ الصَّلاةِ في المَقْبَرَةِ وإلى القَبْرِ؛ لِأنَّ صِيغَةَ النَّهْيِ المُتَجَرِّدَةَ مِنَ القَرائِنِ تَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. أمّا اقْتِضاءُ النَّهْيِ الفَسادَ إذا كانَ لِلْفِعْلِ جِهَةُ أمْرٍ وجِهَةُ نَهْيٍ، فَفِيهِ الخِلافُ الَّذِي قَدَّمْناهُ آنِفًا، وإنْ كانَتْ جِهَتُهُ واحِدَةً اقْتَضى الفَسادَ. وقالَ صاحِبُ المَراقِي في اقْتِضاءِ النَّهْيِ الفَسادَ:

؎وَجاءَ في الصَّحِيحِ لِلْفَسادِ ∗∗∗ إنْ لَمْ يَجِي الدَّلِيلُ لِلسَّدادِ

وَقَدْ نَهى ﷺ في هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ الصَّلاةِ إلى القُبُورِ، وقَدْ قالَ: «وَإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ»، وقالَ تَعالى: ﴿وَما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ لَعْنَهُ ﷺ مَنِ اتَّخَذَ القُبُورَ مَساجِدَ يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى التَّحْرِيمِ. واحْتَجَّ مَن قالَ بِصِحَّةِ الصَّلاةِ في المَقابِرِ وإلى القُبُورِ بِأدِلَّةٍ مِنها: عُمُومُ قَوْلِهِ ﷺ الثّابِتُ في الصَّحِيحِ: «وَجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا» الحَدِيثَ. قالُوا: عُمُومُهُ يَشْمَلُ المَقابِرَ، ويُجابُ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ أحادِيثَ النَّهْيِ مِنهُ ﷺ عَنِ الصَّلاةِ في المَقْبَرَةِ وإلى القَبْرِ خاصَّةً، وحَدِيثُ «جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا» عامٌّ، والخاصُّ يُقْضى بِهِ عَلى العامِّ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ عِنْدَ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَثْنى مِن عُمُومِ كَوْنِ الأرْضِ مَسْجِدًا المَقْبَرَةَ والحَمّامَ، فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والشّافِعِيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، وصَحَّحاهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «الأرْضُ كُلُّها مَسْجِدٌ (p-٢٩٩)إلّا المَقْبَرَةَ والحَمّامَ»، قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِ البُخارِيِّ بابُ ”كَراهِيَةِ الصَّلاةِ في المَقابِرِ“ في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ هَذا: رَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، ورِجالُهُ ثِقاتٌ، لَكِنِ اخْتُلِفَ في وصْلِهِ وإرْسالِهِ، وحَكَمَ مَعَ ذَلِكَ بِصِحَّتِهِ الحاكِمُ وابْنُ حِبّانَ. وقالَ الشَّوْكانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: صَحَّحَهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ، وابْنُ حَزْمٍ الظّاهِرِيُّ، وأشارَ ابْنُ دَقِيقِ العِيدِ إلى صِحَّتِهِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: التَّحْقِيقُ أنَّ الحَدِيثَ إذا اخْتُلِفَ في وصْلِهِ وإرْسالِهِ، وثَبَتَ مَوْصُولًا مِن طَرِيقٍ صَحِيحِةٍ حُكِمَ بِوَصْلِهِ، ولا يَكُونُ الإرْسالُ في الرِّوايَةِ الأُخْرى عِلَّةً فِيهِ؛ لِأنَّ الوَصْلَ زِيادَةٌ وزِياداتُ العَدْلِ مَقْبُولَةٌ. وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ صاحِبِ ”مَراقِي السُّعُودِ“:

؎والرَّفْعُ والوَصْلُ وزِيدَ اللَّفْظُ ∗∗∗ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ إمامِ الحِفْظِ

مِن أدِلَّةِ مَن قالَ: تَصِحُّ الصَّلاةُ في القُبُورِ - ما رَواهُ الشَّيْخانِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ امْرَأةً سَوْداءَ كانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ أوْ شابًا، فَقَدَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَألَ عَنْها أوْ عَنْهُ، فَقالُوا: ماتَ قالَ: ”أفَلا آذَنْتُمُونِي“، قالَ: فَكَأنَّهم صَغَّرُوا أمْرَها أوْ أمْرَهُ. فَقالَ: ”دَلُّونِي عَلى قَبْرِهِ“ فَدَلُّوهُ فَصَلّى عَلَيْها. ثُمَّ قالَ: ”هَذِهِ القُبُورُ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلى أهْلِها، وإنَّ اللَّهَ يُنَوِّرُها لَهم بِصَلاتِي عَلَيْهِمْ»“ . ولَيْسَ لِلْبُخارِيِّ: ”إنَّ هَذِهِ القُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً“ إلى آخِرِ الخَبَرِ، قالُوا: فَهَذا الحَدِيثُ يَدُلُّ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلاةِ إلى القَبْرِ.

وَمِن أدِلَّتِهِمْ أيْضًا ما رَواهُ الشَّيْخانِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قالَ: «انْتَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قَبْرٍ رَطْبٍ، فَصَلّى عَلَيْهِ، وصَفُّوا خَلْفَهُ، وكَبَّرَ أرْبَعًا» .

وَمِن أدِلَّتِهِمْ أيْضًا ما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أنَسٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى عَلى قَبْرٍ» .

وَمِن أدِلَّتِهِمْ ما قَدَّمْنا مِنَ الصَّلاةِ عَلى عائِشَةَ وأُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وسْطَ البَقِيعِ، وهَذِهِ الأدِلَّةُ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى جَوازِ الصَّلاةِ إلى القُبُورِ وصِحَّتِها؛ لا مُطْلَقِ صِحَّتِها دُونَ الجَوازِ.

وَمِن أدِلَّتِهِمْ ما ذَكَرَهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِلَفْظِ: ”وَرَأى عُمَرُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ. فَقالَ: القَبْرَ، القَبْرَ، ولَمْ يَأْمُرْهُ بِالإعادَةِ“ اهـ. وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ: أُورِدَ أثَرُ عُمَرَ الدّالُّ عَلى أنَّ النَّهْيَ في ذَلِكَ لا يَقْتَضِي فَسادَ الصَّلاةِ. والأثَرُ المَذْكُورُ عَنْ عُمَرَ رُوِّيناهُ مَوْصُولًا في كِتابِ الصَّلاةِ لِأبِي (p-٣٠٠)نُعَيْمٍ شَيْخِ البُخارِيِّ. ولَفْظُهُ: ”بَيْنَما أنَسٌ يُصَلِّي إلى قَبْرٍ ناداهُ عُمَرُ: القَبْرَ، القَبْرَ؛ فَظَنَّ أنَّهُ يَعْنِي القَمَرَ. فَلَمّا رَأى أنَّهُ يَعْنِي القَبْرَ، جاوَزَ القَبْرَ وصَلّى“ ولَهُ طُرُقٌ أُخْرى بَيَّنْتُها في تَعْلِيقِ التَّعْلِيقِ. مِنها: مِن طَرِيقِ حُمَيْدٍ عَنْ أنَسٍ نَحْوَهُ، زادَ فِيهِ: فَقالَ بَعْضُ مَن يَلِينِي: إنَّما يَعْنِي القَبْرَ فَتَنَحَّيْتُ عَنْهُ. وقَوْلُهُ: القَبْرَ القَبْرَ، بِالنَّصْبِ فِيهِما عَلى التَّحْذِيرِ. وقَوْلُهُ: ولَمْ يَأْمُرْهُ بِالإعادَةِ اسْتَنْبَطَهُ مِن تَمادِي أنَسٍ عَلى الصَّلاةِ. ولَوْ كانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي فَسادَها لَقَطَعَها واسْتَأْنَفَ. اهـ مِنهُ بِلَفْظِهِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: هَذِهِ الأدِلَّةُ يَظْهَرُ لِلنّاظِرِ أنَّها مُتَعارِضَةٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ الجَمْعَ واجِبٌ إذا أمْكَنَ، وإنْ لَمْ يُمْكِنْ وجَبَ التَّرْجِيحُ، وفي هَذِهِ المَسْألَةِ يَجِبُ الجَمْعُ والتَّرْجِيحُ مَعًا. أمّا وجْهُ الجَمْعِ: فَإنَّ جَمِيعَ الأدِلَّةِ المَذْكُورَةِ في الصَّلاةِ إلى القُبُورِ كُلُّها في الصَّلاةِ عَلى المَيِّتِ، ولَيْسَ فِيها رُكُوعٌ ولا سُجُودٌ، وإنَّما هي دُعاءٌ لِلْمَيِّتِ: فَهي مِن جِنْسِ الدُّعاءِ لِلْأمْواتِ عِنْدَ المُرُورِ بِالقُبُورِ.

وَلا يُفِيدُ شَيْءٌ مِن تِلْكَ الأدِلَّةِ جَوازَ صَلاةِ الفَرِيضَةِ أوِ النّافِلَةِ الَّتِي هي صَلاةٌ ذاتُ رُكُوعٍ وسُجُودٍ. ويُؤَيِّدُهُ تَحْذِيرُ عُمَرَ لِأنَسٍ مِنَ الصَّلاةِ عِنْدَ القَبْرِ. نَعَمْ تَتَعارَضُ تِلْكَ الأدِلَّةُ مَعَ ظاهِرِ عُمُومِ: «لا تَجْلِسُوا عَلى القُبُورِ، ولا تُصَلُّوا إلَيْها»؛ فَإنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلاةِ، فَيَشْمَلُ الصَّلاةَ عَلى المَيِّتِ، فَيَتَحَصَّلُ أنَّ الصَّلاةَ ذاتَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ لَمْ يَرِدْ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلى جَوازِها إلى القَبْرِ أوْ عِنْدَهُ، بَلِ العَكْسُ. أمّا الصَّلاةُ عَلى المَيِّتِ: فَهي الَّتِي تَعارَضَتْ فِيها الأدِلَّةُ. والمُقَرَّرُ في الأُصُولِ: أنَّ الدَّلِيلَ الدّالَّ عَلى النَّهْيِ مُقَدَّمٌ عَلى الدَّلِيلِ عَلى الجَوازِ، ولِلْمُخالِفِ أنْ يَقُولَ: لا يَتَعارَضُ عامٌّ وخاصٌّ. فَحَدِيثُ: «لا تُصَلُّوا إلى القُبُورِ» عامٌّ في ذاتِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ والصَّلاةِ عَلى المَيِّتِ. والأحادِيثُ الثّابِتَةُ في الصَّلاةِ عَلى قَبْرِ المَيِّتِ خاصَّةٌ، والخاصُّ يُقْضى بِهِ عَلى العامِّ.

فَأظْهَرُ الأقْوالِ بِحَسَبِ الصِّناعَةِ الأُصُولِيَّةِ: مَنعُ الصَّلاةِ ذاتِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ عِنْدَ القَبْرِ وإلَيْهِ مُطْلَقًا؛ لِلَعْنِهِ ﷺ لِمُتَّخِذِي القُبُورِ مَساجِدَ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ، وأنَّ الصَّلاةَ عَلى قَبْرِ المَيِّتِ - الَّتِي هي لِلدُّعاءِ لَهُ الخالِيَةَ مِنَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ - تَصِحُّ؛ لِفِعْلِهِ ﷺ الثّابِتِ في الصَّحِيحِ، مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، ويُومِئُ لِهَذا الجَمْعِ حَدِيثُ لَعْنِ مُتَّخِذِي القُبُورِ مَساجِدَ؛ لِأنَّها أماكِنُ السُّجُودِ. وصَلاةُ الجِنازَةِ لا سُجُودَ فِيها؛ فَمَوْضِعُها لَيْسَ بِمَسْجِدٍ لُغَةً؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ سُجُودٍ.

* *

تَنْبِيهٌ.

(p-٣٠١)اعْلَمْ أنَّ ما يَزْعُمُهُ بَعْضُ مَن لا عِلْمَ عِنْدَهُ: مِن أنَّ الكِتابَ والسُّنَّةَ دَلّا عَلى اتِّخاذِ القُبُورِ مَساجِدَ، يَعْنِي بِالكِتابِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١]، ويَعْنِي بِالسُّنَّةِ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن أنْ: مَوْضِعَ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ كانَ فِيهِ قُبُورُ المُشْرِكِينَ، في غايَةِ السُّقُوطِ، وقائِلُهُ مِن أجْهَلِ خَلْقِ اللَّهِ.

أمّا الجَوابُ عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ فَهو أنْ تَقُولَ: مَن هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ قالُوا: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ ؟ أهم مِمَّنْ يُقْتَدى بِهِ ؟ أمْ هم كَفَرَةٌ لا يَجُوزُ الِاقْتِداءُ بِهِمْ ؟، وقَدْ قالَ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - في هَؤُلاءِ القَوْمِ [الكهف: ٢١]، ما نَصُّهُ: " وقَدِ اخْتُلِفَ في قائِلِ هَذِهِ المَقالَةِ، أهُمُ الرَّهْطُ المُسْلِمُونَ أمْ هُمُ الكُفّارُ ؟ فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّهم عَلى القَوْلِ بِأنَّهم كُفّارٌ فَلا إشْكالَ في أنَّ فِعْلَهم لَيْسَ بِحُجَّةٍ؛ إذْ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِالِاحْتِجاجِ بِأفْعالِ الكُفّارِ كَما هو ضَرُورِيٌّ. وعَلى القَوْلِ: بِأنَّهم مُسْلِمُونَ كَما يَدُلُّ لَهُ ذِكْرُ المَسْجِدِ؛ لِأنَّ اتِّخاذَ المَساجِدِ مِن صِفاتِ المُسْلِمِينَ، فَلا يَخْفى عَلى أدْنى عاقِلٍ أنَّ قَوْلَ قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ في القُرُونِ الماضِيَةِ: إنَّهم سَيَفْعَلُونَ كَذا، لا يُعارِضُ بِهِ النُّصُوصَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إلّا مَن طَمَسَ اللَّهُ بَصِيرَتَهُ فَقابَلَ قَوْلَهم: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] بِقَوْلِهِ ﷺ في مَرَضِ مَوْتِهِ قَبْلَ انْتِقالِهِ إلى الرَّفِيقِ الأعْلى بِخَمْسٍ: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ والنَّصارى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ» . الحَدِيثَ. يَظْهَرُ لَكَ أنَّ مَنِ اتَّبَعَ هَؤُلاءِ القَوْمَ في اتِّخاذِهِمُ المَسْجِدَ عَلى القُبُورِ، مَلْعُونٌ عَلى لِسانِ الصّادِقِ المَصْدُوقِ ﷺ كَما هو واضِحٌ، ومَن كانَ مَلْعُونًا عَلى لِسانِهِ ﷺ، فَهو مَلْعُونٌ في كِتابِ اللَّهِ كَما صَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]؛ ولِهَذا صَرَّحَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: بِأنَّ الواصِلَةَ والواشِمَةَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُما في الحَدِيثِ، كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ مَلْعُونَةٌ في كِتابِ اللَّهِ. وقالَ لِلْمَرْأةِ الَّتِي قالَتْ لَهُ: قَرَأْتُ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ فَلَمْ أجِدْ، إنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ فَقَدْ وجَدْتِيهِ، ثُمَّ تَلا الآيَةَ الكَرِيمَةَ، وحَدِيثُهُ مَشْهُورٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، وبِهِ تُعْلَمُ أنَّ مَنِ اتَّخَذَ المَساجِدَ عَلى القُبُورِ مَلْعُونٌ في كِتابِ اللَّهِ - جَلَّ وعَلا - عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ وأنَّهُ لا دَلِيلَ في آيَةِ: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] .

وَأمّا الِاسْتِدْلالُ: بِأنَّ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ مَبْنِيٌّ في مَحَلِّ مَقابِرِ المُشْرِكِينَ فَسُقُوطُهُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُمِرَ بِها فَنُبِشَتْ وأُزِيلَ ما فِيها. فَفي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ - رَضِيَ (p-٣٠٢)اللَّهُ عَنْهُ -: ”«فَكانَ فِيهِ ما أقُولُ لَكم: قُبُورُ المُشْرِكِينَ، وفِيهِ خَرِبٌ، وفِيهِ نَخْلٌ، فَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ، فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالخَرِبِ فَسُوِّيَتْ، وبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ، وجَعَلُوا عِضادَتَيْهِ الحِجارَةَ» . . . . .“ . الحَدِيثَ. هَذا لَفْظُ البُخارِيِّ. ولَفْظُ مُسْلِمٍ قَرِيبٌ مِنهُ بِمَعْناهُ. فَقُبُورُ المُشْرِكِينَ لا حُرْمَةَ لَها؛ ولِذَلِكَ أمَرَ ﷺ بِنَبْشِها وإزالَةِ ما فِيها. فَصارَ المَوْضِعُ كَأنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قَبْرٌ أصْلًا لِإزالَتِهِ بِالكُلِّيَّةِ. وهو واضِحٌ كَما تَرى ا هـ.

والتَّحْقِيقُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ: أنَّهُ لا يَجُوزُ البِناءُ عَلى القُبُورِ ولا تَجْصِيصُها. كَما رَواهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، وغَيْرُهُ عَنْ أبِي الهَيّاجِ الأسَدِيِّ: «أنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ لَهُ: ألا أبْعَثُكَ عَلى ما بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ ألّا تَدَعَ تِمْثالًا إلّا طَمَسْتَهُ، ولا قَبْرًا مُشْرِفًا إلّا سَوَّيْتَهُ» " .

وَلِما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ أيْضًا عَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُجَصَّصَ القَبْرُ، وأنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وأنْ يُبْنى عَلَيْهِ» .

فَهَذا النَّهْيُ ثابِتٌ عَنْهُ ﷺ، وقَدْ قالَ: «وَإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ» . وقالَ - جَلَّ وعَلا -: ﴿وَما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ .

وَقَدْ تَبَيَّنَ مِمّا ذَكَرْنا حُكْمَ الصَّلاةِ في مَواضِعِ الخَسْفِ، وفي المَقْبَرَةِ، وإلى القَبْرِ، وفي الحَمّامِ.

وَأمّا أعْطانُ الإبِلِ: فَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أيْضًا النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ فِيها، فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أأتَوَضَّأُ مِن لُحُومِ الغَنَمِ ؟ قالَ: ”إنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وإنْ شِئْتَ فَلا تَوَضَّأُ“، قالَ: أتَوَضَّأُ مِن لُحُومِ الإبِلِ ؟ قالَ: ”نَعَمْ؛ تَوَضَّأْ مِن لُحُومِ الإبِلِ“ . قالَ: أُصَلِّي في مَرابِضِ الغَنَمِ ؟ قالَ: ”نَعَمْ“، قالَ: أُصَلِّي في ”مَبارَكِ الإبِلِ“: قالَ ”لا“» . هَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ في صَحِيحِهِ.

وَأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”صَلُّوا في مَرابِضِ الغَنَمِ، ولا تُصَلُّوا في أعْطانِ الإبِلِ»“ .

وَأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنِ الصَّلاةِ في أعْطانِ الإبِلِ» .

وَقالَ النَّوَوِيُّ في (شَرْحِ المُهَذَّبِ): إنَّ الإسْنادَ الَّذِي أخْرَجَهُ بِهِ البَيْهَقِيُّ حَسَنٌ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ في (بابِ الوُضُوءِ مِن لُحُومِ الإبِلِ)، وفي (بابِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ في مَبارَكِ (p-٣٠٣)الإبِلِ)، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلاةِ في مَبارَكِ الإبِلِ، فَقالَ: ”لا تُصَلُّوا في مَبارَكِ الإبِلِ؛ فَإنَّها مِنَ الشَّياطِينِ“، وسُئِلَ عَنِ الصَّلاةِ في مَرابِضِ الغَنَمِ، فَقالَ: ”صَلُّوا فِيها؛ فَإنَّها بَرَكَةٌ»“ .

وَأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «صَلُّوا في مُراحِ الغَنَمِ؛ ولا تُصَلُّوا في مَعاطِنِ الإبِلِ» .

وَأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، عَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا يُصَلّى في أعْطانِ الإبِلِ، ويُصَلّى في مُراحِ الغَنَمِ» .

وَتَرْجَمَ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ لِهَذِهِ المَسْألَةِ، فَقالَ: (بابُ الصَّلاةِ في مَواضِعِ الإبِلِ)، ثُمَّ قالَ: حَدَّثَنا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ، قالَ: أخْبَرَنا سُلَيْمانُ بْنُ حَيّانَ، قالَ: حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نافِعٍ، قالَ: «رَأيْتُ ابْنَ عُمَرَ يُصَلِّي إلى بَعِيرِهِ، وقالَ: رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ» .

وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ في الكَلامِ عَلى هَذِهِ التَّرْجَمَةِ، الَّتِي لَمْ يَأْتِ البُخارِيُّ بِحَدِيثٍ يُطابِقُها ما نَصُّهُ: كَأنَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّ الأحادِيثَ الوارِدَةَ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الإبِلِ والغَنَمِ لَيْسَتْ عَلى شَرْطِهِ، ولَكِنْ لَها طُرُقٌ قَوِيَّةٌ، مِنها حَدِيثُ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وحَدِيثُ البَراءِ بْنِ عازِبٍ عِنْدَ أبِي داوُدَ، وحَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، وحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عِنْدَ النَّسائِيِّ، وحَدِيثُ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ، وفي مُعْظَمِها التَّعْبِيرُ بِمَعاطِنِ الإبِلِ. ووَقَعَ في حَدِيثِ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ والبَراءِ: ”مَبارَكِ الإبِلِ“، ومِثْلُهُ في حَدِيثِ سُلَيْكٍ عِنْدَ الطَّبَرانِيِّ، وفي حَدِيثِ سَبْرَةَ، وكَذا في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: ”أعْطانِ الإبِلِ“ . وفي حَدِيثِ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ عِنْدَ الطَّبَرانِيِّ: ”مَناخِ الإبِلِ“، وفي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عِنْدَ أحْمَدَ: ”مَرابِدِ الإبِلِ“ فَعَبَّرَ المُصَنِّفُ بِالمَواضِعِ لِأنَّها أشْمَلُ، والمَعاطِنُ أخَصُّ مِنَ المَواضِعِ؛ لِأنَّ المَعاطِنَ مَواضِعُ إقامَتِها عِنْدَ الماءِ خاصَّةً.

وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ النَّهْيَ خاصٌّ بِالمَعاطِنِ دُونَ غَيْرِها مِنَ الأماكِنِ الَّتِي تَكُونُ فِيها الإبِلُ. وقِيلَ مَأْواها مُطْلَقًا، نَقَلَهُ صاحِبُ المُغْنِي عَنْ أحْمَدَ. ا هـ كَلامُ ابْنِ حَجَرٍ.

وَقالَ ابْنُ حَزْمٍ: إنَّ أحادِيثَ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ في أعْطانِ الإبِلِ مُتَواتِرَةٌ بِنَقْلِ تَواتُرٍ يُوجِبُ العِلْمَ.

فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ؛ فاعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في صِحَّةِ الصَّلاةِ في أعْطانِ الإبِلِ.

فَذَهَبَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّها لا تَصِحُّ فِيها، وهو الصَّحِيحُ مِن مَذْهَبِ الإمامِ أحْمَدَ، وعَلَيْهِ جُلُّ أصْحابِهِ.

(p-٣٠٤)قالَ صاحِبُ (الإنْصافِ): هَذا المَذْهَبُ وعَلَيْهِ الأصْحابُ. وفي الفُرُوعِ هو أشْهَرُ وأصَحُّ في المَذْهَبِ. وقالَ المُصَنَّفُ وغَيْرُهُ: هَذا ظاهِرُ المَذْهَبِ وهو مِنَ المُفْرَداتِ.

وَمِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ (ابْنُ حَزْمٍ) .

وَذَهَبَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ النَّهْيَ لِلْكَراهَةِ، وأنَّهُ لَوْ صَلّى فِيها لَصَحَّتْ صَلاتُهُ. وقَدْ قَدَّمْنا كَلامَ أهْلِ الأُصُولِ في مِثْلِ هَذِهِ المَسْألَةِ.

واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في عِلَّةِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ في أعْطانِ الإبِلِ.

فَقِيلَ: لِأنَّها خُلِقَتْ مِنَ الشَّياطِينِ، كَما تَقَدَّمَ في الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وهَذا هو الصَّحِيحُ في التَّعْلِيلِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا تُصَلُّوا في مَبارَكِ الإبِلِ؛ فَإنَّها خُلِقَتْ مِنَ الشَّياطِينِ»، وتَرْتِيبُهُ كَوْنُها خُلِقَتْ مِنَ الشَّياطِينِ بِالفاءِ عَلى النَّهْيِ، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ هو عِلَّتُهُ كَما تَقَرَّرَ في مَبْحَثِ مَسْلَكِ النَّصِّ، ومَسْلَكِ الإيماءِ والتَّنْبِيهِ.

وَقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مَعْنى كَوْنِها: ”خُلِقَتْ مِنَ الشَّياطِينِ“، أنَّها رُبَّما نَفَرَتْ وهو في الصَّلاةِ فَتُؤَدِّي إلى قَطْعِ صَلاتِهِ، أوْ أذاهُ، أوْ تَشْوِيشِ خاطِرِهِ. وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ كُلَّ عاتٍ مُتَمَرِّدٍ تُسَمِّيهِ العَرَبُ شَيْطانًا. والإبِلُ إذا نَفَرَتْ فَهي عاتِيَةٌ مُتَمَرِّدَةٌ، فَتَسْمِيَتُها بِاسْمِ الشَّياطِينِ مُطابِقٌ لِلُغَةِ العَرَبِ.

والعَرَبُ تَقُولُ: خُلِقَ مِن كَذا لِلْمُبالَغَةِ، كَما يَقُولُونَ: خُلِقَ هَذا مِنَ الكَرَمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، عَلى أصَحِّ التَّفْسِيرَيْنِ.

وَعَلى هَذا فَيُفَرَّقُ بَيْنَ كَوْنِ الإبِلِ في مَعاطِنِها، وبَيْنَ غَيْبَتِها عَنْها؛ إذْ يُؤْمَنُ نُفُورُها حِينَئِذٍ.

قالَ الشَّوْكانِيُّ في (نَيْلِ الأوْطارِ): ويُرْشِدُ إلى صِحَّةِ هَذا حَدِيثُ ابْنِ مُغَفَّلٍ عِنْدَ أحْمَدَ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ بِلَفْظِ: «لا تُصَلُّوا في أعْطانِ الإبِلِ؛ فَإنَّها خُلِقَتْ مِنَ الجِنِّ، ألا تَرَوْنَ إلى عُيُونِها وهَيْئاتِها إذا نَفَرَتْ» .

وَقَدْ يَحْتَمِلُ أنْ عِلَّةَ النَّهْيِ أنْ يُجاءَ بِها إلى مَعاطِنِها بَعْدَ شُرُوعِهِ في الصَّلاةِ فَيَقْطَعُها، أوْ يَسْتَمِرُّ فِيها مَعَ شَغْلِ خاطِرِهِ، ا هــ كَلامُ الشَّوْكانِيِّ.

وَمِن هَذا التَّعْلِيلِ المَنصُوصِ؛ فَهِمَ العُلَماءُ القائِلُونَ بِعَدَمِ بُطْلانِها أنَّهُ: لَمّا كانَتْ عِلَّةُ النَّهْيِ ما ذُكِرَ؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الصَّلاةَ إذا فَعَلَها تامَّةً أنَّها غَيْرُ باطِلَةٍ.

(p-٣٠٥)وَقِيلَ: العِلَّةُ أنَّ أصْحابَ الإبِلِ يَتَغَوَّطُونَ في مَبارِكِها بِخِلافِ أهْلِ الغَنَمِ.

وَقِيلَ: العِلَّةُ أنَّ النّاقَةَ تَحِيضُ، والجَمَلَ يَمْنِي.

وَكُلُّها تَعْلِيلاتٌ لا مُعَوِّلَ عَلَيْها. والصَّحِيحُ التَّعْلِيلُ المَنصُوصُ عَنْهُ ﷺ بِأنَّها خُلِقَتْ مِنَ الشَّياطِينِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

تَنْبِيهٌ.

فَإنْ قِيلَ: ما حُكْمُ الصَّلاةِ في مَبارَكِ البَقَرِ ؟ .

فالجَوابُ أنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ يَقُولُونَ: إنَّها كَمَرابِضِ الغَنَمِ. ولَوْ قِيلَ: إنَّها كَمَرابِضِ الإبِلِ؛ لَكانَ لِذَلِكَ وجْهٌ.

قالَ ابْنُ حَجَرٍ (في فَتْحِ البارِي): وقَعَ في مُسْنَدِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي في مَرابِضِ الغَنَمِ، ولا يُصَلِّي في مَرابِضِ الإبِلِ والبَقَرِ»، اهـ. قالَ: وسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. فَلَوْ ثَبَتَ لَأفادَ أنَّ حُكْمَ البَقَرِ حُكْمُ الإبِلِ. بِخِلافِ ما ذَكَرَهُ ابْنُ المُنْذِرِ: أنَّ البَقَرَ في ذَلِكَ كالغَنَمِ. اهـ كَلامُ ابْنِ حَجَرٍ.

وَما يَقُولُهُ أبُو داوُدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: مِن أنَّ العَمَلَ بِالحَدِيثِ الضَّعِيفِ خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ بِالرَّأْيِ لَهُ وجْهٌ وجِيهٌ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

وَأمّا الصَّلاةُ في المَزْبَلَةِ، والمَجْزَرَةِ، وقارِعَةِ الطَّرِيقِ، وفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ، فَدَلِيلُ النَّهْيِ عَنْها هو ما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ جَبِيرَةَ، عَنْ داوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْهُ ﷺ، وقَدْ قَدَّمْنا ما في إسْنادِهِ مِنَ الكَلامِ.

وَأمّا الصَّلاةُ إلى جِدارِ مِرْحاضٍ عَلَيْهِ نَجاسَةٌ، فَلِما رُوِيَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - .

قالَ العَلّامَةُ الشَّوْكانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في (نَيْلِ الأوْطارِ): وأمّا الصَّلاةُ إلى جِدارِ مِرْحاضٍ؛ فَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ في سَبْعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ بِلَفْظِ: «نَهى عَنِ الصَّلاةِ في المَسْجِدِ تُجاهَهُ حُشٌّ»، أخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ. قالَ العِراقِيُّ ولَمْ يَصِحَّ إسْنادُهُ.

وَرَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قالَ: لا يُصَلّى إلى الحُشِّ.

وَعَنْ عَلِيٍّ قالَ: لا يُصَلّى تُجاهَ حُشٍّ.

(p-٣٠٦)وَعَنْ إبْراهِيمَ: كانُوا يَكْرَهُونَ ثَلاثَةَ أشْياءَ. . فَذَكَرَ مِنها الحُشَّ.

وَفِي كَراهَةِ اسْتِقْبالِهِ خِلافٌ بَيْنَ العُلَماءِ. اهـ كَلامُ الشَّوْكانِيِّ.

والمُرادُ بِالحُشِّ - بِضَمِّ الحاءِ وفَتْحِها - بَيْتُ الخَلاءِ.

وَأمّا الصَّلاةُ في الكَنِيسَةِ والبَيْعَةِ - والمُرادُ بِهِما مُتَعَبَّداتُ اليَهُودِ والنَّصارى -، فَقَدْ كَرِهَها جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ.

قالَ النَّوَوِيُّ في (شَرْحِ المَذْهَبِ): حَكاهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - .

قالَ الشَّوْكانِيُّ: وقَدْ رُويَتِ الكَراهَةُ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: الظّاهِرُ أنَّ ما رُوِيَ مِن ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ، وإنَّما هو في الكَنائِسِ والبِيَعِ الَّتِي فِيها الصُّوَرُ خاصَّةً. ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما ذَكَرَهُ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في صَحِيحِهِ، قالَ: (بابُ الصَّلاةِ في البِيعَةِ)، وقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”إنّا لا نَدْخُلُ كَنائِسَكم مِن أجْلِ التَّماثِيلِ الَّتِي فِيها الصُّوَرُ“ . وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يُصَلِّي في البِيعَةِ إلّا بِيعَةً فِيها تَماثِيلُ.

وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في (الفَتْحِ): إنَّ الأثَرَ الَّذِي عَلَّقَهُ البُخارِيُّ عَنْ عُمَرَ، وصَلَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ مِن طَرِيقِ أسْلَمَ - مَوْلى عُمَرَ - . والأثَرُ الَّذِي عُلِّقَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وصَلَهُ البَغَوِيُّ في الجَعْدِيّاتِ. اهـ.

وَمَعْلُومٌ أنَّ البُخارِيَّ لا يُعَلِّقُ بِصِيغَةِ الجَزْمِ إلّا ما هو ثابِتٌ عِنْدَهُ.

وَرَخَّصَ في الصَّلاةِ في الكَنِيسَةِ والبِيعَةِ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، مِنهم: أبُو مُوسى، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والشَّعْبِيُّ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وابْنُ سِيرِينَ، والنَّخَعِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وغَيْرُهم.

قالَ العَلّامَةُ الشَّوْكانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ولَعَلَّ وجْهَ الكَراهَةِ هو ما تَقَدَّمَ مِنِ اتِّخاذِ قُبُورِ أنْبِيائِهِمْ وصُلَحائِهِمْ مَساجِدَ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ جَمِيعُ البِيَعِ والكَنائِسِ مَظِنَّةً لِذَلِكَ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ العِلَّةُ أنَّ الكَنِيسَةَ والبِيعَةَ: مَوْضِعٌ يُعْصى اللَّهُ فِيهِ ويُكْفَرُ بِهِ فِيهِ، فَهي بُقْعَةُ سُخْطٍ وغَضَبٍ. وأمّا النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ إلى التَّماثِيلِ: فَدَلِيلُهُ ثابِتٌ في الصَّحِيحِ.

(p-٣٠٧)فَمِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ (في كِتابِ الصَّلاةِ)، قالَ: (بابُ إنْ صَلّى في ثَوْبٍ مُصَلَّبٍ، أوْ تَصاوِيرَ: هَلْ يُفْسِدُ صَلاتَهُ ؟ وما يُنْهى عَنْ ذَلِكَ، حَدَّثَنا أبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الوارِثِ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أنَسٍ: «كانَ قِرامٌ لِعائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جانِبَ بَيْتِها، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”أمِيطِي عَنّا قِرامَكِ هَذا؛ إنَّهُ لا تَزالُ تَصاوِيرُهُ تَعْرِضُ في صَلاتِي»“ .

وَقالَ البُخارِيُّ أيْضًا ( في كِتابِ اللِّباسِ، بابُ كَراهِيَةِ اللِّباسِ في التَّصاوِيرِ): حَدَّثَنا عِمْرانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنا عَبْدُ الوارِثِ، حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قالَ: «كانَ قِرامٌ لِعائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جانِبَ بَيْتِها، فَقالَ لَها النَّبِيُّ ﷺ: ”أمِيطِي عَنِّي؛ فَإنَّهُ لا تَزالُ تَصاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي في صَلاتِي»“ .

وَقالَ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنّى، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِمِ، قالَ: «سَمِعْتُ القاسِمَ يُحَدِّثُ عَنْ عائِشَةَ: أنَّهُ كانَ لَها ثَوْبٌ فِيهِ تَصاوِيرُ مَمْدُودٌ إلى سَهْوَةٍ، فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي إلَيْهِ، فَقالَ: ”أخِّرِيهِ عَنِّي“، قالَتْ: فَأخَّرْتُهُ فَجَعَلْتُهُ وسائِدَ» .

والثَّوْبُ في هَذِهِ الرِّوايَةِ هو القِرامُ المَذْكُورُ، والقِرامُ - بِالكَسْرِ -: سِتْرٌ فِيهِ رَقْمٌ ونُقُوشٌ، أوِ السِّتْرُ الرَّقِيقُ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ في مُعَلَّقَتِهِ يَصِفُ الهَوْدَجَ:

؎مِن كُلِّ مَحْفُوفٍ يُظِلُّ عِصِيَّهُ زَوْجٌ عَلَيْهِ كِلَّةٌ وقِرامُها

وَقَوْلُ الآخَرِ يَصِفُ دارًا:

؎عَلى ظَهْرِ جَرْعاءِ العَجُوزِ كَأنَّها ∗∗∗ دَوائِرُ رَقْمٍ في سَراةِ قِرامِ

والكِلَّةُ في بَيْتِ لَبِيدٍ: هي القِرامُ إذا خِيطَ فَصارَ كالبَيْتِ.

فَهَذِهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَجُوزُ الصَّلاةُ إلى التَّماثِيلِ. ومِمّا يَدُلُّ لِذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما مِن حَدِيثِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: «أنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتا كَنِيسَةً رَأيْنَها بِالحَبَشَةِ، فِيها تَصاوِيرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنَّ أُولَئِكَ إذا كانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصّالِحُ فَماتَ، بَنَوْا عَلى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ»“ . اهـ. هَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ، ولَفْظُ البُخارِيِّ قَرِيبٌ مِنهُ. اهـ.

أمّا بُطْلانُ صَلاةِ مَن صَلّى إلى التَّماثِيلِ، فَفِيهِ اخْتِلافٌ بَيْنَ العُلَماءِ، وقَدْ أشارَ لَهُ (p-٣٠٨)البُخارِيُّ بِقَوْلِهِ الَّذِي قَدَّمْنا عَنْهُ (بابُ إنْ صَلّى في ثَوْبٍ مُصَلَّبٍ، أوْ تَصاوِيرَ: هَلْ تَفْسُدُ صَلاتَهُ ؟) الخَ.

وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ مَنشَأ الخِلافِ في البُطْلانِ هو الِاخْتِلافُ في انْفِكاكِ جِهَةِ النَّهْيِ عَنْ جِهَةِ الأمْرِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

وَأمّا مَنعُ تَصْوِيرِ الحَيَوانِ، وتَعْذِيبُ فاعِلِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ أشَدَّ العَذابِ، وأمْرُهم بِإحْياءِ ما صَوَّرُوا، وكَوْنُ المَلائِكَةِ لا تَدْخُلُ مَحَلًّا فِيهِ صُورَةٌ أوْ كَلْبٌ، فَكُلُّهُ مَعْرُوفٌ ثابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

وَأمّا الصَّلاةُ في المَكانِ المَغْصُوبِ: فَإنَّها لا تَجُوزُ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ اللُّبْثَ فِيها حَرامٌ في غَيْرِ الصَّلاةِ، فَلَأنْ يَحْرُمَ في الصَّلاةِ أوْلى.

وَذَهَبَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: إلى أنَّهُ لَوْ صَلّى في أرْضٍ مَغْصُوبَةٍ فَصَلاتُهُ صَحِيحَةٌ؛ لِانْفِكاكِ الجِهَةِ أنَّهُ آثِمٌ بِغَصْبِهِ، مُطِيعٌ بِصَلاتِهِ: كالمُصَلِّي بِحَرِيرٍ.

وَذَهَبَ الإمامُ أحْمَدُ في أصَحِّ الرِّواياتِ عَنْهُ، والجُبّائِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ: إلى أنَّها باطِلَةٌ؛ لِعَدَمِ انْفِكاكِ جِهَةِ الأمْرِ عَنْ جِهَةِ النَّهْيِ كَما قَدَّمْنا، وقَدْ قَدَّمْنا أقْوالَ عامَّةِ العُلَماءِ في هَذِهِ المَسْألَةِ في أبْياتِ مَراقِي السُّعُودِ الَّتِي اسْتَشْهَدْنا بِها. وأمّا النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ إلى النّائِمِ والمُتَحَدِّثِ: فَدَلِيلُهُ ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ، قالَ: (بابُ الصَّلاةِ إلى المُتَحَدِّثِينَ والنِّيامِ)، حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أيْمَنَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، قالَ: قُلْتُ لَهُ - يَعْنِي لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ -: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا تُصَلُّوا خَلْفَ النّائِمِ ولا المُتَحَدِّثُ» . اهـ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском