Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:33, continued
قالُوا: فَهَذا الحَدِيثُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ نَصٌّ في مَحَلِّ النِّزاعِ، مُصَرِّحٌ بِأنْ ولِيَّ المَقْتُولِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ القِصاصِ وأخْذِ الدِّيَةِ، وأنَّ لَهُ إجْبارَ الجانِي عَلى أيِّ الأمْرَيْنِ شاءَ، وهَذا الدَّلِيلُ قَوِيٌّ دَلالَةً ومَتْنًا كَما تَرى.
واحْتَجُّوا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]، قالُوا: إنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا رَتَّبَ الِاتِّباعَ بِالدِّيَةِ بِالفاءِ عَلى العَفْوِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ الآيَةَ، وذَلِكَ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّهُ بِمُجَرَّدِ العَفْوِ تَلْزَمُ الدِّيَةُ، وهو دَلِيلٌ قُرْآنِيٌّ قَوِيٌّ أيْضًا.
(p-٩٨)واحْتَجَّ بَعْضُ العُلَماءِ لِلْمُخالِفِينَ في هَذا؛ كَمالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُما اللَّهُ بِأدِلَّةٍ، مِنها ما قالَهُ الطَّحاوِيُّ: وهو أنَّ الحُجَّةَ لَهم حَدِيثُ أنَسٍ في قِصَّةِ الرَّبِيعِ عَمَّتِهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كِتابُ اللَّهِ القِصاصُ»، فَإنَّهُ حَكَمَ بِالقِصاصِ ولَمْ يُخَيِّرْ، ولَوْ كانَ الخِيارُ لِلْوَلِيِّ لِأعْلَمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ؛ إذْ لا يَجُوزُ لِلْحاكِمِ أنْ يَتَحَكَّمَ لِمَن ثَبَتَ لَهُ أحَدُ شَيْئَيْنِ بِأحَدِهِما مِن قَبْلِ أنْ يُعْلِمَهُ بِأنَّ الحَقَّ لَهُ في أحَدِهِما، فَلَمّا حَكَمَ بِالقِصاصِ وجَبَ أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ»، أيْ ولِيُّ المَقْتُولِ مُخَيَّرٌ بِشَرْطِ أنْ يَرْضى الجانِي أنْ يُغَرَّمَ الدِّيَةَ اه.
وَتَعَقَّبَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ احْتِجاجَ الطَّحاوِيِّ هَذا بِما نَصُّهُ: وتَعَقَّبَ بِأنَّ قَوْلَهُ ﷺ: «كِتابُ اللَّهِ القِصاصُ» إنَّما وقَعَ عِنْدَ طَلَبِ أوْلِياءِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ في العَمْدِ القَوْدَ، فاعْلَمْ أنَّ الكِتابَ اللَّهِ نَزَلَ عَلى أنَّ المَجْنِيَّ إذا طَلَبَ القَوْدَ أُجِيبَ إلَيْهِ؛ ولَيْسَ فِيما ادَّعاهُ مِن تَأْخِيرِ البَيانِ.
الثّانِي: ما ذَكَرَهُ الطَّحاوِيُّ أيْضًا: مِن أنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ الوَلِيَّ لَوْ قالَ لِلْقاتِلِ: رَضِيتُ أنْ تُعْطِيَنِي كَذا عَلى ألّا أقْتُلَكَ. أنَّ القاتِلَ لا يُجْبَرُ عَلى ذَلِكَ، ولا يُؤْخَذُ مِنهُ كَرْهًا، وإنْ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَحْقِنَ دَمَ نَفْسِهِ.
الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ ﷺ في الحَدِيثِ المَذْكُورِ ”«فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ» . .“ الحَدِيثُ جارٍ مَجْرى الغالِبِ فَلا مَفْهُومَ مُخالَفَةٍ لَهُ، وقَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ: أنَّ النَّصَّ إذا جَرى عَلى الغالِبِ لا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومُ مُخالَفَةٍ لَهُ، لِاحْتِمالِ قَصْدِ نَفْسِ الأغْلَبِيَّةِ دُونَ قَصْدِ إخْراجِ المَفْهُومِ عَنْ حُكْمِ المَنطُوقِ. ولِذا لَمْ يَعْتَبِرْ جُمْهُورُ العُلَماءِ مَفْهُومَ المُخالَفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللّاتِي في حُجُورِكُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٣]؛ لِجَرْيِهِ عَلى الغالِبِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في هَذا الكِتابِ المُبارَكِ مِرارًا.
وَإيضاحُ ذَلِكَ في الحَدِيثِ أنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ: «فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ» أنَّ الجانِيَ لَوِ امْتَنَعَ مِن قَبُولِ الدِّيَةِ وقَدَّمَ نَفْسَهُ لِلْقَتْلِ مُمْتَنِعًا مِن إعْطاءِ الدِّيَةِ، أنَّهُ يُجْبَرُ عَلى إعْطائِها؛ لِأنَّ هَذا أحَدُ النَّظَرَيْنِ اللَّذَيْنِ خَيَّرَ الشّارِعُ ولِيَّ المَقْتُولِ بَيْنَهُما، والغالِبُ أنَّ الإنْسانَ يُقَدِّمُ نَفْسَهُ عَلى مالِهِ فَيَفْتَدِي بِمالِهِ مِنَ القَتْلِ. وجَرَيانُ الحَدِيثِ عَلى هَذا الأمْرِ الغالِبِ يَمْنَعُ مِنَ اعْتِبارِ مَفْهُومِ مُخالَفَتِهِ كَما ذَكَرَهُ أهْلُ الأُصُولِ، وعَقَدَهُ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ في مَوانِعِ اعْتِبارِ دَلِيلِ الخِطابِ، أعْنِي مَفْهُومَ المُخالَفَةِ:(p-٩٩)
؎أوْ جَهْلُ الحُكْمِ أوِ النُّطْقِ انْجَلَبَ لِلسُّؤْلِ أوْ جَرى عَلى الَّذِي غَلَبَ
وَمَحَلُّ الشّاهِدِ قَوْلُهُ: ”أوْ جَرى عَلى الَّذِي غَلَبَ“ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي احْتَجُّوا بِها.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي رُجْحانُهُ بِالدَّلِيلِ في هَذِهِ المَسْألَةِ: أنْ ولِيَّ المَقْتُولِ هو المُخَيَّرُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَلَوْ أرادَ الدِّيَةَ وامْتَنَعَ الجانِي فَلَهُ إجْبارُهُ عَلى دَفْعِها؛ لِدَلالَةِ الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَلى ذَلِكَ، ودَلالَةِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ، ولِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٩]، ويَقُولُ: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] .
وَمِنَ الأمْرِ الواضِحِ أنَّهُ إذا أرادَ إهْلاكَ نَفْسِهِ صَوْنًا لِمالِهِ لِلْوارِثِ: أنَّ الشّارِعَ يَمْنَعُهُ مِن هَذا التَّصَرُّفِ الزّائِغِ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، ويُجْبِرُهُ عَلى صَوْنِ دَمِهِ بِمالِهِ.
وَما احْتَجَّ بِهِ الطَّحاوِيُّ مِنَ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ لَوْ قالَ لَهُ: أعْطِنِي كَذا عَلى ألّا أقْتُلَكَ لا يُجْبَرُ عَلى ذَلِكَ، يُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ لَوْ قالَ: أعْطِنِي الدِّيَةَ المُقَرَّرَةَ في قَتْلِ العَمْدِ فَإنَّهُ يُجْبَرُ عَلى ذَلِكَ؛ لِنَصِّ الحَدِيثِ والآيَةِ المَذْكُورَيْنِ.
وَلَوْ قالَ لَهُ: أعْطِنِي كَذا غَيْرَ الدِّيَةِ لَمْ يُجْبَرْ، لِأنَّهُ طَلَبٌ غَيْرُ الشَّيْءِ الَّذِي أوْجَبَهُ الشّارِعُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: جُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ القَتْلَ لَهُ ثَلاثُ حالاتٍ:
الأُولى: العَمْدُ، وهو الَّذِي فِيهِ السُّلْطانُ المَذْكُورُ في الآيَةِ كَما قَدَّمْنا.
والثّانِيَةُ: شِبْهُ العَمْدِ. والثّالِثَةُ: الخَطَأُ.
وَمِمَّنْ قالَ بِهَذا الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ: أبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ، والشّافِعِيُّ. ونَقَلَهُ في المُغْنِي عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، والشَّعْبِيِّ والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ وحَمّادٍ، وأهْلِ العِراقِ والثَّوْرِيِّ، وغَيْرِهِمْ.
وَخالَفَ الجُمْهُورَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقالَ: القَتْلُ لَهُ حالَتانِ فَقَطْ. الأُولى: العَمْدُ، والثّانِيَةُ الخَطَأُ. وما يُسَمِّيهِ غَيْرُهُ شِبْهُ العَمْدِ جَعَلَهُ مِنَ العَمْدِ. واسْتَدَلَّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ في كِتابِهِ العَزِيزِ واسِطَةً بَيْنَ العَمْدِ والخَطَأِ، بَلْ (p-١٠٠)ظاهِرُ القُرْآنِ أنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما، كَقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٩٢]، ثُمَّ قالَ في العَمْدِ: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ﴾ الآيَةَ [النساء: ٩٣]، فَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَ الخَطَأِ والعَمْدِ واسِطَةً، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٥]، فَلَمْ يَجْعَلْ فِيها بَيْنَ الخَطَأِ والعَمْدِ واسِطَةً وإنْ كانَتْ في غَيْرِ القَتْلِ.
واحْتَجَّ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ هُناكَ واسِطَةً بَيْنَ الخَطَأِ المَحْضِ، والعَمْدِ المَحْضِ، تُسَمّى خَطَأ شِبْهِ عَمْدٍ بِأمْرَيْنِ:
الأوَّلُ أنَّ هَذا هو عَيْنُ الواقِعِ في نَفْسِ الأمْرِ؛ لِأنَّ مَن ضَرَبَ بِعَصًا صَغِيرَةٍ أوْ حَجَرٍ صَغِيرٍ لا يَحْصُلُ بِهِ القَتْلُ غالِبًا، وهو قاصِدٌ لِلضَّرْبِ مُعْتَقِدًا أنَّ المَضْرُوبَ لا يَقْتُلُهُ ذَلِكَ الضَّرْبُ، فَفِعْلُهُ هَذا شِبْهُ العَمْدِ مِن جِهَةِ قَصْدِهِ أصْلَ الضَّرْبِ وهو خَطَأٌ في القَتْلِ، لِأنَّهُ ما كانَ يَقْصِدُ القَتْلَ، بَلْ وقَعَ القَتْلُ مِن غَيْرِ قَصْدِهِ إيّاهُ.
والثّانِي: حَدِيثٌ دَلَّ عَلى ذَلِكَ، وهو ما رَواهُ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ ومُسَدَّدٌ - المَعْنى - قالا: حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ خالِدٍ، عَنِ القاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ مُسَدَّدٌ: «خَطَبَ يَوْمَ الفَتْحِ بِمَكَّةَ، فَكَبَّرَ ثَلاثًا ثُمَّ قالَ: " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ، صَدَقَ وعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ (إلى ها هُنا حَفِظْتُهُ عَنْ مُسَدَّدٍ، ثُمَّ اتَّفَقا): ألا إنَّ كُلَّ مَأْثُرَةٍ كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ تُذْكَرُ وتُدْعى مِن دَمٍ أوْ مالٍ تَحْتَ قَدَمَيَّ، إلّا ما كانَ مِن سِقايَةِ الحاجِّ أوْ سَدانَةِ البَيْتِ - ثُمَّ قالَ - ألا إنَّ دِيَةِ الخَطَأِ شِبْهَ العَمْدِ ما كانَ بِالسَّوْطِ والعَصا مِائَةً مِنَ الإبِلِ، مِنها أرْبَعُونَ في بُطُونِها أوْلادُها»، وحَدِيثُ مُسَدَّدٍ أتَمُّ.
حَدَّثَنا مُوسى بْنُ إسْماعِيلَ، ثَنا وُهَيْبٌ، عَنْ خالِدٍ بِهَذا الإسْنادِ نَحْوَ مَعْناهُ.
حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، ثَنا عَبْدُ الوارِثِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ القاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَعْناهُ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ - أوْ فَتْحِ مَكَّةَ - عَلى دَرَجَةِ البَيْتِ أوِ الكَعْبَةِ» .
قالَ أبُو داوُدَ: كَذا رَواهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ أيْضًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ القاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(p-١٠١)وَرَواهُ أيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ، عَنِ القاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، ومِثْلُ حَدِيثِ خالِدٍ رَواهُ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ يَعْقُوبَ السَّدُوسِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ اه مَحَلُّ الغَرَضِ مِن سُنَنِ أبِي داوُدَ.
وَأخْرَجَ النَّسائِيُّ نَحْوَهُ، وذَكَرَ الِاخْتِلافَ عَلى أيُّوبَ في حَدِيثِ القاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ فِيهِ، وذَكَرَ الِاخْتِلافَ عَلى خالِدٍ الحَذّاءِ فِيهِ وأطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ، وقَدْ تَرَكْنا لَفْظَ كَلامِهِ لِطُولِهِ.
وَقالَ ابْنُ ماجَهْ رَحِمَهُ اللَّهُ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قالا: حَدَّثْنا شُعْبَةُ، عَنْ أيُّوبَ: سَمِعْتُ القاسِمَ بْنَ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «قَتِيلُ الخَطَأِ شِبْهِ العَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ والعَصا مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ: أرْبَعُونَ مِنها خِلْفَةٌ في بُطُونِها أوْلادُها» .
حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، ثَنا سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ، ثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ خالِدٍ الحَذّاءِ، عَنِ القاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.
حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ، ثَنا سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُدْعانَ، سَمِعَهُ مِنَ القاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قامَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وهو عَلى دَرَجِ الكَعْبَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، فَقالَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ، ألا إنَّ قَتِيلَ الخَطَأِ قَتِيلُ السَّوْطِ والعَصا فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ: مِنها أرْبَعُونَ خِلْفَةً في بُطُونِها أوْلادُها»“ . اه.
وَساقَ البَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ طُرُقَ هَذا الحَدِيثِ، وقالَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الرِّوايَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ الَّتِي في إسْنادِها عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ: أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحافِظُ قالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إسْماعِيلَ السُّكَّرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ يَقُولُ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ المُزَنِيَّ يَوْمًا، وسَألَهُ سائِلٌ مِنَ العِراقِيِّينَ عَنْ شِبْهِ العَمْدِ، فَقالَ السّائِلُ: إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى وصَفَ القَتْلَ في كِتابِهِ صِفَتَيْنِ: عَمْدًا وخَطَأً، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ ؟ ولِمَ قُلْتُمْ شِبْهَ العَمْدِ ؟
فاحْتَجَّ المُزَنِيُّ بِهَذا الحَدِيثِ فَقالَ لَهُ مُناظِرُهُ: أتَحْتَجُّ بِعَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ ؟ فَسَكَتَ المُزَنِيُّ فَقُلْتُ لِمُناظِرِهِ: قَدْ رَوى هَذا الخَبَرَ غَيْرُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ. فَقالَ: ومَن رَواهُ غَيْرُ عَلِيٍّ ؟ قُلْتُ: رَواهُ أيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ وخالِدٌ الحَذّاءُ. قالَ لِي: فَمَن عُقْبَةُ بْنُ أوْسٍ ؟ فَقُلْتُ: عُقْبَةُ بْنُ أوْسٍ رَجُلٌ مِن أهْلِ البَصْرَةِ، وقَدْ رَواهُ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ مَعَ جَلالَتِهِ. فَقالَ (p-١٠٢)لِلْمُزَنِيِّ: أنْتَ تُناظِرُ أوْ هَذا ؟ فَقالَ: إذا جاءَ الحَدِيثُ فَهو يُناظِرُ. لِأنَّهُ أعْلَمُ بِالحَدِيثِ مِنِّي، ثُمَّ أتَكَلَّمُ أنا، اه. ثُمَّ شَرَعَ البَيْهَقِيُّ يَسُوقُ طُرُقَ الحَدِيثِ المَذْكُورِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى مَعْرِفَةٍ بِالأسانِيدِ أنَّ الحَدِيثَ ثابِتٌ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، وأنَّ الرِّوايَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وهْمٌ، وآفَتُها مِن عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ، لِأنَّهُ ضَعِيفٌ.
والمَعْرُوفُ في عُلُومِ الحَدِيثِ: أنَّ الحَدِيثَ إذا جاءَ صَحِيحًا مَن وجْهٍ لا يُعَلُّ بِإتْيانِهِ مِن وجْهٍ آخَرَ غَيْرِ صَحِيحٍ، والقِصَّةُ الَّتِي ذَكَرَها البَيْهَقِيُّ في مُناظَرَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ لِلْعِراقِيِّ الَّذِي ناظَرَ المُزَنِيَّ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الِاحْتِجاجِ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: إذا عَرَفْتَ الِاخْتِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ في حالاتِ القَتْلِ: هَلْ هي ثَلاثٌ، أوِ اثْنَتانِ ؟ وعَرَفْتَ حُجَجَ الفَرِيقَيْنِ فاعْلَمْ أنَّ الَّذِي يَقْتَضِي الدَّلِيلُ رُجْحانَهُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ مِن أنَّها ثَلاثُ حالاتٍ: عَمْدٌ مَحْضٌ، وخَطَأٌ مَحْضٌ، وشِبْهُ عَمْدٍ، لِدَلالَةِ الحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنا عَلى ذَلِكَ، ولِأنَّهُ ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ مِن عُلَماءِ المُسْلِمِينَ. والحَدِيثُ إنَّما أثْبَتَ شَيْئًا سَكَتَ عَنْهُ القُرْآنُ، فَغايَةُ ما في البابِ زِيادَةُ أمْرٍ سَكَتَ عَنْهُ القُرْآنُ بِالسُّنَّةِ، وذَلِكَ لا إشْكالَ فِيهِ عَلى الجارِي عَلى أُصُولِ الأئِمَّةِ إلّا أبا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ المُقَرَّرَ في أُصُولِهِ أنَّ الزِّيادَةَ عَلى النَّصِّ نَسْخٌ، وأنَّ المُتَواتِرَ لا يُنْسَخُ بِالآحادِ، كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ . ولَكِنَّ الإمامَ أبا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وافَقَ الجُمْهُورَ في هَذِهِ المَسْألَةِ، خِلافًا لِمالِكٍ كَما تَقَدَّمَ.
فَإذا تَقَرَّرَ ما ذَكَرْنا مِن أنَّ حالاتِ القَتْلِ ثَلاثٌ، فاعْلَمْ أنَّ العَمْدَ المَحْضَ فِيهِ القِصاصُ. وقَدْ قَدَّمْنا حُكْمَ العَفْوِ فِيهِ. والخَطَأُ شِبْهُ العَمْدِ. والخَطَأُ المَحْضُ فِيهِما الدِّيَةُ عَلى العاقِلَةِ.
* *
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في أسْنانِ الدِّيَةِ فِيهِما، وسَنُبَيِّنُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مَقادِيرَ الدِّيَةِ في العَمْدِ المَحْضِ إذا وقَعَ العَفْوُ عَلى الدِّيَةِ، وفي شِبْهِ العَمْدِ، وفي الخَطَأِ المَحْضِ.
اعْلَمْ أنَّ الجُمْهُورَ عَلى أنَّ الدِّيَةَ في العَمْدِ المَحْضِ وشِبْهِ العَمْدِ سَواءٌ، واخْتَلَفُوا في أسْنانِها فِيهِما، فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّها تَكُونُ أرْباعًا: خَمْسٌ وعِشْرُونَ بِنْتَ مَخاضٍ، وخَمْسٌ وعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وخَمْسٌ وعِشْرُونَ حِقَّةً، وخَمْسٌ وعِشْرُونَ جَذَعَةً.
(p-١٠٣)وَهَذا هو مَذْهَبُ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ، والرِّوايَةُ المَشْهُورَةُ عَنْ أحْمَدَ، وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، ورَبِيعَةَ، وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ، ويُرْوى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدامَةَ في المُغْنِي.
وَذَهَبَتْ جَماعَةٌ أُخْرى إلى أنَّها ثَلاثُونَ حِقَّةً، وثَلاثُونَ جَذَعَةً، وأرْبَعُونَ في بُطُونِها أوْلادُها.
وَهَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وزَيْدٍ، وأبِي مُوسى، والمُغِيرَةِ. ورَواهُ جَماعَةٌ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي يَقْتَضِي الدَّلِيلُ رُجْحانَهُ. لِما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ عِنْدَ أبِي داوُدَ، والنَّسائِيِّ، وابْنِ ماجَهْ: مِن أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مِنها أرْبَعُونَ خِلْفَةً في بُطُونِها أوْلادُها»، وبَعْضُ طُرُقِهِ صَحِيحٌ كَما تَقَدَّمَ.
وَقالَ البَيْهَقِيُّ في بَيانِ السِّتِّينَ الَّتِي لَمَّ يَتَعَرَّضُ لَها هَذا الحَدِيثُ: (بابُ صِفَةِ السِّتِّينَ الَّتِي مَعَ الأرْبَعِينَ) ثُمَّ ساقَ أسانِيدَهُ عَنْ عُمَرَ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، والمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وعَلِيٍّ في إحْدى رِوايَتَيْهِ عَنْهُ أنَّها ثَلاثُونَ حِقَّةً، وثَلاثُونَ جَذَعَةً.
وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في المُغْنِي مُسْتَدِلًّا لِهَذا القَوْلِ: ودَلِيلُهُ هو ما رَواهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَن قَتَلَ مُتَعَمِّدًا دُفِعَ إلى أوْلِياءِ المَقْتُولِ، فَإنَّ شاءُوا قَتَلُوهُ، وإنَّ شاءُوا أخَذُوا الدِّيَةَ وهي ثَلاثُونَ حِقَّةً، وثَلاثُونَ جَذَعَةً، وأرْبَعُونَ خِلْفَةً، وما صُولِحُوا فَهو لَهم»، وذَلِكَ لِتَشْدِيدِ القَتْلِ. رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. اه مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ، ثُمَّ ساقَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ الَّذِي قَدَّمْنا.
ثُمَّ قالَ مُسْتَدِلًّا لِلْقَوْلِ الأوَّلِ: ووَجْهُ الأوَّلِ ما رَوى الزُّهْرِيُّ عَنِ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: «كانَتِ الدِّيَةُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أرْباعًا: خَمْسًا وعِشْرِينَ جَذَعَةً، وخَمْسًا وعِشْرِينَ حِقَّةً، وخَمْسًا وعِشْرِينَ بِنْتَ لَبُونٍ، وخَمْسًا وعِشْرِينَ بِنْتَ مَخاضٍ» وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ اه مِنهُ.
وَفِي المُوَطَّأِ عَنْ مالِكٍ: أنَّ ابْنَ شِهابٍ كانَ يَقُولُ في دِيَةِ العَمْدِ إذا قُبِلَتْ: خَمْسٌ وعِشْرُونَ بِنْتَ مَخاضٍ، وخَمْسٌ وعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وخَمْسٌ وعِشْرُونَ حِقَّةً، وخَمْسٌ (p-١٠٤)وَعِشْرُونَ جَذَعَةً. وقَدْ قَدَّمْنا: أنَّ دِيَةَ العَمْدِ، وِديَةَ شِبْهِ العَمْدِ سَواءٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ.
وَفِي دِيَةِ شِبْهِ العَمْدِ لِلْعُلَماءِ أقْوالٌ غَيْرُ ما ذَكَرْنا، مِنها ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ، وأبُو داوُدَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: في شِبْهِ العَمْدِ أثْلاثٌ: ثَلاثٌ وثَلاثُونَ حِقَّةً، وثَلاثٌ وثَلاثُونَ جَذَعَةً، وأرْبَعٌ وثَلاثُونَ ثَنْيَةً إلى بازِلِ عامِها، وكُلُّها خِلْفَةٌ.
وَمِنها ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أيْضًا: أنَّها أرْباعٌ: رُبْعٌ بَناتُ لَبُونٍ، ورُبْعٌ حِقاقٌ ورُبْعٌ جِذاعٌ " ورُبْعٌ ثَنْيَةٌ إلى بازِلِ عامِها، هَذا حاصِلُ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ في دِيَةِ العَمْدِ وشِبْهِ العَمْدِ.
وَأوْلى الأقْوالِ وأرْجَحُها: ما دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ، وهو ما قَدَّمْنا مِن كَوْنِها ثَلاثَةً حِقَّةً، وثَلاثِينَ جَذَعَةً، وأرْبَعِينَ خِلْفَةً في بُطُونِها أوْلادُها.
وَقَدْ قالَ البَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في السُّنَنِ الكُبْرى بَعْدَ أنْ ساقَ الأقْوالَ المَذْكُورَةَ ما نَصُّهُ: قَدِ اخْتَلَفُوا هَذا الِاخْتِلافَ، وقَوْلُ مَن يُوافِقُ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ المَذْكُورَةَ في البابِ قَبْلَهُ أوْلى بِالِاتِّباعِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
تَنْبِيهٌ
اعْلَمْ أنَّ الدِّيَةَ في العَمْدِ المَحْضِ إذا عَفا أوْلِياءُ المَقْتُولِ: إنَّما هي في مالِ الجانِي، ولا تَحْمِلُها العاقِلَةُ إجْماعًا، وأظْهَرُ القَوْلَيْنِ: أنَّها حالَةٌ غَيْرُ مُنَجَّمَةٍ في سِنِينَ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ، وقِيلَ: بِتَنْجِيمِها.
وَعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ العَمْدَ لَيْسَ فِيهِ دِيَةٌ مُقَرَّرَةٌ أصْلًا، بَلِ الواجِبُ فِيهِ ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ الجانِي وأوْلِياءُ المَقْتُولِ، قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، وهو حالٌ عِنْدَهُ.
أمّا الدِّيَةُ في شِبْهِ العَمْدِ فَهي مُنَجَّمَةٌ في ثَلاثِ سِنِينَ، يُدْفَعُ ثُلُثُها في آخِرِ كُلِّ سَنَةٍ مِنَ السِّنِينَ الثَّلاثِ، ويُعْتَبَرُ ابْتِداءُ السَّنَةَ مِن حِينِ وُجُوبِ الدِّيَةِ.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ابْتِداؤُها مِن حِينِ حَكَمَ الحاكِمُ بِالدِّيَةِ، وهي عَلى العاقِلَةِ لِما قَدَّمْناهُ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِن كَوْنِها عَلى العاقِلَةِ، وهو مَذْهَبُ الأئِمَّةِ الثَّلاثَةِ: أبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - وبِهِ قالَ الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والحَكَمُ، والثَّوْرِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم، كَما نَقَلَهُ عَنْهم صاحِبُ المُغْنِي وهَذا القَوْلُ هو الحَقُّ.
(p-١٠٥)وَذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ الدِّيَةَ في شِبْهِ العَمْدِ في مالِ الجانِي لا عَلى العاقِلَةِ؛ لِقَصْدِهِ الضَّرْبَ وإنْ لَمْ يَقْصِدِ القَتْلَ. وبِهَذا قالَ ابْنُ سِيرِينَ، والزُّهْرِيُّ، والحارِثُ العُكْلِيُّ، وابْنُ شُبْرُمَةَ، وقَتادَةُ، وأبُو ثَوْرٍ، واخْتارَهُ أبُو بَكْرٍ عَبْدُ العَزِيزِ، اه مِن ”المُغْنِي“ لِابْنِ قُدامَةَ. وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الصَّوابَ خِلافُهُ، لِدَلالَةِ الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَلى ذَلِكَ.
أمّا مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فَلا يَقُولُ بِشِبْهِ العَمْدِ أصْلًا، فَهو عِنْدَهُ عَمْدٌ مَحْضٌ كَما تَقَدَّمَ.
وَأمّا الدِّيَةُ في الخَطَأِ المَحْضِ فَهو أخْماسٌ في قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
واتَّفَقَ أكْثَرُهم عَلى السِّنِّ والصِّنْفِ في أرْبَعٍ مِنها، واخْتَلَفُوا في الخامِسِ، أمّا الأرْبَعُ الَّتِي هي مَحَلُّ اتِّفاقِ الأكْثَرِ فَهي عِشْرُونَ جَذَعَةً، وعِشْرُونَ حِقَّةً، وعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وعِشْرُونَ بِنْتَ مَخاضٍ. وأمّا الخامِسُ الَّذِي هو مَحَلُّ الخِلافِ فَبَعْضُ أهْلِ العِلْمِ يَقُولُ: هو عِشْرُونَ ابْنَ مَخاضٍ ذَكَرًا، وهو مَذْهَبُ أحْمَدَ، وأبِي حَنِيفَةَ، وبِهِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، والنَّخَعِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، واسْتَدَلَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الوارِدِ بِذَلِكَ.
قالَ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنا عَبْدُ الواحِدِ، ثَنا الحَجّاجُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ خِشْفِ بْنِ مالِكٍ الطّائِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فِي دِيَةِ الخَطَأِ عِشْرُونَ حِقَّةً، وعِشْرُونَ جَذَعَةً، وعِشْرُونَ بِنْتَ مَخاضٍ، وعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وعِشْرُونَ ابْنَ مَخاضٍ ذَكَرًا»، وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ. انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَقالَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ: أخْبَرَنا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا بْنِ أبِي زائِدَةَ، عَنْ حَجّاجٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ خِشْفِ بْنِ مالِكٍ الطّائِيِّ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: «قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِيَةَ الخَطَأِ عِشْرِينَ بِنْتَ مَخاضٍ، وعِشْرِينَ ابْنَ مَخاضٍ ذُكُورًا، وعِشْرِينَ بِنْتَ لَبُونٍ، وعِشْرِينَ جَذَعَةً، وعِشْرِينَ حِقَّةً» .
وَقالَ ابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا عَبْدُ السَّلامِ بْنُ عاصِمٍ، ثَنا الصَّبّاحُ بْنُ مُحارِبٍ، ثَنا حَجّاجُ بْنُ أرْطاةَ، ثَنا زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنْ خِشْفِ بْنِ مالِكٍ الطّائِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ (p-١٠٦)مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فِي دِيَةِ الخَطَأِ عِشْرُونَ حِقَّةً، وعِشْرُونَ جَذَعَةً، وعِشْرُونَ بِنْتَ مَخاضٍ، وعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وعِشْرُونَ بَنِي مَخاضٍ ذُكُورًا» ونَحْوُ هَذا أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ نَحْوَهُ، إلّا أنْ فِيهِ: وعِشْرُونَ بَنِي لَبُونٍ بَدَلَ بَنِي مَخاضٍ.
وَقالَ الحافِظُ في ”بُلُوغِ المَرامِ“: إنَّ إسْنادَهُ أقْوى مِن إسْنادِ الأرْبَعَةِ. قالَ: وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن وجْهٍ آخَرَ مَوْقُوفًا، وهو أصَحُّ مِنَ المَرْفُوعِ.
وَأمّا القَوْلُ الثّانِي في هَذا الخامِسِ المُخْتَلَفِ فِيهِ، فَهو أنَّهُ عِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ ذَكَرًا، مَعَ عِشْرِينَ جَذَعَةً، وعِشْرِينَ حَقَّةً، وعِشْرِينَ بِنْتَ لَبُونٍ، وعِشْرِينَ بِنْتَ مَخاضٍ. وهَذا هو مَذْهَبُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ، وبِهِ قالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، والزُّهْرِيُّ، واللَّيْثُ، ورَبِيعَةُ. كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“، وقالَ: هَكَذا رَواهُ سَعِيدٌ في سُنَنِهِ عَنِ النَّخَعِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَقالَ الخَطّابِيُّ: رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ”وَدى الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ بِمِائَةٍ مِن إبِلِ الصَّدَقَةِ»“ ولَيْسَ في أسْنانِ الصَّدَقَةِ ابْنُ مَخاضٍ.
وَقالَ البَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرى: وأخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الرَّفّاءُ البَغْدادِيُّ، أنْبَأ أبُو عَمْرٍو عُثْمانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، ثَنا إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ القاضِي، ثَنا إسْماعِيلُ بْنُ أبِي أُوَيْسٍ وعِيسى بْنُ مِينا، قالا: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي الزِّنادِ، أنَّ أباهُ قالَ: كانَ مَن أدْرَكْتُ مِن فُقَهائِنا الَّذِي يُنْتَهى إلى قَوْلِهِمْ؛ ومِنهم سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وأبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وخارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، في مَشْيَخَةٍ جُلَّةٍ سِواهم مِن نُظَرائِهِمْ، ورُبَّما اخْتَلَفُوا في الشَّيْءِ فَأخَذْنا بِقَوْلِ أكْثَرِهِمْ وأفْضَلِهِمْ رَأْيًا، وكانُوا يَقُولُونَ: العَقْلُ في الخَطَأِ خَمْسَةُ أخْماسٍ: فَخُمْسٌ جِذاعٌ، وخُمْسٌ حِقاقٌ، وخُمْسٌ بَناتُ لَبُونٍ، وخُمْسٌ بَناتُ مَخاضٍ، وخُمْسٌ بَنُو لَبُونٍ ذُكُورٍ، والسِّنُّ في كُلِّ جُرْحٍ قَلَّ أوْ كَثُرَ خَمْسَةُ أخْماسٍ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ. انْتَهى كَلامُ البَيْهَقِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: جَعَلَ بَعْضُهم أقْرَبَ القَوْلَيْنِ دَلِيلًا قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الصِّنْفَ الخامِسَ مِن أبْناءِ المَخاضِ الذُّكُورِ لا مِن أبْناءِ اللَّبُونِ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ (p-١٠٧)مَسْعُودٍ المَرْفُوعِ المُصَرِّحِ بِقَضاءِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ. قالَ: والحَدِيثُ المَذْكُورُ وإنْ كانَ فِيهِ ما فِيهِ أوْلى مِنَ الأخْذِ بِغَيْرِهِ مِنَ الرَّأْيِ.
وَسَنَدُ أبِي داوُدَ والنَّسائِيُّ رِجالُهُ كُلُّهم صالِحُونَ لِلِاحْتِجاجِ، إلّا الحَجّاجَ بْنَ أرْطاةَ فَإنَّ فِيهِ كَلامًا كَثِيرًا واخْتِلافًا بَيْنَ العُلَماءِ؛ فَمِنهم مَن يُوَثِّقُهُ، ومِنهم مَن يُضَعِّفُهُ، وقَدْ قَدَّمْنا في هَذا الكِتابِ المُبارَكِ تَضْعِيفُ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ لَهُ.
وَقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في التَّقْرِيبِ: صَدُوقٌ كَثِيرُ الخَطَأِ والتَّدْلِيسِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: حَجّاجٌ المَذْكُورُ مِن رِجالِ مُسْلِمٍ، وأعَلَّ أبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُما الحَدِيثَ بِالوَقْفِ عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ، قالُوا: رَفْعُهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ خَطَأٌ، وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ قَرِيبًا.
أمّا وجْهُ صَلاحِيَّةِ بَقِيَّةِ رِجالِ السُّنَنِ، فالطَّبَقَةُ الأُولى مِن سَنَدِهِ عِنْدَ أبِي داوُدَ مُسَدَّدٌ وهو ثِقَةٌ حافِظٌ، وعِنْدَ النَّسائِيِّ سَعِيدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ الكِنْدِيُّ الكُوفِيُّ وهو صَدُوقٌ.
والطَّبَقَةُ الثّانِيَةُ عِنْدَ أبِي داوُدَ عَبْدِ الواحِدِ وهو ابْنُ زِيادٍ العَبْدِيُّ مَوْلاهُمُ البَصْرِيُّ ثِقَةٌ، في حَدِيثِهِ عَنِ الأعْمَشِ وحْدَهُ مَقالٌ. وعِنْدَ النَّسائِيِّ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا بْنِ أبِي زائِدَةَ، وهو ثِقَةٌ مُتْقِنٌ.
والطَّبَقَةُ الثّالِثَةُ عِنْدَهُما حَجّاجُ بْنُ أرْطاةَ المَذْكُورُ.
والطَّبَقَةُ الرّابِعَةُ عِنْدَهُما زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ وهو ثِقَةٌ.
والطَّبَقَةُ الخامِسَةُ عِنْدَهُما خَشْفُ بْنُ مالِكٍ الطّائِيُّ، وثَّقَهُ النَّسائِيُّ.
والطَّبَقَةُ السّادِسَةُ عِنْدَهُما عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
والطَّبَقَةُ الأُولى عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ عَبْدُ السَّلامِ بْنُ عاصِمٍ الجُعْفِيُّ الهِسِنْجانِيُّ الرّازِيُّ، وهو مَقْبُولٌ.
والطَّبَقَةُ الثّانِيَةُ عِنْدَهُ الصَّبّاحُ بْنُ مُحارِبٍ التَّيْمِيُّ الكُوفِيُّ نَزِيلُ الرَّيِّ وهو صَدُوقٌ، رُبَّما خالَفَ.
والطَّبَقَةُ الثّالِثَةُ عِنْدَهُ حَجّاجُ بْنُ أرْطاةَ إلى آخِرِ السَّنَدِ المَذْكُورِ.
والحاصِلُ: أنَّ الحَدِيثَ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ مِن جِهَتَيْنِ: الأوْلى مِن قِبَلِ حَجّاجِ بْنِ (p-١٠٨)أرْطاةَ، وقَدْ ضَعَّفَهُ الأكْثَرُ، ووَثَّقَهُ بَعْضُهم، وهو مِن رِجالِ مُسْلِمٍ، والثّانِيَةُ إعْلالُهُ بِالوَقْفِ، وما احْتَجَّ بِهِ الخَطّابِيُّ مِن «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ”وَدى الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ مِن إبِلِ الصَّدَقَةِ»“ ولَيْسَ في أسْنانِ الصَّدَقَةِ ابْنُ مَخاضٍ يُقالُ فِيهِ: إنَّ الَّذِي قُتِلَ في خَيْبَرَ قُتِلَ عَمْدًا، وكَلامُنا في الخَطَأِ. وحُجَّةُ مَن قالَ يَجْعَلُ أبْناءَ اللَّبُونِ بَدَلَ أبْناءِ المَخاضِ رِوايَةَ الدّارَقُطْنِيِّ المَرْفُوعَةَ الَّتِي قالَ ابْنُ حَجَرٍ: إنَّ سَنَدَها أصَحُّ مِن رِوايَةِ أبْناءِ المَخاضِ، وكَثْرَةِ مَن قالَ بِذَلِكَ مِنَ العُلَماءِ.
وَفِي دِيَةِ الخَطَأِ لِلْعُلَماءِ أقْوالٌ أُخَرُ غَيْرُ ما ذَكَرْنا، واسْتَدَلُّوا لَها بِأحادِيثَ أُخْرى انْظُرْها في ”سُنَنِ النَّسائِيِّ، وأبِي داوُدَ، والبَيْهَقِيِّ“ وغَيْرِهِمْ.
واعْلَمْ أنَّ الدِّيَةَ عَلى أهْلِ الذَّهَبِ ألْفُ دِينارٍ، وعَلى أهْلِ الوَرِقِ اثْنا عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ.
وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: عَشَرَةُ آلافِ دِرْهَمٍ، وعَلى أهْلِ البَقَرِ مِائَتا بَقَرَةٍ، وعَلى أهْلِ الشّاءِ ألْفا شاةٍ، وعَلى أهْلِ الحُلَلِ مِائَتا حُلَّةٍ.
قالَ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمانَ، ثَنا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: «كانَتْ قِيمَةُ الدِّيَةِ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَمانِمِائَةِ دِينارٍ، أوْ ثَمانِيَةَ آلافِ دِرْهَمٍ، ودِيَةُ أهْلِ الكِتابِ يَوْمَئِذٍ النِّصْفُ مِن دِيَةِ المُسْلِمِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences