Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:24–27
18:24Page 296
إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا ٢٤
Except [when adding], "If Allāh wills." And remember your Lord when you forget [it] and say, "Perhaps my Lord will guide me to what is nearer than this to right conduct."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ .
فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَوْلانِ مَعْرُوفانِ لِعُلَماءِ التَّفْسِيرِ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، والمَعْنى: أنَّكَ إنْ قُلْتَ سَأفْعَلُ غَدًا كَذا ونَسِيتَ أنْ تَقُولَ إنْ شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ تَذَكَّرْتَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ؛ أيِ: اذْكُرْ رَبَّكَ مُعَلِّقًا عَلى مَشِيئَتِهِ ما تَقُولُ أنَّكَ سَتَفْعَلُهُ غَدًا إذا تَذَكَّرْتَ بَعْدَ النِّسْيانِ، وهَذا القَوْلُ هو الظّاهِرُ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى قَبْلَهُ: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. ومِمَّنْ قالَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ البَصْرِيُّ وأبُو العالِيَةِ وغَيْرُهم.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآيَةَ لا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها، أنَّ المَعْنى: إذا وقَعَ مِنكَ النِّسْيانُ لِشَيْءٍ فاذْكُرِ اللَّهَ؛ لِأنَّ النِّسْيانَ مِنَ الشَّيْطانِ، كَما قالَ تَعالى عَنْ فَتى مُوسى: ﴿وَما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]، وكَقَوْلِهِ: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٩]، وقالَ تَعالى: ﴿وَإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]، وذِكْرُ اللَّهِ تَعالى يَطْرُدُ الشَّيْطانَ، كَما يَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: (p-٢٥٥)﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، وقَوْلُـهُ تَعالى: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ مَلِكِ النّاسِ إلَهِ النّاسِ مِن شَرِّ الوَسْواسِ الخَنّاسِ﴾ الآيَةَ [الناس: ١ - ٤]؛ أيِ: الوَسْواسِ عِنْدَ الغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، الخَنّاسِ: الَّذِي يَخْنِسُ ويَتَأخَّرُ صاغِرًا عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ، فَإذا ذَهَبَ الشَّيْطانُ النِّسْيانَ. وقالَ بَعْضُهم: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، أيْ: صَلِّ الصَّلاةَ الَّتِي كُنْتَ ناسِيًا لَها عِنْدَ ذِكْرِكَ لَها، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، وقَوْلُ مَن قالَ ﴿إذا نَسِيتَ﴾، أيْ: إذا غَضِبْتَ - ظاهِرُ السُّقُوطِ.
* *
مَسْألَةٌ
اشْتُهِرَ عَلى ألْسِنَةِ العُلَماءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ اسْتَنْبَطَ مِن هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَصِحُّ تَأْخِيرُهُ عَنِ المُسْتَثْنى مِنهُ زَمَنًا طَوِيلًا، قالَ بَعْضُهم: إلى شَهْرٍ، وقالَ بَعْضُهم: إلى سَنَةٍ، وقالَ بَعْضُهم عَنْهُ: لَهُ الِاسْتِثْناءُ أبَدًا. ووَجَّهَ أخْذَهُ ذَلِكَ مِنَ الآيَةِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ سَيَفْعَلُ شَيْئًا في المُسْتَقْبَلِ إلّا مِنَ الِاسْتِثْناءِ بِإنْ شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾؛ أيْ: إنْ نَسِيتَ تَسْتَثْنِي بِإنْ شاءَ اللَّهُ فاسْتَثْنِ إذا تَذَكَّرْتَ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِاتِّصالٍ ولا قُرْبٍ.
والتَّحْقِيقُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ لا يَصِحُّ إلّا مُقْتَرِنًا بِالمُسْتَثْنى مِنهُ، وأنَّ الِاسْتِثْناءَ المُتَأخِّرَ لا أثَرَ لَهُ ولا تُحَلُّ بِهِ اليَمِينُ، ولَوْ كانَ الِاسْتِثْناءُ المُتَأخِّرُ يَصِحُّ لَما عُلِمَ في الدُّنْيا أنَّهُ تَقَرَّرَ عَقْدٌ ولا يَمِينٌ ولا غَيْرُ ذَلِكَ، لِاحْتِمالِ طُرُوِّ الِاسْتِثْناءِ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا في غايَةِ البُطْلانِ كَما تَرى. ويُحْكى عَنِ المَنصُورِ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يُخالِفُ مَذْهَبَ ابْنِ عَبّاسٍ المَذْكُورَ؛ فاسْتَحْضَرَهُ لِيُنْكِرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقالَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ لِلْمَنصُورِ: هَذا يَرْجِعُ عَلَيْكَ ! إنَّك تَأْخُذُ البَيْعَةَ بِالأيْمانِ، أفَتَرْضى أنْ يَخْرُجُوا مِن عِنْدِكَ فَيَسْتَثْنَوْا فَيَخْرُجُوا عَلَيْكَ ! ؟ فاسْتَحْسَنَ كَلامَهُ ورَضِيَ عَنْهُ.
* *
فائِدَةٌ
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيِّ: سَمِعْتُ فَتاةً بِبَغْدادَ تَقُولُ لِجارَتِها: لَوْ كانَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ صَحِيحًا في الِاسْتِثْناءِ ما قالَ اللَّهُ تَعالى لِأيُّوبَ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، بَلْ يَقُولُ اسْتَثْنِ بِإنْ شاءَ اللَّهُ انْتَهى مِنهُ بِواسِطَةِ نَقْلِ صاحِبِ نَشْرِ البُنُودِ في شَرْحٍ، وقَوْلِهِ في مَراقِي السُّعُودِ:(p-٢٥٦)
؎بِشَرِكَةٍ وبِالتَّوَطِّي قالا بَعْضٌ وأوْجَبَ فِيهِ الِاتِّصالا
؎وَفِي البَواقِي دُونَ ما اضْطِرارِ ∗∗∗ وأبْطَلَنْ بِالصَّمْتِ لِلتِّذْكارِ
فَإنْ قِيلَ: فَما الجَوابُ الصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فِيما نُسِبَ إلَيْهِ مِنَ القَوْلِ بِصِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ المُتَأخِّرِ.
فالجَوابُ أنَّ مُرادَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ اللَّهَ عاتَبَ نَبِيَّهُ عَلى قَوْلِهِ إنَّهُ سَيَفْعَلُ كَذا غَدًا، ولَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ، وبَيَّنَ لَهُ أنَّ التَّعْلِيقَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ؛ لِأنَّهُ تَعالى لا يَقَعُ شَيْءٌ إلّا بِمَشِيئَتِهِ، فَإذا نَسِيَ التَّعْلِيقَ بِالمَشِيئَةِ ثُمَّ تَذَكَّرَ ولَوْ بَعْدَ طُولٍ فَإنَّهُ يَقُولُ إنْ شاءَ اللَّهُ، لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ مِن عُهْدَةِ عَدَمِ التَّعْلِيقِ بِالمَشِيئَةِ، ويَكُونَ قَدْ فَوَّضَ الأمْرَ إلى مَن لا يَقَعُ إلّا بِمَشِيئَتِهِ، فَنَتِيجَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ: هي الخُرُوجُ مِن عُهْدَةِ تَرِكَةِ المُوجِبِ لِلْعِتابِ السّابِقِ، لا أنَّهُ يُحِلُّ اليَمِينَ لِأنَّ تَدارُكَها قَدْ فاتَ بِالِانْفِصالِ، هَذا هو مُرادُ ابْنِ عَبّاسٍ كَما جَزَمَ بِهِ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ، وهَذا لا مَحْذُورَ فِيهِ ولا إشْكالَ.
وَأجابَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِجَوابٍ آخَرَ وهو: أنَّهُ نَوى الِاسْتِثْناءَ بِقَلْبِهِ ونَسِيَ النُّطْقَ بِهِ بِلِسانِهِ، فَأظْهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي نَواهُ وقْتَ اليَمِينِ، هَكَذا قالَهُ بَعْضُهم، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
18:25Page 296
وَلَبِثُواْ فِي كَهۡفِهِمۡ ثَلَٰثَ مِاْئَةٖ سِنِينَ وَٱزۡدَادُواْ تِسۡعٗا ٢٥
And they remained in their cave for three hundred years and exceeded by nine.1
No commentary for this ayah
18:26Page 296
قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُواْۖ لَهُۥ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَبۡصِرۡ بِهِۦ وَأَسۡمِعۡۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا يُشۡرِكُ فِي حُكۡمِهِۦٓ أَحَدٗا ٢٦
Say, "Allāh is most knowing of how long they remained. He has [knowledge of] the unseen [aspects] of the heavens and the earth. How Seeing is He and how Hearing! They have not besides Him any protector, and He shares not His legislation with anyone."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِ الغَيْبِ في السَّماواتِ والأرْضِ، وذَكَرَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾ [الرعد: ٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٧٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ الآيَةَ [هود: ١٢٣]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هو ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿عالِمِ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٣]، وقَوْلِـهِ (p-٢٥٧)تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّهُ يُطْلِعُ مَن شاءَ مِن خَلْقِهِ عَلى ما شاءَ مِن وحْيِهِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ الآيَةَ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ
• بِقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾ .
أيْ: ما أبْصَرَهُ وما أسْمَعَهُ جَلَّ وعَلا، وما ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنِ اتِّصافِهِ جَلَّ وعَلا بِالسَّمْعِ والبَصَرِ ذَكَرَهُ أيْضًا في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقَوْلِـهِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ واللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلًا ومِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥]، والآياتُ بِذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ لَيْسَ لَهم ولِيٌّ مِن دُونِهِ جَلَّ وعَلا، بَلْ هو ولِيُّهم جَلَّ وعَلا، وهَذا المَعْنى مَذْكُورٌ في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]، فَبَيَّنَ أنَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ، وأنَّ المُؤْمِنِينَ أوْلِياؤُهُ، والوَلِيُّ: هو مَنِ انْعَقَدَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ سَبَبٌ يُوالِيكَ وتُوالِيهِ بِهِ، فالإيمانُ سَبَبٌ يُوالِي بِهِ المُؤْمِنِينَ رَبَّهم بِالطّاعَةِ، ويُوالِيهِمْ بِهِ الثَّوابَ والنَّصْرَ والإعانَةَ.
وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّ المُؤْمِنِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥]، وقَوْلِـهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٦٧١]، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّ نَبِيَّنا ﷺ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] .
وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ تَعالى مَوْلى المُؤْمِنِينَ دُونَ الكافِرِينَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]، وهَذِهِ الوِلايَةُ المُخْتَصَّةُ بِالمُؤْمِنِينَ هي وِلايَةُ الثَّوابِ والنَّصْرِ والتَّوْفِيقِ والإعانَةِ، فَلا تُنافِي أنَّهُ مَوْلى (p-٢٥٨)الكافِرِينَ وِلايَةَ مُلْكٍ وقَهْرٍ ونُفُوذٍ ومَشِيئَةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَرُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٣٠]، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ﴾ راجِعٌ لِأهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ المَفْهُومَيْنِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ”ما لَهم“ راجِعٌ لِمُعاصِرِي النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الكُفّارِ، ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَقَدْ دَلَّتِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ أنَّ وِلايَةَ الجَمِيعِ لِخالِقِهِمْ جَلَّ وعَلا، وأنَّ مِنها وِلايَةَ ثَوابٍ وتَوْفِيقٍ وإعانَةٍ، ووِلايَةَ مُلْكٍ وقَهْرٍ ونُفُوذٍ ومَشِيئَةٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ .
قَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ السَّبْعَةِ ما عَدا ابْنَ عامِرٍ ”وَلا يُشْرِكُ“ بِالياءِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ، وضَمِّ الكافِ عَلى الخَبَرِ، ولا نافِيَةٌ والمَعْنى: ولا يُشْرِكُ اللَّهُ جَلَّ وعَلا أحَدًا في حُكْمِهِ، بَلِ الحُكْمُ لَهُ وحْدَهُ جَلَّ وعَلا لا حُكْمَ لِغَيْرِهِ ألْبَتَّةَ، فالحَلالُ ما أحَلَّهُ تَعالى، والحَرامُ ما حَرَّمَهُ، والدِّينُ ما شَرَعَهُ، والقَضاءُ ما قَضاهُ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ مِنَ السَّبْعَةِ؛ ”وَلا تُشْرِكْ“ بِضَمِّ التّاءِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ الكافِ بِصِيغَةِ النَّهْيِ، أيْ: لا تُشْرِكْ يا نَبِيَّ اللَّهِ، أوْ لا تُشْرِكْ أيُّها المُخاطَبُ أحَدًا في حُكْمِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا، بَلْ أخْلِصِ الحُكْمَ لِلَّهِ مِن شَوائِبِ شِرْكِ غَيْرِهِ في الحُكْمِ، وحُكْمُهُ جَلَّ وعَلا المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ شامِلٌ لِكُلِّ ما يَقْضِيهِ جَلَّ وعَلا، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ التَّشْرِيعُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِ الحُكْمِ لِلَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ أمَرَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ الآيَةَ [يوسف: ٦٧]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿وَما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠]، وقَوْلِـهِ: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: ١١٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
(p-٢٥٩)وَيُفْهَمُ مِن هَذِهِ الآياتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦]، أنَّ مُتَّبِعِي أحْكامِ المُشَرِّعِينَ غَيْرِ ما شَرَعَهُ اللَّهُ أنَّهم مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ، وهَذا المَفْهُومُ جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ فِيمَنِ اتَّبَعَ تَشْرِيعَ الشَّيْطانِ في إباحَةِ المَيْتَةِ بِدَعْوى أنَّها ذَبِيحَةُ اللَّهِ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]، فَصَرَّحَ بِأنَّهم مُشْرِكُونَ بِطاعَتِهِمْ، وهَذا الإشْراكُ في الطّاعَةِ، واتِّباعِ التَّشْرِيعِ المُخالِفِ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى هو المُرادُ بِعِبادَةِ الشَّيْطانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ وأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠، ٦١]، وقَوْلِـهِ تَعالى عَنْ نَبِيِّهِ إبْراهِيمَ: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]، أيْ: ما يَعْبُدُونَ إلّا شَيْطانًا، أيْ: وذَلِكَ بِاتِّباعِ تَشْرِيعِهِ، ولِذا سَمّى اللَّهُ تَعالى الَّذِينَ يُطاعُونَ فِيما زَيَّنُوا مِنَ المَعاصِي شُرَكاءَ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٣٧]، وقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ هَذا لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، فَبَيَّنَ لَهُ أنَّهم أحَلُّوا لَهم ما حَرَّمَ اللَّهُ، وحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ ما أحَلَّ اللَّهُ فاتَّبَعُوهم في ذَلِكَ، وأنَّ ذَلِكَ هو اتِّخاذُهم إيّاهم أرْبابًا.
وَمِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ في هَذا: أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا في ”سُورَةِ النِّساءِ“ بَيَّنَ أنَّ مَن يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى غَيْرِ ما شَرَعَهُ اللَّهُ يَتَعَجَّبُ مِن زَعْمِهِمْ أنَّهم مُؤْمِنُونَ، وما ذَلِكَ إلّا لِأنَّ دَعْواهُمُ الإيمانَ مَعَ إرادَةِ التَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ بالِغَةٌ مِنَ الكَذِبِ ما يَحْصُلُ مِنهُ العَجَبُ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] .
وَبِهَذِهِ النُّصُوصِ السَّماوِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا يَظْهَرُ غايَةَ الظُّهُورِ: أنَّ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ القَوانِينَ الوَضْعِيَّةَ الَّتِي شَرَعَها الشَّيْطانُ عَلى ألْسِنَةِ أوْلِيائِهِ مُخالَفَةً لِما شَرَعَهُ اللَّهُ جَلَّ وعَلا عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ، أنَّهُ لا يَشُكُّ في كُفْرِهِمْ وشِرْكِهِمْ إلّا مَن طَمَسَ اللَّهُ بَصِيرَتَهُ، وأعْماهُ عَنْ نُورِ الوَحْيِ مِثْلَهم.
* *
(p-٢٦٠)تَنْبِيهٌ
اعْلَمْ، أنَّهُ يَجِبُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ النِّظامِ الوَضْعِيِّ الَّذِي يَقْتَضِي تَحْكِيمُهُ الكُفْرَ بِخالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وبَيْنَ النِّظامِ الَّذِي لا يَقْتَضِي ذَلِكَ.
وَإيضاحُ ذَلِكَ أنَّ النِّظامَ قِسْمانِ: إدارِيٌّ، وشَرْعِيٌّ، أمّا الإدارِيُّ: الَّذِي يُرادُ بِهِ ضَبْطُ الأُمُورِ وإتْقانُها عَلى وجْهٍ غَيْرِ مُخالِفٍ لِلشَّرْعِ، فَهَذا لا مانِعَ مِنهُ، ولا مُخالِفَ فِيهِ مِنَ الصَّحابَةِ، فَمَن بَعْدَهم، وقَدْ عَمِلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن ذَلِكَ أشْياءَ كَثِيرَةً ما كانَتْ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، كَكَتْبِهِ أسْماءَ الجُنْدِ في دِيوانٍ لِأجْلِ الضَّبْطِ، ومَعْرِفَةِ مَن غابَ ومَن حَضَرَ كَما قَدَّمْنا إيضاحَ المَقْصُودِ مِنهُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ في الكَلامِ عَلى العاقِلَةِ الَّتِي تَحْمِلُ دِيَةَ الخَطَأِ، مَعَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، ولَمْ يَعْلَمْ بِتَخَلُّفِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ إلّا بَعْدَ أنْ وصَلَ تَبُوكَ ﷺ، وكاشْتِرائِهِ - أعْنِي عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دارَ صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ وجَعْلِهِ إيّاها سِجْنًا في مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ، مَعَ أنَّهُ ﷺ لَمْ يَتَّخِذْ سِجْنًا هو ولا أبُو بَكْرٍ، فَمِثْلُ هَذا مِنَ الأُمُورِ الإدارِيَّةِ الَّتِي تُفْعَلُ لِإتْقانِ الأُمُورِ مِمّا لا يُخالِفُ الشَّرْعَ لا بَأْسَ بِهِ، كَتَنْظِيمِ شُئُونِ المُوَظَّفِينَ، وتَنْظِيمِ إدارَةِ الأعْمالِ عَلى وجْهٍ لا يُخالِفُ الشَّرْعَ، فَهَذا النَّوْعُ مِنَ الأنْظِمَةِ الوَضْعِيَّةِ لا بَأْسَ بِهِ، ولا يَخْرُجُ عَنْ قَواعِدِ الشَّرْعِ مِن مُراعاةِ المَصالِحِ العامَّةِ.
وَأمّا النِّظامُ الشَّرْعِيُّ المُخالِفُ لِتَشْرِيعِ خالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَتَحْكِيمُهُ كُفْرٌ بِخالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ، كَدَعْوى أنَّ تَفْضِيلَ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى في المِيراثِ لَيْسَ بِإنْصافٍ، وأنَّهُما يَلْزَمُ اسْتِواؤُهُما في المِيراثِ. وكَدَعْوى أنَّ تَعَدُّدَ الزَّوْجاتِ ظُلْمٌ، وأنَّ الطَّلاقَ ظُلْمٌ لِلْمَرْأةِ، وأنَّ الرَّجْمَ والقَطْعَ ونَحْوَهُما أعْمالٌ وحْشِيَّةٌ لا يَسُوغُ فِعْلُها بِالإنْسانِ، ونَحْوَ ذَلِكَ.
فَتَحْكِيمُ هَذا النَّوْعِ مِنَ النِّظامِ في أنْفُسِ المُجْتَمَعِ وأمْوالِهِمْ وأعْراضِهِمْ وأنْسابِهِمْ وعُقُولِهِمْ وأدْيانِهِمْ كُفْرٌ بِخالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وتَمَرُّدٌ عَلى نِظامِ السَّماءِ الَّذِي وضَعَهُ مَن خَلَقَ الخَلائِقَ كُلَّها وهو أعْلَمُ بِمَصالِحِها سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ أنْ يَكُونَ مَعَهُ مُشَرِّعٌ آخَرُ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالًا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦]، وقَدْ قَدَّمْنا جُمْلَةً وافِيَةً مِن هَذا النَّوْعِ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٩] .
18:27Page 296
وَٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدٗا ٢٧
And recite, [O Muḥammad], what has been revealed to you of the Book of your Lord. There is no changer of His words, and never will you find in other than Him a refuge.
(p-٢٦١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ﴾ .
أمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا نَبِيَّهُ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنْ يَتْلُوَ هَذا القُرْآنَ الَّذِي أوْحاهُ إلَيْهِ رَبُّهُ. والأمْرُ في قَوْلِهِ ”واتْلُ“ [الكهف: ٢٧]، شامِلٌ لِلتِّلاوَةِ بِمَعْنى القِراءَةِ، والتِّلْوِ: بِمَعْنى الِاتِّباعِ، وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أمْرِهِ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِتِلاوَةِ القُرْآنِ العَظِيمِ واتِّباعِهِ جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”العَنْكَبُوتِ“: ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَّلاةَ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ٤٥]، وكَقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ سُورَةِ ”النَّمْلِ“: ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ وأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ﴾ الآيَةَ [النمل: ٩١، ٩٢]، ﴿وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى الأمْرِ بِتِلاوَتِهِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى عَلى الأمْرِ بِاتِّباعِهِ: ﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ لا إلَهَ إلّا هو وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ وما أنا إلّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف: ٩]، وقَوْلِـهِ تَعالى: ﴿قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [يونس: ١٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى الأمْرِ بِاتِّباعِ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ.
وَقَدْ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ بَعْضَ النَّتائِجِ الَّتِي تَحْصُلُ بِسَبَبِ تِلاوَةِ القُرْآنِ واتِّباعِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وأقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهم سِرًّا وعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [البقرة: ١٢١]، والعِبْرَةُ في هَذِهِ الآيَةِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ .
بَيَّنَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ؛ أيْ: لِأنَّ أخْبارَها صِدْقٌ وأحْكامَها عَدْلٌ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُبَدِّلَ صِدْقَها كَذِبًا، ولا أنْ يُبَدِّلَ عَدْلَها جَوْرًا، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]، فَقَوْلُهُ: ”صِدْقًا“ يَعْنِي في الإخْبارِ، وقَوْلُهُ ”عَدْلًا“ أيْ: في الأحْكامِ. وكَقَوْلِهِ: (p-٢٦٢)﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] .
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في مَواضِعَ أُخَرَ، أنَّهُ هو يُبَدِّلُ ما شاءَ مِنَ الآياتِ مَكانَ ما شاءَ مِنها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٠١]، وقَوْلِـهِ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ [البقرة: ١٠٦]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ [الكهف: ٢٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ .
أصْلُ المُلْتَحَدِ: مَكانُ الِالتِحادِ وهو الِافْتِعالُ: مِنَ اللَّحْدِ بِمَعْنى المَيْلِ، ومِنهُ اللَّحْدُ في القَبْرِ؛ لِأنَّهُ مَيْلٌ في الحَفْرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٤٠]، وقَوْلُـهُ: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٨٠]، فَمَعْنى اللَّحْدِ والإلْحادِ في ذَلِكَ: المَيْلُ عَنِ الحَقِّ، والمُلْحِدُ المائِلُ عَنْ دِينِ الحَقِّ، وقَدْ تَقَرَّرَ في فَنِّ الصَّرْفِ أنَّ الفِعْلَ إنْ زادَ ماضِيهِ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ فَمَصْدَرُهُ المِيمِيُّ واسْمُ مَكانِهِ واسْمُ زَمانِهِ كُلُّها بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ كَما هُنا، فالمُلْتَحَدُ بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ، والمُرادُ بِهِ مَكانُ الِالتِحادِ، أيِ: المَكانُ الَّذِي يَمِيلُ فِيهِ إلى مَلْجَأٍ أوْ مَنجًى يُنْجِيهِ مِمّا يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يَفْعَلَهُ بِهِ.
وَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ هُنا مِن أنَّ نَبِيَّهُ ﷺ لا يَجِدُ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا؛ أيْ: مَكانًا يَمِيلُ إلَيْهِ ويَلْجَأُ إلَيْهِ إنْ لَمْ يُبَلِّغْ رِسالَةَ رَبِّهِ ويُطِعْهُ، جاءَ مُبَيَّنًا في مَواضِعَ أُخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا قُلْ إنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أحَدٌ ولَنْ أجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا إلّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ ورِسالاتِهِ﴾ [الجن: ٢١ - ٢٢]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ الآيَةَ [الحاقة: ٤٤ - ٤٧] .
وَكَوْنُهُ لَيْسَ لَهُ مُلْتَحَدٌ، أيْ: مَكانٌ يَلْجَأُ إلَيْهِ تَكَرَّرَ نَظِيرُهُ في القُرْآنِ بِعِباراتٍ مُخْتَلِفَةٍ، كالمَناصِ، والمَحِيصِ، والمَلْجَأِ، والمَوْئِلِ، والمَفَرِّ، والوَزَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ [ص: ٣]، وقَوْلِـهِ: ﴿وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ [النساء: ١٢١]، وقَوْلِـهِ: ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ [ق: ٣٦]، وقَوْلِـهِ: ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧]، وقَوْلِـهِ: ﴿بَلْ لَهم مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٨]، (p-٢٦٣)وَقَوْلِـهِ: ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ كَلّا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١٠ - ١١]، فَكُلُّ ذَلِكَ راجِعٌ في المَعْنى إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو انْتِفاءُ مَكانٍ يَلْجَئُونَ إلَيْهِ ويَعْتَصِمُونَ بِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences