Ash-ShinqitiAl‑Kahf · 18:19–23

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:19–23, continued

وَأمّا شَرِكَةُ الأبْدانِ فَيُحْتَجُّ لَها بِما رَواهُ أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: اشْتَرَكْتُ أنا وعَمّارٌ وسَعْدٌ فِيما نُصِيبُ يَوْمَ بَدْرٍ. قالَ: فَجاءَ سَعْدٌ بِأسِيرَيْنِ ولَمْ أجِئْ أنا وعَمّارٌ بِشَيْءٍ. رَواهُ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وقالَ المَجْدُ في ”مُنْتَقى الأخْبارِ“ بَعْدَ أنْ ساقَهُ: وهو حُجَّةٌ في شَرِكَةِ الأبْدانِ وتَمَلُّكِ المُباحاتِ، وأُعِلَّ هَذا الحَدِيثُ بِأنَّ أبا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِن أبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ المَذْكُورِ فالحَدِيثُ مُرْسَلٌ، وقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ الأئِمَّةَ الثَّلاثَةَ يَحْتَجُّونَ بِالمُرْسَلِ خِلافًا لِلْمُحَدِّثِينَ.

وَأمّا المُضارَبَةُ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيها حَدِيثٌ صَحِيحٌ مَرْفُوعٌ، ولَكِنَّ الصَّحابَةَ أجْمَعُوا عَلَيْها لِشُيُوعِها وانْتِشارِها فِيهِمْ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، وقَدْ مَضى عَلى ذَلِكَ عَمَلُ المُسْلِمِينَ مِن لَدُنِ الصَّحابَةِ إلى الآنَ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، قالَ ابْنُ حَزْمٍ في مَراتِبِ الإجْماعِ: كُلُّ أبْوابِ الفِقْهِ لَها أصْلٌ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، حاشا القِراضَ فَما وجَدْنا لَهُ أصْلًا فِيهِما البَتَّةَ، ولَكِنَّهُ إجْماعٌ صَحِيحٌ مُجَرَّدٌ، والَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أنَّهُ كانَ في عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَعَلِمَ بِهِ وأقَرَّهُ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما جازَ. اهـ مِنهُ بِواسِطَةِ نَقْلِ الشَّوْكانِيِّ في نَيْلِ الأوْطارِ.

واعْلَمْ أنَّ اخْتِلافَ الأئِمَّةِ الَّذِي قَدَّمْنا في أنْواعِ الشَّرِكَةِ المَذْكُورَةِ راجِعٌ إلى الِاخْتِلافِ في تَحْقِيقِ المَناطِ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هَذِهِ الصُّورَةُ يُوجَدُ فِيها الغَرَرُ وهو مَناطُ المَنعِ فَهي مَمْنُوعَةٌ، فَيَقُولُ الآخَرُ: لا غَرَرَ في هَذِهِ الصُّورَةِ يُوجِبُ المَنعَ فَمَناطُ المَنعِ لَيْسَ مَوْجُودًا فِيها، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أخَذَ بَعْضُ عُلَماءِ المالِكِيَّةِ وغَيْرُهم مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها أيْضًا: جَوازُ خَلْطِ الرُّفَقاءِ طَعامَهم وأكْلِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وإنْ كانَ بَعْضُهم أكْثَرَ أكْلًا مِنَ الآخَرِ؛ لِأنَّ أصْحابَ الكَهْفِ بَعَثُوا ورِقَهم لِيُشْتَرى لَهم بِها طَعامٌ يَأْكُلُونَهُ جَمِيعًا، (p-٢٤٨)وَقَدْ قَدَّمْنا في كَلامِ ابْنِ العَرَبِيِّ أنَّهُ تَحْتَمِلُ انْفِرادَ ورِقِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم وطَعامِهِ؛ فَلا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى خَلْطِهِمْ طَعامَهم، كَما قَدَّمْنا عَنْهُ أنَّها لا تَدُلُّ عَلى الِاشْتِراكِ لِلِاحْتِمالِ المَذْكُورِ، ولَهُ وجْهٌ كَما تَرى.

وَقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: ولا مُعَوَّلَ في هَذِهِ المَسْألَةِ إلّا عَلى حَدِيثَيْنِ، أحَدُهُما: «أنَّ ابْنَ عُمَرَ مَرَّ بِقَوْمٍ يَأْكُلُونَ تَمْرًا فَقالَ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الِاقْتِرانِ إلّا أنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أخاهُ»، والثّانِي: حَدِيثُ أبِي عُبَيْدَةَ في جَيْشِ الخَبَطِ، وهَذا دُونَ الأوَّلِ في الظُّهُورِ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أبُو عُبَيْدَةَ يُعْطِيهِمْ كَفافًا مِن ذَلِكَ القُوتِ ولا يَجْمَعُهم. اهـ كَلامُ ابْنِ العَرَبِيِّ المالِكِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: هَذا النَّوْعُ مِنَ الِاشْتِراكِ وهو خَلْطُ الرُّفْقَةِ طَعامَهم واشْتِراكُهم في الأكْلِ فِيهِ هو المَعْرُوفُ بِـ ”النِّهْدِ“ بِكَسْرِ النُّونِ وفَتْحِها، ولِجَوازِهِ أدِلَّةٌ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، أمّا دَلِيلُ ذَلِكَ مِنَ الكِتابِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، فَإنَّها تَدُلُّ عَلى خَلْطِ طَعامِ اليَتِيمِ مَعَ طَعامِ وصِيِّهِ وأكْلِهِما جَمِيعًا، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾ [النور: ٦١]، ومِن صُوَرِ أكْلِهِمْ جَمِيعًا أنْ يَكُونَ الطَّعامُ بَيْنَهم فَيَأْكُلُونَ جَمِيعًا، وأمّا السُّنَّةُ فَقَدْ دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ، مِنها حَدِيثُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثًا إلى السّاحِلِ، فَأمَّرَ عَلَيْهِمْ أبا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرّاحِ، وهم ثَلاثُمِائَةِ نَفَرٍ، وأنا فِيهِمْ، فَخَرَجْنا حَتّى إذا كُنّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزّادُ، فَأمَرَ أبُو عُبَيْدَةَ بِأزْوادِ ذَلِكَ الجَيْشِ، فَجَمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ، فَكانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ فَكانَ يَقُوتُنا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا حَتّى فَنِيَ، فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنا إلّا تَمْرَةً تَمْرَةً، فَقُلْتُ: وما تُغْنِي تَمْرَةٌ ؟ فَقالَ: لَقَدْ وجَدْنا فَقْدَها حِينَ فَنِيَتْ، ثُمَّ انْتَهَيْنا إلى البَحْرِ فَإذا حُوتٌ. .» الحَدِيثَ، وهَذا الحَدِيثُ ثابِتٌ في الصَّحِيحِ، واللَّفْظُ الَّذِي سُقْناهُ بِهِ لَفْظُ البُخارِيِّ في كِتابِ ”الشَّرِكَةِ“ وفِيهِ جَمْعُ أبِي عُبَيْدَةَ بَقِيَّةَ أزْوادِ القَوْمِ وخَلْطُها في مِزْوَدَيْ تَمْرٍ، ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ﷺ بَعْدَ قُدُومِهِمْ إلَيْهِ.

وَمِنها حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «خَفَّتْ أزْوادُ القَوْمِ وأمْلَقُوا، فَأتَوُا النَّبِيَّ ﷺ في نَحْرِ إبِلِهِمْ، فَأذِنَ لَهم فَلَقِيَهم عُمَرُ فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: ما بَقاؤُكم بَعْدَ إبِلِكم، فَدَخَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما بَقاؤُهم بَعْدَ إبِلِهِمْ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”نادِ في النّاسِ فَيَأْتُونَ بِفَضْلِ أزْوادِهِمْ“ فَبُسِطَ لِذَلِكَ نِطْعٌ وجَعَلُوهُ عَلى النِّطْعِ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَعا وبَرَّكَ عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعاهم بِأوْعِيَتِهِمْ فاحْتَثى النّاسُ حَتّى فَرَغُوا، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (p-٢٤٩)”أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ“» هَذا الحَدِيثُ ثابِتٌ في الصَّحِيحِ، واللَّفْظُ الَّذِي سُقْناهُ بِهِ لِلْبُخارِيِّ أيْضًا في كِتابِ ”الشَّرِكَةِ“ وفِيهِ: خَلَطَ طَعامَهم بَعْضَهُ مَعَ بَعْضٍ.

وَمِنها حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ: «نَهى النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُقْرِنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ جَمِيعًا حَتّى يَسْتَأْذِنَ أصْحابَهُ»، في رِوايَةٍ في الصَّحِيحِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهى عَنِ الإقْرانِ إلّا أنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنكم أخاهُ.»

كُلُّ هَذا ثابِتٌ في الصَّحِيحِ واللَّفْظُ لِلْبُخارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتابِ ”الشَّرِكَةِ“، وإذْنُ صاحِبِهِ لَهُ يَدُلُّ عَلى اشْتِراكِهِما في التَّمْرِ كَما تَرى، وهَذا الَّذِي ذَكَرْنا جَوازَهُ مِن خَلْطِ الرُّفَقاءِ طَعامَهم وأكْلِهِمْ مِنهُ جَمِيعًا هو مُرادُ البُخارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِلَفْظِ النِّهْدِ في قَوْلِهِ في كِتابِ الشَّرِكَةِ: الشَّرِكَةُ في الطَّعامِ والنِّهْدِ. إلى قَوْلِهِ: لَمْ يَرَ المُسْلِمُونَ في النِّهْدِ بَأْسًا أنْ يَأْكُلَ هَذا بَعْضًا وهَذا بَعْضًا وهَذا بَعْضًا إلَخْ.

فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِمَسْألَةِ الشَّرِكَةِ

الأوَّلُ: إنْ دَفَعَ شَخْصٌ دابَّتَهُ لِآخَرَ لِيَعْمَلَ عَلَيْها وما يَرْزُقُ اللَّهُ بَيْنَهُما نِصْفَيْنِ أوْ أثْلاثًا أوْ كَيْفَما شَرَطا - فَفي صِحَّةِ ذَلِكَ خِلافٌ بَيْنِ العُلَماءِ، فَقالَ بَعْضُهم: يَصِحُّ ذَلِكَ، وهو مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ، ونُقِلَ نَحْوُهُ عَنِ الأوْزاعِيِّ، وقالَ بَعْضُهم: لا يَصِحُّ ذَلِكَ، وما حَصَلَ فَهو لِلْعامِلِ وعَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِ الدّابَّةِ، وهَذا هو مَذْهَبُ مالِكٍ: قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ وكَرِهَ ذَلِكَ الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ، وقالَ الشّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْيِ: لا يَصِحُّ، والرِّبْحُ كُلُّهُ لِرَبِّ الدّابَّةِ، ولِلْعامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، هَذا حاصِلُ كَلامِ أهْلِ العِلْمِ في هَذِهِ المَسْألَةِ.

وَأقْوى الأقْوالِ دَلِيلًا عِنْدِي فِيها مَذْهَبُ مَن أجازَ ذَلِكَ، كالإمامِ أحْمَدَ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ «رُوَيْفِعِ بْنِ ثابِتٍ، قالَ: إنْ كانَ أحَدُنا في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيَأْخُذُ نِضْوَ أخِيهِ عَلى أنَّ لَهُ النِّصْفَ مِمّا يَغْنَمُ ولَنا النِّصْفُ، وإنْ كانَ أحَدُنا لَيَطِيرُ لَهُ النَّصْلُ والرِّيشُ ولِلْآخَرِ القِدْحُ»، هَذا الحَدِيثُ أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، قالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: إسْنادُ أبِي داوُدَ فِيهِ شَيْبانُ بْنُ أُمَيَّةَ القِتْبانِيُّ وهو مَجْهُولٌ، وبَقِيَّةُ رِجالِهِ ثِقاتٌ، وقَدْ أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ مِن غَيْرِ طَرِيقِ هَذا المَجْهُولِ بِإسْنادٍ رِجالُهُ كُلُّهم ثِقاتٌ، والحَدِيثُ دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلى جَوازِ دَفْعِ الرَّجُلِ إلى الآخَرِ راحِلَتَهُ في الجِهادِ عَلى أنْ تَكُونَ الغَنِيمَةُ بَيْنَهُما، وهو عَمَلٌ عَلى الدّابَّةِ عَلى أنَّ ما يَرْزُقُهُ اللَّهُ بَيْنَهُما كَما تَرى، والتَّفْرِيقُ بَيْنَ العَمَلِ في الجِهادِ وبَيْنَ غَيْرِهِ لا يَظْهَرُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

(p-٢٥٠)الفَرْعُ الثّانِي أنْ يَشْتَرِكَ ثَلاثَةٌ: مِن أحَدِهِمْ دابَّةٌ، ومِن آخَرَ رِوايَةٌ، ومِنَ الثّالِثِ العَمَلُ، عَلى أنَّ ما رَزَقَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو بَيْنَهم، فَهَلْ يَجُوزُ هَذا ؟ اخْتُلِفَ في ذَلِكَ، فَمِنَ العُلَماءِ مَن قالَ لا يَجُوزُ هَذا، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ. ومِمَّنْ قالَ بِذَلِكَ: القاضِي مِنَ الحَنابِلَةِ، وأجازَهُ بَعْضُ الحَنابِلَةِ، وقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: إنَّهُ صَحِيحٌ في قِياسِ قَوْلِ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ.

الفَرْعُ الثّالِثُ أنْ يَشْتَرِكَ أرْبَعَةٌ: مِن أحَدِهِمْ دُكّانٌ، ومِن آخَرَ رَحًى، ومِن آخَرَ بَغْلٌ، ومِنَ الرّابِعِ العَمَلُ، عَلى أنْ يَطْحَنُوا بِذَلِكَ، فَما رَزَقَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو بَيْنَهم، فَهَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ أوْ لا ؟ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: يَصِحُّ ذَلِكَ وهو مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ، وخالَفَ فِيهِ القاضِي مِنَ الحَنابِلَةِ وِفاقًا لِلْقائِلِينَ بِمَنعِ ذَلِكَ كالمالِكِيَّةِ، قالَ ابْنُ قُدامَةَ: ومَنعُهُ هو ظاهِرُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ؛ لِأنَّ هَذا لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشارَكَةً ولا مُضارَبَةَ، فَلَوْ كانَ صاحِبُ الرَّحى وصاحِبُ الدّابَّةِ وصاحِبُ الحانُوتِ اتَّفَقُوا عَلى أنْ يَعْمَلُوا جَمِيعًا وكانَ كِراءُ الحانُوتِ والرَّحى والدّابَّةِ مُتَساوِيًا، وعَمَلُ أرْبابِها مُتَساوِيًا - فَهو جائِزٌ عِنْدَ المالِكِيَّةِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ هي الَّتِي أشارَ إلَيْها خَلِيلٌ في مُخْتَصَرِهِ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما لا يَجُوزُ: وذِي رَحًا، وذِي بَيْتٍ، وذِي دابَّةٍ لِيَعْلَمُوا إنْ لَمْ يَتَساوَ الكِراءُ وتَساوَوْا في الغَلَّةِ وتَرادُّوا الأكْرِيَةَ، وإنِ اشْتُرِطَ عَمَلُ رَبِّ الدّابَّةِ فالغَلَّةُ لَهُ وعَلَيْهِ كِراؤُهُما.

وَلا يَخْفى أنَّ ”الشَّرِكَةَ“ بابٌ كَبِيرٌ مِن أبْوابِ الفِقْهِ، وأنَّ مَسائِلَها مُبَيَّنَةٌ بِاسْتِقْصاءٍ في كُتُبِ فُرُوعِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وقَصْدُنا هُنا أنْ نُبَيِّنَ جَوازَها بِالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجْماعِ، ونَذْكُرَ أقْسامَها ومَعانِيَها اللُّغَوِيَّةَ والِاصْطِلاحِيَّةَ، واخْتِلافَ العُلَماءِ فِيها، وبَيانَ أقْوالِهِمْ، وذِكْرَ بَعْضِ فُرُوعِها تَنْبِيهًا بِها عَلى غَيْرِها، وقَدْ أتَيْنا عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

18:20Page 295

إِنَّهُمۡ إِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ يَرۡجُمُوكُمۡ أَوۡ يُعِيدُوكُمۡ فِي مِلَّتِهِمۡ وَلَن تُفۡلِحُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا ٢٠

Indeed, if they come to know of you, they will stone you or return you to their religion. And never would you succeed, then - ever."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكم أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ .

ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ أنَّهم قالُوا إنَّ قَوْمَهُمُ الكُفّارَ الَّذِينَ فَرُّوا مِنهم بِدِينِهِمْ إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْهِمْ، أيْ يَطَّلِعُوا عَلَيْهِمْ ويَعْرِفُوا مَكانَهم، يَرْجُمُوهم بِالحِجارَةِ، وذَلِكَ مِن أشْنَعِ أنْواعِ القَتْلِ، وقِيلَ: يَرْجُمُوهم بِالشَّتْمِ والقَذْفِ، أوْ يُعِيدُوهم في مِلَّتِهِمْ، أيْ: يَرُدُّوهم إلى مِلَّةِ الكُفْرِ.

وَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا مِن فِعْلِ الكُفّارِ مَعَ المُسْلِمِينَ مِنَ الأذى أوِ الرَّدِّ إلى الكُفْرِ ذَكَرَهُ (p-٢٥١)فِي مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ هو فِعْلُ الكُفّارِ مَعَ الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ؛

• كَقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ [إبراهيم: ١٣]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٨٨ - ٨٩]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكم حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكم إنِ اسْتَطاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

* *

مَسْألَةٌ

أخَذَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ العُذْرَ بِالإكْراهِ مِن خَصائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ: ﴿إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكم أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ﴾ [الكهف: ٢٠]، ظاهِرٌ في إكْراهِهِمْ عَلى ذَلِكَ وعَدَمِ طَواعِيَتِهِمْ، ومَعَ هَذا قالَ عَنْهم: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ ذَلِكَ الإكْراهَ لَيْسَ بِعُذْرٍ. ويَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى حَدِيثُ طارِقِ بْنِ شِهابٍ في الَّذِي دَخَلَ النّارَ في ذُبابٍ قَرَّبَهُ مَعَ الإكْراهِ بِالخَوْفِ مِنَ القَتْلِ؛ لِأنَّ صاحِبَهُ الَّذِي امْتَنَعَ أنْ يُقَرِّبَ ولَوْ ذُبابًا قَتَلُوهُ.

وَيَشْهَدُ لَهُ أيْضًا دَلِيلُ الخِطابِ، أيْ: مَفْهُومُ المُخالَفَةِ في قَوْلِهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الخَطَأ والنِّسْيانَ وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»؛ فَإنَّهُ يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ: ”تَجاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي“ أنَّ غَيْرَ أُمَّتِهِ مِنَ الأُمَمِ لَمْ يَتَجاوَزْ لَهم عَنْ ذَلِكَ، وهَذا الحَدِيثُ وإنْ أعَلَّهُ الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ فَقَدْ تَلَقّاهُ العُلَماءُ قَدِيمًا وحَدِيثًا بِالقَبُولِ، ولَهُ شَواهِدُ ثابِتَةٌ في القُرْآنِ العَظِيمِ والسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، وقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في كِتابِنا ) دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ ( في سُورَةِ ”الكَهْفِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكُمْ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢٠]؛ ولِذَلِكَ اخْتَصَرْناها هُنا، أمّا هَذِهِ الأُمَّةُ فَقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ تَعالى بِعُذْرِهِمْ بِالإكْراهِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

⁕ ⁕ ⁕

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

(p-٣٣٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الكَهْفِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكم أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ المُكْرَهَ عَلى الكُفْرِ لا يُفْلِحُ أبَدًا.

وَقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى أنَّ المُكْرَهَ عَلى الكُفْرِ مَعْذُورٌ إذا كانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا بِالإيمانِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦] .

والجَوابُ عَنْ هَذا مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ رَفْعَ المُؤاخَذَةِ مَعَ الإكْراهِ مِن خَصائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَهو داخِلٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الخَطَأ والنِّسْيانَ، وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» فَهو يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلى خُصُوصِهِ بِأُمَّتِهِ ﷺ .

وَلَيْسَ مَفْهُومَ لَقَبٍ لِأنَّ مَناطَ التَّخْصِيصِ هو اتِّصافُهُ بِالأفْضَلِيَّةِ عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ، واتِّصافُ أُمَّتِهِ بِها عَلى مَن قَبْلَها مِنَ الأُمَمِ، والحَدِيثُ وإنْ أعَلَّهُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ فَقَدْ تَلَقّاهُ العُلَماءُ قَدِيمًا وحَدِيثًا بِالقَبُولِ، ومِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ في أنَّ مَن قَبْلَنا لَيْسَ لَهم عُذْرٌ بِالإكْراهِ حَدِيثُ طارِقِ بْنِ شِهابٍ في الَّذِي دَخَلَ النّارَ في ذُبابٍ قَرَّبَهُ لِصَنَمٍ، مَعَ أُنَّهُ قَرَّبَهُ لِيَتَخَلَّصَ مِن شَرِّ عَبَدَةِ الصَّنَمِ، وصاحِبُهُ الَّذِي امْتَنَعَ مِن ذَلِكَ قَتَلُوهُ فَعَلِمَ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ لَقَتَلُوهُ كَما قَتَلُوا صاحِبَهُ، ولا إكْراهَ أكْبَرُ مِن خَوْفِ القَتْلِ، ومَعَ هَذا دَخَلَ النّارَ ولَمْ يَنْفَعْهُ الإكْراهُ، وظَواهِرُ الآياتِ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا. ظاهِرٌ في عَدَمِ فَلاحِهِمْ مَعَ الإكْراهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَرْجُمُوكم أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ﴾، صَرِيحٌ في (p-٣٣١)الإكْراهِ، وقَوْلَهُ: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] مَعَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ”قَدْ فَعَلْتُ“، كَما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ، يَدُلُّ بِظاهِرِهِ عَلى أنَّ التَّكْلِيفَ بِذَلِكَ كانَ مَعْهُودًا قَبْلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١]، فَأسْنَدَ إلَيْهِ النِّسْيانَ والعِصْيانَ مَعًا، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا، وعَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالنِّسْيانِ التَّرْكُ، فَلا دَلِيلَ في الآيَةِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ويُسْتَأْنَسُ لِهَذا بِما ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ الكَلْبِيِّ مِن أنَّ المُؤاخَذَةَ بِالنِّسْيانِ كانَتْ مِنَ الإصْرِ عَلى مَن قَبْلَنا، وكانَ عِقابُها يُعَجَّلُ لَهم في الدُّنْيا فَيُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ بَعْضُ الطَّيِّباتِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ الإكْراهَ عُذْرٌ لِمَن قَبْلَنا، وعَلَيْهِ فالجَوابُ هو:

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الإكْراهَ عَلى الكُفْرِ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِاسْتِدْراجِ الشَّيْطانِ إلى اسْتِحْسانِهِ والِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ، كَما يُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦] وإلى هَذا الوَجْهِ جَنَحَ صاحِبُ رَوْحِ المَعانِي، والأوَّلُ أظْهَرُ عِنْدِي وأوْضَحُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

18:21Page 296

وَكَذَٰلِكَ أَعۡثَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ لِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيۡبَ فِيهَآ إِذۡ يَتَنَٰزَعُونَ بَيۡنَهُمۡ أَمۡرَهُمۡۖ فَقَالُواْ ٱبۡنُواْ عَلَيۡهِم بُنۡيَٰنٗاۖ رَّبُّهُمۡ أَعۡلَمُ بِهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِمۡ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيۡهِم مَّسۡجِدٗا ٢١

And similarly, We caused them to be found that they [who found them] would know that the promise of Allāh is truth and that of the Hour there is no doubt. [That was] when they1 disputed among themselves about their affair and [then] said, "Construct over them a structure. Their Lord is most knowing about them." Said those who prevailed in the matter, "We will surely take [for ourselves] over them a masjid."2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ .

لَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ هُنا مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ، هَلْ هم مِنَ المُسْلِمِينَ أوْ مِنَ الكُفّارِ ؟ وذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ فِيهِمْ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهم كُفّارٌ، والثّانِي أنَّهم مُسْلِمُونَ؛ (p-٢٥٢)وَهِيَ قَوْلُهم: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١]؛ لِأنَّ اتِّخاذَ المَساجِدِ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ لا مِن صِفاتِ الكُفّارِ، هَكَذا قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ. ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: اتِّخاذُ المَساجِدِ عَلى القُبُورِ مِن فِعْلِ المَلْعُونِينَ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لا مِن فِعْلِ المُسْلِمِينَ، وقَدْ قَدَّمْنا ذَلِكَ مُسْتَوْفًى بِأدِلَّتِهِ في سُورَةِ ”الحِجْرِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ الآيَةَ [الحجر: ٨٠] .

18:22Page 296

سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا ٢٢

They [i.e., people] will say there were three, the fourth of them being their dog; and they will say there were five, the sixth of them being their dog - guessing at the unseen; and they will say there were seven, and the eighth of them was their dog. Say, [O Muḥammad], "My Lord is most knowing of their number. None knows them except a few. So do not argue about them except with an obvious argument1 and do not inquire about them among [the speculators] from anyone."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهم رَجْمًا بِالغَيْبِ ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلّا قَلِيلٌ﴾ .

أخْبَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنِ اخْتِلافِ النّاسِ في عِدَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، فَذَكَرَ ثَلاثَةَ أقْوالٍ عَلى أنَّهُ لا قائِلَ بِرابِعٍ، وجاءَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ الثّالِثَ هو الصَّحِيحُ والأوَّلانِ باطِلانِ؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهُمْ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢٢]، أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾، أيْ: قَوْلًا بِلا عِلْمٍ، كَمَن يَرْمِي إلى مَكانٍ لا يَعْرِفُهُ فَإنَّهُ لا يَكادُ يُصِيبُ، وإنْ أصابَ بِلا قَصْدٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبإ: ٥٣] .

وَقالَ القُرْطُبِيُّ: الرَّجْمُ القَوْلُ بِالظَّنِّ، يُقالُ لِكُلِّ ما يُخْرَصُ رُجِمَ فِيهِ ومَرْجُومٌ ومُرَجَّمٌ كَما قالَ زُهَيْرٌ:

؎وَما الحَرْبُ إلّا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمُ وما هو عَنْها بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ

ثُمَّ حَكى القَوْلَ الثّالِثَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ فَأقَرَّهُ، ولَمْ يَذْكُرْ بَعْدَهُ أنَّ ذَلِكَ رَجْمٌ بِالغَيْبِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ الصَّحِيحُ، وقَوْلُـهُ: ﴿ما يَعْلَمُهم إلّا قَلِيلٌ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنا مِن ذَلِكَ القَلِيلِ الَّذِي يَعْلَمُهم، كانُوا سَبْعَةً. وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فِيهِ تَعْلِيمٌ لِلنّاسِ أنْ يَرُدُّوا عِلْمَ الأشْياءِ إلى خالِقِها جَلَّ وعَلا وإنْ عَلِمُوا بِها، كَما أعْلَمَ نَبِيَّهُ ﷺ بِمُدَّةٍ لُبْثِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥]، ثُمَّ أمَرَهُ مَعَ ذَلِكَ بِرَدِّ العِلْمِ إلَيْهِ جَلَّ وعَلا في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢٦]، وما قَدَّمْنا مِن أنَّهُ لا قائِلَ بِرابِعٍ قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ أخْذًا مِن ظاهِرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. مَعَ أنَّ ابْنَ إسْحاقَ وابْنَ جُرَيْجٍ قالا: كانُوا ثَمانِيَةً، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

18:23Page 296

وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاْيۡءٍ إِنِّي فَاعِلٞ ذَٰلِكَ غَدًا ٢٣

And never say of anything, "Indeed, I will do that tomorrow,"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ .

نَهى اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ سَيَفْعَلُ شَيْئًا في المُسْتَقْبَلِ إلّا مُعَلِّقًا ذَلِكَ عَلى مَشِيئَةِ (p-٢٥٣)اللَّهِ الَّذِي لا يَقَعُ شَيْءٌ في العالَمِ كائِنًا ما كانَ إلّا بِمَشِيئَتِهِ جَلَّ وعَلا، فَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ [الكهف: ٢٣]، أيْ: لا تَقُولَنَّ لِأجْلِ شَيْءٍ تَعْزِمُ عَلى فِعْلِهِ في المُسْتَقْبَلِ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ الشَّيْءَ غَدًا.

والمُرادُ بِالغَدِ: ما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ لا خُصُوصُ الغَدِ. ومِن أسالِيبِ العَرَبِيَّةِ إطْلاقُ الغَدِ عَلى المُسْتَقْبَلِ مِنَ الزَّمانِ؛ ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:

؎وَأعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ولَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ ما في غَدٍ عَمُ

يَعْنِي أنَّهُ لا يَعْلَمُ ما يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ، إذْ لا وجْهَ لِتَخْصِيصِ الغَدِ المُعَيَّنِ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤]، إلّا قائِلًا في ذَلِكَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، أيْ: مُعَلِّقًا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، أوْ لا تَقُولَنَّهُ إلّا بِإنْ شاءَ اللَّهُ، أيْ: إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، يَعْنِي إلّا مُتَلَبِّسًا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ قائِلًا إنْ شاءَ اللَّهُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ.

وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِقُرَيْشٍ: سَلُوا مُحَمَّدًا ﷺ عَنِ الرُّوحِ، وعَنْ رَجُلٍ طَوّافٍ في الأرْضِ، ) يَعْنُونَ ذا القَرْنَيْنِ (، وعَنْ فِتْيَةٍ لَهم قِصَّةٌ عَجِيبَةٌ في الزَّمانِ الماضِي، يَعْنُونَ أصْحابَ الكَهْفِ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”سَأُخْبِرُكم غَدًا عَمّا سَألْتُمْ عَنْهُ“، ولَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَلَبِثَ عَنْهُ الوَحْيُ مُدَّةً، قِيلَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. فَأحْزَنَهُ تَأخُّرُ الوَحْيِ عَنْهُ، ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْهِ الجَوابَ عَنِ الأسْئِلَةِ الثَّلاثَةِ، قالَ في الرُّوحِ: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٨٥]، وقالَ في الفِتْيَةِ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ﴾ الآياتِ [الكهف: ١٣] إلى آخِرِ قِصَّتِهِمْ، وقالَ في الرَّجُلِ الطَّوّافِ: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾» [الكهف: ٨٣] الآياتِ إلى آخِرِ قِصَّتِهِ.

فَإذا عَرَفْتَ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وسَبَبَ نُزُولِها، وأنَّ اللَّهَ عاتَبَ نَبِيَّهُ فِيها عَلى عَدَمِ قَوْلِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ، لَمّا قالَ لَهم ”سَأُخْبِرُكم غَدًا“، فاعْلَمْ أنَّهُ دَلَّتْ آيَةٌ أُخْرى بِضَمِيمَةِ بَيانِ السُّنَّةِ لَها عَلى أنَّ اللَّهَ عاتَبَ نَبِيَّهُ سُلَيْمانَ عَلى عَدَمِ قَوْلِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ، كَما عاتَبَ نَبِيَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، بَلْ فِتْنَةُ سُلَيْمانَ بِذَلِكَ كانَتْ أشَدَّ؛ فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «قالَ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ عَلَيْهِما وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلى سَبْعِينَ امْرَأةً - وفي رِوايَةٍ تِسْعِينَ امْرَأةً، وفي رِوايَةٍ مِائَةِ امْرَأةٍ - تَلِدُ كُلُّ امْرَأةٍ مِنهُنَّ غُلامًا يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ ”، فَقِيلَ لَهُ - وفي رِوايَةٍ قالَ لَهُ المَلِكُ:“ قُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ ”فَلَمْ يَقُلْ، فَطافَ بِهِنَّ فَلَمْ تَلِدْ مِنهُنَّ إلّا امْرَأةٌ واحِدَةٌ نِصْفَ (p-٢٥٤)إنْسانٍ؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قالَ إنْ شاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ وكانَ دَرْكًا لِحاجَتِهِ»، وفي رِوايَةٍ: ”وَلَقاتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسانًا أجْمَعُونَ“ ا هـ.

فَإذا عَلِمْتَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ هَذا الحَدِيثَ الصَّحِيحَ بَيَّنَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ الآيَةَ [ص: ٣٤]، وأنَّ فِتْنَةَ سُلَيْمانَ كانَتْ بِسَبَبِ تَرْكِهِ قَوْلَهُ ”إنْ شاءَ اللَّهُ“، وأنَّهُ لَمْ يَلِدْ مِن تِلْكَ النِّساءِ إلّا واحِدَةً نِصْفَ إنْسانٍ، وأنَّ ذَلِكَ الجَسَدَ الَّذِي هو نِصْفُ إنْسانٍ هو الَّذِي أُلْقِيَ عَلى كُرْسِيِّهِ بَعْدَ مَوْتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ الآيَةَ، فَما يَذْكُرُهُ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ﴾ الآيَةَ، مِن قِصَّةِ الشَّيْطانِ الَّذِي أخَذَ الخاتَمَ وجَلَسَ عَلى كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ، وطَرَدَ سُلَيْمانَ عَنْ مُلْكِهِ؛ حَتّى وجَدَ الخاتَمَ في بَطْنِ السَّمَكَةِ الَّتِي أعْطاها لَهُ مَن كانَ يَعْمَلُ عِنْدَهُ بِأجْرٍ مَطْرُودًا عَنْ مُلْكِهِ، إلى آخِرِ القِصَّةِ، لا يَخْفى أنَّهُ باطِلٌ لا أصْلَ لَهُ، وأنَّهُ لا يَلِيقُ بِمَقامِ النُّبُوَّةِ. فَهي مِنَ الإسْرائِيلِيّاتِ الَّتِي لا يَخْفى أنَّها باطِلَةٌ.

والظّاهِرُ في مَعْنى الآيَةِ هو ما ذَكَرْنا، وقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ عَلَيْهِ في الجُلَّةِ، واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском