Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Hijr 15:80–89, continued
وَهَذا الحَدِيثُ لا يَخْفى ضَعْفُهُ؛ لِأنَّ الرّاوِيَ في هَذا الإسْنادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ لا يُدْرى مَن هو كَما تَرى.
وَقالَ ابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ، ثَنا زَيْدُ بْنُ الحُبابِ، حَدَّثَنِي أبُو المِقْدامِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُصَلّى خَلْفَ المُتَحَدِّثِ، أوِ النّائِمِ» . وإسْنادُ ابْنِ ماجَهْ هَذا لا يُحْتَجُّ بِهِ أيْضًا؛ لِأنَّ الرّاوِيَ فِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: أبُو المِقْدامِ وهو هِشامُ بْنُ زِيادِ بْنِ أبِي يَزِيدَ، وهو هِشامُ بْنُ أبِي هِشامٍ، ويُقالُ لَهُ أيْضًا: هِشامُ بْنُ أبِي الوَلِيدِ المَدَنِيُّ، وهو لا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ. قالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في التَّقْرِيبِ: (p-٣٠٩)مَتْرُوكٌ. وقالَ في تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ، وأبُو زُرْعَةَ: ضَعِيفُ الحَدِيثِ. وقالَ الدُّورِيُّ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ: لَيْسَ بِثِقَةٍ. وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ضَعِيفٌ، لَيْسَ بِشَيْءٍ. وقالَ البُخارِيُّ: يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ. وقالَ أبُو داوُدَ: غَيْرُ ثِقَةٍ. وقالَ التِّرْمِذِيُّ: يُضَعَّفُ. وقالَ النَّسائِيُّ وعَلِيُّ بْنُ الجُنَيْدِ الأزْدِيُّ: مَتْرُوكُ الحَدِيثِ. وقالَ النَّسائِيُّ أيْضًا: ضَعِيفٌ. وقالَ النَّسائِيُّ: لَيْسَ بِثِقَةٍ، ومَرَّةً: لَيْسَ بِشَيْءٍ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: ضَعِيفُ الحَدِيثِ لَيْسَ بِالقَوِيِّ، وكانَ جارًا لِأبِي الوَلِيدِ، فَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ، وكانَ لا يَرْضاهُ. ويُقالُ: إنَّهُ أخَذَ كِتابَ حَفْصٍ المِنقَرِيِّ، عَنِ الحَسَنِ فَرَوى عَنِ الحَسَنِ. وعِنْدَهُ عَنِ الحَسَنِ أحادِيثُ مُنْكَرَةٌ.
قُلْتُ: وقالَ ابْنُ حِبّانَ: يَرْوِي المَوْضُوعاتِ عَنِ الثِّقاتِ: لا يَجُوزُ الِاحْتِجاجُ بِهِ. وقالَ الدّارَقُطْنِيُّ: ضَعِيفٌ، وتَرَكَ ابْنُ المُبارَكِ حَدِيثَهُ. وقالَ ابْنُ سَعْدٍ: كانَ ضَعِيفًا في الحَدِيثِ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ: لا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ. وقالَ العِجْلِيُّ: ضَعِيفٌ. وقالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيانَ: ضَعِيفٌ لا يُفْرَحُ بِحَدِيثِهِ. اهـ كَلامُ ابْنِ حَجَرٍ. وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ الصَّلاةَ إلى النّائِمِ والمُتَحَدِّثِ لَمْ يَثْبُتِ النَّهْيُ عَنْها مِن طَرِيقٍ صَحِيحٍ.
وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ الصَّلاةَ إلى النّائِمِ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ فَعَلَها. قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ (بابُ الصَّلاةِ خَلْفَ النّائِمِ): حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى، قالَ: حَدَّثَنا هِشامٌ، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وأنا راقِدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ عَلى فِراشِهِ، فَإذا أرادَ أنْ يُوتِرَ أيْقَظَنِي فَأوْتَرْتُ» .
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ: أوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ عائِشَةَ أيْضًا مِن وجْهٍ آخَرَ بِلَفْظٍ آخَرَ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ قَدْ يُفَرِّقُ مُفَرِّقٌ بَيْنَ كَوْنِها نائِمَةً أوْ يَقْظى. وكَأنَّهُ أشارَ أيْضًا إلى تَضْعِيفِ الحَدِيثِ الوارِدِ في النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ إلى النّائِمِ، فَقَدْ أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ. اهـ. وقالَ أبُو داوُدَ: طُرُقُهُ كُلُّها واهِيَةٌ - يَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ - اهـ.
وَفِي البابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ. وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وهُما واهِيانِ أيْضًا. وكَرِهَ مُجاهِدٌ وطاوُسٌ ومالِكٌ الصَّلاةَ إلى النّائِمِ؛ خَشْيَةَ أنْ يَبْدُوَ مِنهُ ما يُلْهِي المُصَلِّي عَنْ صَلاتِهِ، وظاهِرُ تَصَرُّفِ المُصَنِّفِ: أنَّ عَدَمَ الكَراهَةِ حَيْثُ يَحْصُلُ الأمْنُ مِن ذَلِكَ، انْتَهى كَلامُ ابْنِ حَجَرٍ في (فَتْحِ البارِي) .
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ نَصٌّ خاصٌّ في (p-٣١٠)النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ إلى النّائِمِ والمُتَحَدِّثِ، ولَكِنْ ذَلِكَ لا يُنافِي أخْذَ الكَراهَةِ مِن عُمُومِ نُصُوصٍ أُخَرَ، كَتَعْلِيلِ كَراهَةِ الصَّلاةِ إلى النّائِمِ بِما ذُكِرَ مِن خَشْيَةِ أنْ يَبْدُوَ مِنهُ ما يُلْهِي المُصَلِّي عَنْ صَلاتِهِ؛ لِأنَّ النّائِمَ لا يَدْرِي عَنْ نَفْسِهِ.
وَكَتَعْلِيلِ كَراهَةِ الصَّلاةِ إلى المُتَحَدِّثِ؛ بِأنَّ الحَدِيثَ يُشَوِّشُ عَلى المُصَلِّي في صَلاتِهِ، - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - .
وَأمّا كَراهَةُ الصَّلاةِ في بَطْنِ الوادِي؛ فَيُسْتَدَلُّ لَها بِما جاءَ في بَعْضِ رِواياتِ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ جَبِيرَةَ المُتَقَدِّمِ في المَواضِعِ الَّتِي نُهِيَ عَنِ الصَّلاةِ فِيها ”وَبَطْنِ الوادِي“ بَدَلَ ”المَقْبَرَةِ“، قالَ الشَّوْكانِيُّ قالَ الحافِظُ: وهي زِيادَةٌ باطِلَةٌ لا تُعْرَفُ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: كَراهَةُ الصَّلاةِ في بَطْنِ الوادِي مُخْتَصَّةٌ بِالوادِي الَّذِي حَضَرَ فِيهِ الشَّيْطانُ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ، فَنامُوا عَنْ صَلاةِ الصُّبْحِ حَتّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ.
وَأمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِأنْ يَتَأخَّرُوا عَنْ ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي حَضَرَهم فِيهِ الشَّيْطانُ.
وَيُجابُ عَنْ هَذا: بِأنَّ الشَّيْطانَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَهَبَ عَنِ الوادِي. - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - .
وَأمّا النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ في مَسْجِدِ الضِّرارِ؛ فَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨]، وقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٠٧] . وقَوْلُهُ: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٠٩ - ١١٠] . فَهَذِهِ الآياتُ تَدُلُّ عَلى التَّباعُدِ عَنْ مَوْضِعِ ذَلِكَ المَسْجِدِ، وعَدَمِ القِيامِ فِيهِ كَما هو ظاهِرٌ.
وَأمّا كَراهَةُ الصَّلاةِ إلى التَّنُّورِ؛ فَلِما رَواهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: أنَّهُ كَرِهَ الصَّلاةَ إلى التَّنُّورِ، وقالَ: هو بَيْتُ نارٍ.
وَظاهِرُ صَنِيعِ البُخارِيِّ: أنَّ الصَّلاةَ إلى التَّنُّورِ عِنْدَهُ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ، وأنَّ عَرْضَ النّارِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ في صَلاتِهِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الكَراهَةِ. قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ (بابُ مَن صَلّى وقُدّامُهُ تَنُّورٌ أوْ نارٌ، أوْ شَيْءٌ مِمّا يُعْبَدُ فَأرادَ بِهِ اللَّهَ)، وقالَ الزُّهْرِيُّ: أخْبَرَنِي أنَسٌ، قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ النّارُ وأنا أُصَلِّي»، حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ فَصَلّى (p-٣١١)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قالَ: " رَأيْتُ النّارَ فَلَمْ أرَ مَنظَرًا كاليَوْمِ قَطُّ أفْظَعَ» . اهـ.
وَعَرْضُ النّارِ عَلَيْهِ ﷺ وهو في صَلاتِهِ، دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ الكَراهَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ.
وَقَدْ دَلَّ بَعْضُ الرِّواياتِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحِ عَلى أنَّ النّارَ عُرِضَتْ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ وجْهِهِ، لا مِن جِهَةِ اليَمِينِ ولا الشِّمالِ، فَفي بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ: أنَّهم قالُوا لَهُ بَعْدَ أنِ انْصَرَفَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، رَأيْناكَ تَناوَلْتَ شَيْئًا في مَقامِكَ، ثُمَّ رَأيْناكَ تَكَعْكَعْتَ - أيْ: تَأخَّرْتَ - إلى خَلْفٍ ؟ وفي جَوابِهِ: أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ كَوْنِهِ ”أُرِيَ النّارَ. .“ إلَخْ.
فَهَذا هو حاصِلُ كَلامِ العُلَماءِ في الأماكِنِ الَّتِي ورَدَ نَهْيٌ عَنِ الصَّلاةِ فِيها، الَّتِي لَها مُناسَبَةٌ بِآيَةِ الحِجْرِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
15:81Page 266
وَءَاتَيۡنَٰهُمۡ ءَايَٰتِنَا فَكَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٨١
And We gave them Our signs, but from them they were turning away.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ آتى أصْحابَ الحِجْرِ - وهم ثَمُودُ - آياتِهِ فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. والإعْراضُ: الصُّدُودُ عَنِ الشَّيْءِ وعَدَمُ الِالتِفاتُ إلَيْهِ. كَأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ العُرْضِ - بِالضَّمِّ - وهو الجانِبُ؛ لِأنَّ المُعْرِضَ لا يُوَلِّي وجْهَهُ، بَلْ يَثْنِي عِطْفَهُ مُلْتَفِتًا صادًّا.
وَلَمْ يُبَيِّنْ - جَلَّ وعَلا - هُنا شَيْئًا مِن تِلْكَ الآياتِ الَّتِي آتاهم، ولا كَيْفِيَّةَ إعْراضِهِمْ عَنْها، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ. فَبَيَّنَ أنَّ مِن أعْظَمِ الآياتِ الَّتِي آتاهم: تِلْكَ النّاقَةَ الَّتِي أخْرَجَها اللَّهُ لَهم. بَلْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ في النّاقَةِ المَذْكُورَةِ آياتٍ جَمَّةً: كَخُرُوجِها عُشَراءَ، وبْراءَ، جَوْفاءَ مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ، وسُرْعَةِ وِلادَتِها عِنْدَ خُرُوجِها، وعِظَمِها حَتّى لَمْ تُشْبِهْها ناقَةٌ، وكَثْرَةِ لَبَنِها حَتّى يَكْفِيَهم جَمِيعًا، وكَثْرَةِ شِرْبِها؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥]، وقالَ: ﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ [القمر: ٢٨] .
فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ؛ فاعْلَمْ أنَّ مِمّا يُبَيِّنُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهم آياتِنا﴾ [الحجر: ٨١]، قَوْلُهُ: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ قالَ ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٤ - ١٥٥]، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٧٣] . وقَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩] . وقَوْلُهُ: ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهم فارْتَقِبْهم واصْطَبِرْ﴾ [القمر: ٢٧]، وقَوْلُهُ: ﴿وَيا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
(p-٣١٢)وَبَيَّنَ إعْراضَ قَوْمِ صالِحٍ عَنْ تِلْكَ الآياتِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ وقالُوا ياصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ . . . الآيَةَ [هود: ٦٥] .
• وقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ . . . . [الشمس: ١١ - ١٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] .
• وقَوْلِهِ: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾ [الإسراء: ٥٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ الآيَةَ [الشعراء: ١٨٥ - ١٨٦] .
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
15:82Page 266
وَكَانُواْ يَنۡحِتُونَ مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ ٨٢
And they used to carve from the mountains, houses, feeling secure.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ أصْحابَ الحِجْرِ - وهم ثَمُودُ قَوْمُ صالِحٍ - كانُوا آمِنِينَ في أوْطانِهِمْ، وكانُوا يَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا.
وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتُتْرَكُونَ في ما هاهُنا آمِنِينَ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وَزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾ ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٧ - ١٤٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ وبَوَّأكم في الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا وتَنْحِتُونَ الجِبالَ بُيُوتًا فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٧٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ﴾ [الفجر: ٩]،
أيْ: قَطَعُوا الصَّخْرَ بِنَحْتِهِ بُيُوتًا.
No commentary for this ayah
15:84Page 266
فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨٤
So nothing availed them [from] what they used to earn.
No commentary for this ayah
15:85Page 266
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞۖ فَٱصۡفَحِ ٱلصَّفۡحَ ٱلۡجَمِيلَ ٨٥
And We have not created the heavens and earth and that between them except in truth. And indeed, the Hour is coming; so forgive with gracious forgiveness.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ ما خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ؛ أيْ: لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِأنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ، وأنَّهُ يُكَلِّفُ الخَلْقَ ويُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ.
فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ عَبَثًا ولا لَعِبًا ولا باطِلًا. وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧]،
• وقَوْلِهِ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ الآيَةَ [الدخان: ٣٨ - ٣٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾، (p-٣١٣)[المؤمنون: ١١٥ - ١١٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٣٧]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ .
ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ الَّذِي هو ”إنَّ“، وبِلامِ الِابْتِداءِ الَّتِي تُزَحْلِقُها إنَّ المَكْسُورَةُ عَنِ المُبْتَدَأِ إلى الخَبَرِ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: إتْيانُ السّاعَةِ لا مَحالَةَ.
والثّانِي: أنَّ إتْيانَها أنْكَرَهُ الكُفّارُ؛ لِأنَّ تَعَدُّدَ التَّوْكِيدِ يَدُلُّ عَلى إنْكارِ الخَبَرِ، كَما تَقَرَّرَ في فَنِّ المَعانِي.
وَأوْضَحَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ في آياتٍ أُخَرَ. فَبَيَّنَ أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا مَحالَةَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها﴾ [طه: ١٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ [الحج: ٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ . . . . الآيَةَ [الحج: ١ - ٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ﴾ الآيَةَ [الجاثية: ٣٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ١٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٧٨]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَبَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - إنْكارَ الكُفّارِ لَها في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبإ: ٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلّا مَوْتَتُنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٤ - ٣٥]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ .
أمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ يَصْفَحَ عَمَّنْ أساءَ الصَّفْحَ الجَمِيلَ؛ أيْ: بِالحِلْمِ والإغْضاءِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ: الصَّفْحُ الجَمِيلُ: الرِّضا بِغَيْرِ عِتابٍ. وأمْرُهُ ﷺ يَشْمَلُ حِكْمَةَ الأُمَّةِ؛ لِأنَّهُ قُدْوَتُهم والمُشَرِّعُ لَهم.
وَبَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٩]، (p-٣١٤)
• وَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ . . . . الآيَةَ [البقرة: ١٠٩] .
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هَذا الأمْرُ بِالصَّفْحِ مَنسُوخٌ بِآياتِ السَّيْفِ. وقِيلَ: هو غَيْرُ مَنسُوخٍ. والمُرادُ بِهِ حُسْنُ المُخالَفَةِ، وهي: المُعامَلَةُ بِحُسْنِ الخُلُقِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ في صِحاحِهِ: والخُلُقُ: السَّجِيَّةُ، يُقالُ: خالِصِ المُؤْمِنَ، وخالِقَ الفاجِرَ.
15:86Page 266
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ ٨٦
Indeed, your Lord - He is the Knowing Creator.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلّاقُ العَلِيمُ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ الخَلّاقُ العَلِيمُ. والخَلّاقُ والعَلِيمُ: كِلاهُما صِيغَةُ مُبالَغَةٍ.
والآيَةُ تُشِيرُ إلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَّصِفَ الخَلّاقُ بِكَوْنِهِ خَلّاقًا إلّا وهو عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، إذِ الجاهِلُ بِالشَّيْءِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَخْلُقَهُ.
وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]،
• وقَوْلِهِ تَعالى مُجِيبًا لِلْكُفّارِ لَمّا أنْكَرُوا البَعْثَ وقالُوا: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: ٣]، مُبَيِّنًا أنَّ العالِمَ بِما تَمَزَّقَ في الأرْضِ مِن أجْسادِهِمْ قادِرٌ عَلى إحْيائِهِمْ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهم وعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٤]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
15:87Page 266
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ ٨٧
And We have certainly given you, [O Muḥammad], seven of the often repeated [verses]1 and the great Qur’ān.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ أتى نَبِيَّهُ ﷺ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا المُرادَ بِذَلِكَ.
وَقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ إنْ كانَ لَها بَيانٌ في كِتابِ اللَّهِ غَيْرُ وافٍ بِالمَقْصُودِ، أنَّنا نُتَمِّمُ ذَلِكَ البَيانَ مِنَ السُّنَّةِ، فَنُبَيِّنُ الكِتابَ بِالسُّنَّةِ مِن حَيْثُ إنَّها بَيانٌ لِلْقُرْآنِ المُبِينِ بِاسْمِ الفاعِلِ. فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ؛ فاعْلَمْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيَّنَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أنَّ المُرادَ بِالسَّبْعِ المَثانِي والقُرْآنِ العَظِيمِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: هو فاتِحَةُ الكِتابِ. فَفاتِحَةُ الكِتابِ مُبَيِّنَةٌ لِلْمُرادِ بِالسَّبْعِ المَثانِي والقُرْآنِ العَظِيمِ، وإنَّما بَيَّنْتُ ذَلِكَ (p-٣١٥)بِإيضاحِ النَّبِيِّ ﷺ لِذَلِكَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عاصِمٍ، «عَنْ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى، قالَ: مَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ وأنا أُصَلِّي، فَدَعانِي فَلَمْ آتِهِ حَتّى صَلَّيْتُ، ثُمَّ أتَيْتُ فَقالَ: ”ما مَنَعَكَ أنْ تَأْتِيَنِي ؟“ فَقُلْتُ: كُنْتُ أُصَلِّي. فَقالَ: ”ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، ثُمَّ قالَ: ألا أُعَلِّمُكَ أعْظَمَ سُورَةٍ في القُرْآنِ قَبْلَ أنْ أخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ، فَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَخْرُجَ، فَذَكَّرْتُهُ، فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، هي السَّبْعُ المَثانِي، والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ“» . حَدَّثَنا آدَمُ، حَدَّثَنا ابْنُ أبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”أُمُّ القُرْآنِ هي السَّبْعُ المَثانِي، والقُرْآنُ العَظِيمُ“ .»
فَهَذا نَصٌّ صَحِيحٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ المُرادَ بِالسَّبْعِ المَثانِي والقُرْآنِ العَظِيمِ: فاتِحَةُ الكِتابِ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّها السَّبْعُ الطِّوالُ، غَيْرُ صَحِيحٍ، إذْ لا كَلامَ لِأحَدٍ مَعَهُ ﷺ ومِمّا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ القَوْلِ: أنَّ آيَةَ الحِجْرِ هَذِهِ مَكِّيَّةٌ، وأنَّ السَّبْعَ الطِّوالَ ما أُنْزِلَتْ إلّا بِالمَدِينَةِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقِيلَ لَها: ”مَثانِي“؛ لِأنَّها تُثَنّى قِراءَتُها في الصَّلاةِ.
وَقِيلَ لَها: ”سَبْعٌ“؛ لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ.
وَقِيلَ لَها: ”القُرْآنُ العَظِيمُ“؛ لِأنَّها هي أعْظَمُ سُورَةٍ؛ كَما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ المَذْكُورِ آنِفًا.
وَإنَّما عَطَفَ القُرْآنَ العَظِيمَ عَلى السَّبْعِ المَثانِي، مَعَ أنَّ المُرادَ بِهِما واحِدٌ وهو الفاتِحَةُ؛ لِما عُلِمَ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ: مِن أنَّ الشَّيْءَ الواحِدَ إذا ذُكِرَ بِصِفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ جازَ عَطْفُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى، تَنْزِيلًا لِتَغايُرِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذَّواتِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ [الأعلى: ٤]، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إلى المَلِكِ القِرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحِمِ.
15:88Page 266
لَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٨
Do not extend your eyes toward that by which We have given enjoyment to [certain] categories of them [i.e., the disbelievers], and do not grieve over them. And lower your wing [i.e., show kindness] to the believers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾ .
لَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ آتى النَّبِيَّ ﷺ السَّبْعَ المَثانِيَ والقُرْآنَ العَظِيمَ، وذَلِكَ أكْبَرُ نَصِيبٍ، وأعْظَمُ حَظٍّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، (p-٣١٦)نَهاهُ أنْ يَمُدَّ عَيْنَيْهِ إلى مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا الَّذِي مَتَّعَ بِهِ الكُفّارَ؛ لِأنَّ مَن أعْطاهُ رَبُّهُ - جَلَّ وعَلا - النَّصِيبَ الأكْبَرَ والحَظَّ الأوْفَرَ، لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنْظُرَ إلى النَّصِيبِ الأحْقَرِ الأخَسِّ، ولا سِيَّما إذا كانَ صاحِبُهُ إنَّما أُعْطِيهِ لِأجْلِ الفِتْنَةِ والِاخْتِبارِ. وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ في (طه): ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها﴾ ﴿وَمِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهم فِيهِ ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى﴾ ﴿وَأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ [طه: ١٣٠ - ١٣٢]، والمُرادُ بِالأزْواجِ هُنا: الأصْنافُ مِنَ الَّذِينَ مَتَّعَهُمُ اللَّهُ بِالدُّنْيا.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ .
الصَّحِيحُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ اللَّهَ نَهى نَبِيَّهُ ﷺ عَنِ الحُزْنِ عَلى الكُفّارِ إذا امْتَنَعُوا مِن قَبُولِ الإسْلامِ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ كَثْرَةُ وُرُودِ هَذا المَعْنى في القُرْآنِ العَظِيمِ.
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
والمَعْنى: قَدْ بَلَّغْتَ ولَسْتَ مَسْئُولًا عَنْ شَقاوَتِهِمْ إذا امْتَنَعُوا مِنَ الإيمانِ، فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ، فَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ إذا كانُوا أشْقِياءَ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .
أمَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - نَبِيَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِخَفْضِ جَناحِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ. وخَفْضُ الجَناحِ كِنايَةٌ عَنْ لِينِ الجانِبِ والتَّواضُعِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وَأنْتَ الشَّهِيرُ بِخَفْضِ الجَناحِ فَلا تَكُ في رَفْعِهِ أجْدَلا
وَبَيَّنَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ في ”الشُّعَراءِ“: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]، وكَقَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ فاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
(p-٣١٧)وَيُفْهَمُ مِن دَلِيلِ خِطابِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ - أعْنِي مَفْهُومَ مُخالَفَتِها - أنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِينَ لا يُخْفَضُ لَهُمُ الجَناحُ، بَلْ يُعامَلُونَ بِالشِّدَّةِ والغِلْظَةِ.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى هَذا المَفْهُومَ في مَواضِعَ أُخَرَ.
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [ ٩ \ ٧٣ و ٦٦ \ ٩ ]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]،
كَما قَدَّمْناهُ في ”المائِدَةِ“ .
15:89Page 266
وَقُلۡ إِنِّيٓ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلۡمُبِينُ ٨٩
And say, "Indeed, I am the clear warner" -
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences