Ash-ShinqitiAl‑Isra · 17:16–22

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:16–22

17:16Page 283

وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَٰهَا تَدۡمِيرٗا ١٦

And when We intend to destroy a city, We command its affluent1 but they defiantly disobey therein; so the word [i.e., deserved decree] comes into effect upon it, and We destroy it with [complete] destruction.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾، في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ [الإسراء: ١٦]، في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ عُلَماءِ التَّفْسِيرِ:

الأوَّلُ: وهو الصَّوابُ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ، وعَلَيْهِ جُمْهُورُ العُلَماءِ أنَّ الأمْرَ في قَوْلِهِ: أمَرْنا هو الأمْرُ الَّذِي هو ضِدُّ النَّهْيِ، وأنَّ مُتَعَلِّقَ الأمْرِ مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ، والمَعْنى: أمَرْنا مُتْرَفِيها بِطاعَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، وتَصْدِيقِ رُسُلِهِ واتِّباعِهِمْ فِيما جاءُوا بِهِ: ﴿فَفَسَقُوا﴾، أيْ: خَرَجُوا عَنْ طاعَةِ أمْرِ رَبِّهِمْ، وعَصَوْهُ وكَذَّبُوا رُسُلَهُ ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ﴾، أيْ وجَبَ عَلَيْها الوَعِيدُ ﴿فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾، أيْ أهْلَكْناها إهْلاكًا مُسْتَأْصِلًا، وأكَّدَ فِعْلَ التَّدْمِيرِ بِمَصْدَرِهِ لِلْمُبالَغَةِ في شِدَّةِ الهَلاكِ الواقِعِ بِهِمْ.

وَهَذا القَوْلُ الَّذِي هو الحَقُّ في هَذِهِ الآيَةِ تَشْهَدُ لَهُ آياتٌ كَثِيرَةٌ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٢٨] . فَتَصْرِيحُهُ جَلَّ وعَلا بِأنَّهُ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا﴾ [الإسراء: ١٦]، أيْ: أمَرْناهم بِالطّاعَةِ فَعَصَوْا، ولَيْسَ المَعْنى أمَرْناهم بِالفِسْقِ فَفَسَقُوا؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ.

وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٤، ٣٥] .

فَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ﴾ الآيَةَ (p-٧٦)[الزخرف: ٢٣]، لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ المُتْرَفِينَ مِن جَمِيعِ القُرى أنَّ الرُّسُلَ أمَرَتْهم بِطاعَةِ اللَّهِ فَقالُوا لَهم: ﴿إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾، وتَبَجَّحُوا بِأمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

وَبِهَذا التَّحْقِيقِ تَعْلَمُ: أنَّ ما زَعَمَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في كَشّافِهِ مِن أنَّ مَعْنى أمَرْنا مُتْرَفِيها؛ أيْ أمَرْناهم بِالفِسْقِ فَفَسَقُوا، وأنَّ هَذا مَجازٌ تَنْزِيلًا لِإسْباغِ النِّعَمِ عَلَيْهِمُ المُوجِبِ لِبَطَرِهِمْ وكُفْرِهِمْ مَنزِلَةَ الأمْرِ بِذَلِكَ، كَلامٌ كُلُّهُ ظاهِرُ السُّقُوطِ والبُطْلانِ، وقَدْ أوْضَحَ إبْطالَهُ أبُو حَيّانَ في ”البَحْرِ“، والرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ، مَعَ أنَّهُ لا يَشُكُّ مُنْصِفٌ عارِفٌ في بُطْلانِهِ.

وَهَذا القَوْلُ الصَّحِيحُ في الآيَةِ جارٍ عَلى الأُسْلُوبِ العَرَبِيِّ المَأْلُوفِ، مِن قَوْلِهِمْ: أمَرْتُهُ فَعَصانِي، أيْ أمَرْتُهُ بِالطّاعَةِ فَعَصى. ولَيْسَ المَعْنى: أمَرْتُهُ بِالعِصْيانِ كَما لا يَخْفى.

القَوْلُ الثّانِي في الآيَةِ: هو أنَّ الأمْرَ في قَوْلِهِ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ أمْرًا كَوْنِيًّا قَدَرِيًّا، أيْ قَدَّرْنا عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وسَخَّرْناهم لَهُ؛ لِأنَّ كَلًّا مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ. والأمْرُ الكَوْنِيُّ القَدَرِيُّ

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]،

• وقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿أتاها أمْرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا﴾ [يونس: ٢٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] .

القَوْلُ الثّالِثُ في الآيَةِ: أنَّ ”أمَرْنا“ بِمَعْنى أكْثَرْنا، أيْ أكْثَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا.

وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أمَرْنا بِمَعْنى أكْثَرْنا، لُغَةٌ فَصِيحَةٌ كَآمَرْنا بِالمَدِّ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ الحَدِيثِ الَّذِي أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ هُبَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «خَيْرُ مالِ امْرِئٍ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ، أوْ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ» .

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ الإمامُ أبُو عُبَيْدٍ القاسِمُ بْنُ سَلّامٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ (الغَرِيبِ): المَأْمُورَةُ: كَثِيرَةُ النَّسْلِ. والسِّكَّةُ: الطَّرِيقَةُ المُصْطَفَّةُ مِنَ النَّخْلِ. والمَأْبُورَةُ: مِنَ التَّأْبِيرِ، وهو تَعْلِيقُ الذَّكَرِ عَلى النَّخْلَةِ لِئَلّا يُسْقَطَ ثَمَرَها. ومَعْلُومٌ أنَّ إتْيانَ المَأْمُورَةِ عَلى وزْنِ المَفْعُولِ يَدُلُّ عَلى أنَّ أمْرَ بِفَتْحِ المِيمِ مُجَرَّدًا عَنِ الزَّوائِدِ، مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ إلى المَفْعُولِ، فَيَتَّضِحُ كَوْنُ أمْرِهِ بِمَعْنى أكْثَرَ، وأنْكَرَ غَيْرُ واحِدٍ تَعَدِّي أمْرِ الثُّلاثِيِّ بِمَعْنى الإكْثارِ إلى المَفْعُولِ، وقالُوا: حَدِيثُ سُوَيْدِ بْنِ هُبَيْرَةَ المَذْكُورُ مِن قَبِيلِ الِازْدِواجِ، كَقَوْلِهِمْ: الغَدايا والعَشايا، وكَحَدِيثِ «ارْجِعْنَ مَأْزُوراتٍ غَيْرَ مَأْجُوراتٍ»؛ لِأنَّ الغَدايا لا يَجُوزُ، وإنَّما ساغَ (p-٧٧)لِلِازْدِواجِ مَعَ العَشايا، وكَذَلِكَ مَأْزُوراتٌ بِالهَمْزِ فَهو عَلى غَيْرِ الأصْلِ؛ لِأنَّ المادَّةَ مِنَ الوِزْرِ بِالواوِ، إلّا أنَّ الهَمْزَ في قَوْلِهِ: ”مَأْزُوراتٍ“ لِلِازْدِواجِ مَعَ ”مَأْجُوراتٍ“، والِازْدِواجُ يَجُوزُ فِيهِ ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِ كَما هو مَعْلُومٌ. وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: ”مَأْمُورَةٌ“ إتْباعٌ لِقَوْلِهِ: ”مَأْبُورَةٌ“ وإنْ كانَ مَذْكُورًا قَبْلَهُ لِلْمُناسَبَةِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ.

وَقالَ الشَّيْخُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: أمْرُنا [الإسراء: ١٦]، قَرَأ أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو العالِيَةِ، والرَّبِيعُ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ: ”أمَّرْنا“ بِالتَّشْدِيدِ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أيْ سَلَّطْنا شَرارَها فَعَصَوْا فِيها، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ أهْلَكْناهم.

وَقالَ أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ ”أمَّرْنا“ بِتَشْدِيدِ المِيمِ: جَعَلْناهم أُمَراءَ مُسَلَّطِينَ.

وَقالَهُ ابْنُ عَزِيزٍ: وتَأمَّرَ عَلَيْهِمْ تَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا، وقَتادَةُ، وأبُو حَيْوَةَ الشّامِيُّ، ويَعْقُوبُ، وخارِجَةُ عَنْ نافِعٍ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وعَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ بِاخْتِلافٍ عَنْهُما: ”آمَرْنا“ بِالمَدِّ والتَّخْفِيفِ؛ أيْ أكْثَرْنا جَبابِرَتَها وأُمَراءَها، قالَهُ الكِسائِيُّ.

وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " آمَرْتُهُ - بِالمَدِّ - وأمَرْتُهُ لُغَتانِ بِمَعْنى أكْثَرْتُهُ.

وَمِنهُ الحَدِيثُ «خَيْرُ المالِ مُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ أوْ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ»؛ أيْ كَثِيرَةُ النِّتاجِ والنَّسْلِ، وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ عَزِيزٍ: آمَرْنا وأمَرْنا بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ أكْثَرْنا. وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا، ويَحْيى بْنِ يَعْمَرَ: أمَرْنا - بِالقَصْرِ وكَسْرِ المِيمِ - عَلى فِعْلِنا، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: المَعْنى أكْثَرْنا، وحَكى نَحْوَهُ أبُو زَيْدٍ وأبُو عُبَيْدٍ، وأنْكَرَهُ الكِسائِيُّ وقالَ: لا يُقالُ مِنَ الكَثْرَةِ إلّا آمَرْنا بِالمَدِّ، وأصْلُها أأمَرْنا فَخَفَّفَ؛ حَكاهُ المَهْدَوِيُّ.

وَفِي الصِّحاحِ: قالَ أبُو الحَسَنِ: أمِرَ مالُهُ - بِالكَسْرِ - أيْ كَثُرَ. وأمِرَ القَوْمُ: أيْ كَثُرُوا، قالَ الشّاعِرُ وهو الأعْشى:

؎طَرِفُونَ ولادُّونَ كُلَّ مُبارَكٍ أمِرُونَ لا يَرِثُونَ سَهْمَ القُعْدُدِ

وَآمَرَ اللَّهُ مالَهُ؛ بِالمَدِّ. الثَّعْلَبِيُّ: ويُقالُ لِلشَّيْءِ الكَثِيرِ أمْرٌ، والفِعْلُ مِنهُ أمَرَ القَوْمُ يَأْمُرُونَ أمْرًا: إذا كَثُرُوا.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كُنّا نَقُولُ في الجاهِلِيَّةِ لِلْحَيِّ إذا كَثُرُوا: أمَرَ أمْرٍ بَنِي فُلانٍ؛ قالَ (p-٧٨)لَبِيدٌ:

؎كُلُّ بَنِي حُرَّةَ مَصِيرُهم ∗∗∗ قُلْ وإنْ أكْثَرَتْ مِنَ العَدَدِ

؎إنْ يَغْبِطُوا يَهْبِطُوا وإنْ أمَرُوا ∗∗∗ يَوْمًا يَصِيرُوا لِلْهَلَكِ والنَّكَدِ

قُلْتُ: وفي حَدِيثِ هِرَقْلَ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «لَقَدْ أمَرَ أمْرَ ابْنِ أبِي كَبْشَةَ، إنَّهُ لِيَخافَهُ مَلِكُ بَنِي الأصْفَرِ»؛ أيْ كَثُرَ، وكُلُّها غَيْرُ مُتَعَدٍّ، ولِذَلِكَ أنْكَرَهُ الكِسائِيُّ، واللَّهُ أعْلَمُ.

قالَ المَهْدَوِيُّ: ومَن قَرَأ أمَرَ فَهي لُغَةٌ، ووَجْهُ تَعْدِيَةِ أمْرٍ أنَّهُ شَبَّهَهُ بِـ (عَمَرَ) مِن حَيْثُ كانَتِ الكَثْرَةُ أقْرَبُ شَيْءٍ إلى العِمارَةِ، فَعَدّى كَما عَدّى عَمَرَ، إلى أنْ قالَ: وقِيلَ أمَرْناهم جَعَلْناهم أُمَراءَ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: أمِيرٌ غَيْرُ مَأْمُورٍ، أيْ غَيْرُ مُؤَمِّرٍ، وقِيلَ مَعْناهُ: بَعَثْنا مُسْتَكْبَرِيها. قالَ هارُونُ: وهي قِراءَةُ أُبَيٍّ: بَعَثْنا أكابِرَ مُجْرِمِيها فَفَسَقُوا فِيها، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وَحَكى النَّحّاسُ: وقالَ هارُونُ في قِراءَةِ أُبَيٍّ: وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً بَعَثْنا فِيها أكابِرَ مُجْرِمِيها فَمَكَرُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ. اه مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ القُرْطُبِيِّ.

وَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ التَّحْقِيقَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: أمَرْنا مُتْرَفِيها بِالطّاعَةِ فَعَصَوْا أمْرَنا، فَوَجَبَ عَلَيْهِمُ الوَعِيدُ فَأهْلَكْناهم كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.

* *

تَنْبِيهٌ

فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ سُؤالٌ مَعْرُوفٌ، وهو أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ أسْنَدَ الفِسْقَ فِيها لِخُصُوصِ المُتْرَفِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها﴾ [الإسراء: ١٦] مَعَ أنَّهُ ذَكَرَ عُمُومَ الهَلاكِ لِجَمِيعِ المُتْرَفِينَ وغَيْرِهِمْ، في قَوْلِهِ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] يَعْنِي القَرْيَةَ، ولَمْ يَسْتَثْنِ مِنها غَيْرَ المُتْرَفِينَ ؟

والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ غَيْرَ المُتْرَفِينَ تَبَعٌ لَهم، وإنَّما خَصَّ بِالذِّكْرِ المُتْرَفِينَ الَّذِينَ هم سادَتُهم وكُبَراؤُهم؛ لِأنَّ غَيْرَهم تَبَعٌ لَهم، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقالُوا رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٦٧]،

• وكَقَوْلِهِ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٦٦]،

• وقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٣٨]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: (p-٧٩)﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٢١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ [غافر: ٤٧]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ بَعْضَهم إنْ عَصى اللَّهَ وبَغى وطَغى ولَمْ يَنْهَهُمُ الآخَرُونَ فَإنَّ الهَلاكَ يَعُمُّ الجَمِيعَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، وفي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أنَّها لَمّا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرِبْ، فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِثْلَ هَذِهِ ”- وحَلَّقَ بِإصْبَعِهِ الإبْهامِ والَّتِي تَلِيها - قالَتْ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ ؟ قالَ:“ نَعَمْ، إذا كَثُرَ الخَبَثُ» وقَدْ قَدَّمْنا هَذا المَبْحَثَ مُوَضِّحًا في سُورَةِ المائِدَةِ.

17:17Page 283

وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِنۢ بَعۡدِ نُوحٖۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ١٧

And how many have We destroyed from the generations after Noah. And sufficient is your Lord, concerning the sins of His servants, as Aware and Seeing.

قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ أهْلَكَ كَثِيرًا مِنَ القُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ كَمْ في قَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا﴾ [الإسراء: ١٧] خَبَرِيَّةٌ، مَعْناها الإخْبارُ بِعَدَدٍ كَثِيرٍ، وأنَّهُ جَلَّ وعَلا خَبِيرٌ بَصِيرٌ بِذُنُوبِ عِبادِهِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٧] .

وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أوْضَحَتْهُ آياتٌ أُخَرُ مِن أرْبَعِ جِهاتٍ:

الأُولى: أنَّ في الآيَةِ تَهْدِيدًا لِكُفّارِ مَكَّةَ، وتَخْوِيفًا لَهم مِن أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ما نَزَلَ بِغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتْ رُسُلَها؛ أيْ أهْلَكْنا قُرُونًا كَثِيرَةً مِن بَعْدِ نُوحٍ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، فَلا تُكَذِّبُوا رَسُولَنا لِئَلّا نَفْعَلَ بِكم مِثْلَ ما فَعَلْنا بِهِمْ.

والآياتُ الَّتِي أوْضَحَتْ هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ؛

• كَقَوْلِهِ في قَوْمِ لُوطٍ: ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨]،

• وكَقَوْلِهِ فِيهِمْ أيْضًا: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وَإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٥، ٧٦]،

• وقَوْلِهِ فِيهِمْ أيْضًا: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥]،

• وقَوْلِهِ: أفَلَمْ ﴿يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ [محمد: ١٠]،

• وقَوْلِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ جَلَّ وعَلا إهْلاكَهُ لِقَوْمِ نُوحٍ، وقَوْمِ هُودٍ، وقَوْمِ (p-٨٠)صالِحٍ، وقَوْمِ لُوطٍ، وقَوْمِ شُعَيْبٍ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: إنَّ ﴿فِي ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٨]،

• وقَوْلِهِ في قَوْمِ مُوسى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦]،

• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾،

• وقَوْلِهِ: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلَكْناهُمْ﴾ الآيَةَ [الدخان: ٣٧]

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الكَثِيرَةِ الدّالَّةِ عَلَّ تَخْوِيفِهِمْ بِما وقَعَ لِمَن قَبْلَهم.

الجِهَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ هَذِهِ القُرُونَ تَعَرَّضَتْ لِبَيانِها آياتٌ أُخَرَ؛ فَبَيَّنَتْ كَيْفِيَّةَ إهْلاكِ قَوْمِ نُوحٍ، وقَوْمِ هُودٍ، وقَوْمِ صالِحٍ، وقَوْمِ لُوطٍ، وقَوْمِ شُعَيْبٍ، وفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِن قَوْمِ مُوسى، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مَعْلُومَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وبَيْنَ أنَّ تِلْكَ القُرُونَ كَثِيرَةٌ في قَوْلِهِ: وعادًا وثَمُودًا وأصْحابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا [الفرقان: ٣٨] وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ مِنها ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ جَلَّ وعَلا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ إبْراهِيمَ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٩] . وبَيَّنَ في مَوْضِعَيْنِ آخَرَيْنِ أنَّ رُسُلَهم مِنهم مَن قَصَّ خَبَرَهُ عَلى نَبِيِّنا ﷺ، ومِنهم مَن لَمْ يَقْصُصْهُ عَلَيْهِ، وهَما قَوْلُهُ في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقَوْلُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِ: ولَقَدْ ﴿أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [غافر: ٧٨] .

الجِهَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ١٧] يَدُلُّ عَلى أنَّ القُرُونَ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ أنَّها عَلى الإسْلامِ، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ، كُلُّهم عَلى الإسْلامِ. نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.

وَهَذا المَعْنى تَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٣]، وقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا﴾ الآيَةَ [يونس: ١٩]؛ لِأنَّ مَعْنى ذَلِكَ عَلى أصَحِّ الأقْوالِ أنَّهم كانُوا عَلى طَرِيقِ الإسْلامِ، حَتّى وقَعَ ما وقَعَ مِن قَوْمِ نُوحٍ مِنَ الكُفْرِ، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ يَنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ الكُفْرِ، مُبَشِّرِينَ مَن أطاعَهم بِالجَنَّةِ، ومُنْذِرِينَ مَن عَصاهم بِالنّارِ، وأوَّلُهم في ذَلِكَ نُوحٌ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ.

(p-٨١)وَيَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٦٣] . وفي أحادِيثِ الشَّفاعَةِ الثّابِتَةِ في الصِّحاحِ وغَيْرِها أنَّهم يَقُولُونَ لِنُوحٍ: إنَّهُ أوَّلُ رَسُولٍ بَعْثَهُ اللَّهُ لِأهْلِ الأرْضِ كَما قَدَّمْنا ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

الجِهَةُ الرّابِعَةُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧] فِيهِ أعْظَمُ زَجْرٍ عَنِ ارْتِكابِ ما لا يُرْضِي اللَّهَ تَعالى.

والآياتُ المُوَضِّحَةُ لِذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا؛

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]

• وقَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَقَدْ قَدَّمْنا هَذا المَبْحَثَ مُوَضَّحًا في أوَّلِ سُورَةِ هُودٍ. ولَفْظَةُ ”كَمْ“ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولٍ بِهِ لِـ ”أهْلَكْنا“ و مِن في قَوْلِهِ: مِنَ القُرُونِ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: كَمْ وتَمْيِيزٌ لَهُ كَما يُمَيَّزُ العَدَدُ بِالجِنْسِ. وأمّا لَفْظُهُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾، فالظّاهِرُ أنَّها لِابْتِداءِ الغايَةِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ في ”البَحْرِ“، وزَعَمَ الحَوْفِيُّ أنَّ ”مِن“ الثّانِيَةِ بَدَلٌ مِنَ الأُولى، ورَدَّهُ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

17:18Page 284

مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصۡلَىٰهَا مَذۡمُومٗا مَّدۡحُورٗا ١٨

Whoever should desire the immediate1 - We hasten for him from it what We will to whom We intend. Then We have made for him Hell, which he will [enter to] burn, censured and banished.

No commentary for this ayah

17:19Page 284

وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡأٓخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعۡيُهُم مَّشۡكُورٗا ١٩

But whoever desires the Hereafter and exerts the effort due to it while he is a believer - it is those whose effort is ever appreciated [by Allāh].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾

ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿مَدْحُورًا ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها﴾ [الإسراء: ١٩] أيْ عَمِلَ لَها عَمَلَها الَّذِي تَنالُ بِهِ، وهو امْتِثالُ أمْرِ اللَّهِ، واجْتنابُ نَهْيِهِ بِإخْلاصٍ عَلى الوَجْهِ المَشْرُوعِ: وهو مُؤْمِنٌ [الإسراء: ١٩] أيْ مُوَحِّدٌ لِلَّهِ جَلَّ وعَلا، غَيْرُ مُشْرِكٍ بِهِ ولا كافِرٍ بِهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَشْكُرُ سَعْيَهُ، بِأنْ يُثِيبَهُ الثَّوابَ الجَزِيلَ عَنْ عَمَلِهِ القَلِيلِ.

وَفِي الآيَةِ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأعْمالَ الصّالِحَةَ لا تَنْفَعُ إلّا مَعَ الإيمانِ بِاللَّهِ.

لِأنَّ الكُفْرَ سَيِّئَةٌ لا تَنْفَعُ مَعَها حَسَنَةٌ، لِأنَّهُ شَرَطَ في ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء: ١٩] .

وَقَدْ أوْضَحَ تَعالى هَذا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتَ مِن (p-٨٢)ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤]، وقَوْلُهُ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] وقَوْلُهُ: ﴿مَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها ومَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [غافر: ٤٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَمَفْهُومُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِينَ إذا أطاعَ اللَّهَ بِإخْلاصٍ لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ؛ لِفَقْدِ شَرْطِ القَبُولِ الَّذِي هو الإيمانُ بِاللَّهِ جَلَّ وعَلا.

وَقَدْ أوْضَحَ جَلَّ وعَلا هَذا المَفْهُومَ في آياتٍ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ في أعْمالِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ: وقَدِمْنا ﴿إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، وقَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ١٨]، وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ الآيَةَ [النور: ٣٩]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّ عَمَلَ الكافِرِ الَّذِي يَتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ يُجازى بِهِ في الدُّنْيا، ولا حَظَّ لَهُ مِنهُ في الآخِرَةِ. كَقَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلّا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥، ١٦]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] .

وَثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوُ ما جاءَتْ بِهِ هَذِهِ الآياتُ: مِنَ انْتِفاعِ الكافِرِ بِعَمَلِهِ في الدُّنْيا مِن حَدِيثِ أنَسٍ، قالَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ رَحِمَهُ اللَّهُ في صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، وزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - واللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قالا: حَدَّثْنا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ، أخْبَرَنا هَمّامُ بْنُ يَحْيى، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطى بِها في الدُّنْيا ويُجْزى بِها الآخِرَةَ، وأمّا الكافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَناتِهِ ما عَمِلَ بِها لِلَّهِ في الدُّنْيا، حَتّى إذا أفْضى إلى الآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزى بِها» .

حَدَّثَنا عاصِمُ بْنُ النَّضِرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنا مُعْتَمِرٌ قالَ: سَمِعْتُ أبِي، حَدَّثَنا قَتادَةُ (p-٨٣)عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: أنَّهُ حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ الكافِرَ إذا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمُ بِها طُعْمَةً مِنَ الدُّنْيا، وأمّا المُؤْمِنُ فَإنَّ اللَّهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَناتِهِ في الآخِرَةِ، ويُعْقِبُهُ رِزْقًا في الدُّنْيا عَلى طاعَتِهِ» .

حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ، أخْبَرَنا عَبْدُ الوَهّابِ بْنُ عَطاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِهِما.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَّرَنا أدِلَّتَهُ مِنَ الكِتابِ والسَّنَةِ مِن أنَّ الكافِرَ يَنْتَفِعُ بِعَمَلِهِ الصّالِحِ في الدُّنْيا:

كَبِرِّ الوالِدَيْنِ، وصِلَةِ الرَّحِمِ، وإكْرامِ الضَّيْفِ والجارِ، والتَّنْفِيسِ عَنِ المَكْرُوبِ ونَحْوِ ذَلِكَ، كُلِّهِ مُقَيَّدٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، كَما نَصَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ١٨] .

فَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مُقَيِّدَةٌ لِما ورَدَ مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ المُقَيَّدَ يَقْضِي عَلى المُطْلَقِ، ولا سِيَّما إذا اتَّحَدَ الحُكْمُ والسَّبَبُ كَما هُنا، وأشارَ لَهُ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ:

؎وَحَمْلُ مُطْلَقٍ عَلى ذاكَ وجَبْ إنْ فِيهِما اتَّحَدَ حُكْمٌ والسَّبَبْ

17:20Page 284

كُلّٗا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنۡ عَطَآءِ رَبِّكَۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحۡظُورًا ٢٠

To each [category] We extend - to these and to those - from the gift of your Lord. And never has the gift of your Lord been restricted.

No commentary for this ayah

17:21Page 284

ٱنظُرۡ كَيۡفَ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ وَلَلۡأٓخِرَةُ أَكۡبَرُ دَرَجَٰتٖ وَأَكۡبَرُ تَفۡضِيلٗا ٢١

Look how We have favored [in provision] some of them over others. But the Hereafter is greater in degrees [of difference] and greater in distinction.

No commentary for this ayah

17:22Page 284

لَّا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَقۡعُدَ مَذۡمُومٗا مَّخۡذُولٗا ٢٢

Do not make [as equal] with Allāh another deity and [thereby] become censured and forsaken.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾

الظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مُتَوَجِّهٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ، لِيَشْرَعَ لِأُمَّتِهِ عَلى لِسانِهِ إخْلاصَ التَّوْحِيدِ في العِبادَةِ لَهُ جَلَّ وعَلا، لِأنَّهُ ﷺ مَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَجْعَلُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وأنَّهُ لا يَقْعُدُ مَذْمُومًا مَخْذُولًا.

وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّهُ ﷺ يُوَجَّهُ إلَيْهِ الخِطابُ، والمُرادُ بِذَلِكَ التَّشْرِيعُ لِأُمَّتِهِ لا نَفْسُ خِطابِهِ هو ﷺ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣]؛ لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٢٣]، أيْ إنْ يَبْلُغْ عِنْدَكَ والِداكَ أوْ أحَدُهُما الكِبَرَ ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾، ومَعْلُومٌ أنَّ والِدَيْهِ قَدْ ماتا قَبْلَ ذَلِكَ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ، فَلا وجْهَ لِاشْتِراطِ بُلُوغِهِما أوْ أحَدِهِما الكِبَرَ بَعْدَ أنْ ماتا مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، إلّا أنَّ المُرادَ التَّشْرِيعُ لِغَيْرِهِ ﷺ، ومِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ خِطابُهم إنْسانًا والمُرادُ بِالخِطابِ غَيْرُهُ، ومِنَ الأمْثِلَةِ السّائِرَةِ في ذَلِكَ قَوْلُ الرّاجِزِ، وهو سَهْلُ بْنُ مالِكٍ الفَزارِيُّ:

؎إيّاكَ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَهْ

(p-٨٤)وَسَبَبُ هَذا المَثَلِ: أنَّهُ زارَ حارِثَةَ بْنَ لَأْمٍ الطّائِيَّ فَوَجَدَهُ غائِبًا، فَأنْزَلَتْهُ أُخْتُهُ وأكْرَمَتْهُ، وكانَتْ جَمِيلَةً، فَأعْجَبَهُ جَمالُها، فَقالَ مُخاطِبًا لِأُخْرى غَيْرَها لِيَسْمِعَها هي:

؎يا أُخْتَ خَيْرِ البَدْوِ والحَضارَهْ ∗∗∗ كَيْفَ تَرَيْنَ في فَتى فَزارَهْ

؎أصْبَحَ يَهْوى حُرَّةً مِعْطارَهْ ∗∗∗ إيّاكِ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَهْ

فَفَهِمَتِ المَرْأةُ مُرادَهُ، وأجابَتْهُ بِقَوْلِها:

؎إنِّي أقُولُ يا فَتى فَزارَهْ ∗∗∗ لا أبْتَغِي الزَّوْجَ ولا الدَّعارَهْ

؎وَلا فِراقَ أهْلِ هَذِي الحارَهْ ∗∗∗ فارْحَلْ إلى أهْلِكَ بِاسْتِحارَهْ

والظّاهِرِ أنَّ قَوْلَها ”بِاسْتِحارَهْ“ أنَّ أصْلَهُ اسْتِفْعالٌ مِنَ المُحاوَرَةِ بِمَعْنى رَجْعِ الكَلامِ بَيْنَهُما، أيِ ارْحَلْ إلى أهْلِكَ بِالمُحاوَرَةِ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنِي وبَيْنَكَ، وهي كَلامُكَ وجَوابِي لَهُ، ولا تَحْصُلُ مِنِّي عَلى غَيْرِ ذَلِكَ ! والهاءُ في ”الِاسْتِحارَةِ“ عِوَضٌ مِنَ العَيْنِ السّاقِطَةِ بِالإعْلالِ، كَما هو مَعْرُوفٌ في فَنِّ الصَّرْفِ.

وَذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ مُتَوَجِّهٌ إلى المُكَلَّفِ، ومِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ: إفْرادُ الخِطابِ مَعَ قَصْدِ التَّعْمِيمِ؛ كَقَوْلِ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ في مُعَلَّقَتِهِ:

؎سَتُبْدِي لَكَ الأيّامُ ما كُنْتَ جاهِلًا ∗∗∗ ويَأْتِيكَ بِالأخْبارِ مَن لَمْ تُزَوِّدْ

وَقالَ الفَرّاءُ، والكِسائِيُّ، والزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى قَوْلِهِ: فَتَقْعُدَ [الإسراء: ٢٢] أيْ: تَصِيرُ. وجَعَلَ الفَرّاءُ مِنهُ قَوْلَ الرّاجِزِ:

؎لا يُقْنِعُ الجارِيَةَ الخِضابُ ∗∗∗ ولا الوِشاحانِ ولا الجِلْبابُ

؎مِن دُونِ أنْ تَلْتَقِيَ الأرْكابُ ∗∗∗ ويَقْعُدَ الأيْرُ لَهُ لُعابُ

أيْ يَصِيرُ لَهُ لُعابٌ.

وَحَكى الكِسائِيُّ: قَعَدَ لا يُسْألُ حاجَةً إلّا قَضاها. بِمَعْنى صارَ. قالَهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ.

ثُمَّ قالَ أيْضًا: والقُعُودُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ المُكْثِ، أيْ فَتَمْكُثُ في النّاسِ مَذْمُومًا مَخْذُولًا، كَما تَقُولُ لِمَن سَألَ عَنْ حالِ شَخْصٍ: هو قاعِدٌ في أسْوَأِ حالٍ؛ ومَعْناهُ ماكِثٌ ومُقِيمٌ. سَواءٌ كانَ قائِمًا أمْ جالِسًا. وقَدْ يُرادُ القُعُودُ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ مِن شَأْنِ المَذْمُومِ (p-٨٥)المَخْذُولِ أنْ يَقْعُدَ حائِرًا مُتَفَكِّرًا، وعَبَّرَ بِغالِبِ حالِهِ وهو القُعُودُ، وقِيلَ: مَعْنى فَتَقْعُدَ [الإسراء: ٢٢] فَتَعْجَزُ. والعَرَبُ تَقُولُ: ما أقْعَدَكَ عَنِ المَكارِمِ. اه مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ أبِي حَيّانَ.

والمَذْمُومُ هُنا: هو مَن يَلْحَقُهُ الذَّمُّ مِنَ اللَّهِ ومِنَ العُقَلاءِ مِنَ النّاسِ؛ حَيْثُ أشْرَكَ بِاللَّهِ ما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، ولا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ.

والمَخْذُولُ: هو الَّذِي لا يَنْصُرُهُ مَن كانَ يُؤَمِّلُ مِنهُ النَّصْرَ. ومِنهُ قَوْلُهُ:

؎إنَّ المَرْءَ مَيِّتًا بِانْقِضاءِ حَياتِهِ ∗∗∗ ولَكِنْ بِأنْ يَبْغى عَلَيْهِ فَيُخْذُلا

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском