Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:72–83
16:72Page 274
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةٗ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ هُمۡ يَكۡفُرُونَ ٧٢
And Allāh has made for you from yourselves mates and has made for you from your mates sons and grandchildren and has provided for you from the good things. Then in falsehood do they believe and in the favor of Allāh they disbelieve?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ امْتَنَّ عَلى بَنِي آدَمَ أعْظَمَ مِنَّةٍ بِأنْ جَعَلَ لَهم مِن أنْفُسِهِمْ أزْواجًا مِن جِنْسِهِمْ وشَكْلِهِمْ، ولَوْ جَعَلَ الأزْواجَ مِن نَوْعٍ آخَرَ ما حَصَلَ الائْتِلافُ والمَوَدَّةُ والرَّحْمَةُ.
وَلَكِنْ مِن رَحْمَتِهِ خَلَقَ مِن بَنِي آدَمَ ذُكُورًا وإناثًا، وجَعَلَ الإناثَ أزْواجًا لِلذُّكُورِ، وهَذا مِن أعْظَمِ المِنَنِ، كَما أنَّهُ مِن أعْظَمِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ - جَلَّ وعَلا - هو المُسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ.
وَأوْضَحَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ: أنَّ هَذِهِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وأنَّها مِن آياتِهِ - جَلَّ وعَلا -؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٣٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٨٩] .
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِالحَفَدَةِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ؛ فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: الحَفَدَةُ: أوْلادُ الأوْلادِ، أيْ: وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ، ومِنَ البَنِينَ حَفَدَةً. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الحَفَدَةُ الأعْوانُ والخَدَمُ مُطْلَقًا؛ ومِنهُ قَوْلُ جَمِيلٍ:
؎حَفَدُ الوَلائِدُ حَوْلَهُنَّ وأسْلَمَتْ بِأكُفِّهِنَّ أزِمَّةَ الأجْمالِ
أيْ: أسْرَعَتِ الوَلائِدُ الخِدْمَةَ، والوَلائِدُ الخَدَمُ. الواحِدَةُ ولِيدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎كَلَّفْتُ مَجْهُولَها نُوقًا يَمانِيَةً ∗∗∗ إذا الحُداةُ عَلى أكْسائِها حَفَدُوا
أيْ: أسْرَعُوا في الخِدْمَةِ. (p-٤١٣)وَمِنهُ قَوْلُهُ في سُورَةِ الحَفْدِ الَّتِي نُسِخَتْ: وإلَيْكَ نَسْعى ونَحْفِدُ، أيْ: نُسْرِعُ في طاعَتِكَ. وسُورَةُ الخُلْعِ وسُورَةُ الحَفْدِ اللَّتانِ نُسِخَتا يُسَنُّ عِنْدَ المالِكِيَّةِ القُنُوتُ بِهِما في صَلاةِ الصُّبْحِ، كَما هو مَعْرُوفٌ.
وَقِيلَ: الحَفَدَةُ الأخْتانُ، وهم أزْواجُ البَناتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلَوْ أنَّ نَفْسِي طاوَعَتْنِي لَأصْبَحَتْ ∗∗∗ لَها حَفْدٌ مِمّا يُعَدُّ كَثِيرُ
؎ .
؎وَلَكِنَّها نَفْسٌ عَلَيَّ أبِيَّةٌ ∗∗∗ عَيُوفٌ لِأصْهارِ اللِّئامِ قَذُورُ
والقَذُورُ: الَّتِي تَتَنَزَّهُ عَنِ الوُقُوعِ فِيما لا يَنْبَغِي، تَباعُدًا عَنِ التَّدَنُّسِ بِقَذَرِهِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: الحَفَدَةُ: جَمْعُ حافِدٍ، اسْمُ فاعِلٍ مِنَ الحَفْدِ وهو الإسْراعُ في الخِدْمَةِ والعَمَلِ. وقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَكُونَ في نَفْسِ الآيَةِ قَرِينَةٌ دالَّةٌ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ قَوْلِ بَعْضِ العُلَماءِ في الآيَةِ. فَنُبَيِّنُ ذَلِكَ.
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَرِينَةٌ دالَّةٌ عَلى أنَّ الحَفَدَةَ أوْلادُ الأوْلادِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً﴾ [النحل: ٧٢]، دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى اشْتِراكِ البَنِينَ والحَفَدَةِ في كَوْنِهِمْ مِن أزْواجِهِمْ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم كُلَّهم مِن أوْلادِ أزْواجِهِمْ. ودَعْوى أنَّ قَوْلَهُ: ”وَحَفَدَةً“ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ”أزْواجًا“ [النحل: ٧٢]، غَيْرُ ظاهِرَةٍ. كَما أنَّ دَعْوى أنَّهُمُ الأخْتانُ، وأنَّ الأخْتانَ أزْواجُ بَناتِهِمْ، وبَناتُهم مِن أزْواجِهِمْ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ كُلُّهُ غَيْرُ ظاهِرٍ. وظاهِرُ القُرْآنِ هو ما ذُكِرَ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ العَرَبِيِّ المالِكِيِّ والقُرْطُبِيِّ وغَيْرِهِما. ومَعْلُومٌ: أنَّ أوْلادَ الرَّجُلِ، وأوْلادَ أوْلادِهِ: مِن خَدَمِهِ المُسْرِعِينَ في خِدْمَتِهِ عادَةً. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
تَنْبِيهٌ.
فِي قَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ الآيَةَ [النحل: ٧٢]، رَدٌّ عَلى العَرَبِ الَّتِي كانَتْ تَعْتَقِدُ أنَّها كانَتْ تَزَوَّجُ الجِنَّ وتُباضِعُها.
حَتّى رُوِيَ أنَّ عَمْرَو بْنَ يُرْبُوعِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مالِكٍ تَزَوَّجَ سَعْلاةً مِنهم، وكانَ يُخَبِّؤُها عَنْ سَنا البَرْقِ لِئَلّا تَراهُ فَتَنْفِرُ. فَلَمّا كانَ في بَعْضِ اللَّيالِي لَمَعَ البَرْقُ وعايَنَتْهُ السَّعْلاةُ، فَقالَتْ: عَمْرُو ! ونَفَرَتْ. فَلَمْ يَرَها أبَدًا؛ ولِذا قالَ عِلْباءُ بْنُ أرْقَمَ يَهْجُو أوْلادَ عَمْرٍو المَذْكُورِ:
؎ألا لَحى اللَّهُ بَنِي السَّعْلاةْ عَمْرَو بْنَ يَرْبُوعٍ لِئامَ النّاتْ.
؎(p-٤١٤)لَيْسُوا بِأعْفافٍ ولا أكَياتْ
وَقَوْلُهُ: ”النّاتُ“، أصْلُهُ ”النّاسُ“ أُبْدِلَتْ فِيهِ السِّينُ تاءً. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ”أكَياتٌ“ أصْلُهُ ”أكْياسٌ“ جَمْعُ كَيِّسٍ، أُبْدِلَتْ فِيهِ السِّينُ تاءً أيْضًا. وقالَ المَعَرِّيُّ يَصِفُ مَراكِبَ إبِلٍ مُتَغَرِّبَةٍ عَنِ الأوْطانِ: إذا رَأتْ لَمَعانَ البَرْقِ تَشْتاقُ إلى أوْطانِها. فَزَعَمَ أنَّهُ يَسْتُرُ عَنْها البَرْقَ لِئَلّا يُشَوِّقُها إلى أوْطانِها، كَما كانَ عَمْرٌو يَسْتُرُهُ عَنْ سَعْلاتِهِ:
؎إذا لاحَ إيماضٌ سَتَرْتُ وُجُوهَها ∗∗∗ كَأنِّي عَمْرٌو والمُطِيُّ سَعالِي
والسَّعْلاةُ: عَجُوزُ الجِنِّ. وقَدْ رُوِيَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أحَدُ أبَوَيْ بِلْقِيسَ كانَ جِنِّيًّا» .
قالَ صاحِبُ الجامِعِ الصَّغِيرِ: أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ في التَّفْسِيرِ، وابْنُ عَساكِرَ: وقالَ شارِحُهُ المَناوِيُّ: في إسْنادِهِ سَعِيدُ بْنُ بِشْرٍ قالَ في المِيزانِ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ: ضَعِيفٌ. وعَنِ ابْنِ مُسْهِرٍ: لَمْ يَكُنْ بِبَلَدِنا أحْفَظُ مِنهُ، وهو ضَعِيفٌ مُنْكَرُ الحَدِيثِ، ثُمَّ ساقَ مِن مَناكِيرِهِ هَذا الخَبَرَ اه. وبَشِيرُ بْنُ نَهِيكٍ أوْرَدَهُ الذَّهَبِيُّ في الضُّعَفاءِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا يُحْتَجُّ بِهِ. ووَثَّقَهُ النَّسائِيُّ. انْتَهى.
وَقالَ المَناوِيُّ في شَرْحِ حَدِيثِ «أحَدُ أبَوَيْ بِلْقِيسَ كانَ جِنِّيًا»، قالَ قَتادَةُ: ولِهَذا كانَ مُؤَخَّرُ قَدَمَيْها كَحافِرِ الدّابَّةِ. وجاءَ في آثارٍ: أنَّ الجِنِّيَّ الأُمُّ، وذَلِكَ أنَّ أباها مَلِكَ اليَمَنِ خَرَجَ لِيَصِيدَ فَعَطِشَ، فَرُفِعَ لَهُ خِباءٌ فِيهِ شَيْخٌ فاسْتَسْقاهُ، فَقالَ: يا حَسَنَةُ، اسْقِي عَمَّكِ؛ فَخَرَجَتْ كَأنَّها شَمْسٌ بِيَدِها كَأْسٌ مِن ياقُوتٍ. فَخَطَبَها مِن أبِيها، فَذَكَرَ أنَّهُ جِنِّيُّ، وزَوَّجَها مِنهُ بِشَرْطِ أنَّهُ إنْ سَألَها عَنْ شَيْءٍ عَمِلَتْهُ فَهو طَلاقُها. فَأتَتْ مِنهُ بِوَلَدٍ ذَكَرٍ، ولَمْ يُذَكِّرْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَذَبَحَتْهُ فَكَرَبَ لِذَلِكَ، وخافَ أنْ يَسْألَها فَتَبِينُ مِنهُ. ثُمَّ أتَتْ بِبِلْقِيسَ فَأظْهَرَتِ البِشْرَ؛ فاغْتَمَّ فَلَمْ يَمْلِكْ أنْ سَألَها، فَقالَتْ: هَذا جَزائِي مِنكَ ! باشَرْتُ قَتْلَ ولَدِي مِن أجْلِكَ ! وذَلِكَ أنْ أبِي يَسْتَرِقُ السَّمْعَ فَسَمِعَ المَلائِكَةَ تَقُولُ: إنَّ الوَلَدَ إذا بَلَغَ الحُلُمَ ذَبَحَكَ، ثُمَّ اسْتَرَقَ السَّمْعَ في هَذِهِ فَسَمِعَهم يُعَظِّمُونَ شَأْنَها، ويَصِفُونَ مُلْكَها، وهَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنَكَ؛ فَلَمْ يَرَها بَعْدُ. هَذا مَحْصُولُ ما رَواهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ يَحْيى الغَسّانِيِّ. اه مِن شَرْحِ المَناوِيِّ لِلْجامِعِ الصَّغِيرِ.
وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ ”سُورَةِ النَّحْلِ“: كانَ أبُو بِلْقِيسَ وهو: السَّرْحُ بْنُ الهُداهِدِ بْنِ شُراحِيلَ، مَلِكًا عَظِيمَ الشَّأْنِ، وكانَ يَقُولُ لِمُلُوكِ الأطْرافِ: لَيْسَ أحَدٌ مِنكم كُفْأً لِي. وأبى (p-٤١٥)أنْ يَتَزَوَّجَ مِنهم؛ فَزَوَّجُوهُ امْرَأةً مِنَ الجِنِّ يُقالُ لَها رَيْحانَةُ بَنَتُ السَّكَنِ؛ فَوَلَدَتْ لَهُ بِلْقِمَةَ وهي بِلْقِيسُ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ غَيْرُها.
وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كانَ أحَدُ أبَوَيْ بِلْقِيسَ جِنِّيًّا» - إلى أنْ قالَ: ويُقالُ: إنَّ سَبَبَ تَزَوُّجِ أبِيها مِنَ الجِنِّ أنَّهُ كانَ وزِيرًا لِمَلِكٍ عاتٍ، يَغْتَصِبُ نِساءَ الرَّعِيَّةِ، وكانَ الوَزِيرُ غَيُورًا فَلَمْ يَتَزَوَّجْ. فَصَحِبَ مَرَّةً في الطَّرِيقِ رَجُلًا لا يَعْرِفُهُ، فَقالَ: هَلْ لَكَ مِن زَوْجَةٍ ؟ فَقالَ: لا أتَزَوَّجُ أبَدًا. فَإنَّ مَلِكَ بَلَدِنا يَغْتَصِبُ النِّساءَ مِن أزْواجِهِنَّ. فَقالَ: لَئِنْ تَزَوَّجْتَ ابْنَتِي لا يَغْتَصِبُها أبَدًا. قالَ: بَلْ يَغْتَصِبُها ! قالَ: إنّا قَوْمٌ مِنَ الجِنِّ لا يَقْدِرُ عَلَيْنا. فَتَزَوَّجَ ابْنَتَهُ فَوَلَدَتْ لَهُ بِلْقِيسَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الرِّواياتِ.
وَقالَ القُرْطُبِيُّ أيْضًا: ورَوى وُهَيْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حازِمٍ، عَنِ الخَلِيلِ بْنِ أحْمَدَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ حاضِرٍ، قالَ: كانَتْ أُمُّ بِلْقِيسَ مِنَ الجِنِّ، يُقالُ لَها: بِلْعِمَةُ بِنْتُ شَيْصانَ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: الظّاهِرُ أنَّ الحَدِيثَ الوارِدَ في كَوْنِ «أحَدِ أبَوَيْ بِلْقِيسَ جِنِّيًّا» ضَعِيفٌ.
وَكَذَلِكَ الآثارُ الوارِدَةُ في ذَلِكَ لَيْسَ مِنها شَيْءٌ يَثْبُتُ.
* *
مَسْألَةٌ.
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في جَوازِ المُناكَحَةِ بَيْنَ بَنِي آدَمَ والجِنِّ. فَمَنَعَها جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، وأباحَها بَعْضُهم.
قالَ المَناوِيُّ (في شَرْحِ الجامِعِ الصَّغِيرِ): فَفي الفَتاوى السِّراجِيَّةِ لِلْحَنَفِيَّةِ: لا تَجُوزُ المُناكَحَةُ بَيْنَ الإنْسِ والجِنِّ وإنْسانِ الماءِ؛ لِاخْتِلافِ الجِنْسِ. وفي فَتاوى البارِزِيِّ مِنَ الشّافِعِيَّةِ: لا يَجُوزُ التَّناكُحُ بَيْنَهُما. ورَجَّحَ ابْنُ العِمادِ جَوازَهُ. اه.
وَقالَ الماوَرْدِيُّ: وهَذا مُسْتَنْكَرٌ لِلْعُقُولِ؛ لِتَبايُنِ الجِنْسَيْنِ، واخْتِلافِ الطَّبْعَيْنِ؛ إذِ الآدَمِيُّ جُسْمانِيٌّ، والجِنِّيُّ رُوحانِيٌّ. وهَذا مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ، وذَلِكَ مِن مارِجٍ مِن نارٍ، والِامْتِزاجُ مَعَ هَذا التَّبايُنِ مَدْفُوعٌ، والتَّناسُلُ مَعَ هَذا الِاخْتِلافِ مَمْنُوعٌ. اه.
وَقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيِّ: نِكاحُهم جائِزٌ عَقْلًا؛ فَإنْ صَحَّ نَقْلًا فَبِها ونِعْمَتْ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: لا أعْلَمُ في كِتابِ اللَّهِ ولا في سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ نَصًّا يَدُلُّ عَلى جَوازِ مُناكَحَةِ الإنْسِ الجِنَّ، بَلِ الَّذِي يُسْتَرْوَحُ مِن ظَواهِرِ الآياتِ عَدَمُ جَوازِهِ. فَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ الآيَةَ [النحل: ٧٢]، مُمْتَنًّا عَلى (p-٤١٦)بَنِي آدَمَ بِأنَّ أزْواجَهم مِن نَوْعِهِمْ وجِنْسِهِمْ، يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ ما جَعَلَ لَهم أزْواجًا تُبايِنُهم كَمُبايَنَةِ الإنْسِ لِلْجِنِّ، وهو ظاهِرٌ.
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾، في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما خَلَقَ لَهم أزْواجًا مِن غَيْرِ أنْفُسِهِمْ؛ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ مِن أنَّ: ”النَّكِرَةَ في سِياقِ الِامْتِنانِ تَعُمُّ“، فَقَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [النحل: ٧٢]، جَمْعٌ مُنْكَرٌ في سِياقِ الِامْتِنانِ فَهو يَعُمُّ، وإذا عَمَّ دَلَّ ذَلِكَ عَلى حَصْرِ الأزْواجِ المَخْلُوقَةِ لَنا فِيما هو مِن أنْفُسِنا، أيْ: مِن نَوْعِنا وشَكْلِنا. مَعَ أنَّ قَوْمًا مِن أهْلِ الأُصُولِ زَعَمُوا ”أنَّ الجُمُوعَ المُنْكَرَةَ في سِياقِ الإثْباتِ مِن صِيَغِ العُمُومِ“، والتَّحْقِيقُ أنَّها في سِياقِ الإثْباتِ لا تَعُمُّ، وعَلَيْهِ دَرَجَ في مَراقِي السُّعُودِ؛ حَيْثُ قالَ في تَعْدادِهِ لِلْمَسائِلِ الَّتِي عُدِمَ العُمُومُ فِيها أصَحُّ:
؎مِنهُ مُنْكَرُ الجُمُوعِ عُرْفًا وكانَ والَّذِيَ عَلَيْهِ انْعَطَفا
أمّا في سِياقِ الِامْتِنانِ فالنَّكِرَةُ تَعُمُّ. وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ ”أنَّ النَّكِرَةَ في سِياقِ الِامْتِنانِ تَعُمُّ“،
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، أيْ: فَكُلُّ ماءٍ نازِلٍ مِنَ السَّماءِ طَهُورٌ. وكَذَلِكَ النَّكِرَةُ في سِياقِ النَّفْيِ أوِ الشَّرْطِ أوِ النَّهْيِ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا﴾ الآيَةَ [الإنسان: ٢٤]، ويَسْتَأْنِسُ لِهَذا
• بِقَوْلِهِ: ﴿وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦]، فَإنَّهُ يَدُلُّ في الجُمْلَةِ عَلى أنَّ تَرْكَهم ما خَلَقَ اللَّهُ لَهم مِن أزْواجِهِمْ، وتَعَدِّيَهم إلى غَيْرِهِ يَسْتَوْجِبُ المَلامَ، وإنْ كانَ أصْلُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى فاحِشَةِ اللِّواطِ؛ لِأنَّ أوَّلَ الكَلامِ: ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦]،
فَإنَّهُ وبَّخَهم عَلى أمْرَيْنِ، أحَدُهُما: إتْيانُ الذُّكُورِ. والثّانِي: تَرْكُ ما خَلَقَ لَهم رَبُّهم مِن أزْواجِهِمْ.
وَقَدْ دَلَّتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ عَلى أنَّ ما خُلِقَ لَهم مِن أزْواجِهِمْ، هو الكائِنُ مِن أنْفُسِهِمْ، أيْ: مِن نَوْعِهِمْ وشَكْلِهِمْ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [النحل: ٧٢]،، وقَوْلِهِ: ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ الآيَةَ [الروم: ٢١]، فَيُفِيدُ أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهم أزْواجًا مِن غَيْرِ أنْفُسِهِمْ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
16:73Page 275
وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ رِزۡقٗا مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ ٧٣
And they worship besides Allāh that which does not possess for them [the power of] provision from the heavens and the earth at all, and [in fact], they are unable.
(p-٤١٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِّنَ السَّماواتِ والأرْضِ شَيْئًا ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهم رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ بِإنْزالِ المَطَرِ، ولا مِنَ الأرْضِ بِإنْباتِ النَّباتِ. وأكَّدَ عَجْزَ مَعْبُوداتِهِمْ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ، أيْ: لا يَمْلِكُونَ أنْ يَرْزُقُوا، والِاسْتِطاعَةُ مَنفِيَّةٌ عَنْهم أصْلًا؛ لِأنَّهم جَمادٌ لَيْسَ فِيهِ قابِلِيَّةُ اسْتِطاعَةِ شَيْءٍ.
وَيُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يُعْبَدَ إلّا مَن يَرْزُقُ الخَلْقَ؛ لِأنَّ أكْلَهم رِزْقَهُ، وعِبادَتَهم غَيْرَهُ كُفْرٌ ظاهِرٌ لِكُلِّ عاقِلٍ. وهَذا المَعْنى المَفْهُومُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَيَّنَهُ - جَلَّ وعَلا - في مَواضِعَ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي يَرْزُقُكم إنْ أمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا في عُتُوٍّ ونُفُورٍ﴾ [الملك: ٢١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾
• وقَوْلِهِ: ﴿وَأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ [طه: ١٣٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٣]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [يونس: ٣١]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
تَنْبِيهٌ.
فِي قَوْلِهِ: شَيْئًا [النحل: ٧٣]، في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ثَلاثَةُ أوْجَهٍ مِنَ الإعْرابِ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: رِزْقًا، مَصْدَرٌ، وأنَّ:، شَيْئًا، مَفْعُولٌ بِهِ لِهَذا المَصْدَرِ؛ أيْ: ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ أنْ يَرْزُقَهم شَيْئًا مِنَ الرِّزْقِ. ونَظِيرُ هَذا الإعْرابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾ الآيَةَ [البلد: ١٤ - ١٥]، فَقَوْلُهُ: يَتِيمًا مَفْعُولٌ بِهِ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو إطْعامٌ، أيْ: أنْ يُطْعِمَ يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ. ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ المَرّارِ بْنِ مُنْقِذٍ التَّمِيمِيِّ:
؎بِضَرْبٍ بِالسُّيُوفِ رُءُوسَ قَوْمٍ أزَلْنا هامَهُنَّ عَنِ المَقِيلِ
فَقَوْلُهُ: ”رُءُوسَ قَوْمٍ“ مَفْعُولٌ بِهِ لِلْمَصْدَرِ المُنْكَرِ الَّذِي هو قَوْلُهُ ”بِضَرْبٍ“، وإلى هَذا أشارَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ: (p-٤١٨)
؎بِفِعْلِهِ المَصْدَرَ الحَقِ في العَمَلِ ∗∗∗ مُضافًا أوْ مُجَرَّدًا أوْ مَعَ ال
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: شَيْئًا، بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ رِزْقًا، بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالرِّزْقِ هو ما يَرْزُقُهُ اللَّهُ عِبادَهُ؛ لا المَعْنى المَصْدَرِيُّ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: شَيْئًا ما نابَ عَنِ المُطْلَقِ مِن قَوْلِهِ: يَمْلِكُ، أيْ: لا يَمْلِكُ شَيْئًا مِنَ المُلْكِ، بِمَعْنى لا يَمْلِكُ مُلْكًا قَلِيلًا أنْ يَرْزُقَهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾ .
نَهى اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ خَلَقَهُ أنْ يَضْرِبُوا لَهُ الأمْثالَ، أيْ: يَجْعَلُوا لَهُ أشْباهًا ونُظَراءَ مِن خَلْقِهِ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا ! .
وَبَيَّنَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ الآيَةَ [الشورى: ١١]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
16:74Page 275
فَلَا تَضۡرِبُواْ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡثَالَۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٧٤
So do not assert similarities to Allāh.1 Indeed, Allāh knows and you do not know.
No commentary for this ayah
16:75Page 275
۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبۡدٗا مَّمۡلُوكٗا لَّا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَمَن رَّزَقۡنَٰهُ مِنَّا رِزۡقًا حَسَنٗا فَهُوَ يُنفِقُ مِنۡهُ سِرّٗا وَجَهۡرًاۖ هَلۡ يَسۡتَوُۥنَۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٧٥
Allāh presents an example: a slave [who is] owned and unable to do a thing and he to whom We have provided from Us good provision, so he spends from it secretly and publicly. Can they be equal? Praise to Allāh! But most of them do not know.
No commentary for this ayah
16:76Page 275
وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٦
And Allāh presents an example of two men, one of them dumb and unable to do a thing, while he is a burden to his guardian. Wherever he directs him, he brings no good. Is he equal to one who commands justice, while he is on a straight path?
No commentary for this ayah
16:77Page 275
وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَآ أَمۡرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمۡحِ ٱلۡبَصَرِ أَوۡ هُوَ أَقۡرَبُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٧٧
And to Allāh belongs the unseen [aspects] of the heavens and the earth. And the command for the Hour is not but as a glance of the eye or even nearer. Indeed, Allāh is over all things competent.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ﴾ الآيَةَ، أظْهَرُ الأقْوالِ فِيها: أنَّ المَعْنى أنَّ اللَّهَ إذا أرادَ الإتْيانَ بِها فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يَأْتِيَ بِها في أسْرَعِ مِن لَمْحِ البَصَرِ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ. ويَدُلُّ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] .
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المَعْنى هي قَرِيبٌ عِنْدَهُ تَعالى كَلَمْحِ البَصَرِ وإنْ كانَتْ بَعِيدًا عِنْدَكم؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ ﴿وَنَراهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦، ٧]، وقالَ: ﴿وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، واخْتارَ أبُو حَيّانَ في (البَحْرِ المُحِيطِ): أنَّ ”أوْ“ في قَوْلِهِ ”أوْ هو أقْرَبُ“ لِلْإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ، وتَبِعَ في ذَلِكَ الزَّجّاجَ، قالَ: ونَظِيرُهُ: ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١١٤]، وقَوْلُهُ: ﴿أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا﴾ [يونس: ٢٤] .
16:78Page 275
وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٧٨
And Allāh has extracted you from the wombs of your mothers not knowing a thing, and He made for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect] that perhaps you would be grateful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ أخْرَجَ بَنِي آدَمَ مِن بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا، وجَعَلَ لَهُمُ الأسْماعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ؛ لِأجْلِ أنْ يَشْكُرُوا لَهُ نِعَمَهُ. وقَدْ قَدَّمْنا: أنْ ”لَعَلَّ“ لِلتَّعْلِيلِ. ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ شَكَرُوا أوْ لَمْ يَشْكُرُوا؛ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّ أكْثَرَهم لَمْ يَشْكُرُوا؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وقالَ: ﴿قُلْ (p-٤١٩)هُوَ الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا مّا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
تَنْبِيهٌ.
لَمْ يَأْتِ السَّمْعُ في القُرْآنِ مَجْمُوعًا، وإنَّما يَأْتِي فِيهِ بِصِيغَةِ الإفْرادِ دائِمًا، مَعَ أنَّهُ يَجْمَعُ ما يُذْكَرُ مَعَهُ كالأفْئِدَةِ والأبْصارِ.
وَأظْهَرَ الأقْوالَ في نُكْتَةِ إفْرادِهِ دائِمًا: أنَّ أصْلَهُ مَصْدَرُ سَمِعَ سَمْعًا، والمَصْدَرُ إذا جُعِلَ اسْمًا ذُكِّرَ وأُفْرِدَ؛ كَما قالَ في الخُلاصَةِ:
؎وَنَعَتُوا بِمَصْدَرٍ كَثِيرًا فالتَزَمُوا الإفْرادَ والتَّذْكِيرا
16:79Page 275
أَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ مُسَخَّرَٰتٖ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٧٩
Do they not see the birds controlled in the atmosphere of the sky? None holds them up except Allāh. Indeed in that are signs for a people who believe.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ تَسْخِيرَهُ الطَّيْرَ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُها إلّا هو، مِن آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ، واسْتِحْقاقِهِ لِأنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ. وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا الرَّحْمَنُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩] .
تَنْبِيهٌ.
لَمْ يَذْكُرْ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ الفِعْلَ (بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ) مِن صِيَغِ جُمُوعِ التَّكْسِيرِ. قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ لِي مِنِ اسْتِقْراءِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ: أنَّ الفِعْلَ (بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ) جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِفاعِلٍ وصْفًا لِكَثْرَةِ وُرُودِهِ في اللُّغَةِ جَمْعًا لَهُ؛ كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ﴾ [النحل: ٧٩]، فالطَّيْرُ جَمْعُ طائِرٍ، وكالصَّحْبِ فَإنَّهُ جَمْعُ صاحِبٍ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلى مَطِيُّهم يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَمَّلِ
فَقَوْلُهُ ”صَحْبِي“، أيْ: أصْحابِي. وكالرَّكْبِ فَإنَّهُ جَمْعُ راكِبٍ؛ قالَ تَعالى: ﴿والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢]، وقالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎أسْتَحْدَثَ الرَّكْبُ عَنْ أشْياعِهِمْ خَبَرا ∗∗∗ أمْ راجَعَ القَلْبَ مَن أطْرابِهِ طَرَبُ
فالرَّكْبُ جَمْعُ راكِبٍ. وقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ ضَمِيرَ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ: ”عَنْ أشْياعِهِمْ“، (p-٤٢٠)وَكالشُّرْبِ فَإنَّهُ جَمْعُ شارِبٍ. ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةَ ذُبْيانَ:
؎كَأنَّهُ خارِجًا مِن جَنْبِ صَفْحَتِهِ ∗∗∗ سَفُّودُ شُرْبٍ نَسُوهُ عِنْدَ مُفْتَأدِ
فَإنَّهُ رَدَّ عَلى الشُّرْبِ ضَمِيرَ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ: ”نَسُوهُ. .“ إلَخْ، وكالسَّفَرِ فَإنَّهُ جَمْعُ سافِرٍ؛ ومِنهُ حَدِيثُ: «أتِمُّوا فَإنّا قَوْمٌ سَفَرٌ»، وقَوْلُ الشَّنْفَرى:
؎كَأنَّ وغاها حَجْرَتَيْهِ وجالَهُ ∗∗∗ أضامِيمُ مِن سَفَرِ القَبائِلِ نُزَّلُ
وَكالرَّجُلِ جَمْعُ راجِلٍ؛ ومِنهُ قِراءَةُ الجُمْهُورِ: ﴿وَأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]، بِسُكُونِ الجِيمِ. وأمّا عَلى قِراءَةِ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الجِيمِ، فالظّاهِرُ أنَّ كَسْرَةَ الجِيمِ إتْباعٌ لِكَسْرَةِ اللّامِ، فَمَعْناهُ مَعْنى قِراءَةِ الجُمْهُورِ. ونَحْوُ هَذا كَثِيرٌ جِدًّا في كَلامِ العَرَبِ، فَلا نُطِيلُ بِهِ الكَلامَ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
16:80Page 276
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ بُيُوتٗا تَسۡتَخِفُّونَهَا يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ وَمِنۡ أَصۡوَافِهَا وَأَوۡبَارِهَا وَأَشۡعَارِهَآ أَثَٰثٗا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ ٨٠
And Allāh has made for you from your homes a place of rest and made for you from the hides of the animals tents which you find light on your day of travel and your day of encampment; and from their wool, fur and hair is furnishing and enjoyment [i.e., provision] for a time.
No commentary for this ayah
16:81Page 276
وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ ٨١
And Allāh has made for you, from that which He has created, shadows [i.e., shade] and has made for you from the mountains, shelters and has made for you garments which protect you from the heat and garments [i.e., coats of mail] which protect you from your [enemy in] battle. Thus does He complete His favor upon you that you might submit [to Him].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمُ﴾ الآيَةَ، بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنَّتَهُ عَلى خَلْقِهِ؛ بِأنَّهُ جَعَلَ لَهم سَرابِيلَ تَقِيهِمُ الحَرَّ، أيْ: والبَرْدَ؛ لِأنَّ ما يَقِي الحَرَّ مِنَ اللِّباسِ يَقِي البَرْدَ. والمُرادُ بِهَذِهِ السَّرابِيلِ: القُمْصانُ ونَحْوُها مِن ثِيابِ القُطْنِ والكِتّانِ والصُّوفِ. وقَدْ بَيَّنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الكُبْرى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿يابَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٢٦]، وقَوْلِهِ: ﴿يابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٣١]، أيْ: وتِلْكَ الزِّينَةُ هي ما خَلَقَ اللَّهُ لَهم مِنَ اللِّباسِ الحَسَنِ. وقَوْلُهُ هُنا: ﴿وَسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]، المُرادُ بِها الدُّرُوعُ ونَحْوُها، مِمّا يَقِي لابِسَهُ وقْعَ السِّلاحِ، ويُسَلِّمُهُ مِن بَأْسِهِ. .
وَقَدْ بَيَّنَ أيْضًا هَذِهِ النِّعْمَةَ الكُبْرى، واسْتِحْقاقَ مَن أنْعَمَ بِها لِأنْ يُشْكَرَ لَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكم لِتُحْصِنَكم مِن بَأْسِكم فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠]، وإطْلاقُ السَّرابِيلِ عَلى الدُّرُوعِ ونَحْوِها مَعْرُوفٌ. ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
؎شُمُّ العَرانِينِ أبْطالٌ لَبُوسُهُمُ مِن نَسْجِ داوُدَ في الهَيْجا سَرابِيلُ
16:82Page 276
فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٨٢
But if they turn away, [O Muḥammad] - then only upon you is [responsibility for] clear notification.
No commentary for this ayah
16:83Page 276
يَعۡرِفُونَ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٣
They recognize the favor of Allāh; then they deny it. And most of them are disbelievers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ هو الَّذِي يَرْزُقُهم ويُعافِيهِمْ، ويُدَبِّرُ شُؤُونَهم، ثُمَّ يُنْكِرُونَ هَذِهِ النِّعْمَةَ؛ فَيَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ، ويُسَوُّونَهُ بِما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، ولا يُغْنِي شَيْئًا.
وَقَدْ أوْضَحَ - جَلَّ وعَلا - هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِّنَ (p-٤٢١)السَّماءِ والأرْضِ أمَّنَ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] .
فَقَوْلُهُ: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣١]، دَلِيلٌ عَلى مَعْرِفَتِهِمْ نِعْمَتَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١]، دَلِيلٌ عَلى إنْكارِهِمْ لَها. والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَرُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: «أنَّ أعْرابِيًّا أتى النَّبِيَّ ﷺ فَسَألَهُ، فَقَرَأ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا﴾ [النحل: ٨٠]، فَقالَ الأعْرابِيُّ: نَعَمْ ! قالَ: ﴿وَجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ الآيَةَ [النحل: ٨٠]، قالَ الأعْرابِيُّ: نَعَمْ ! ثُمَّ قَرَأ عَلَيْهِ، كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ الأعْرابِيُّ: نَعَمْ ! حَتّى بَلَغَ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١]، فَوَلّى الأعْرابِيُّ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ [النحل: ٨٣]،» وعَنِ السُّدِّيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾، أيْ: نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ثُمَّ يُنْكِرُونَها، أيْ: يُكَذِّبُونَهُ ويُنْكِرُونَ صِدْقَهُ.
وَقَدْ بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا -: أنَّ بَعْثَةَ نَبِيِّهِ ﷺ فِيهِمْ مِن مِنَنِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٦٤]، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّهم قابَلُوا هَذِهِ النِّعْمَةَ بِالكُفْرانِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨]، وقِيلَ: يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ في الشِّدَّةِ، ثُمَّ يُنْكِرُونَها في الرَّخاءِ. وقَدْ تَقَدَّمَتِ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ في الآيَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣]، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْناهُ أنَّهم كُلَّهم كافِرُونَ. أطْلَقَ الأكْثَرَ وأرادَ الكُلَّ. قالَهُ القُرْطُبِيُّ والشَّوْكانِيُّ. وقالَ الشَّوْكانِيُّ: أوْ أرادَ بِالأكْثَرِ العُقَلاءَ دُونَ الأطْفالِ ونَحْوِهِمْ. أوْ أرادَ كُفْرَ الجُحُودِ، ولَمْ يَكُنْ كُفْرُ كُلِّهِمْ كَذَلِكَ، بَلْ كانَ كُفْرُ بَعْضِهِمْ كُفْرَ جَهْلٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences