Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:59, continued
وَقالَ النَّوَوِيُّ ) في شَرْحِ المُهَذَّبِ (بَعْدَ أنْ ساقَ حَدِيثَ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتَ المَذْكُورَ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَواهُ أبُو داوُدَ وغَيْرُهُ بِأسانِيدَ صَحِيحَةٍ، وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: هو حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثابِتٌ، لَمْ يُخْتَلَفْ عَنْ مالِكٍ فِيهِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ مَعَ أنَّهُ قالَ: إنَّ المُخَدَّجِيَّ المَذْكُورَ في سَنَدِهِ مَجْهُولٌ ؟ فالجَوابُ عَنْ هَذا مِن جِهَتَيْنِ: الأُولى: أنَّ (p-٤٥٣)صِحَّتَهُ مِن قَبِيلِ الشَّواهِدِ الَّتِي ذَكَرْنا، فَإنَّها تُصَيِّرُهُ صَحِيحًا، والثّانِيَةُ هي ما قَدَّمْنا مِن تَوْثِيقِ ابْنِ حِبّانَ المُخَدَّجِيَّ المَذْكُورَ، وحَدِيثُ عُبادَةَ المَذْكُورُ فِيهِ الدَّلالَةُ الواضِحَةُ عَلى أنَّ تَرْكَ الصَّلاةِ لَيْسَ بِكُفْرٍ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ تَحْتَ المَشِيئَةِ المَذْكُورَةِ فِيهِ، دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ الكُفْرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦] .
وَمِن أدِلَّةِ أهْلِ هَذا القَوْلِ عَلى أنَّ تارِكَ الصَّلاةِ المُقِرَّ بِوُجُوبِها غَيْرُ كافِرٍ ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ وأصْحابُ السُّنَنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ أوَّلَ ما يُحاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ الصَّلاةُ المَكْتُوبَةُ، فَإنْ أتَمَّها وإلّا قِيلَ انْظُرُوا هَلْ لَهُ مِن تَطَوُّعٍ، فَإنْ كانَ لَهُ تَطَوُّعٌ أُكْمِلَتِ الفَرِيضَةُ مِن تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ يُفْعَلُ بِسائِرِ الأعْمالِ المَفْرُوضَةِ مِثْلُ ذَلِكَ» اهـ.
وَقالَ الشَّوْكانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في) نَيْلِ الأوْطارِ (: الحَدِيثُ أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ مِن ثَلاثِ طُرُقٍ: طَرِيقَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ بِأبِي هُرَيْرَةَ، والطَّرِيقَةُ الثّالِثَةُ مُتَّصِلَةٌ بِتَمِيمٍ الدّارِيِّ، وكُلُّها لا مَطْعَنَ فِيها، ولَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ هو ولا المُنْذِرِيُّ بِما يُوجِبُ ضَعْفَهُ، وأخْرَجَهُ النَّسائِيُّ مِن طَرِيقٍ إسْنادُها جَيِّدٌ ورِجالُها رِجالُ الصَّحِيحِ كَما قالَ العِراقِيُّ وصَحَّحَها ابْنُ القَطّانِ، وأخْرَجَ الحَدِيثَ الحاكِمُ ) في المُسْتَدْرَكِ (وقالَ: هَذا صَحِيحُ الإسْنادِ ولَمْ يُخَرِّجاهُ، وفي البابِ عَنْ تَمِيمٍ الدّارِيِّ عِنْدَ أبِي داوُدَ وابْنِ ماجَهْ بِنَحْوِ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ العِراقِيُّ: وإسْنادُهُ صَحِيحٌ، وأخْرَجَهُ الحاكِمُ) في المُسْتَدْرَكِ (وقالَ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ. انْتَهى مَحِلُّ الغَرَضِ مِنهُ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ عَلى عَدَمِ كُفْرِ تارِكِ الصَّلاةِ أنَّ نُقْصانَ الصَّلَواتِ المَكْتُوبَةِ وإتْمامَها مِنَ النَّوافِلِ يَتَناوَلُ بِعُمُومِهِ تَرْكَ بَعْضِها عَمْدًا، كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ عُمُومِ اللَّفْظِ كَما تَرى.
وَقالَ المَجْدُ) في المُنْتَقى (بَعْدَ أنْ ساقَ الأدِلَّةَ الَّتِي ذَكَرْنا عَلى عَدَمِ كُفْرِ تارِكِ الصَّلاةِ المُقِرِّ بِوُجُوبِها، ما نَصُّهُ: ويُعَضِّدُ هَذا المَذْهَبَ عُمُوماتٌ، ومِنها ما رُوِيَ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن شَهِدَ ألّا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وأنَّ عِيسى عَبْدُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ، والجَنَّةَ والنّارَ حَقٌّ أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلى ما كانَ مِنَ العَمَلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ ومُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلى الرَّحْلِ: ”يا مُعاذُ“، قالَ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ وسَعْدَيْكَ، ثَلاثًا، ثُمَّ قالَ: ”ما مِن عَبْدٍ يَشْهَدُ ألّا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ (p-٤٥٤)إلّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلى النّارِ“، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَلا أُخْبِرُ بِها النّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا ؟ قالَ: ”إذًا يَتَّكِلُوا“ فَأخْبَرَ بِها مُعاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأثُّمًا»، أيْ: خَوْفًا مِنَ الإثْمِ بِتَرْكِ الخَبَرِ بِهِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وإنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيامَةِ، فَهي نائِلَةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ مَن ماتَ مِن أُمَّتِي لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا» رَواهُ مُسْلِمٌ، وعَنْهُ أيْضًا: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قالَ: «أسْعَدُ النّاسِ بِشَفاعَتِي مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ خالِصًا مِن قَلْبِهِ» رَواهُ البُخارِيُّ. انْتَهى مَحِلُّ الغَرَضِ مِنهُ.
وَقالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، مِنهُمُ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وأصْحابُهُ، وجَماعَةٌ مِن أهْلِ الكُوفَةِ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، والمُزَنِيُّ صاحِبُ الشّافِعِيِّ: إنَّ تارِكَ الصَّلاةِ عَمْدًا تَكاسُلًا وتَهاوُنًا مَعَ إقْرارِهِ بِوُجُوبِها لا يُقْتَلُ ولا يُكَفَّرُ، بَلْ يُعَزَّرُ ويُحْبَسُ حَتّى يُصَلِّيَ واحْتَجُّوا عَلى عَدَمِ كُفْرِهِ بِالأدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا آنِفًا لِأهْلِ القَوْلِ الثّانِي، واحْتَجُّوا لِعَدَمِ قَتْلِهِ بِأدِلَّةٍ، مِنها حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ الَّذِي قَدَّمْناهُ في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ وغَيْرِها: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ ألّا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: الثَّيِّبِ الزّانِي، والنَّفْسِ بِالنَّفْسِ، والتّارِكِ لِدِينِهِ المُفارِقِ لِلْجَماعَةِ»، قالُوا: هَذا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، صَرَّحَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ لا يَحِلُّ دَمُ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ، ولَمْ يَذْكُرْ مِنها تَرْكَ الصَّلاةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْقَتْلِ، قالُوا: والأدِلَّةُ الَّتِي ذَكَرْتُمْ عَلى قَتْلِهِ إنَّما دَلَّتْ عَلَيْهِ بِمَفاهِيمِها أعْنِي مَفاهِيمَ المُخالَفَةِ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ، وحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ دَلَّ عَلى ما ذَكَرْنا بِمَنطُوقِهِ والمَنطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلى المَفْهُومِ، مَعَ أنَّ المُقَرَّرَ في أُصُولِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّهُ لا يَعْتَبِرُ المَفْهُومَ المَعْرُوفَ بِدَلِيلِ الخِطابِ الَّذِي هو مَفْهُومُ المُخالَفَةِ، وعَلَيْهِ فَإنَّهُ لا يَعْتَرِفُ بِدَلالَةِ الأحادِيثِ المَذْكُورَةِ عَلى قَتْلِهِ؛ لِأنَّها إنَّما دَلَّتْ عَلَيْهِ بِمَفْهُومِ مُخالَفَتِها، وحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِمَنطُوقِهِ، ومِنها قِياسُهم تَرْكَ الصَّلاةِ عَلى تَرْكِ الصَّوْمِ والحَجِّ مَثَلًا، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِن دَعائِمِ الإسْلامِ ولَمْ يُقْتَلْ تارِكُها، فَكَذَلِكَ الصَّلاةُ.
أمّا الَّذِينَ قالُوا بِأنَّهُ كافِرٌ وأنَّهُ يُقْتَلُ، فَقَدْ أجابُوا عَنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِأنَّهُ عامٌّ يُخَصَّصُ بِالأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى قَتْلِ تارِكِ الصَّلاةِ، وعَنْ قِياسِهِ عَلى تارِكِ الحَجِّ والصَّوْمِ بِأنَّهُ فاسِدُ الِاعْتِبارِ لِمُخالَفَتِهِ لِلْأحادِيثِ المَذْكُورَةِ الدّالَّةِ عَلى قَتْلِهِ، وعَنِ الأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى عَدَمِ الكُفْرِ بِأنَّ مِنها ما هو عامٌّ يُخَصَّصُ بِالأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى كُفْرِهِ، ومِنها ما هو لَيْسَ كَذَلِكَ كَحَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ الدّالِّ عَلى أنَّهُ تَحْتَ المَشِيئَةِ، فالأحادِيثُ الدّالَّةُ (p-٤٥٥)عَلى كُفْرِهِ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ؛ لِأنَّها أصَحُّ مِنهُ؛ لِأنَّ بَعْضَها في صَحِيحٍ مُسْلِمٍ وفِيهِ التَّصْرِيحُ بِكُفْرِهِ وشِرْكِهِ، ومِنها حَدِيثُ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ، مَعَ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وعَوْفِ بْنِ مالِكٍ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ.
وَرَدَّ القائِلُونَ بِأنَّهُ غَيْرُ كافِرٍ أدِلَّةَ مُخالِفِيهِمْ بِأنَّ المُرادَ بِالكُفْرِ في الأحادِيثِ المَذْكُورَةِ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، ولَيْسَ المُرادُ الكُفْرَ المُخْرِجَ عَنْ مِلَّةِ الإسْلامِ، واحْتَجُّوا لِهَذا بِأحادِيثَ كَثِيرَةٍ يُصَرِّحُ فِيها النَّبِيُّ ﷺ بِالكُفْرِ، ولَيْسَ مُرادُهُ الخُرُوجَ عَنْ مِلَّةِ الإسْلامِ، قالَ المَجْدُ) في المُنْتَقى (: وقَدْ حَمَلُوا أحادِيثَ التَّكْفِيرِ عَلى كُفْرِ النِّعْمَةِ، أوْ عَلى مَعْنًى قَدْ قارَبَ الكُفْرَ وقَدْ جاءَتْ أحادِيثُ في غَيْرِ الصَّلاةِ أُرِيدَ بِها ذَلِكَ، فَرَوى ابْنُ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سِبابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ وقِتالُهُ كُفْرٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وعَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسَ مِن رَجُلٍ ادَّعى لِغَيْرِ أبِيهِ وهو يَعْلَمُهُ إلّا كَفَرَ، ومَنِ ادَّعى ما لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنّا ولْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اثْنَتانِ في النّاسِ هُما بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ في النَّسَبِ، والنِّياحَةُ عَلى المَيِّتِ» رَواهُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «كانَ عُمَرُ يَحْلِفُ: ”وَأبِي“ فَنَهاهُ النَّبِيُّ ﷺ وقالَ: ”مَن حَلَفَ بِشَيْءٍ دُونَ اللَّهِ فَقَدْ أشْرَكَ»“ رَواهُ أحْمَدُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مُدْمِنُ الخَمْرِ إنْ ماتَ لَقِيَ اللَّهَ كَعابِدِ وثَنٍ» انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ، وأمْثالُهُ في السُّنَّةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، ومِن ذَلِكَ القَبِيلِ تَسْمِيَةُ الرِّياءِ شِرْكًا، ومِنهُ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «رَأيْتُ النّارَ فَلَمْ أرَ مَنظَرًا كاليَوْمِ أفْظَعَ، ورَأيْتُ أكْثَرَ أهْلِها النِّساءَ ”قالُوا: بِمَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ:“ بِكُفْرِهِنَّ ”قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ ؟ قالَ:“ يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، ويَكْفُرْنَ الإحْسانَ، لَوْ أحْسَنْتَ إلى إحْداهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأتْ مِنكَ شَيْئًا، قالَتْ: ما رَأيْتُ مِنكَ خَيْرًا قَطُّ» هَذا لَفْظُ البُخارِيِّ في بَعْضِ المَواضِعِ الَّتِي أخْرَجَ فِيها الحَدِيثَ المَذْكُورَ، وقَدْ أطْلَقَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ اسْمَ الكُفْرِ عَلَيْهِنَّ، فَلَمّا اسْتَفْسَرُوهُ عَنْ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أنَّ مُرادَهُ غَيْرُ الكُفْرِ المُخْرِجِ عَنْ مِلَّةِ الإسْلامِ.
هَذا هو حاصِلُ كَلامِ العُلَماءِ وأدِلَّتِهِمْ في مَسْألَةِ تَرْكِ الصَّلاةِ عَمْدًا مَعَ الِاعْتِرافِ بِوُجُوبِها، وأظْهَرُ الأقْوالِ أدِلَّةً عِنْدِي: قَوْلُ مَن قالَ إنَّهُ كافِرٌ، وأجْرى الأقْوالَ عَلى مُقْتَضى الصِّناعَةِ الأُصُولِيَّةِ وعُلُومِ الحَدِيثِ قَوْلُ الجُمْهُورِ: إنَّهُ كُفْرٌ غَيْرُ مُخْرِجٍ عَنِ المِلَّةِ لِوُجُوبِ الجَمْعِ بَيْنَ الأدِلَّةِ إذا أمْكَنَ، وإذا حُمِلَ الكُفْرُ والشِّرْكُ المَذْكُورانِ في الأحادِيثِ عَلى الكُفْرِ الَّذِي لا يُخْرِجُ عَنِ المِلَّةِ حَصَلَ بِذَلِكَ الجَمْعُ بَيْنَ الأدِلَّةِ والجَمْعُ واجِبٌ إذا أمْكَنَ؛ لِأنَّ (p-٤٥٦)إعْمالَ الدَّلِيلَيْنِ أوْلى مِن إلْغاءِ أحَدِهِما كَما هو مَعْلُومٌ في الأُصُولِ وعِلْمِ الحَدِيثِ، وقالَ النَّوَوِيُّ ) في شَرْحِ المُهَذَّبِ (بَعْدَ أنْ ساقَ أدِلَّةَ مَن قالُوا إنَّهُ غَيْرُ كافِرٍ، ما نَصُّهُ: ولَمْ يَزَلِ المُسْلِمُونَ يُوَرِّثُونَ تارِكَ الصَّلاةِ ويُوَرَّثُونَ عَنْهُ ولَوْ كانَ كافِرًا لَمْ يُغْفَرْ لَهُ ولَمْ يَرِثْ ولَمْ يُورَثْ.
وَأمّا الجَوابُ عَمّا احْتَجَّ بِهِ مَن كَفَّرَهُ مِن حَدِيثِ جابِرٍ وبُرَيْدَةَ، ورِوايَةِ ابْنِ شَقِيقٍ فَهو أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ شارَكَ الكافِرَ في بَعْضِ أحْكامِهِ وهو القَتْلُ، وهَذا التَّأْوِيلُ مُتَعَيِّنٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ نُصُوصِ الشَّرْعِ وقَواعِدِهِ الَّتِي ذَكَرْناها. انْتَهى مَحِلُّ الغَرَضِ مِنهُ.
* *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ
أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ مَن نَسِيَ الصَّلاةَ أوْ نامَ عَنْها حَتّى خَرَجَ وقْتُها يَجِبُ عَلَيْهِ قَضاؤُها، وقَدْ دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ أدِلَّةٌ صَحِيحَةٌ:
) مِنها ( ما رَواهُ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها لا كَفّارَةَ لَها إلّا ذَلِكَ» .
) وِمِنها ( ما رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أنَسٍ أيْضًا مَرْفُوعًا: " «إذا رَقَدَ أحَدُكم عَنِ الصَّلاةِ أوْ غَفَلَ عَنْها فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾» [طه: ١٤] .
وَمِنها: ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: " «مَن نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾» [طه: ١٤] .
وَمِنها: ما رَواهُ النَّسائِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي قَتادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ذَكَرُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ نَوْمَهم عَنِ الصَّلاةِ، فَقالَ: «إنَّهُ لَيْسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إنَّما التَّفْرِيطُ في اليَقَظَةِ، فَإذا نَسِيَ أحَدُكم صَلاةً أوْ نامَ عَنْها فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها» .
وَمِنها: ما رَواهُ مُسْلِمٌ، والإمامُ أحْمَدُ، عَنْ أبِي قَتادَةَ في قِصَّةِ نَوْمِهِمْ عَنْ صَلاةِ الفَجْرَ، قالَ: «ثُمَّ أذَّنَ بِلالٌ بِالصَّلاةِ، فَصَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلّى الغَداةَ فَصَنَعَ كَما كانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ» .
وَمِنها ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ، وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحَيْهِما، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهم، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «سَرَيْنا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا كانَ في آخِرِ اللَّيْلِ عَرَّسْنا فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ حَتّى أيْقَظَنا حَرُّ الشَّمْسِ، فَجَعَلَ (p-٤٥٧)الرَّجُلُ مِنّا يَقُومُ دَهِشًا إلى طَهُورِهِ، ثُمَّ أمَرَ بِلالًا فَأذَّنَ، ثُمَّ صَلّى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الفَجْرِ، ثُمَّ أقامَ فَصَلَّيْنا، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألا نُعِيدُها في وقْتِها مِنَ الغَدِ ؟ فَقالَ: ”أيَنْهاكم رَبُّكم تَعالى عَنِ الرِّبا ويَقْبَلُهُ مِنكم»“ ؟ اهـ، وأصْلُ حَدِيثِ عِمْرانَ هَذا في الصَّحِيحَيْنِ، ولَيْسَ فِيهِما ذِكْرُ الأذانِ والإقامَةِ، ولا قَوْلُهُ: فَقالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ ألا نُعِيدُها إلى آخِرِهِ.
والحاصِلُ أنَّ قَضاءَ النّائِمِ والنّاسِي لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ العُلَماءِ، وقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الأحادِيثُ الَّتِي ذَكَرْنا وأمْثالُها مِمّا لَمْ نَذْكُرْهُ.
* *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ
اعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّهُ يَجِبُ تَقْدِيمُ الصَّلَواتِ الفَوائِتِ عَلى الصَّلاةِ الحاضِرَةِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جاءَ يَوْمَ الخَنْدَقِ بَعْدَ ما غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفّارَ قُرَيْشٍ، قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ، ما كِدْتُ أُصَلِّي العَصْرَ حَتّى كادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”واللَّهِ ما صَلَّيْتُها“ فَقُمْنا إلى بُطْحانَ فَتَوَضَّأ لِلصَّلاةِ وتَوَضَّأْنا لَها، فَصَلّى العَصْرَ بَعْدَ ما غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلّى بَعْدَها المَغْرِبَ» . اهـ.
فَهَذا الحَدِيثُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى العَصْرَ قَضاءً بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وقَدَّمَها عَلى المَغْرِبِ، وهو نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ في تَقْدِيمِ الفائِتَةِ عَلى الحاضِرَةِ، والمُقَرَّرُ في الأُصُولِ: أنَّ أفْعالَ النَّبِيِّ ﷺ المُجَرَّدَةَ مِن قَرِينَةِ الوُجُوبِ وغَيْرِهِ تُحْمَلُ عَلى الوُجُوبِ، لِعُمُومِ النُّصُوصِ الوارِدَةِ بِالتَّأسِّي بِهِ ﷺ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، ولِلِاحْتِياطِ في الخُرُوجِ مِن عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ.
وَمِن أظْهَرِ الأدِلَّةِ في ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا خَلَعَ نَعْلَهُ في الصَّلاةِ فَخَلَعَ أصْحابُهُ نِعالَهم تَأسِّيًا بِهِ ﷺ قَبْلَ أنْ يَعْلَمُوا أنَّ جِبْرِيلَ أخْبَرَهُ أنَّ بِباطِنِها أذًى، وسَألَهم ﷺ لِمَ خَلَعُوا نِعالَهم ؟ وأجابُوا بِأنَّهم رَأوْهُ خَلَعَ نَعْلَهُ - وهو فِعْلٌ مُجَرَّدٌ مِن قَرائِنِ الوُجُوبِ وغَيْرِهِ - أقَرَّهم عَلى ذَلِكَ ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى لُزُومِ التَّأسِّي بِهِ في أفْعالِهِ المُجَرَّدَةِ مِنَ القَرائِنِ، والحَدِيثُ وإنْ ضَعَّفَهُ بَعْضُهم بِالإرْسالِ فَقَدْ رَجَّحَ بَعْضُهم وصْلَهُ.
والأدِلَّةُ الكَثِيرَةُ الدّالَّةُ عَلى وُجُوبِ التَّأسِّي بِهِ ﷺ في الكِتابِ والسُّنَّةِ شاهِدَةٌ لَهُ، وإلى كَوْنِ أفْعالِهِ ﷺ المُجَرَّدَةِ مِنَ القَرائِنِ تُحْمَلُ عَلى الوُجُوبِ أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ في كِتابِ السُّنَّةِ بِقَوْلِهِ:
؎وَكُلُّ ما الصِّفَةُ فِيهِ تُجْهَلْ فَلِلْوُجُوبِ في الأصَحِّ يُجْعَلْ
(p-٤٥٨)وَفِي حَمْلِهِ عَلى الوُجُوبِ مُناقَشاتٌ مَعْرُوفَةٌ في الأُصُولِ، انْظُرْها في) نَشْرِ البُنُودِ (وغَيْرِهِ.
وَيُعْتَضَدُ ما ذَكَرْنا مِن أنَّ فِعْلَهُ المُجَرَّدَ الَّذِي هو تَقْدِيمُ العَصْرِ الفائِتَةِ عَلى المَغْرِبِ الحاضِرَةِ يَقْتَضِي الوُجُوبَ بِقَوْلِهِ ﷺ: «صَلُّوا كَما رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وقالَ الحافِظُ في) فَتْحِ البارِي (في اسْتِدْلالِ البُخارِيِّ عَلى تَقْدِيمِ الأُولى مِنَ الفَوائِتِ فالأُولى بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ المَذْكُورِ ما نَصُّهُ: ولا يَنْهَضُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ لِمَن يَقُولُ بِتَرْتِيبِ الفَوائِتِ، إلّا إذا قُلْنا: إنَّ أفْعالَ النَّبِيِّ ﷺ المُجَرَّدَةَ لِلْوُجُوبِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُسْتَدَلَّ لَهُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: «صَلُّوا كَما رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وقَدِ اعْتَبَرَ ذَلِكَ الشّافِعِيَّةُ في أشْياءَ غَيْرِ هَذا. انْتَهى مِنهُ.
وَنَحْنُ نَقُولُ: الأظْهَرُ أنَّ الأفْعالَ المُجَرَّدَةَ تَقْتَضِي الوُجُوبَ كَما جَزَمَ بِهِ صاحِبُ المَراقِي في البَيْتِ المَذْكُورِ، وكَذَلِكَ عُمُومُ حَدِيثِ: «صَلُّوا كَما رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» يَقْتَضِي ذَلِكَ أيْضًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
واعْلَمْ أنَّهُ إنْ تَذَكَّرَ فائِتَةً في وقْتِ حاضِرَةٍ ضَيِّقٍ، فَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلْ يُقَدِّمُ الفائِتَةَ وإنْ خَرَجَ وقْتُ الحاضِرَةِ أوْ لا ؟ إلى ثَلاثَةِ مَذاهِبَ:
الأوَّلُ: أنَّهُ يُقَدِّمُ الفائِتَةَ وإنْ خَرَجَ وقْتُ الحاضِرَةِ، هو مَذْهَبُ مالِكٍ وجُلِّ أصْحابِهِ.
الثّانِي: أنْ يَبْدَأ بِالحاضِرَةِ مُحافَظَةً عَلى الوَقْتِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ وأكْثَرِ أصْحابِ الحَدِيثِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ يُخَيَّرُ في تَقْدِيمِ ما شاءَ مِنهُما، وهو قَوْلُ أشْهَبَ مِن أصْحابِ مالِكٍ، قالَ عِياضٌ: ومَحِلُّ الخِلافِ إذا لَمْ تَكْثُرِ الصَّلَواتُ الفَوائِتُ، فَأمّا إذا كَثُرَتْ فَلا خِلافَ أنَّهُ يَبْدَأُ بِالحاضِرَةِ، واخْتَلَفُوا في حَدِّ القَلِيلِ في ذَلِكَ، فَقِيلَ صَلاةُ يَوْمٍ، وقِيلَ أرْبَعُ صَلَواتٍ.
* *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ
أمّا تَرْتِيبُ الفَوائِتِ في أنْفُسِها فَأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى وُجُوبِهِ مَعَ الذِّكْرِ لا مَعَ النِّسْيانِ، وهو الأظْهَرُ. وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِيها بَلْ يُنْدَبُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ طاوُسٍ والحَسَنِ البَصْرِيِّ ومُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ وأبِي ثَوْرٍ وداوُدَ.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: التَّرْتِيبُ واجِبٌ مُطْلَقًا، قَلَّتِ الفَوائِتُ أمْ كَثُرَتْ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ وزُفَرُ، وعَنْ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْ نَسِيَ الفَوائِتَ صَحَّتِ الصَّلَواتُ الَّتِي صَلّى بَعْدَها، وقالَ أحْمَدُ وإسْحاقُ: لَوْ (p-٤٥٩)ذَكَرَ فائِتَةً وهو في حاضِرَةٍ تَمَّمَ الَّتِي هو فِيها ثُمَّ قَضى الفائِتَةَ، ثُمَّ يَجِبُ إعادَةُ الحاضِرَةِ، واحْتَجَّ لَهم بِحَدِيثٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن نَسِيَ صَلاةً فَلَمْ يَذْكُرْها إلّا وهو مَعَ الإمامِ فَإذا فَرَغَ مِن صَلاتِهِ فَلْيُعِدِ الصَّلاةَ الَّتِي نَسِيَ، ثُمَّ لِيُعِدَ الصَّلاةَ الَّتِي صَلّاها مَعَ الإمامِ»، قالَ النَّوَوِيُّ في) شَرْحِ المُهَذَّبِ (وهَذا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، ضَعَّفَهُ مُوسى بْنُ هارُونَ الحَمّالُ) بِالحاءِ (الحافِظُ، وقالَ أبُو زُرْعَةَ الرّازِيُّ، ثُمَّ البَيْهَقِيُّ: الصَّحِيحُ أنَّهُ مَوْقُوفٌ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: والأظْهَرُ عِنْدِي وُجُوبُ تَرْتِيبِ الفَوائِتِ في أنْفُسِها الأُولى فالأُولى، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ: أخْبَرَنا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ أبِي ذِئْبٍ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ أبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ، عَنْ أبِيهِ قالَ: «شَغَلَنا المُشْرِكُونَ يَوْمَ الخَنْدَقِ عَنْ صَلاةِ الظُّهْرِ حَتّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ في القِتالِ ما نَزَلَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥]، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلالًا فَأقامَ لِصَلاةِ الظُّهْرِ فَصَلّاها كَما كانَ يُصَلِّيها لِوَقْتِها، ثُمَّ أقامَ العَصْرَ فَصَلّاها كَما كانَ يُصَلِّيها في وقْتِها، ثُمَّ أذَّنَ لِلْمَغْرِبِ فَصَلّاها كَما كانَ يُصَلِّيها في وقْتِها» . اهـ.
فَهَذا الإسْنادُ صَحِيحٌ كَما تَرى، ورِجالُهُ ثِقاتٌ مَعْرُوفُونَ، فَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ هو أبُو حَفْصٍ الفَلّاسُ وهو ثِقَةٌ حافِظٌ، ويَحْيى هو القَطّانُ وجَلالَتُهُ مَعْرُوفَةٌ، وكَذَلِكَ ابْنُ أبِي ذِئْبٍ جَلالَتُهُ مَعْرُوفَةٌ، وسَعِيدُ بْنُ سَعِيدٍ هو المَقْبُرِيُّ وهو ثِقَةٌ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ ثِقَةٌ، فَهَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ كَما تَرى، وفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَتَّبَ الفَوائِتَ في القَضاءِ: الأُولى فالأُولى.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ أفْعالَهُ المُجَرَّدَةَ عَنِ القَرائِنِ تَقْتَضِي الوُجُوبَ عَلى الأصَحِّ، وأنَّ ذَلِكَ يَعْتَضِدُ بِحَدِيثِ مالِكِ بْنِ الحُوَيَرْثِ الثّابِتِ في الصَّحِيحِ: «صَلُّوا كَما رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» وحَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ هَذا أخْرَجَهُ أيْضًا الإمامُ أحْمَدُ، قالَ الشَّوْكانِيُّ في) نَيْلِ الأوْطارِ (: ورِجالُ إسْنادِهِ رِجالُ الصَّحِيحِ، وقالَ الشَّوْكانِيُّ أيْضًا عَنِ ابْنِ سَيِّدِ النّاسِ اليَعْمُرِيِّ: إنَّ حَدِيثَ أبِي سَعِيدٍ رَواهُ الطَّحاوِيُّ عَنِ المُزَنِيِّ عَنِ الشّافِعِيِّ: حَدَّثَنا ابْنُ أبِي فُدَيْكٍ، عَنِ ابْنِ أبِي ذِئْبٍ، عَنِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ عَنْ أبِيهِ، قالَ. وهَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ جَلِيلٌ. اهـ.
وَقالَ النَّسائِيُّ في سُنَنِهِ: أخْبَرَنا هَنّادٌ عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ نافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، قالَ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ: «إنَّ المُشْرِكِينَ شَغَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أرْبَعِ صَلَواتٍ يَوْمَ (p-٤٦٠)الخَنْدَقِ، فَأمَرَ بِلالًا فَأذَّنَ، ثُمَّ أقامَ فَصَلّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أقامَ فَصَلّى العَصْرَ، ثُمَّ أقامَ فَصَلّى المَغْرِبَ، ثُمَّ أقامَ فَصَلّى العِشاءَ» . اهـ.
أخْبَرَنا القاسِمُ بْنُ زَكَرِيّا بْنِ دِينارٍ قالَ: حَدَّثَنا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زائِدَةَ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ أبِي عَرُوبَةَ قالَ: حَدَّثَنا هِشامٌ: أنَّ أبا الزُّبَيْرِ المَكِّيَّ حَدَّثَهم عَنْ نافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّ أبا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ حَدَّثَهم أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنّا في غَزْوَةٍ فَحَبَسَنا المُشْرِكُونَ عَنْ صَلاةِ الظُّهْرِ والعَصْرِ والمَغْرِبِ والعِشاءِ، فَلَمّا انْصَرَفَ المُشْرِكُونَ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنادِيًا فَأقامَ لِصَلاةِ الظُّهْرِ فَصَلَّيْنا، وأقامَ لِصَلاةِ العَصْرِ فَصَلَّيْنا، وأقامَ لِصَلاةِ المَغْرِبِ فَصَلَّيْنا، وأقامَ لِصَلاةِ العِشاءِ فَصَلَّيْنا، ثُمَّ طافَ عَلَيْنا فَقالَ: ”ما عَلى الأرْضِ عِصابَةٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ غَيْرُكم»“ اهـ، وحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذا أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أيْضًا، قالَ الشَّوْكانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في ) نَيْلِ الأوْطارِ (: إنَّ إسْنادَهُ لا بَأْسَ بِهِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: والظّاهِرُ أنَّ إسْنادَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذا لا يَخْلُو مِن ضَعْفٍ؛ لِأنَّ راوِيَهِ عَنْهُ ابْنُهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ورِوايَتُهُ عَنْهُ مُرْسَلَةٌ لِأنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنهُ، ولَكِنَّ هَذا المُرْسَلَ يَعْتَضِدُ بِحَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الَّذِي قَدَّمْنا آنِفًا أنَّهُ صَحِيحٌ، ومَن يَحْتَجُّ مِنَ العُلَماءِ بِالمُرْسَلِ يَحْتَجُّ بِهِ ولَوْ لَمْ يَعْتَضِدْ بِغَيْرِهِ.
واعْلَمْ أنَّ حَدِيثَ أبِي سَعِيدٍ وابْنِ مَسْعُودٍ المَذْكُورَيْنِ لا يُعارِضُهُما ما في الصَّحِيحَيْنِ مِن كَوْنِهِمْ شَغَلُوهم عَنِ العَصْرِ وحْدَها؛ لِأنَّ ما فِيهِما زِيادَةٌ، وزِيادَةُ العُدُولِ مَقْبُولَةٌ ) ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ (وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ مِن تَقْدِيمِ ما في الصَّحِيحَيْنِ عَلى الزِّيادَةِ الَّتِي في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ وابْنِ مَسْعُودٍ خِلافُ التَّحْقِيقِ.
* *
تَنْبِيهٌ
اعْلَمْ أنَّ الأئِمَّةَ الأرْبَعَةَ وأصْحابَهم وجَماهِيرَ فُقَهاءِ الأمْصارِ عَلى أنَّ مَن نَسِيَ صَلاةً أوْ نامَ عَنْها قَضاها وحْدَها ولا تَلْزَمُهُ زِيادَةُ صَلاةٍ أُخْرى، قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ:) بابُ مَن نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّ إذا ذَكَرَها ولا يُعِيدُ إلّا تِلْكَ الصَّلاةَ (وقالَ إبْراهِيمُ: مَن تَرَكَ صَلاةً واحِدَةً عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يُعِدْ إلّا تِلْكَ الصَّلاةَ الواحِدَةَ، حَدَّثَنا أبُو نُعَيْمٍ، ومُوسى بْنُ إسْماعِيلَ قالا: حَدَّثَنا هَمّامٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّ إذا ذَكَرَها لا كَفّارَةَ لَها إلّا ذَلِكَ»، ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، قالَ مُوسى: قالَ هَمّامٌ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدَ ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، وقالَ هَمّامٌ، حَدَّثَنا قَتادَةُ، (p-٤٦١)حَدَّثَنا أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ اهـ.
وَقالَ في) فَتْحِ البارِي (في الكَلامِ عَلى هَذا الحَدِيثِ وتَرْجَمَتِهِ: قالَ عَلِيُّ بْنُ المُنَيِّرِ: صَرَّحَ البُخارِيُّ بِإثْباتِ هَذا الحُكْمِ مَعَ كَوْنِهِ مِمّا اخْتُلِفَ فِيهِ لِقُوَّةِ دَلِيلِهِ، ولَكِنَّهُ عَلى وفْقِ القِياسِ، إذِ الواجِبُ خَمْسُ صَلَواتٍ لا أكْثَرُ، فَمَن قَضى الفائِتَةَ كَمَّلَ العَدَدَ المَأْمُورَ بِهِ، ولِكَوْنِهِ عَلى مُقْتَضى ظاهِرِ الخِطابِ، لِقَوْلِ الشّارِعِ ”فَلْيُصَلِّها“ ولَمْ يَذْكُرْ زِيادَةً، وقالَ أيْضًا: ”لا كَفّارَةَ لَها إلّا ذَلِكَ“ فاسْتُفِيدَ مِن هَذا الحَصْرِ أنْ لا يَجِبَ غَيْرُ إعادَتِها، وذَهَبَ مالِكٌ إلى أنَّ مَن ذَكَرَ بَعْدَ أنْ صَلّى صَلاةً أنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الَّتِي قَبْلَها فَإنَّهُ يُصَلِّي الَّتِي ذَكَرَ، ثُمَّ يُصَلِّي الَّتِي كانَ صَلّاها مُراعاةً لِلتَّرْتِيبِ. انْتَهى مِنهُ، فَإنْ قِيلَ: جاءَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ في بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أبِي قَتادَةَ في قِصَّةِ نَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ عَنْ صَلاةِ الصُّبْحِ حَتّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ ما نَصُّهُ: ثُمَّ قالَ - يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ: «أما إنَّهُ لَيْسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إنَّما التَّفْرِيطُ عَلى مَن لَمْ يُصَلِّ الصَّلاةَ حَتّى يَجِيءَ وقْتُ الصَّلاةِ الأُخْرى، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّها حِينَ يَنْتَبِهُ لَها، فَإذا كانَ الغَدُ فَلْيُصَلِّها عِنْدَ وقْتِها» اهـ.
فَقَوْلُهُ في هَذا الحَدِيثِ: فَإذا كانَ الغَدُ. . . إلَخْ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَقْضِي الفائِتَةَ مَرَّتَيْنِ: الأُولى عِنْدَ ذِكْرِها، والثّانِيَةَ: عِنْدَ دُخُولِ وقْتِها مِنَ الغَدِ ؟ فالجَوابُ ما ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِهِ لِلْحَدِيثِ المَذْكُورِ قالَ: وأمّا قَوْلُهُ ﷺ: «فَإذا كانَ الغَدُ فَلْيُصَلِّها عِنْدَ وقْتِها» فَمَعْناهُ أنَّهُ إذا فاتَتْهُ صَلاةٌ فَقَضاها لا يَتَغَيَّرُ وقْتُها ويَتَحَوَّلُ في المُسْتَقْبَلِ، بَلْ يَبْقى كَما كانَ، فَإذا كانَ الغَدُ صَلّى صَلاةَ الغَدِ في وقْتِها المُعْتادِ ولا يَتَحَوَّلُ، ولَيْسَ مَعْناهُ أنَّهُ يَقْضِي الفائِتَةَ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً في الحالِ، ومَرَّةً في الغَدِ، وإنَّما مَعْناهُ ما قَدَّمْناهُ، فَهَذا هو الصَّوابُ في مَعْنى هَذا الحَدِيثِ، وقَدِ اضْطَرَبَتْ أقْوالُ العُلَماءِ فِيهِ، واخْتارَ المُحَقِّقُونَ ما ذَكَرْتُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى مِنهُ، وهَذا الَّذِي فَسَّرَ بِهِ هَذِهِ الرِّوايَةَ هو الَّذِي يَظْهَرُ لَنا صَوابُهُ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَلَكِنْ جاءَ في سُنَنِ أبِي داوُدَ في بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أبِي قَتادَةَ في قِصَّةِ النُّوَّمِ عَنِ الصَّلاةِ المَذْكُورَةِ ما نَصُّهُ: «فَمَن أدْرَكَ مِنكم صَلاةَ الغَدِ مِن غَدٍ صالِحًا فَلْيَقْضِ مَعَها مِثْلَها» اهـ، وهَذا اللَّفْظُ صَرِيحٌ في أنَّهُ يَقْضِي الفائِتَةَ مَرَّتَيْنِ، ولا يَحْتَمِلُ المَعْنى الَّذِي فَسَّرَ بِهِ النَّوَوِيُّ وغَيْرُهُ لَفْظَ رِوايَةِ مُسْلِمٍ.
وَلِلْعُلَماءِ عَنْ هَذِهِ الرِّوايَةِ أجْوِبَةٌ، قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ( فَتْحِ البارِي) بَعْدَ أنْ أشارَ إلى رِوايَةِ أبِي داوُدَ المَذْكُورَةِ ما نَصُّهُ: قالَ الخَطّابِيُّ: لا أعْلَمَ أحَدًا قالَ بِظاهِرِهِ وُجُوبًا، قالَ: ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ فِيهِ لِلِاسْتِحْبابِ لِيَحُوزَ فَضِيلَةَ الوَقْتِ في القَضاءِ. انْتَهى، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ السَّلَفِ بِاسْتِحْبابِ ذَلِكَ أيْضًا، بَلْ عَدُّوا الحَدِيثَ غَلَطًا مِن راوِيهِ، حَكى ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ البُخارِيِّ، ويُؤَيِّدُهُ ما رَواهُ (p-٤٦٢)النَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّهم قالُوا: «يا رَسُولَ اللَّهِ، ألا نَقْضِيها لِوَقْتِها مِنَ الغَدِ ؟ فَقالَ ﷺ: ”لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الرِّبا ويَأْخُذُهُ مِنكم»“ . انْتَهى كَلامُ صاحِبِ الفَتْحِ، وحَدِيثُ عِمْرانَ المَذْكُورُ قَدْ قَدَّمْناهُ وذَكَرْنا مَن أخْرَجَهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ
اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في مَن تَرَكَ الصَّلاةَ عَمْدًا تَكاسُلًا حَتّى خَرَجَ وقْتُها وهو مُعْتَرِفٌ بِوُجُوبِها، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضاؤُها أوْ لا يَجِبُ عَلَيْهِ، فَقَدْ قَدَّمْنا خِلافَ العُلَماءِ في كُفْرِهِ، فَعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ كافِرٌ مُرْتَدٌّ يَجْرِي عَلى الخِلافِ في المُرْتَدِّ، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضاءُ ما فاتَهُ في زَمَنِ رِدَّتِهِ أوْ لا يَجِبُ عَلَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences