Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:33
17:33Page 285
وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومٗا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلۡطَٰنٗا فَلَا يُسۡرِف فِّي ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورٗا ٣٣
And do not kill the soul [i.e., person] which Allāh has forbidden, except by right.1 And whoever is killed unjustly - We have given his heir authority,2 but let him not exceed limits in [the matter of] taking life. Indeed, he has been supported [by the law].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ .
بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا، ونَهاهُ عَنِ الإسْرافِ في القَتْلِ، ووَعَدَهُ بِأنَّهُ مَنصُورٌ.
والنَّهْيُ عَنِ الإسْرافِ في القَتْلِ هَنا شامِلٌ ثَلاثَ صُوَرٍ:
الأُولى: أنْ يَقْتُلَ اثْنَيْنِ أوْ أكْثَرَ بِواحِدٍ، كَما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ في الجاهِلِيَّةِ، كَقَوْلِ مُهَلْهِلِ بْنِ رَبِيعَةَ لَمّا قَتَلَ بُجَيْرَ بْنَ الحارِثِ بْنِ عَبّادٍ في حَرْبِ البَسُوسِ المَشْهُورَةِ: بُؤْ بِشَسْعِ نَعْلِ كُلَيْبٍ؛ فَغَضِبَ الحارِثُ بْنُ عَبّادٍ، وقالَ قَصِيدَتَهُ المَشْهُورَةَ:
؎قَرِّبا مَرْبَطَ النَّعامَةِ مِنِّي لَقِحَتْ حَرْبُ وائِلٍ عَنْ حِيالِ
؎قَرِّبا مَرْبَطَ النَّعامَةِ مِنِّي ∗∗∗ إنَّ بَيْعَ الكِرامِ بِالشَّسْعِ غالِي
، إلَخْ
وَقالَ مُهَلْهِلٌ أيْضًا:
؎كُلُّ قَتِيلٍ في كُلَيْبٍ غَرَّهُ ∗∗∗ حَتّى يَنالَ القَتْلَ آلُ مُرَّهْ
وَمَعْلُومٌ أنَّ قَتْلَ جَماعَةٍ بِواحِدٍ لَمْ يَشْتَرِكُوا في قَتْلِهِ: إسْرافٌ في القَتْلِ داخِلٌ في النَّهْيِ المَذْكُورِ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ.
(p-٨٨)الثّانِيَةُ أنْ يَقْتُلَ بِالقَتِيلِ واحِدًا فَقَطْ ولَكِنَّهُ غَيْرُ القاتِلِ؛ لِأنَّ قَتْلَ البَرِيءِ بِذَنْبِ غَيْرِهِ إسْرافٌ في القَتْلِ، مَنهِيٌّ عَنْهُ في الآيَةِ أيْضًا.
الثّالِثَةُ: أنْ يَقْتُلَ نَفْسَ القاتِلِ ويُمَثِّلَ بِهِ، فَإنَّ زِيادَةَ المُثْلَةِ إسْرافٌ في القَتْلِ أيْضًا.
وَهَذا هو التَّحْقِيقُ في مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ، فَما ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، ومالَ إلَيْهِ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ بَعْضَ المَيْلِ، مِن أنَّ مَعْنى الآيَةِ: فَلا يُسْرِفُ الظّالِمُ الجانِي في القَتْلِ؛ تَخْوِيفًا لَهُ مِنَ السُّلْطانِ، والنَّصْرِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِوَلِيِّ المَقْتُولِ، لا يَخْفى ضَعْفُهُ، وأنَّهُ لا يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣] .
وَهَذا السُّلْطانُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِوَلِيِّ المَقْتُولِ لَمْ يُبَيِّنْهُ هُنا بَيانًا مُفَصَّلًا، ولَكِنَّهُ أشارَ في مَوْضِعَيْنِ إلى أنَّ هَذا السُّلْطانَ هو ما جَعَلَهُ اللَّهُ مِنَ السُّلْطَةِ لِوَلِيِّ المَقْتُولِ عَلى القاتِلِ، مِن تَمْكِينِهِ مِن قَتْلِهِ إنْ أحَبَّ، ولا يُنافِي ذَلِكَ أنَّهُ إنْ شاءَ عَفا عَلى الدِّيَةِ أوْ مَجّانًا.
الأوَّلُ: قَوْلُهُ هُنا: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣] بَعْدَ ذِكْرِ السُّلْطانِ المَذْكُورِ؛ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الإسْرافِ في القَتْلِ مُقْتَرِنًا بِذِكْرِ السُّلْطانِ المَذْكُورِ يَدُلُّ عَلى أنَّ السُّلْطانَ المَذْكُورَ هو ذَلِكَ القَتْلُ المَنهِيُّ عَنِ الإسْرافِ فِيهِ.
المَوْضِعُ الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ ياأُولِي الألْبابِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٧٨ - ١٧٩]، فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّ السُّلْطانَ المَذْكُورَ هو ما تَضَمَّنَتْهُ آيَةُ القِصاصِ هَذِهِ، وخَيْرُ ما يُبَيَّنُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ.
* *
مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ
المَسْألَةُ الأُولى: يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: مَظْلُومًا أنَّ مَن قَتَلَ غَيْرَ مَظْلُومٍ لَيْسَ لِوَلِيِّهِ سُلْطانٌ عَلى قاتِلِهِ، وهو كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن قُتِلَ بِحَقٍّ فَدَمَهُ حَلالٌ، ولا سُلْطانَ لِوَلِيِّهِ في قَتْلِهِ، كَما قَدَّمْنا بِذَلِكَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ المُتَّفِقِ عَلَيْهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَحُلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: الثَّيِّبِ الزّانِي، والنَّفْسِ بِالنَّفْسِ، والتّارِكِ لِدِينِهِ المُفارِقِ لِلْجَماعَةِ» كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ .
وَبَيَّنا هَذا المَفْهُومَ في قَوْلِهِ: مَظْلُومًا يَظْهَرُ بِهِ بَيانُ المَفْهُومِ في قَوْلِهِ أيْضًا (p-٨٩)﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] .
واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ ورَدَ في بَعْضِ الأدِلَّةِ أسْبابٌ أُخَرُ لِإباحَةِ قَتْلِ المُسْلِمِ غَيْرَ الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ، عَلى اخْتِلافٍ في ذَلِكَ بَيْنَ العُلَماءِ. مِن ذَلِكَ: المُحارِبُونَ إذا لَمَّ يَقْتُلُوا أحَدًا. عِنْدَ مَن يَقُولُ بِأنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا﴾ الآيَةَ [المائدة: ٣٣]، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ .
وَمِن ذَلِكَ: قَتْلُ الفاعِلِ والمَفْعُولِ بِهِ في فاحِشَةِ اللِّواطِ، وقَدْ قَدَّمَنا الأقْوالَ في ذَلِكَ وأدِلَّتَها بِإيضاحٍ في سُورَةِ ”هُودٍ“ .
وَأمّا قَتْلُ السّاحِرِ فَلا يَبْعُدُ دُخُولُهُ في قَتْلِ الكافِرِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: «التّارِكِ لِدِينِهِ المُفارِقِ لِلْجَماعَةِ» لِدَلالَةِ القُرْآنِ عَلى كُفْرِ السّاحِرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٠٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٠٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] .
وَأمّا قَتْلُ مانِعِ الزَّكاةِ فَإنَّهُ إنْ أنْكَرَ وُجُوبَها فَهو كافِرٌ مُرْتَدٌّ داخِلٌ في «التّارِكِ لِدِينِهِ المُفارِقِ لِلْجَماعَةِ»، وأمّا إنْ مَنَعَها وهو مُقِرٌّ بِوُجُوبِها فالَّذِي يَجُوزُ فِيهِ: القِتالُ لا القَتْلُ، وبَيْنَ القِتالِ والقَتْلِ فَرْقٌ واضِحٌ مَعْرُوفٌ.
وَأمّا ما ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن أنَّ مَن أتى بَهِيمَةً يُقْتَلُ هو وتُقْتَلُ البَهِيمَةُ مَعَهُ لِحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن وقَعَ عَلى بَهِيمَةٍ فاقْتُلُوهُ واقْتُلُوها مَعَهُ» . قالَ الهَيْثَمِيُّ في ”مَجْمَعِ الزَّوائِدِ“: رَواهُ أبُو يَعْلى، وفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، وحَدِيثُهُ حَسَنٌ، وبَقِيَّةُ رِجالِهِ ثِقاتٌ، ورَواهُ ابْنُ ماجَهْ مِن طَرِيقِ داوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا.
وَأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّهُ لا يُقْتَلُ؛ لِأنَّ حَصْرَ ما يُباحُ بِهِ دَمُ المُسْلِمِ في الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ في حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ المُتَّفِقِ عَلَيْهِ أوْلى بِالتَّقْدِيمِ مِن هَذا الحَدِيثِ، مَعَ التَّشْدِيدِ العَظِيمِ في الكِتابِ والسَّنَةِ في قَتْلِ المُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَسائِلِ المَذْكُورَةِ في الفُرُوعِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: هَذا الحَصْرُ في الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ في حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ (p-٩٠)الثّابِتِ في الصَّحِيحِ لا يَنْبَغِي أنْ يُزادَ عَلَيْهِ، إلّا ما ثَبَتَ بِوَحْيٍ ثُبُوتًا لا مَطْعَنَ فِيهِ، لِقُوَّتِهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْتُولَ خَطَأً لا يَدْخُلُ في هَذا الحُكْمِ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨٦]، لِما ثَبَتَ في صَحِيحٍ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَرَأها، قالَ اللَّهُ نَعَمْ قَدْ فَعَلْتَ» .
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] ثُمَّ بَيَّنَ ما يَلْزَمُ القاتِلَ خَطَأً
• بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ الآيَةَ [النساء: ٩٢]،
وقَدْ بَيَّنَ ﷺ الدِّيَةَ قَدْرًا وجِنْسًا كَما هو مَعْلُومٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ والفِقْهِ كَما سَيَأْتِي إيضاحُهُ.
* *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُفْهَمُ مِن إطْلاقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ [الإسراء: ٣٣] أنَّ حُكْمَ الآيَةِ يَسْتَوِي فِيهِ القَتْلُ بِمُحَدَّدٍ كالسِّلاحِ، وبِغَيْرِ مُحَدَّدٍ كَرَضْخِ الرَّأْسِ بِحَجَرٍ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الجَمِيعَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ القَتْلِ ظُلْمًا فَيَجِبُ القِصاصُ.
وَهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ، مِنهم مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ.
وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ مُسْلِمٍ“: هو مَذْهَبُ جَماهِيرِ العُلَماءِ.
وَخالَفَ في هَذِهِ المَسْألَةِ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: لا يَجِبُ القِصاصُ إلّا في القَتْلِ بِالمُحَدَّدِ خاصَّةً، سَواءٌ كانَ مِن حَدِيدٍ، أوْ حَجَرٍ، أوْ خَشَبٍ، أوْ فِيما كانَ مَعْرُوفًا بِقَتْلِ النّاسِ كالمَنجَنِيقِ، والإلْقاءِ في النّارِ.
واحْتَجَّ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ القاتِلَ عَمْدًا بِغَيْرِ المُحَدَّدِ يُقْتَصُّ مِنهُ بِأدِلَّةٍ:
الأوَّلُ ما ذَكَرْنا مِن إطْلاقِ النُّصُوصِ في ذَلِكَ. الثّانِي: حَدِيثُ أنَسِ بْنِ مالِكٍ المَشْهُورُ الَّذِي أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ، وباقِي الجَماعَةِ: «أنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جارِيَةً عَلى أوَضاحٍ لَها، فَرَضَخَ رَأْسَها بِالحِجارَةِ، فاعْتَرَفَ بِذَلِكَ فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، رَضَّ رَأْسَهُ بِهِما» .
وَهَذا الحَدِيثُ المُتَّفِقُ عَلَيْهِ نَصٌّ صَرِيحٌ صَحِيحٌ في مَحَلِّ النِّزاعِ، تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلى الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، ولا سِيَّما عَلى قَوْلِهِ: بِاسْتِواءِ دَمِ المُسْلِمِ والكافِرِ المَعْصُومِ الدَّمُ كالذِّمِّيِّ.
(p-٩١)الثّالِثُ: ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهُما، عَنْ حَمَلِ بْنِ مالِكٍ مِنَ القِصاصِ في القَتْلِ بِالمِسْطَحِ. قالَ النَّسائِيُّ: أخْبَرَنا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدٍ، قالَ: حَدَّثَنا حَجّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قالَ أخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: أنَّهُ سَمِعَ طاوُسًا يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّهُ نَشَدَ قَضاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، فَقامَ حَمَلُ بْنُ مالِكٍ فَقالَ: كُنْتُ بَيْنَ حُجْرَتِي امْرَأتَيْنِ، فَضَرَبَتْ إحْداهُما الأُخْرى بِمِسْطَحٍ فَقَتَلَتْها وجَنِينَها، فَقَضى النَّبِيُّ ﷺ في جَنِينِها بِغُرَّةٍ»، وأنْ تُقْتَلَ بِها. وقالَ أبُو داوُدَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ المِصِّيصِيُّ، حَدَّثَنا أبُو عاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: أنَّهُ سَمِعَ طاوُسًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ عُمَرَ: أنَّهُ سَألَ في قَضِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ فَقامَ حَمَلُ بْنُ مالِكِ بْنِ النّابِغَةِ فَقالَ: «كُنْتُ بَيْنَ امْرَأتَيْنِ، فَضَرَبَتْ إحْداهُما الأُخْرى بِمِسْطَحٍ فَقَتَلَتْها وجَنِينَها، فَقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في جَنِينِها بِغُرَّةٍ»، وأنْ تُقْتَلَ. قالَ أبُو داوُدَ: قالَ النَّضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ: المِسْطَحُ هو الصَّوْلَجُ. قالَ أبُو داوُدَ: وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: المِسْطَحُ عُودٌ مِن أعْوادِ الخِباءِ. وقالَ ابْنُ ماجَهْ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ، ثَنا أبُو عاصِمٍ، أخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: أنَّهُ سَمِعَ طاوُسًا، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ نَشَدَ النّاسَ قَضاءَ النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ (يَعْنِي في الجَنِينِ) فَقامَ حَمَلُ بْنُ مالِكِ بْنِ النّابِغَةَ فَقالَ: «كُنْتُ بَيْنَ امْرَأتَيْنِ لِي، فَضَرَبَتْ إحْداهُما الأُخْرى بِمِسْطَحٍ فَقَتَلَتْها وقَتَلَتْ جَنِينَها، فَقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الجَنِينِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ، وأنْ تُقْتَلَ بِها» . انْتَهى مِنَ السُّنَنِ الثَّلاثِ بِألْفاظِها.
وَلا يَخْفى أنَّ هَذا الإسْنادَ صَحِيحٌ، فَرِوايَةُ أبِي داوُدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ المِصِّيصِيِّ وهو ابْنُ مَسْعُودِ بْنِ يُوسُفَ النَّيْسابُورِيُّ، ويُقالُ لَهُ: المِصِّيصِيُّ أبُو جَعْفَرٍ العَجَمِيُّ نَزِيلُ طَرْسُوسَ والمِصِّيصَةِ، وهو ثِقَةٌ عارِفٌ. ورِوايَةُ ابْنِ ماجَهْ عَنْ أحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الدّارِمِيِّ، وهو ابْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرِ الدّارِمِيُّ أبُو جَعْفَرٍ، وهو ثِقَةٌ حافِظٌ، وكِلاهُما (أعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ مَسْعُودٍ المَذْكُورَ عِنْدَ أبِي داوُدَ، وأحْمَدَ بْنَ سَعِيدٍ المَذْكُورَ عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ) رَوى هَذا الحَدِيثَ عَنْ أبِي عاصِمٍ وهو الضَّحّاكُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُسْلِمٍ الشَّيْبانِيُّ، وهو أبُو عاصِمٍ النَّبِيلُ، وهو ثِقَةٌ ثَبْتٌ. والضَّحّاكُ رَواهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وهو عَبْدُ المَلِكِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ، وهو ثِقَةٌ فَقِيهٌ فاضِلٌ، وكانَ يُدَلِّسُ ويُرْسِلُ، إلّا أنَّ هَذا الحَدِيثَ صَرَّحَ فِيهِ بِالتَّحْدِيثِ والإخْبارِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ وهو ثِقَةٌ ثَبْتٌ، عَنْ طاوُسٍ وهو ثِقَةٌ فَقِيهٌ فاضِلٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ حَمْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(p-٩٢)وَأمّا رِوايَةُ النَّسائِيِّ فَهي عَنْ يُوسُفَ بْنِ سَعِيدٍ، وهو ابْنُ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ المِصِّيصِيُّ ثِقَةٌ حافِظٌ، عَنْ حَجّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وهو ابْنُ مُحَمَّدٍ المِصِّيصِيُّ الأعْوَرُ أبُو مُحَمَّدٍ التِّرْمِذِيُّ الأصْلِ نُزِيلُ بَغْدادَ ثُمَّ المِصِّيصَةِ ثِقَةٌ ثَبْتٌ، لَكِنَّهُ اخْتَلَطَ في آخِرِ عُمْرِهِ لَمّا قَدِمَ بَغْدادَ قَبْلَ مَوْتِهِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، إلى آخَرَ السَّنَدِ المَذْكُورِ عِنْدَ أبِي داوُدَ وابْنِ ماجَهْ. وهَذا الحَدِيثُ لَمْ يَخْلِطْ فِيهِ حَجّاجٌ المَذْكُورُ في رِوايَتِهِ لَهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ؛ بِدَلِيلِ رِوايَةِ أبِي عاصِمٍ لَهُ عِنْدَ أبِي داوُدَ وابْنِ ماجَهْ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ كَرِوايَةِ حَجّاجٍ المَذْكُورِ عِنْدَ النَّسائِيِّ، وأبُو عاصِمٍ ثِقَ ثَبْتٌ.
رَواهُ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّزّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وجَزَمَ بِصِحَّةِ هَذا الإسْنادِ ابْنُ حَجَرٍ في الإصابَةِ في تَرْجَمَةِ حَمَلٍ المَذْكُورِ. وقالَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ في هَذا الحَدِيثِ: وهَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ، وفِيما ذَكَرَ أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ في كِتابِ ”العِلَلِ“ قالَ: سَألْتُ مُحَمَّدًا (يَعْنِي البُخارِيَّ) عَنْ هَذا الحَدِيثِ فَقالَ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ حافِظٌ اه.
فَهَذا الحَدِيثُ نَصٌّ قَوِيٌّ في القِصاصِ في القَتْلِ بِغَيْرِ المُحَدَّدِ؛ لِأنَّ المِسْطَحُ عَمُودٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ في صِحاحِهِ: والمِسْطَحُ أيْضًا عَمُودُ الخِباءِ. قالَ الشّاعِرُ وهو مالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّصْرِيُّ:
؎تَعَرَّضُ ضَيْطارُو خُزاعَةَ دُونَنا وما خَيْرُ ضَيْطارٍ يَقْلِبُ مِسْطَحا
يَقُولُ: تَعَرَّضَ لَنا هَؤُلاءِ القَوْمُ لِيُقاتِلُونا ولَيْسُوا بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهم لا سِلاحَ مَعَهم سِوى المِسْطَحِ والضَّيْطارُ، هو الرَّجُلُ الضَّخْمُ الَّذِي لا غِناءَ عِنْدَهُ.
الرّابِعُ: ظَواهِرُ آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَدُلُّ عَلى القِصاصِ في القَتْلِ بِغَيْرِ المُحَدَّدِ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٩٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [الحج: ٦٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ﴾ الآيَةَ [الشورى: ٤١ - ٤٢] .
وَفِي المُوَطَّأِ ما نَصُّهُ: وحَدَّثَنِي يَحْيى عَنْ مالِكٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حُسَيْنٍ مَوْلى عائِشَةَ بِنْتِ قُدامَةَ: أنَّ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ أقادَ ولِيَّ رَجُلٍ مِن رَجُلٍ قَتَلَهُ بِعَصًا. فَقَتَلَهُ ولَيُّهُ (p-٩٣)بِعَصًا.
قالَ مالِكٌ: والأمْرُ المُجْتَمَعُ عَلَيْهِ الَّذِي لا اخْتِلافَ فِيهِ عِنْدَنا: أنَّ الرَّجُلَ إذا ضَرَبَ الرَّجُلَ بِعَصًا أوْ رَماهُ بِحَجَرٍ، أوْ ضَرَبَهُ عَمْدًا فَماتَ مِن ذَلِكَ؛ فَإنَّ هَذا هو العَمْدُ وفِيهِ القِصاصُ.
قالَ مالِكٌ: فَقَتْلُ العَمْدِ عِنْدَنا أنْ يَعْمِدَ الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ فَيَضْرِبُهُ حَتّى تَفِيضَ نَفْسُهُ اه مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذا القَوْلَ بِالقِصاصِ في القَتْلِ بِالمُثْقَلِ هو الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ العُلَماءِ، مِنهُمُ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ، وحَمّادٌ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وإسْحاقُ، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ، نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنَ قُدامَةَ في المُغْنِي.
وَخالَفَ في ذَلِكَ أبُو حَنِيفَةَ، والحَسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فَقالُوا: لا قِصاصَ في القَتْلِ بِالمُثْقَلِ، واحْتَجَّ لَهم بِأدِلَّةٍ:
مِنها أنَّ القِصاصَ يُشْتَرَطُ لَهُ العَمْدُ، والعَمْدُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، ولا يُعْلَمُ إلّا بِالقَرائِنِ الجازِمَةِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ، فَإنْ كانَ القَتْلُ بِآلَةِ القَتْلِ كالمُحَدَّدِ، عُلِمَ أنَّهُ عامِدُ قَتْلِهِ، وإنْ كانَ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يُعْلَمْ عُمَدُهُ لِلْقَتْلِ؛ لِاحْتِمالِ قَصْدِهِ أنْ يَشُجَّهُ أوْ يُؤْلِمَهُ مِن غَيْرِ قَصْدِ قَتْلِهِ فَيُئَوَّلُ إلى شِبْهِ العَمْدِ.
وَمِنها ما رَواهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثٍ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في جَنِينِ امْرَأةٍ مَن بَنِي لَحْيانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةِ عَبْدٍ أوْ أمَةٍ. ثُمَّ إنَّ المَرْأةَ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْها بِالغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ، فَقَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنَّ مِيراثَها لِبَنِيها وزَوْجِها، وأنَّ العَقْلَ عَلى عَصَبَتِها» .
وَفِي رِوايَةٍ: «اقْتَتَلَتِ امْرَأتانِ مِن هُذَيْلٍ؛ فَرَمَتْ إحْداهُما الأُخْرى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْها وما في بَطْنِها؛ فاخْتَصَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَضى أنَّ دِيَةَ جَنِينِها غُرَّةُ عَبْدٍ أوْ ولِيدَةٍ، وقَضى بِدِيَةِ المَرْأةِ عَلى عاقِلَتِها» .
قالُوا: فَهَذا حَدِيثٌ مُتَّفِقٌ عَلَيْهِ، يَدُلُّ عَلى عَدَمِ القِصاصِ في القَتْلِ بِغَيْرِ المُحَدَّدِ؛ لِأنَّ رِواياتِ هَذا الحَدِيثِ تَدُلُّ عَلى القَتْلِ بِغَيْرِ مُحَدَّدٍ؛ لِأنَّ في بَعْضِها أنَّها قَتَلَتْها بِعَمُودٍ، وفي بَعْضِها أنَّها قَتَلَتْها بِحَجَرٍ.
وَمِنها ما رُوِيَ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وعَلِيٍّ، وأبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم مَرْفُوعًا: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا قَوْدَ إلّا بِحَدِيدَةٍ» . وفي بَعْضِ رِواياتِهِ: ”كُلُّ شَيْءٍ (p-٩٤)خَطَأٌ إلّا السَّيْفَ، ولِكُلِّ خَطَأٍ أرْشٌ“ .
وَقَدْ حاوَلَ بَعْضُ مَن نَصَرَ هَذا القَوْلَ مِنَ الحَنَفِيَّةِ رَدَّ حُجَجِ مُخالِفِيهِمْ، فَزَعَمَ أنَّ رَضَّ النَّبِيِّ ﷺ رَأْسَ اليَهُودِيِّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ إنَّما وقَعَ بِمُجَرَّدِ دَعْوى الجارِيَةِ الَّتِي قَتَلَها. وأنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ مَعْرُوفًا بِالإفْسادِ في الأرْضِ؛ ولِذَلِكَ فَعَلَ بِهِ ﷺ ما فَعَلَ.
وَرَدُّ رِوايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ المُتَقَدِّمَةِ بِأنَّها مُخالَفَةٌ لِلرِّواياتِ الثّابِتَةِ في صَحِيحِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ وغَيْرِهِما: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضى بِالدِّيَةِ عَلى عاقِلَةِ المَرْأةِ لا بِالقِصاصِ» .
قالَ البَيْهَقِيُّ في (السُّنَنِ الكُبْرى) بَعْدَ أنْ ذَكَرَ صِحَّةَ إسْنادِ الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِالقِصاصِ مِنَ المَرْأةِ الَّتِي قَتَلَتِ الأُخْرى بِمِسْطَحٍ كَما تَقَدَّمَ ما نَصُّهُ: إلّا أنَّ في لَفْظِ الحَدِيثِ زِيادَةً لَمْ أرَها في شَيْءٍ مِن طُرُقِ هَذا الحَدِيثِ، وهي قَتْلُ المَرْأةِ بِالمَرْأةِ، وفي حَدِيثِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْصُولًا، وحَدِيثِ ابْنِ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ مُرْسَلًا، وحَدِيثِ جابِرٍ وأبِي هُرَيْرَةَ مَوْصُولًا ثابِتًا أنَّهُ قَضى بِدِيَتِها عَلى العاقِلَةِ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ البَيْهَقِيِّ بِلَفْظِهِ.
وَذَكَرَ البَيْهَقِيُّ أيْضًا: أنَّ عَمْرَو بْنَ دِينارٍ رُوجِعَ في هَذا الحَدِيثِ بِأنَّ ابْنَ طاوُسٍ رَواهُ عَنْ أبِيهِ عَلى خِلافِ رِوايَةِ عَمْرٍو، فَقالَ لِلَّذِي راجِعْهُ: شَكَّكْتَنِي.
وَأُجِيبَ مِن قِبَلِ الجُمْهُورِ عَنْ هَذِهِ الِاحْتِجاجاتِ: بِأنَّ رَضَّهُ رَأْسَ اليَهُودِيِّ قِصاصٌ؛ فَفي رِوايَةٍ ثابِتَةٍ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ النَّبِيَّ لَمْ يَقْتُلْهُ حَتّى اعْتَرَفَ بِأنَّهُ قَتَلَ الجارِيَةَ؛ فَهو قَتْلُ قِصاصٍ بِاعْتِرافِ القاتِلِ، وهو نَصٌّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، صَرِيحٌ في مَحَلِّ النِّزاعِ، ولا سِيَّما عِنْدَ مَن يَقُولُ بِاسْتِواءِ دَمِ المُسْلِمِ والكافِرِ كالذِّمِّيِّ؛ كَأبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَأجابُوا عَنْ كَوْنِ العَمْدِ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، وأنَّهُ لا يُعْلَمُ كَوْنُهُ عامِدًا إلّا إذا ضَرَبَ بِالآلَةِ المَعْهُودَةِ لِلْقَتْلِ بِأنَّ المُثْقَلَ كالعَمُودِ والصَّخْرَةِ الكَبِيرَةِ مِن آلاتِ القَتْلِ كالسَّيْفِ؛ لِأنَّ المَشْدُوخَ رَأْسُهُ بِعَمُودٍ أوْ صَخْرَةٍ كَبِيرَةٍ يَمُوتُ مِن ذَلِكَ حالًا عادَةً كَما يَمُوتُ المَضْرُوبُ بِالسَّيْفِ، وذَلِكَ يَكْفِي مِنَ القَرِينَةِ عَلى قَصْدِ القَتْلِ.
وَأجابُوا عَمّا ثَبَتَ مِن قَضاءِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى عاقِلَةِ المَرْأةِ القاتِلَةِ بِعَمُودٍ أوْ حَجَرٍ بِالدِّيَةِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مُعارَضٌ بِالرِّوايَةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي قَدَّمْناها عِنْدَ أبِي داوُدَ، والنَّسائِيِّ، وابْنِ (p-٩٥)ماجَهْ مِن حَدِيثِ حَمَلِ بْنِ مالِكٍ وهو كَصاحِبِ القِصَّةِ. لِأنَّ القاتِلَةَ والمَقْتُولَةَ زَوْجَتاهُ مِن كَوْنِهِ ﷺ قَضى فِيها بِالقِصاصِ لا بِالدِّيَةِ.
الثّانِي: ما ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ، قالَ: وهَذا مَحْمُولٌ عَلى حَجَرٍ صَغِيرٍ وعَمُودٍ صَغِيرٍ لا يُقْصَدُ بِهِ القَتْلُ غالِبًا، فَيَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ عَلى العاقِلَةِ، ولا يَجُبْ فِيهِ قِصاصٌ ولا دِيَةٌ عَلى الجانِي، وهَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ والجَماهِيرِ اه كَلامُ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وهَذا الجَوابُ غَيْرُ وجِيهٍ عِنْدِي؛ لِأنَّ في بَعْضِ الرِّواياتِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحِ: أنَّها قُتِلَتْ بِعَمُودِ فُسْطاطٍ، وحِمْلُهُ عَلى الصَّغِيرِ الَّذِي لا يَقْتُلُ غالِبًا بَعِيدٌ.
الثّالِثُ: هو ما ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ مِن أنَّ مِثْلَ هَذِهِ المَرْأةِ لا تَقْصِدُ غالِبًا قَتْلَ الأُخْرى، قالَ ما نَصُّهُ:
وَأجابَ مَن قالَ بِهِ - يَعْنِي القِصاصَ في القَتْلِ بِالمُثْقَلِ - بِأنَّ عَمُودَ الفُسْطاطِ يَخْتَلِفُ بِالكِبَرِ والصِّغَرِ، بِحَيْثُ يَقْتُلُ بَعْضُهُ غالِبًا ولا يَقْتُلُ بَعْضُهُ غالِبًا، وطَرْدُ المُماثِلَةِ في القِصاصِ إنَّما يُشْرَعُ فِيما إذا وقَعَتِ الجِنايَةُ بِما يَقْتُلُ غالِبًا.
وَفِي هَذا الجَوابِ نَظَرٌ، فَإنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ إنَّما لَمْ يَجِبْ فِيهِ القَوْدُ لِأنَّها لَمْ يَقْصِدْ مِثْلُها وشَرْطُ القَوْدِ العَمْدُ، وهَذا إنَّما هو شِبْهُ العَمْدِ، فَلا حُجَّةَ فِيهِ لِلْقَتْلِ بِالمُثْقَلِ ولا عَكْسِهِ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ حَجَرٍ بِلَفْظِهِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: والدَّلِيلُ القاطِعُ عَلى أنَّ قَتْلَ هَذِهِ المَرْأةِ لِضَرَّتِها خَطَأٌ في القَتْلِ شِبْهُ عَمْدٍ؛ لِقَصْدِ الضَّرْبِ دُونَ القَتْلِ بِما لا يَقْتُلُ غالِبًا، تَصْرِيحُ الرِّواياتِ المُتَّفَقِ عَلَيْها بِأنَّهُ ﷺ جَعَلَ الدِّيَةَ عَلى العاقِلَةِ، والعاقِلَةُ لا تَحْمِلُ العَمْدَ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ.
وَأجابُوا عَنْ حَدِيثِ: «لا قَوْدَ إلّا بِحَدِيدَةٍ» بِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ.
قالَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ بَعْدَ أنْ ساقَ طُرُقَهُ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ، وأبِي بَكْرَةَ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ما نَصُّهُ:
وَهَذا الحَدِيثُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ إسْنادٌ فَعَلِيُّ بْنُ هِلالٍ الطَّحّانُ مَتْرُوكٌ، وسُلَيْمانُ بْنُ أرْقَمَ ضَعِيفٌ، ومُبارَكُ بْنُ فَضالَةَ لا يُحْتَجُّ بِهِ، وجابِرُ بْنُ يَزِيدَ الجُعْفِيُّ مَطْعُونٌ فِيهِ اه.
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ ”في فَتْحِ البارِي في بابِ إذا قُتِلَ بِحَجَرٍ أوْ عَصا“ ما نَصُّهُ:
(p-٩٦)وَخالَفَ الكُوفِيُّونَ فاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ «لا قَوْدَ إلّا بِالسَّيْفِ» وهو حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أخْرَجَهُ البَزّارُ، وابْنُ عَدِيٍّ مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ، وذَكَرَ البَزّارُ الِاخْتِلافَ فِيهِ مَعَ ضَعْفِ إسْنادِهِ: وقالَ ابْنُ عَدِيٍّ: طُرُقُهُ كُلُّها ضَعِيفَةٌ، وعَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَإنَّهُ عَلى خِلافِ قاعِدَتِهِمْ في: أنَّ السُّنَّةَ لا تَنْسَخُ الكِتابَ ولا تُخَصِّصُهُ.
واحْتَجُّوا أيْضًا بِالنَّهْيِ عَنِ المُثْلَةِ، وهو صَحِيحٌ ولَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ عَلى غَيْرِ المُثْلَةِ في القِصاصِ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ. انْتَهى الغَرَضُ مِن كَلامِ ابْنِ حَجَرٍ بِلَفْظِهِ.
وَقالَ العَلّامَةُ الشَّوْكانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في ”نَيْلِ الأوْطارِ“ ما نَصُّهُ:
وَذَهَبَتِ العِتْرَةُ والكُوفِيُّونَ، ومِنهم أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ إلى أنَّ الِاقْتِصاصَ لا يَكُونُ إلّا بِالسَّيْفِ، واسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ، والبَزّارِ، والطَّحاوِيِّ، والطَّبَرانِيِّ، والبَيْهَقِيِّ، بِألْفاظٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنها «لا قَوْدَ إلّا بِالسَّيْفِ» . وأخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ أيْضًا، والبَزّارُ، والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ، وأخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ. وأخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ، وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، والطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ مُرْسَلًا.
وَهَذِهِ الطُّرُقُ كُلُّها لا تَخْلُو واحِدَةٌ مِنها مِن ضَعِيفٍ أوْ مَتْرُوكٍ، حَتّى قالَ أبُو حاتِمٍ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. وقالَ عَبْدُ الحَقِّ وابْنُ الجَوْزِيِّ: طُرُقُهُ كُلُّها ضَعِيفَةٌ. وقالَ البَيْهَقِيُّ: لَمْ يَثْبُتْ لَهُ إسْنادٌ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ الشَّوْكانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
وَلا شَكَّ في ضَعْفِ هَذا الحَدِيثِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ بِالحَدِيثِ. وقَدْ حاوَلَ الشَّيْخُ ابْنُ التُّرْكُمانِيِّ تَقْوِيَتَهُ في ”حاشِيَتِهِ عَلى سُنَنِ البَيْهَقِيِّ“ بِدَعْوى تَقْوِيَةِ جابِرِ بْنِ يَزِيدَ الجُعْفِيِّ، ومُبارَكِ بْنِ فَضالَةَ، مَعَ أنَّ جابِرًا ضَعِيفٌ رافِضِيٌّ، ومُبارَكٌ يُدَلِّسُ تَدْلِيسَ التَّسْوِيَةِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَقْتَضِي الدَّلِيلُ رُجْحانَهُ عِنْدِي: هو القِصاصُ مُطْلَقًا في القَتْلِ عَمْدًا بِمُثْقَلٍ كانَ أوْ بِمُحَدَّدٍ، لِما ذَكَرْنا مِنَ الأدِلَّةِ، ولِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٧٩]؛ لِأنَّ القاتِلَ بِعَمُودٍ أوْ صَخْرَةٍ كَبِيرَةٍ إذا عَلِمَ أنَّهُ لا يُقْتَصُّ مِنهُ جَرَّأهُ ذَلِكَ عَلى القَتْلِ، فَتَنْتَفِي بِذَلِكَ الحِكْمَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ الآيَةَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: جُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ السُّلْطانَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ لِوَلِيِّ المَقْتُولِ ظُلْمًا يَسْتَلْزِمُ الخِيارَ بَيْنَ ثَلاثَةِ أشْياءَ: وهي القِصاصُ، والعَفْوُ عَلى الدِّيَةِ جَبْرًا عَلى (p-٩٧)الجانِي، والعَفْوُ مَجّانًا في غَيْرِ مُقابِلٍ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ.
قالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ: وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وابْنُ سِيرِينَ وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وأبُو ثَوْرٍ، وعَزاهُ ابْنُ حَجَرٍ في الفَتْحِ إلى الجُمْهُورِ.
وَخالَفَ في ذَلِكَ مالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، فَقالُوا: لَيْسَ لِلْوَلِيِّ إلّا القِصاصُ، أوِ العَفْوُ مَجّانًا، فَلَوْ عَفا عَلى الدِّيَةِ، وقالَ الجانِي: لا أرْضى إلّا القَتْلَ، أوِ العَفْوَ مَجّانًا، ولا أرْضى الدِّيَةَ، فَلَيْسَ لِوَلِيِّ المَقْتُولِ إلْزامُهُ الدِّيَةَ جَبْرًا.
واعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ الخِيارَ لِلْوَلِيِّ بَيْنَ القِصاصِ والدِّيَةِ اخْتَلَفُوا في عَيْنِ ما يُوجِبُهُ القَتْلُ عَمْدًا إلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القَوْدُ فَقَطْ؛ وعَلَيْهِ فالدِّيَةُ بَدَلٌ مِنهُ. والثّانِي: أنَّهُ أحَدُ شَيْئَيْنِ: هُما القِصاصُ والدِّيَةُ.
وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ هَذا الخِلافِ فِيما لَوْ عَفا عَنِ الجانِي عَفْوًا مُطْلَقًا، لَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ بِإرادَةِ الدِّيَةِ ولا العَفْوِ عَنْها. فَعَلى أنَّ الواجِبَ عَيْنًا القِصاصُ فَإنَّ الدِّيَةَ تَسْقُطُ بِالعَفْوِ المُطْلَقِ، وعَلى أنَّ الواجِبَ أحَدُ الأمْرَيْنِ فَإنَّ الدِّيَةَ تَلْزَمُ مَعَ العَفْوِ المُطْلَقِ. أمّا لَوْ عَفا عَلى الدِّيَةِ فَهي لازِمَةٌ، ولَوْ لَمْ يَرْضَ الجانِي عِنْدَ أهْلِ هَذا القَوْلِ، والخِلافُ المَذْكُورُ رِوايَتانِ عَنِ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ رَحِمَهُما اللَّهُ.
واحْتَجَّ مَن قالَ: بِأنَّ الخِيارَ بَيْنَ القِصاصِ والدِّيَةِ لِوَلِيِّ المَقْتُولِ بِقَوْلِهِ ﷺ: «مَن قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهو بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إمّا أنْ يُفْدى، وإمّا أنْ يَقْتُلَ» أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ، والإمامُ أحْمَدُ، وأصْحابُ السُّنَنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ لَكِنَّ لَفْظَ التِّرْمِذِيِّ: «إمّا أنْ يَقْتُلَ وإمّا أنْ يَعْفُوَ» . ومَعْنى ”يُفْدى“ في بَعْضِ الرِّواياتِ، ”وَيُودى“ في بَعْضِها: يَأْخُذُ الفِداءَ بِمَعْنى الدِّيَةِ. وقَوْلُهُ ”يَقْتُلُ“ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ: أيْ يَقْتُلُ قاتِلَ ولَيِّهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences