Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:12–16
18:12Page 294
ثُمَّ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِنَعۡلَمَ أَيُّ ٱلۡحِزۡبَيۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓاْ أَمَدٗا ١٢
Then We awakened them that We might show which of the two factions was most precise in calculating what [extent] they had remained in time.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مِن حِكَمِ بَعْثِهِ لِأصْحابِ الكَهْفِ بَعْدَ هَذِهِ النَّوْمَةِ الطَّوِيلَةِ أنْ يُبَيِّنَ لِلنّاسِ أيُّ الحِزْبَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ أحْصى لِذَلِكَ وأضْبَطُ لَهُ، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا شَيْئًا عَنِ الحِزْبَيْنِ المَذْكُورَيْنِ.
وَأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ أحَدَ الحِزْبَيْنِ هم أصْحابُ الكَهْفِ، والحِزْبَ الثّانِي هم أهْلُ المَدِينَةِ الَّذِينَ بُعِثَ الفِتْيَةُ عَلى عَهْدِهِمْ حِينَ كانَ عِنْدَهُمُ التّارِيخُ بِأمْرِ الفِتْيَةِ، وقِيلَ: هُما حِزْبانِ مِن أهْلِ المَدِينَةِ المَذْكُورَةِ، كانَ مِنهم مُؤْمِنُونَ وكافِرُونَ، وقِيلَ: هُما حِزْبانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ في زَمَنِ أصْحابِ الكَهْفِ. اخْتَلَفُوا في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ، قالَهُ الفَرّاءُ: وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُلُوكُ الَّذِينَ تَداوَلُوا مُلْكَ المَدِينَةِ حِزْبٌ، وأصْحابُ الكَهْفِ حِزْبٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ.
والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ: أنَّ الحِزْبَيْنِ كِلَيْهِما مِن أصْحابِ الكَهْفِ، وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩]، وكَأنَّ الَّذِينَ (p-٢٠٩)قالُوا: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ هُمُ الَّذِينَ عَلِمُوا أنَّ لُبْثَهم قَدْ تَطاوَلَ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ عَنْهم: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يُحْصُوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَقَدْ يُجابُ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ رَدَّ العِلْمِ إلى اللَّهِ لا يُنافِي العِلْمَ، بِدَلِيلِ أنَّ اللَّهَ أعْلَمَ نَبِيَّهُ بِمُدَّةِ لُبْثِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٢٥]، ثُمَّ أمَرَهُ بِرَدِّ العِلْمِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢٦] .
وَقَوْلُهُ: ﴿بَعَثْناهُمْ﴾ أيْ مِن نَوْمَتِهِمُ الطَّوِيلَةِ، والبَعْثُ: التَّحْرِيكُ مِن سُكُونٍ، فَيَشْمَلُ بَعْثَ النّائِمِ والمَيِّتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَدْ بَيَّنّا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ: أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَذْكُرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا حِكْمَةً لِشَيْءٍ في مَوْضِعٍ، ويَكُونَ لِذَلِكَ الشَّيْءِ حِكَمٌ أُخَرُ مَذْكُورَةٌ في مَواضِعَ أُخْرى، فَإنّا نُبَيِّنُها، ومَثَّلْنا لِذَلِكَ، وذَكَرْنا مِنهُ أشْياءَ مُتَعَدِّدَةً في هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.
وَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى هُنا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَيَّنَ مِن حِكَمِ بَعْثِهِمْ إظْهارَهُ لِلنّاسِ: أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا، وقَدْ بَيَّنَ لِذَلِكَ حِكَمًا أُخَرَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
مِنها أنْ يَتَساءَلُوا عَنْ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ الآيَةَ [الكهف: ١٩] .
وَمِنها إعْلامُ النّاسِ أنَّ البَعْثَ حَقٌّ، وأنَّ السّاعَةَ حَقٌّ لِدَلالَةِ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ عَلى ذَلِكَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وأنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢١] .
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ﴾ الآيَةَ، لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِذَلِكَ قَبْلَ بَعْثِهِمْ، وإنَّما عَلِمَ بَعْدَ بَعْثِهِمْ، كَما زَعَمَهُ بَعْضُ الكَفَرَةِ المَلاحِدَةِ، بَلْ هو جَلَّ وعَلا عالِمٌ بِكُلِّ ما سَيَكُونُ قَبْلَ أنْ يَكُونَ، لا يَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ لا تُحْصى كَثْرَةً.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ مِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ جَلَّ وعَلا لا يَسْتَفِيدُ بِالِاخْتِبارِ والِابْتِلاءِ عِلْمًا جَدِيدًا سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، قَوْلُهُ تَعالى في آلِ عِمْرانَ: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكم ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكم واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، فَقَوْلُهُ: (p-٢١٠)﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾ دَلِيلٌ واضِحٌ في ذَلِكَ.
وَإذا حَقَّقْتَ ذَلِكَ فَمَعْنى ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ أيْ نَعْلَمَ ذَلِكَ عِلْمًا يُظْهِرُ الحَقِيقَةَ لِلنّاسِ، فَلا يُنافِي أنَّهُ كانَ عالِمًا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ دُونَ خَلْقِهِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَوْلِهِ: أحْصى فَذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ و ”أمَدًا“ مَفْعُولُهُ، و ”ما“ في قَوْلِهِ: ”لِما لَبِثُوا“ مَصْدَرِيَّةٌ، وتَقْرِيرُ المَعْنى عَلى هَذا: لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ ضَبَطَ أمَدًا لِلُبْثِهِمْ في الكَهْفِ.
وَمِمَّنِ اخْتارَ أنَّ أحْصى فِعْلٌ ماضٍ: الفارِسِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، وغَيْرُهم.
وَذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ أحْصى صِيغَةُ تَفْضِيلٍ، و ”أمَدًا“ تَمْيِيزٌ، ومِمَّنِ اخْتارَهُ الزَّجّاجُ والتِّبْرِيزِيُّ، وغَيْرُهُما. وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ الوَجْهَيْنِ.
والَّذِينَ قالُوا: إنَّ أحْصى فِعْلٌ ماضٍ، قالُوا: لا يَصِحُّ فِيهِ أنْ يَكُونَ صِيغَةَ تَفْضِيلٍ، لِأنَّها لا يَصِحُّ بِناؤُها هي ولا صِيغَةُ فِعْلِ التَّعَجُّبِ قِياسًا إلّا مِنَ الثُّلاثِيِّ، و ”أحْصى“ رُباعِيٌّ فَلا تُصاغُ مِنهُ صِيغَةُ التَّفْضِيلِ ولا التَّعَجُّبِ قِياسًا، قالُوا: وقَوْلُهم: ما أعْطاهُ وما أوْلاهُ لِلْمَعْرُوفِ، وأعْدى مِنَ الجَرَبِ، وأفْلَسَ مِنَ ابْنِ المُذَلَّقِ - شاذٌّ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، فَلا يَجُوزُ حَمْلُ القُرْآنِ عَلَيْهِ.
واحْتَجَّ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ أيْضًا لِأنَّ أحْصى لَيْسَتْ صِيغَةَ تَفْضِيلٍ بِأنَّ أمَدًا لا يَخْلُو: إمّا أنْ يَنْتَصِبَ بِـ ”أفْعَلَ“ فَـ ”أفْعَلُ“ لا يَعْمَلُ، وإمّا أنْ يَنْتَصِبَ بِـ لَبِثُوا فَلا يَسُدُّ عَلَيْهِ المَعْنى أنْ لا يَكُونَ سَدِيدًا عَلى ذَلِكَ القَوْلِ، وقالَ: فَإنْ زَعَمْتَ نَصْبَهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ أحْصى كَما أُضْمِرُ في قَوْلِهِ:
؎وَأضْرَبَ مِنّا بِالسُّيُوفِ القَوانِسا
أيْ نَضْرِبُ القَوانِسَ - فَقَدْ أبْعَدْتَ المُتَناوَلَ وهو قَرِيبٌ؛ حَيْثُ أبَيْتَ أنْ يَكُونَ أحْصى فِعْلًا، ثُمَّ رَجَعْتَ مُضْطَرًّا إلى تَقْدِيرِهِ وإضْمارِهِ. انْتَهى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ.
وَأُجِيبُ مِن جِهَةِ المُخالِفِينَ عَنْ هَذا كُلِّهِ، قالُوا: لا نُسَلِّمُ أنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ لا تُصاغُ مِن غَيْرِ الثُّلاثِيِّ، ولا نُسَلِّمُ أيْضًا لِأنَّها لا تَعْمَلُ.
وَحاصِلُ تَحْرِيرِ المَقامِ في ذَلِكَ أنَّ في كَوْنِ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ تُصاغُ مِن ”أفْعَلَ“ كَما (p-٢١١)هُنا، أوْ لا تُصاغُ مِنهُ - ثَلاثَةَ مَذاهِبَ لِعُلَماءِ النَّحْوِ:
الأوَّلُ: جَوازُ بِنائِها مِن ”أفْعَلَ“ مُطْلَقًا، وهو ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ، وهو مَذْهَبُ أبِي إسْحاقَ كَما نَقَلَهُ عَنْهُ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ.
والثّانِي: لا يُبْنى مِنهُ مُطْلَقًا، وما سُمِعَ مِنهُ فَهو شاذٌّ يُحْفَظُ ولا يُقاسُ عَلَيْهِ، وهو الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎وَبِالنُّدُورِ احْكم لِغَيْرِ ما ذُكِرْ ∗∗∗ ولا تَقِسْ عَلى الَّذِي مِنهُ أُثِرْ
كَما قَدَّمْناهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢] .
الثّالِثُ: تُصاغُ مِن ”أفْعَلَ“ إذا كانَتْ هَمْزَتُها لِغَيْرِ النَّقْلِ خاصَّةً؛ كَـ ”أظْلَمَ اللَّيْلُ“ و: ”أشْكَلَ الأمْرُ“ لا إنْ كانَتِ الهَمْزَةُ لِلنَّقْلِ فَلا تُصاغُ مِنها، وهَذا هو اخْتِيارُ أبِي الحَسَنِ بْنِ عُصْفُورٍ، وهَذِهِ المَذاهِبُ مَذْكُورَةٌ بِأدِلَّتِها في كُتُبِ النَّحْوِ، وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: فَأفْعَلُ لا يَعْمَلُ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ تَعْمَلُ في التَّمْيِيزِ بِلا خِلافٍ، وعَلَيْهِ دَرَجَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎والفاعِلَ المَعْنى انْصِبَنْ بِأفْعَلا ∗∗∗ مُفَضِّلًا كَأنْتَ أعْلى مَنزِلا
وَ أمَدًا تَمْيِيزٌ كَما تَقَدَّمَ؛ فَنَصْبُهُ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ لا إشْكالَ فِيهِ.
وَذَهَبَ الطَّبَرَيُّ إلى أنَّ: أمَدًا مَنصُوبٌ بِـ لَبِثُوا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَّجِهٍ.
وَقالَ أبُو حَيّانَ: قَدْ يَتَّجِهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الأمَدَ هو الغايَةُ، ويَكُونُ عِبارَةً عَنِ المُدَّةِ مِن حَيْثُ إنَّ المُدَّةَ غايَةٌ. و ما بِمَعْنى الَّذِي، و ﴿أمَدًا﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى إسْقاطِ الحَرْفِ؛ أيْ لِما لَبِثُوا مِن أمَدٍ، أيْ مُدَّةٍ، ويَصِيرُ ”مِن أمَدٍ“ تَفْسِيرًا لِما انْبَهَمَ في لَفْظِ ما لَبِثُوا كَقَوْلِهِ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦]، ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢]، ولَمّا سَقَطَ الحَرْفُ وصَلَ إلَيْهِ الفِعْلُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: إطْلاقُ الأمَدِ عَلى الغايَةِ مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةِ ذُبْيانَ:
؎إلّا لِمِثْلِكَ أوْ مَن أنْتَ سابِقُهُ ∗∗∗ سَبْقَ الجَوادِ إذا اسْتَوْلى عَلى الأمَدِ
(p-٢١٢)وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”النِّساءِ“ أنَّ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمانَ الأخْفَشَ الصَّغِيرَ أجازَ النَّصْبَ بِنَزْعِ الخافِضِ عِنْدَ أمْنِ اللَّبْسِ مُطْلَقًا، ولَكِنْ نَصْبُ قَوْلِهِ: أمَدًا بِقَوْلِهِ: لَبِثُوا غَيْرُ سَدِيدٍ كَما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، وكَما لا يَخْفى. اهـ.
وَأجازَ الكُوفِيُّونَ نَصْبَ المَفْعُولِ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ، وأعْرَبُوا قَوْلَ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ السُّلَمِيِّ:
؎فَلَمْ أرَ مِثْلَ الحَيِّ حَيًّا مُصَبِّحًا ∗∗∗ ولا مِثْلَنا يَوْمَ التَقَيْنا فَوارِسا
؎أكَرَّ وأحْمى لِلْحَقِيقَةِ مِنهُمُ ∗∗∗ وأضْرَبَ مِنّا بِالسُّيُوفِ القَوانِسا
بِأنَّ ”القَوانِسَ“ مَفْعُولٌ بِهِ لِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ الَّتِي هي ”أضْرَبَ“ قالُوا: ولا حاجَةَ لِتَقْدِيرِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إنَّ مَن في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١١٧]، مَنصُوبٌ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ قَبْلَهُ نَصْبَ المَفْعُولِ بِهِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ هَذا أجْرى عِنْدِي عَلى المَعْنى المَعْقُولِ؛ لِأنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ فِيها مَعْنى المَصْدَرِ الكامِنِ فِيها، فَلا مانِعَ مِن عَمَلِها عَمَلَهُ؛ ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ: وأضْرَبَ مِنّا بِالسُّيُوفِ القَوانِسا، مَعْناهُ: يَزِيدُ ضَرْبُنا بِالسُّيُوفِ القَوانِسِ عَلى ضَرْبِ غَيْرِنا، كَما هو واضِحٌ. وعَلى هَذا الَّذِي قَرَّرْنا فَلا مانِعَ مِن كَوْنِ أمَدًا مَنصُوبٌ بِـ أحْصى نَصْبَ المَفْعُولِ بِهِ عَلى أنَّهُ صِيغَةُ تَفْضِيلٍ، وإنْ كانَ القائِلُونَ بِأنَّ أحْصى صِيغَةُ تَفْضِيلٍ أعْرَبُوا أمَدًا بِأنَّهُ تَمْيِيزٌ.
تَنْبِيهٌ
فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ رَفْعِ أيُّ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى﴾ الآيَةَ، مَعَ أنَّهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ؟ فالجَوابُ أنَّ لِلْعُلَماءَ في ذَلِكَ أجْوِبَةٌ، مِنها، أنَّ أيُّ فِيها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، والِاسْتِفْهامُ يُعَلِّقُ الفِعْلَ عَنْ مَفْعُولَيْهِ كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ عاطِفًا عَلى ما يُعَلِّقُ الفِعْلَ القَلْبِيَّ عَنْ مَفْعُولَيْهِ:
؎وَإنْ ولا لامُ ابْتِداءٍ أوْ قَسَمْ ∗∗∗ كَذا والِاسْتِفْهامُ ذا لَهُ انْحَتَمْ
وَمِنها ما ذَكَرَهُ الفَخْرُ الرّازِيُّ وغَيْرُهُ: مِن أنَّ الجُمْلَةَ بِمَجْمُوعِها مُتَعَلَّقُ العِلْمِ، ولِذَلِكَ السَّبَبِ لَمْ يَظْهَرْ عَمَلُ قَوْلِهِ: لِنَعْلَمَ في لَفْظَةِ أيُّ بَلْ بَقِيَتْ عَلى ارْتِفاعِها، ولا يَخْفى عَدَمُ اتِّجاهِ هَذا القَوْلِ كَما تَرى.
(p-٢١٣)قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: أظْهَرُ أوْجُهِ الأعارِيبِ عِنْدِي في الآيَةِ: أنَّ لَفْظَةَ أيُّ مَوْصُولَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ. و أيُّ مَبْنِيَّةٌ لِأنَّها مُضافَةٌ، وصَدْرُ صِلَتِها مَحْذُوفٌ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ في الخُلاصَةِ:
؎أيُّ كَما وأُعْرِبَتْ ما لَمْ تُضَفْ ∗∗∗ وصَدْرُ وصْلِها ضَمِيرٌ انْحَذَفْ
وَلِبِنائِها لَمْ يَظْهَرْ نَصْبُها، وتَقْدِيرُ المَعْنى عَلى هَذا: لِنَعْلَمَ الحِزْبَ الَّذِي هو أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا ونُمَيِّزَهُ عَنْ غَيْرِهِ، و أحْصى صِيغَةُ تَفْضِيلٍ كَما قَدَّمْنا تَوْجِيهَهُ؛ نَعَمْ، لِلْمُخالِفِ أنْ يَقُولَ: إنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ تَقْتَضِي بِدَلالَةِ مُطابَقَتِها الِاشْتِراكَ بَيْنَ المُفَضَّلِ والمُفَضَّلِ عَلَيْهِ في أصْلِ الفِعْلِ، وأحَدُ الحِزْبَيْنِ لَمْ يُشارِكِ الآخَرَ في أصْلِ الإحْصاءِ لِجَهْلِهِ بِالمُدَّةِ مِن أصْلِها، وهَذا مِمّا يُقَوِّي قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ أحْصى فِعْلٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
فَإنْ قِيلَ: أيُّ فائِدَةٍ مُهِمَّةٍ في مَعْرِفَةِ النّاسِ لِلْحِزْبِ المُحْصِي أمَدَ اللُّبْثِ مِن غَيْرِهِ، حَتّى يَكُونَ عِلَّةً غائِيَّةً لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ﴾ الآيَةَ، وأيُّ فائِدَةٍ مُهِمَّةٍ في مُساءَلَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، حَتّى يَكُونَ عِلَّةً غائِيَّةً لِقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ ؟ .
فالجَوابُ أنّا لَمْ نَرَ مَن تَعَرَّضَ لِهَذا، والَّذِي يَظْهَرُ لَنا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ ما ذُكِرَ مِن إعْلامِ النّاسِ بِالحِزْبِ الَّذِي هو أحْصى أمَدًا لِما لَبِثُوا، ومُساءَلَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنْ ذَلِكَ، يَلْزَمُهُ أنْ يَظْهَرَ لِلنّاسِ حَقِيقَةُ أمْرِ هَؤُلاءِ الفِتْيَةِ، وأنَّ اللَّهَ ضَرَبَ عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ ثَلاثَمِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا، ثُمَّ بَعَثَهم أحْياءَ طَرِيَّةً أبْدانُهم، لَمْ يَتَغَيَّرْ لَهم حالٌ، وهَذا مِن غَرِيبِ صُنْعِهِ جَلَّ وعَلا الدّالِّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، وعَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، ولِاعْتِبارِ هَذا اللّازِمِ جَعَلَ ما ذَكَرْنا عِلَّةً غائِيَّةً، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
18:13Page 294
نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى ١٣
It is We who relate to you, [O Muḥammad], their story in truth. Indeed, they were youths who believed in their Lord, and We increased them in guidance.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْناهم هُدًى﴾
[الكهف: ١٣] . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِنَبِيِّهِ ﷺ أنَّهُ يَقُصُّ عَلَيْهِ نَبَأ أصْحابِ الكَهْفِ بِالحَقِّ، ثُمَّ أخْبَرَهُ مُؤَكِّدًا لَهُ أنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ، وأنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا زادَهم هُدًى.
وَيُفْهَمُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ مَن آمَنَ بِرَبِّهِ وأطاعَهُ زادَهُ رَبُّهُ هُدًى؛ لِأنَّ الطّاعَةَ سَبَبٌ لِلْمَزِيدِ مِنَ الهُدى والإيمانِ.
وَهَذا المَفْهُومُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا (p-٢١٤)لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٦٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٢٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ الآيَةَ [الفتح: ٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ الآيَةَ [الحديد: ٢٨]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَهَذِهِ الآياتُ المَذْكُورَةُ نُصُوصٌ صَرِيحَةٌ في أنَّ الإيمانَ يَزِيدُ، مَفْهُومٌ مِنها أنَّهُ يَنْقُصُ أيْضًا، كَما اسْتَدَلَّ بِها البُخارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، وهي تَدُلُّ عَلَيْهِ دَلالَةً صَرِيحَةً لا شَكَّ فِيها، فَلا وجْهَ مَعَها لِلِاخْتِلافِ في زِيادَةِ الإيمانِ ونَقْصِهِ كَما تَرى، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
18:14Page 294
وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا ١٤
And We bound [i.e., made firm] their hearts when they stood up and said, "Our Lord is the Lord of the heavens and the earth. Never will we invoke besides Him any deity. We would have certainly spoken, then, an excessive transgression.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا﴾ .
أيْ ثَبَّتْنا قُلُوبَهم وقَوَّيْناها عَلى الصَّبْرِ، حَتّى لا يَجْزَعُوا ولا يَخافُوا مِن أنْ يَصْدَعُوا بِالحَقِّ، ويَصْبِرُوا عَلى فِراقِ الأهْلِ والنَّعِيمِ، والفِرارِ بِالدِّينِ في غارٍ في جَبَلٍ لا أنِيسَ بِهِ، ولا ماءَ ولا طَعامَ.
وَيُفْهَمُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَن كانَ في طاعَةِ رَبِّهِ جَلَّ وعَلا أنَّهُ تَعالى يُقَوِّي قَلْبَهُ، ويُثَبِّتُهُ عَلى تَحَمُّلِ الشَّدائِدِ، والصَّبْرِ الجَمِيلِ.
وَقَدْ أشارَ تَعالى إلى وقائِعَ مِن هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ في أهْلِ بَدْرٍ مُخاطِبًا نَبِيَّهُ ﷺ وأصْحابَهُ: ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ [الأنفال: ١١ - ١٢]، وكَقَوْلِهِ في أُمِّ مُوسى: ﴿وَأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠] .
وَأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: إذْ قامُوا أيْ بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِ بِلادِهِمْ، وهو مَلِكٌ جَبّارٌ يَدْعُو إلى عِبادَةِ الأوْثانِ، يَزْعُمُونَ أنَّ اسْمَهُ: دِقْيانُوسُ.
وَقِصَّتُهم مَذْكُورَةٌ في جَمِيعِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ، أعْرَضْنا عَنْها لِأنَّها إسْرائِيلِيّاتٌ. وفي قِيامِهِمُ المَذْكُورِ هُنا أقْوالٌ أُخَرُ كَثِيرَةٌ، والعامِلُ في قَوْلِهِ: ”إذْ“ هو ”رَبَطْنا“ عَلى قُلُوبِهِمْ حِينَ قامُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾
(p-٢١٥)ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ: أنَّ هَؤُلاءِ الفِتْيَةَ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ فَزادَهم رَبُّهم هُدًى، قالُوا: إنَّ رَبَّهم هو رَبُّ السَّمَواتِ والأرْضِ، وأنَّهم لَنْ يَدْعُوا مِن دُونِهِ إلَهًا، وأنَّهم لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ قالُوا شَطَطًا، أيْ قَوْلًا ذا شَطَطٍ، أوْ هو مِنَ النَّعْتِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ؛ كَأنَّ قَوْلَهم هو نَفْسُ الشَّطَطِ، والشَّطَطُ: البُعْدُ عَنِ الحَقِّ والصَّوابِ. وإلَيْهِ تَرْجِعُ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ؛ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ ”شَطَطًا“: جَوْرًا، تَعَدِّيًا، كَذِبًا، خَطَأً، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ.
وَأصْلُ مادَّةِ الشَّطَطِ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ، ومِنهُ أشَطَّ في السَّوْمِ: إذا جاوَزَ الحَدَّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُشْطِطْ﴾ الآيَةَ [ص: ٢٢]، أوِ البُعْدُ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:
؎تَشِطُّ غَدًا دارُ جِيرانِنا ولَلدّارُ بَعْدَ غَدٍ أبْعَدُ
وَيَكْثُرُ اسْتِعْمالُ الشَّطَطِ في الجَوْرِ والتَّعَدِّي، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎أتَنْتَهُونَ وإنْ يَنْهى ذَوِي الشَّطَطِ ∗∗∗ كالطَّعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَّيْتُ والفُتُلُ
وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ مَن أشْرَكَ مَعَ خالِقِ السَّمَواتِ والأرْضِ مَعْبُودًا آخَرَ، فَقَدْ جاءَ بِأمْرٍ شَطَطٍ بَعِيدٍ عَنِ الحَقِّ والصَّوابِ في غايَةِ الجَوْرِ والتَّعَدِّي؛ لِأنَّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ هو الَّذِي يُبْرِزُ الخَلائِقَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ؛ لِأنَّ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ غَيْرِهِ مَخْلُوقٌ يَحْتاجُ إلى خالِقٍ يَخْلُقُهُ ويَرْزُقُهُ ويُدَبِّرُ شُئُونَهُ.
وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الرعد: ١٦]، أيِ الواحِدُ القَهّارُ الَّذِي هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ جَلَّ وعَلا،
• وقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٣]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾، أيْ إذا دَعَوْنا مِن (p-٢١٦)دُونِهِ إلَهًا، فَقَدْ قُلْنا شَطَطًا.
18:15Page 294
هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ١٥
These, our people, have taken besides Him deities. Why do they not bring for [worship of] them a clear evidence? And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ﴾ .
”لَوْلا“ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِلتَّحْضِيضِ، وهو الطَّلَبُ بِحَثٍّ وشِدَّةٍ، والمُرادُ بِهَذا الطَّلَبِ التَّعْجِيزُ؛ لِأنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَأْتِيَ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ عَلى جَوازِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، والمُرادُ بِالسُّلْطانِ البَيِّنِ: الحُجَّةُ الواضِحَةُ.
وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن تَعْجِيزِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِحُجَّةٍ عَلى شِرْكِهِمْ وكُفْرِهِمْ، وإبْطالِ حُجَّةِ المُشْرِكِينَ عَلى شِرْكِهِمْ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ أنْتُمْ إلّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١]،
• وقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿أمْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٥]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ أمْ آتَيْناهم كِتابًا فَهم عَلى بَيِّنَةٍ مِنهُ بَلْ إنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا إلّا غُرُورًا﴾ [فاطر: ٤٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]،
والآياتُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ المُشْرِكِينَ لا مُسْتَنَدَ لَهم في شِرْكِهِمْ إلّا تَقْلِيدَ آبائِهِمِ الضّالِّينَ، كَثِيرَةٌ جِدًّا، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ”هَؤُلاءِ“ مُبْتَدَأٌ، و ”قَوْمًا“ قِيلَ عَطْفُ بَيانٍ، والخَبَرُ جُمْلَةُ ”اتَّخَذُوا“، وقِيلَ ”قَوْمُنا“ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وجُمْلَةُ " اتَّخَذُوا في مَحَلِّ حالٍ، والأوَّلُ أظْهَرُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ .
أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ بِادِّعاءِ أنَّ لَهُ شَرِيكًا، كَما افْتَراهُ عَلَيْهِ قَوْمُ أصْحابِ الكَهْفِ، كَما قالَ عَنْهم أصْحابُ الكَهْفِ: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ الآيَةَ [الكهف: ١٥] .
وَهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا مِن أنَّ افْتِراءَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ بِجَعْلِ الشُّرَكاءِ لَهُ هو أعْظَمُ الظُّلْمِ - جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٣٢]، وقَوْلِهِ: (p-٢١٧)﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
18:16Page 295
وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا ١٦
[The youths said to one another], "And when you have withdrawn from them and that which they worship other than Allāh, retreat to the cave. Your Lord will spread out for you of His mercy and will prepare for you from your affair facility."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ فَأْوُوا إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرْفَقًا﴾ .
”إذْ“ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ لِلتَّعْلِيلِ، عَلى التَّحْقِيقِ، كَما قالَهُ ابْنُ هِشامٍ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى: ولِأجْلِ اعْتِزالِكم قَوْمَكُمُ الكُفّارَ وما يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ، فاتَّخِذُوا الكَهْفَ مَأْوًى ومَكانَ اعْتِصامٍ، يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرْفَقًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اعْتِزالَ المُؤْمِنِ قَوْمَهُ الكُفّارَ ومَعْبُودِيهِمْ مِن أسْبابِ لُطْفِ اللَّهِ بِهِ ورَحْمَتِهِ.
وَهَذا المَعْنى يَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى في نَبِيِّهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وَأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وأدْعُو رَبِّي عَسى ألّا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ ﴿وَوَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٨ - ٥٠] واعْتِزالُهم إيّاهم هو مُجانَبَتُهم لَهم، وفِرارُهم مِنهم بِدِينِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ﴾، اسْمُ مَوْصُولٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ، مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في قَوْلِهِ: اعْتَزَلْتُمُوهم، أيْ واعْتَزَلْتُمْ مَعْبُودِيهِمْ مِن دُونِ اللَّهِ، وقِيلَ: ”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ، أيِ اعْتَزَلْتُمُوهم واعْتَزَلْتُمْ عِبادَتَهم غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، والأوَّلُ أظْهَرُ.
وَقَوْلُهُ: إلّا اللَّهَ، قِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، بِناءً عَلى أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ والأصْنامَ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّهم كانُوا لا يَعْبُدُونَ إلّا الأصْنامَ، ولا يَعْرِفُونَ اللَّهَ ولا يَعْبُدُونَهُ.
وَقَوْلُهُ: مِرفَقًا أيْ ما تَرْتَفِقُونَ بِهِ، أيْ تَنْتَفِعُونَ بِهِ، وقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ مَعَ تَفْخِيمِ الرّاءِ، وقَرَأهُ باقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ وتَرْقِيقِ الرّاءِ، وهُما قِراءَتانِ ولُغَتانِ في ما يُرْتَفَقُ بِهِ، وفي عُضْوِ الإنْسانِ المَعْرُوفِ، وأنْكَرَ الكِسائِيُّ في ”المِرْفَقِ“ بِمَعْنى عُضْوِ الإنْسانِ فَتْحَ المِيمِ وكَسْرَ الفاءِ، وقالَ: هو بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، ولا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَزَعَمَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿وَيُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكُمْ﴾ بِمَعْنى البَدَلِيَّةِ، أيْ يُهَيِّئْ لَكم بَدَلًا مِن ”أمْرِكم“ الصَّعْبِ مِرْفَقًا: وعَلى هَذا الَّذِي زَعَمَ غايَةٌ؛ كَقَوْلِهِ (p-٢١٨)تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] أيْ بَدَلًا مِنها وعِوَضًا عَنْها، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلَيْتَ لَنا مِن ماءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ عَلى طَهَيانِ
أيْ بَدَلًا مِن ماءِ زَمْزَمَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَمَعْنى: ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ﴾: يَبْسُطُ لَكم: كَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ الآيَةَ [الشورى: ٢٨] .
وَقَوْلُهُ: ويُهَيِّئْ؛ أيْ يُيَسِّرْ ويُقَرِّبْ ويُسَهِّلْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences