Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Taha 20:80–86
20:80Page 317
يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ قَدۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ عَدُوِّكُمۡ وَوَٰعَدۡنَٰكُمۡ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنَ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰ ٨٠
O Children of Israel, We delivered you from your enemy, and We made an appointment with you1 at the right side of the mount, and We sent down to you manna and quails,
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: امْتِنانَهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِإنْجائِهِ إيّاهم مِن عَدُوِّهِمْ فِرْعَوْنَ، وأنَّهُ واعَدَهم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنِ، وأنَّهُ نَزَّلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ، والسَّلْوى، وقالَ لَهم: كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم. ولا تَطْغَوْا فَيَغْضَبَ عَلَيْكم رَبُّكم. وما ذَكَرَهُ هُنا أُوَضِّحُهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ في امْتِنانِهِ عَلَيْهِمْ بِإنْجائِهِمْ مِن عَدُوِّهِمْ فِرْعَوْنَ في ”سُورَةِ البَقَرَةِ“: ﴿وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٤٩] وقَوْلُهُ في ”الأعْرافِ“: ﴿وَإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٤١] وقَوْلُهُ في ”الدُّخانِ“: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ ﴿مِن فِرْعَوْنَ إنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ [الدخان: ٣٠ - ٣١] وقَوْلُهُ في سُورَةِ ”إبْراهِيمَ“: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٦] وقَوْلُهُ في ”الشُّعَراءِ“ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] وقَوْلُهُ في ”الدُّخانِ“ ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٨] وقَوْلُهُ في ”الأعْرافِ“: ﴿وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ [الأعراف: ١٣٧] وقَوْلُهُ في ”القَصَصِ“: ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً﴾ إلى قَوْلِهِ يَحْذَرُونَ [القصص: ٦] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
(p-٧٤)وَقَوْلُهُ هُنا: ﴿وَواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ [طه: ٨٠] الأظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ الوَعْدَ هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٤٢] وقَوْلُهُ: ﴿وَإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ الآيَةَ [البقرة: ٥١] وقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾ [طه: ٨٦] وهو الوَعْدُ بِإنْزالِ التَّوْراةِ. وقِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ هُنا: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ قَدْ أوْضَحَ امْتِنانَهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ في ”البَقَرَةِ“: ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [البقرة: ٥٧] وقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“ ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ [الأعراف: ١٦٠] وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ المَنَّ: التَّرَنْجَبِينُ، وهو شَيْءٌ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ كَنُزُولِ النَّدى ثُمَّ يَتَجَمَّدُ، وهو يُشْبِهُ العَسَلَ الأبْيَضَ. والسَّلْوى: طائِرٌ يُشْبِهُ السُّمانى. وقِيلَ هو السُّمانى. وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ في المَنِّ، والسَّلْوى. وقِيلَ: السَّلْوى العَسَلُ. وأنْكَرَ بَعْضُهم إطْلاقَ السَّلْوى عَلى العَسَلِ. والتَّحْقِيقُ: أنَّ ”السَّلْوى“ يُطْلَقُ عَلى العَسَلِ لُغَةً. ومِنهُ قَوْلُ خالِدِ بْنِ زُهَيْرٍ الهُذَلِيِّ:
؎وَقاسَمَها بِاللَّهِ جَهْدًا لَأنْتُمْ ألَذُّ مِنَ السَّلْوى إذا ما نَشُورُها
يَعْنِي ألَذَّ مِنَ العَسَلِ إذا ما نَسْتَخْرِجُها. لِأنَّ النُّشُورَ: اسْتِخْراجُ العَسَلِ. قالَ مُؤَرِّجُ بْنُ عُمَرَ السَّدُوسِيُّ: إطْلاقُ السَّلْوى عَلى العَسَلِ لُغَةُ كِنانَةَ. سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ يُسَلِّي. قالَهُ القُرْطُبِيُّ. إلّا أنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ هو المُرادُ في الآيَةِ. واخْتَلَفُوا في السَّلْوى. هَلْ هو جَمْعٌ أوْ مُفْرَدٌ ؟ فَقالَ بَعْضُهم: هو جَمْعٌ، واحِدُهُ سَلْواةٌ، وأنْشَدَ الخَلِيلُ لِذَلِكَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎وَإنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْراكِ هِزَّةٌ ∗∗∗ كَما انْتَفَضَ السَّلْواةُ مِن بَلَلِ القَطْرِ
وَيُرْوى هَذا البَيْتُ:
؎كَما انْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ
وَعَلَيْهِ فَلا شاهِدَ في البَيْتِ. وقالَ الكِسائِيُّ: السَّلْوى مُفْرَدٌ وجَمْعُهُ سَلاوى. وقالَ الأخْفَشُ: هو جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. مِثْلَ الخَيْرِ والشَّرِّ، وهو يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ واحِدُهُ سَلْوى مِثْلَ جَماعَتِهِ. كَما قالُوا: دِفْلى وسُمانى وشُكاعى في الواحِدِ والجَمْعِ. والدِّفْلى كَذِكْرى: شَجَرٌ أخْضَرُ مُرٌّ حَسَنُ المَنظَرِ، يَكُونُ في الأوْدِيَةِ. والشُّكاعى كَحُبارى وقَدْ تُفْتَحُ: نَوْعٌ مِن دَقِيقِ النَّباتِ صَغِيرٌ أخْضَرُ، دَقِيقُ العِيدانِ يُتَداوى بِهِ. والسُّمانى: طائِرٌ مَعْرُوفٌ.
(p-٧٥)قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: والأظْهَرُ عِنْدِي في المَنِّ: أنَّهُ اسْمٌ جامِعٌ لِما يَمُنُّ اللَّهُ بِهِ عَلى عَبْدِهِ مِن غَيْرِ كَدٍّ، ولا تَعَبٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ التَّرَنْجَبِينُ الَّذِي مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في التِّيهِ. ويَشْمَلُ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يُماثِلُهُ. ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ ﷺ الثّابِتُ في الصَّحِيحَيْنِ: «الكَمْأةُ مِنَ المَنِّ وماؤُها شِفاءٌ لِلْعَيْنِ» .
والأظْهَرُ عِنْدِي في السَّلْوى: أنَّهُ طائِرٌ، سَواءٌ قُلْنا إنَّهُ السُّمانى، أوْ طائِرٌ يُشْبِهُهُ، لِإطْباقِ جُمْهُورِ العُلَماءِ مِنَ السَّلَفِ، والخَلَفِ عَلى ذَلِكَ. مَعَ أنَّ السَّلْوى، يُطْلَقُ لُغَةً عَلى العَسَلِ، كَما بَيَّنّا.
وَقَوْلُهُ في آيَةِ ”طه“ هَذِهِ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [طه: ٨١] أيْ: مِنَ المَنِّ، والسَّلْوى، والأمْرُ فِيهِ لِلْإباحَةِ، والِامْتِنانِ.
وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ في ”البَقَرَةِ“ ﴿وَأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧] وقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“: ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٠] وقَوْلِهِ: كُلُوا في هَذِهِ الآياتِ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وقُلْنا لَهم كُلُوا، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ راجِعٌ إلى المَوْصُولِ الَّذِي هو ”ما“ أيْ: كُلُوا مِن طَيِّباتِ الَّذِي رَزَقْناكم ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ أيْ: فِيما رَزَقْناكم. ونَهاهم عَنِ الطُّغْيانِ فِيما رَزَقَهم، وهو أنْ يَتَعَدَّوْا حُدُودَ اللَّهِ فِيهِ بِأنْ يَكْفُرُوا نِعْمَتَهُ بِهِ، ويَشْغَلَهُمُ اللَّهْوُ والنَّعِيمُ عَنِ القِيامِ بِشُكْرِ نِعَمِهِ، وأنْ يُنْفِقُوا رِزْقَهُ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ في المَعاصِي، أوْ يَسْتَعِينُوا بِهِ عَلى المَعْصِيَةِ، أوْ يَمْنَعُوا الحُقُوقَ الواجِبَةَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، ونَحْوَ ذَلِكَ.
وَبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ يُسَبِّبُ لَهم أنْ يَحِلَّ عَلَيْهِمْ غَضَبُهُ جَلَّ وعَلا، لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ فَيَحِلَّ سَبَبِيَّةٌ، والفِعْلُ مَنصُوبٌ بِأنْ مُضْمَرَةٍ بَعْدَها، لِأنَّهُ بَعْدَ النَّهْيِ وهو طَلَبٌ مَحْضٌ، كَما أشارَ إلى ذَلِكَ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎وَبَعْدَ فا جَوابُ نَفْيٍ أوْ طَلَبْ ∗∗∗ مَحْضَيْنِ أنْ وسَتْرُها حَتْمٌ نَصَبْ
وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ الكِسائِيُّ ”فَيَحُلَّ“ بِضَمِّ الحاءِ (ومَن يَحْلُلْ) بِضَمِّ اللّامِ. والباقُونَ قَرَءُوا يَحِلَّ بِكَسْرِ الحاءِ و يَحْلِلْ بِكَسْرِ اللّامِ. وعَلى قِراءَةِ الكِسائِيِّ (فَيَحُلَّ) بِالضَّمِّ أيْ: يَنْزِلُ بِكم غَضَبِي. وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَهو مِن حَلَّ يَحِلُّ بِالكَسْرِ: (p-٧٦)إذا وجَبَ، ومِنهُ حَلَّ دَيْنُهُ إذا وجَبَ أداؤُهُ. ومِنهُ ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] . وقَوْلُهُ: فَقَدْ هَوى أيْ: هَلَكَ وصارَ إلى الهاوِيَةِ، وأصْلُهُ أنْ يَسْقُطَ مِن جَبَلٍ أوْ نَحْوِهِ فَيَهْوِي إلى الأرْضِ فَيَهْلِكُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎هَوى مِن رَأْسِ مَرْقَبَةٍ ∗∗∗ فَفَتَّتَ تَحْتَها كَبِدَهُ
وَيَقُولُونَ: هَوَتْ أُمُّهُ، أيْ: سَقَطَ سُقُوطًا لا نُهُوضَ بَعْدَهُ. ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ الغَنَوِيِّ:
؎هَوَتْ أُمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غادِيًا ∗∗∗ وماذا يَوَدُّ اللَّيْلُ حِينَ يَئُوبُ
وَنَحْوَ هَذا هو أحَدُ التَّفْسِيراتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ وعَنْ شُفَيِّ بْنِ ماتِعٍ الأصْبَحِيِّ قالَ: إنَّ في جَهَنَّمَ جَبَلًا يُدْعى صَعُودًا يَطْلُعُ فِيهِ الكافِرُ أرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أنْ يَرْقاهُ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] وإنَّ في جَهَنَّمَ قَصْرًا يُقالُ لَهُ هَوى، يُرْمى الكافِرُ مِن أعْلاهُ فَيَهْوِي أرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ أصْلَهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّ الغَضَبَ صِفَةٌ وصَفَ اللَّهُ بِها نَفْسَهُ إذا انْتُهِكَتْ حُرُماتُهُ، تَظْهَرُ آثارُها في المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ. نُعَوْذُ بِاللَّهِ مِن غَضَبِهِ جَلَّ وعَلا. ونَحْنُ مَعاشِرَ المُسْلِمِينَ نُمِرُّها كَما جاءَتْ فَنُصَدِّقُ رَبَّنا في كُلِّ ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، ولا نُكَذِّبُ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، مَعَ تَنْزِيهِنا التّامِّ لَهُ جَلَّ وعَلا عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقِينَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. كَما أوْضَحْنا ذَلِكَ غايَةَ الإيضاحِ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ قَدْ أنْجَيْتُكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْتُكم بِتاءِ المُتَكَلِّمِ فِيهِما. وقَرَأهُ الباقُونَ ”وَواعَدْناكم وأنْجَيْناكم“ بِالنُّونِ الدّالَّةِ عَلى العَظَمَةِ، فَصِيغَةُ الجَمْعِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ لِلتَّعْظِيمِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (ووَعَدْناكم) بِلا ألِفٍ بَعْدَ الواوِ الثّانِيَةِ بِصِيغَةِ الفِعْلِ المُجَرَّدِ، مِنَ الوَعْدِ لا مِنَ المُواعَدَةِ مَعَ نُونِ التَّعْظِيمِ.
20:81Page 317
كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَلَا تَطۡغَوۡاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبِيۖ وَمَن يَحۡلِلۡ عَلَيۡهِ غَضَبِي فَقَدۡ هَوَىٰ ٨١
[Saying], "Eat from the good things with which We have provided you and do not transgress [or oppress others] therein, lest My anger should descend upon you. And he upon whom My anger descends has certainly fallen [i.e., perished]."
No commentary for this ayah
20:82Page 317
وَإِنِّي لَغَفَّارٞ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا ثُمَّ ٱهۡتَدَىٰ ٨٢
But indeed, I am the Perpetual Forgiver of whoever repents and believes and does righteousness and then continues in guidance.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ .
ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ غَفّارٌ أيْ: كَثِيرُ المَغْفِرَةِ لِمَن تابَ إلَيْهِ مِن مَعاصِيهِ وكُفْرِهِ، وآمَنَ بِهِ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى. وقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مِن كِتابِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٣٨] . وقَوْلِهِ في الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ: ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] (p-٧٧)وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٥٣ - ٥٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى التَّوْبَةِ، والعَمَلِ الصّالِحِ.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ثُمَّ اهْتَدى أيِ: اسْتَقامَ وثَبَتَ عَلى ما ذَكَرَ مِنَ التَّوْبَةِ، والإيمانِ، والعَمَلِ الصّالِحِ ولَمْ يَنْكُثْ. ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] وفي الحَدِيثِ: ”قُلْ آمَنتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ“ . وقالَ تَعالى: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ الآيَةَ [هود: ١١٢] .
20:83Page 317
۞ وَمَآ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ يَٰمُوسَىٰ ٨٣
[Allāh said], "And what made you hasten from your people, O Moses?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ .
أشارَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إلى قِصَّةِ مُواعَدَتِهِ مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً وذَهابِهِ إلى المِيقاتِ، واسْتِعْجالِهِ إلَيْهِ قَبْلَ قَوْمِهِ. وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا واعَدَهُ رَبُّهُ وجَعَلَ لَهُ المِيقاتَ المَذْكُورَ، وأوْصى أخاهُ هارُونَ أنْ يَخْلُفَهُ في قَوْمِهِ، اسْتَعْجَلَ إلى المِيقاتِ فَقالَ لَهُ رَبُّهُ ﴿وَما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾ .
الآيَةَ، وهَذِهِ القِصَّةُ الَّتِي أجْمَلَها هُنا أشارَ لَها في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“: ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] .
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ سُؤالٌ مَعْرُوفٌ: وهو أنَّ جَوابَ مُوسى لَيْسَ مُطابِقًا لِلسُّؤالِ الَّذِي سَألَهُ رَبُّهُ، لِأنَّ السُّؤالَ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي أعْجَلَهُ عَنْ قَوْمِهِ، والجَوابُ لَمْ يَأْتِ مُطابِقًا لِذَلِكَ. لِأنَّهُ أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ﴾ .
وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأجْوِبَةٍ:
(مِنها): أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ يَعْنِي هم قَرِيبٌ وما تَقَدَّمْتُهم إلّا بِيَسِيرٍ يُغْتَفَرُ مِثْلُهُ، فَكَأنِّي لَمْ أتَقَدَّمْهم ولَمْ أعْجَلْ عَنْهم لِقُرْبِ ما بَيْنِي وبَيْنَهم.
(ومِنها): أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا لَمّا خاطَبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وَما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾ داخَلَهُ مِنَ الهَيْبَةِ، والإجْلالِ، والتَّعْظِيمِ لِلَّهِ جَلَّ وعَلا ما أذْهَلَهُ عَنِ الجَوابِ المُطابِقِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
(p-٧٨)وَقَوْلُهُ هم أُولاءِ المَدُّ فِيهِ لُغَةُ الحِجازِيِّينَ. ورَجَّحَها ابْنُ مالِكٍ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
والمَدُّ أوْلى.
وَلُغَةُ التَّمِيمِيِّينَ ”أُولا“ بِالقَصْرِ، ويَجُوزُ دُخُولُ اللّامِ عَلى لُغَةِ التَّمِيمِيِّينَ في البُعْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أُولالِكا قَوْمِي لَمْ يَكُونُوا أُشابَةً وهَلْ يَعِظُ الضِّلِّيلَ إلّا أُولالِكا
وَأمّا عَلى لُغَةِ الحِجازِيِّينَ بِالمَدِّ فَلا يَجُوزُ دُخُولُ اللّامِ عَلَيْها.
20:84Page 317
قَالَ هُمۡ أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ ٨٤
He said, "They are close upon my tracks, and I hastened to You, my Lord, that You be pleased."
No commentary for this ayah
20:85Page 317
قَالَ فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ ٨٥
[Allāh] said, "But indeed, We have tried your people after you [departed], and the Sāmirī1 has led them astray."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ .
الظّاهِرُ أنَّ الفِتْنَةَ المَذْكُورَةَ هي عِبادَتُهُمُ العِجْلَ. فَهي فِتْنَةُ إضْلالٍ. كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] . وهَذِهِ الفِتْنَةُ بِعِبادَةِ العِجْلِ جاءَتْ مُبَيَّنَةً في آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ [البقرة: ٥١] ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
قَوْلُهُ هُنا: ﴿وَأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ أوْضَحَ كَيْفِيَّةَ إضْلالِهِ لَهم في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨] أيِ: اتَّخَذُوهُ إلَهًا وقَدْ صَنَعَهُ السّامِرِيُّ لَهم مِن حُلِيِّ القِبْطِ فَأضَلَّهم بِعِبادَتِهِ. وقَوْلُهُ هُنا ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] والسّامِرِيُّ: قِيلَ اسْمُهُ هارُونُ، وقِيلَ اسْمُهُ مُوسى بْنُ ظُفَرَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ مِن قَوْمٍ كانُوا يَعْبُدُونَ البَقَرَ. وقِيلَ: كانَ رَجُلًا مِنَ القِبْطِ. وكانَ جارًا لِمُوسى آمَنَ بِهِ وخَرَجَ مَعَهُ. وقِيلَ: كانَ عَظِيمًا مِن عُظَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَبِيلَةٍ تُعْرَفُ بِالسّامِرَةِ وهم مَعْرُوفُونَ بِالشّامِ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ مِن أهْلِ كَرْمانَ. والفِتْنَةُ أصْلُها في اللُّغَةِ: وضْعُ الذَّهَبِ في النّارِ لِيُتَبَيَّنَ أهْوَ خالِصٌ أمْ زائِفٌ. وقَدْ أُطْلِقَتْ في القُرْآنِ إطْلاقاتٍ مُتَعَدِّدَةً:
(مِنها): الوَضْعُ في النّارِ، كَقَوْلِهِ ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] أيْ: يُحْرَقُونَ بِها، وقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ الآيَةَ [البروج: ١٠] . أيْ: أحْرَقُوهم بِنارِ الأُخْدُودِ.
(p-٧٩)(ومِنها): الِاخْتِبارُ وهو الأغْلَبُ في اسْتِعْمالِ الفِتْنَةِ. كَقَوْلِهِ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ الآيَةَ [التغابن: ١٥] وقَوْلِهِ ﴿وَأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ [الجن: ١٦ - ١٧] .
(ومِنها): نَتِيجَةُ الِاخْتِبارِ إذا كانَتْ سَيِّئَةٌ. ومِن هُنا أُطْلِقَتِ الفِتْنَةُ عَلى الشِّرْكِ، كَقَوْلِهِ ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩] وقَوْلِهِ هُنا ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ﴾ الآيَةَ [طه: ٨٥] .
(ومِنها): الحُجَّةُ، كَقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] أيْ: لَمْ تَكُنْ حُجَّتُهم.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ أسْنَدَ إضْلالَهم إلَيْهِ، لِأنَّهُ هو الَّذِي تَسَبَّبَ فِيهِ بِصِياغَتِهِ لَهُمُ العِجْلَ مِن حُلِيِّ القِبْطِ ورَمْيِهِ عَلَيْهِ التُّرابَ الَّذِي مَسَّهُ حافِرُ الفَرَسِ الَّتِي جاءَ عَلَيْها جِبْرِيلُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ، كَما قالَ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ وقالَ في ”الأعْرافِ“ ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨] . والخُوارُ: صَوْتُ البَقَرِ. قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: جَعَلَ اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ ذَلِكَ الحُلِيَّ المَصُوغَ جَسَدًا مِن لَحْمٍ ودَمٍ، وهَذا هو ظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿عِجْلًا جَسَدًا﴾ .
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الصُّورَةُ لَحْمًا، ولا دَمًا، ولَكِنْ إذا دَخَلَتْ فِيها الرِّيحُ صَوَّتَتْ كَخُوارِ العِجْلِ. والأوَّلُ أقْرَبُ لِظاهِرِ الآيَةِ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ الجَمادَ لَحْمًا ودَمًا، كَما جَعَلَ آدَمَ لَحْمًا ودَمًا وكانَ طِينًا.
20:86Page 317
فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَمۡ يَعِدۡكُمۡ رَبُّكُمۡ وَعۡدًا حَسَنًاۚ أَفَطَالَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡعَهۡدُ أَمۡ أَرَدتُّمۡ أَن يَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُم مَّوۡعِدِي ٨٦
So Moses returned to his people, angry and grieved.1 He said, "O my people, did your Lord not make you a good promise?2 Then, was the time [of its fulfillment] too long for you, or did you wish that wrath from your Lord descend upon you, so you broke your promise [of obedience] to me?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ .
ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مُوسى رَجَعَ إلى قَوْمِهِ بَعْدَ مَجِيئِهِ لِلْمِيقاتِ في حالِ كَوْنِهِ في ذَلِكَ الرُّجُوعِ غَضْبانَ أسِفًا عَلى قَوْمِهِ مِن أجْلِ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ.
وَقَوْلُهُ أسِفًا أيْ: شَدِيدَ الغَضَبِ. فالأسَفُ هُنا: شِدَّةُ الغَضَبِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ أيْ: غَضْبانَ شَدِيدَ الغَضَبِ. ومِن إطْلاقِ الأسَفِ عَلى الغَضَبِ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى في ”الزُّخْرُفِ“ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] أيْ: فَلَمّا أغْضَبُونا بِتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ مَعَ تَوالِي الآياتِ عَلَيْهِمُ انْتَقَمْنا مِنهم. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الأسَفُ هُنا الحُزْنُ، والجَزَعُ. أيْ: رَجَعَ مُوسى في حالِ كَوْنِهِ غَضْبانَ (p-٨٠)حَزِينًا جَزِعًا لِكُفْرِ قَوْمِهِ بِعِبادَتِهِمْ لِلْعِجْلِ. وقِيلَ: أسِفًا أيْ: مُغْتاظًا. وقائِلُ هَذا يَقُولُ: الفَرْقُ بَيْنَ الغَضَبِ، والغَيْظِ: أنَّ اللَّهَ وصَفَ نَفْسَهُ بِالغَضَبِ، ولَمْ يَجُزْ وصْفُهُ بِالغَيْظِ. حَكاهُ الفَخْرُ الرّازِيُّ. ولا يَخْفى عَدَمُ اتِّجاهِهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ راجِعٌ إلى القَوْلِ الأوَّلِ، ولا حاجَةَ في ذَلِكَ إلى التَّفْصِيلِ المَذْكُورِ.
وَقَوْلُهُ ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ حالانِ. وقَدْ قَدَّمْنا فِيما مَضى أنَّ التَّحْقِيقَ جَوازُ تَعَدُّدِ الحالِ مِن صاحِبٍ واحِدٍ مَعَ كَوْنِ العامِلِ واحِدًا. كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:
؎والحالُ قَدْ يَجِيءُ ذا تَعَدُّدٍ لِمُفْرَدٍ فاعْلَمْ وغَيْرِ مُفْرَدٍ
وَما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا في آيَةِ ”طه“ هَذِهِ مِن كَوْنِ مُوسى رَجَعَ إلى قَوْمِهِ ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ ذَكَرَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وذَكَرَ أشْياءَ مِن آثارِ غَضَبِهِ المَذْكُورِ، كَقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“: ﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي﴾ [الأعراف: ١٥٠] . وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن آثارِ غَضَبِ مُوسى إلْقاءَهُ الألْواحَ الَّتِي فِيها التَّوْراةُ، وأخْذَهُ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ، كَما قالَ في ”الأعْرافِ“: ﴿وَألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠] وقالَ في ”طه“ مُشِيرًا لِأخْذِهِ بِرَأْسِ أخِيهِ: ﴿قالَ ياابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ [ الآيَةَ ٩٤ ] . وهَذِهِ الآياتُ فِيها الدَّلالَةُ عَلى أنَّ الخَبَرَ لَيْسَ كالعِيانِ، لِأنَّ اللَّهَ لَمّا أخْبَرَ مُوسى بِكُفْرِ قَوْمِهِ بِعِبادَتِهِمُ العِجْلَ كَما بَيَّنَهُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥] وهَذا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ يَقِينٌ لا شَكَّ فِيهِ لَمْ يُلْقِ الألْواحَ، ولَكِنَّهُ لَمّا عايَنَ قَوْمَهُ حَوْلَ العِجْلِ يَعْبُدُونَهُ أثَّرَتْ فِيهِ مُعايَنَةُ ذَلِكَ أثَرًا لَمْ يُؤَثِّرْهُ فِيهِ الخَبَرُ اليَقِينُ بِذَلِكَ، فَألْقى الألْواحَ حَتّى تَكَسَّرَتْ، وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ لِما أصابَهُ مِن شِدَّةِ الغَضَبِ مِنِ انْتِهاكِ حُرُماتِ اللَّهِ تَعالى.
وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“: وقالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: حَدَّثْنا الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبّاحِ، حَدَّثَنا عَفّانُ، حَدَّثَنا أبُو عَوانَةَ عَنْ أبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسى لَيْسَ المُعايِنُ كالمُخْبَرِ، أخْبَرَهُ رَبُّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ قَوْمَهُ فُتِنُوا بَعْدَهُ فَلَمْ يُلْقِ الألْواحَ، فَلَمّا رَآهم وعايَنَهم ألْقى الألْواحَ» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكم فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ .
(p-٨١)ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا رَجَعَ إلى قَوْمِهِ، ووَجَدَهم قَدْ عَبَدُوا العِجْلَ مِن بَعْدِهِ قالَ لَهم: ﴿ياقَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾ .
وَأظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدِي في المُرادِ بِهَذا الوَعْدِ الحَسَنِ: أنَّهُ وعَدَهم أنْ يُنَزِّلَ عَلى نَبِيِّهِمْ كِتابًا فِيهِ كُلُّ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن خَيْرِ الدُّنْيا، والآخِرَةِ. وهَذا الوَعْدُ الحَسَنُ المَذْكُورُ هُنا هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ الآيَةَ [طه: ٨٠] وفِيهِ أقْوالٌ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾ الِاسْتِفْهامُ فِيهِ لِلْإنْكارِ، يَعْنِي لَمْ يَطُلِ العَهْدُ. كَما يُقالُ في المَثَلِ: (وما بِالعَهْدِ مِن قِدَمٍ) . لِأنَّ طُولَ العَهْدِ مَظِنَّةُ النِّسْيانِ، والعَهْدُ قَرِيبٌ لَمْ يَطُلْ فَكَيْفَ نَسِيتُمْ ؟
وَقَوْلُهُ: ﴿أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ”أمْ“ هُنا هي المُنْقَطِعَةُ، والمَعْنى: بَلْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكم، ومَعْنى إرادَتِهِمْ حُلُولَ الغَضَبِ: أنَّهم فَعَلُوا ما يَسْتَوْجِبُ غَضَبَ رَبِّهِمْ بِإرادَتِهِمْ. فَكَأنَّهم أرادُوا الغَضَبَ لَمّا أرادُوا سَبَبَهُ، وهو الكُفْرُ بِعِبادَةِ العِجْلِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ كانُوا وعَدُوهُ أنْ يَتْبَعُوهُ لَمّا تَقَدَّمَهم إلى المِيقاتِ، وأنْ يَثْبُتُوا عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى. فَعَبَدُوا العِجْلَ وعَكَفُوا عَلَيْهِ ولَمْ يَتْبَعُوا مُوسى. فَأخْلَفُوا مَوْعِدَهُ بِالكُفْرِ وعَدَمِ الذَّهابِ في أثَرِهِ، ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ قَرَأهُ نافِعٌ وعاصِمٌ ”بِمَلْكِنا“ بِفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ”بِمُلْكِنا“ بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو ”بِمِلْكِنا“ بِكَسْرِ المِيمِ. والمَعْنى عَلى جَمِيعِ القِراءاتِ: ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِأنْ مَلَكْنا أمَرَنا، فَلَوْ مَلَكْنا أمْرَنا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ. وهو اعْتِذارٌ مِنهم بِأنَّهم ما أخْلَفُوا المَوْعِدَ بِاخْتِيارِهِمْ، ولَكِنَّهم مَغْلُوبُونَ عَلى أمْرِهِمْ مِن جِهَةِ السّامِرِيِّ وكَيْدِهِ. وهو اعْتِذارٌ بارِدٌ ساقِطٌ كَما تَرى ! ولَقَدْ صَدَقَ مَن قالَ:
؎إذا كانَ وجْهُ العُذْرِ لَيْسَ بِبَيِّنٍ فَإنَّ اطِّراحَ العُذْرِ خَيْرٌ مِنَ العُذْرِ
وَأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الَّذِينَ قالُوا لِمُوسى: ﴿ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ. لِأنَّهم وعَدُوهُ أنْ يَتْبَعُوهُ، ولَمّا وقَعَ ما وقَعَ مِن عِبادَةِ أكْثَرِهِمْ لِلْعِجْلِ تَأخَّرُوا عَنِ اتِّباعِ مُوسى بِسَبَبِ ذَلِكَ، ولَمْ يَتَجَرَّءُوا عَلى مُفارَقَتِهِمْ خَوْفًا مِنَ الفُرْقَةِ (p-٨٢)فالعُذْرُ لَهُ وجْهٌ في الجُمْلَةِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في القِصَّةِ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ﴿قالَ ياهارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ ﴿قالَ ياابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٢] .
والمَصْدَرُ في قَوْلِهِ بِمَلْكِنا مُضافٌ إلى فاعِلِهِ ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: بِمَلْكِنا أمْرَنا. وقالَ القُرْطُبِيُّ: كَأنَّهُ قالَ بِمَلْكِنا الصَّوابَ بَلْ أخْطَأْنا. فَهو اعْتِرافٌ مِنهم بِالخَطَأِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾: الزَّمانُ، يُرِيدُ مُدَّةَ مُفارَقَتِهِ لَهم.
* *
تَنْبيهٌ
كُلُّ فِعْلٍ مُضارِعٍ في القُرْآنِ مَجْزُومٌ بِـ ”لَمْ“ إذا تَقَدَّمَتْها هَمْزَةُ اسْتِفْهامِ. كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾ فِيهِ وجْهانِ مَعْرُوفانِ عِنْدَ العُلَماءِ:
الأوَّلُ: أنَّ مُضارَعَتَهُ تَنْقَلِبُ ماضَوِيَّةً، ونَفْيَهُ يَنْقَلِبُ إثْباتًا. فَيَصِيرُ قَوْلُهُ: ألَمْ يَعِدْكم بِمَعْنى وعَدَكم، وقَوْلُهُ: ألَمْ نَشْرَحْ بِمَعْنى شَرَحْنا، وقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ جَعَلْنا لَهُ عَيْنَيْنِ. وهَكَذا. ووَجْهُ انْقِلابِ المُضارَعَةِ ماضَوِيَّةً ظاهِرٌ، لِأنَّ ”لَمْ“ حَرْفُ قَلْبٍ تَقْلِبُ المُضارِعَ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ إلى مَعْنى المُضِيِّ كَما هو مَعْرُوفٌ. ووَجْهُ انْقِلابِ النَّفْيِ إثْباتًا أنَّ الهَمْزَةَ إنْكارِيَّةٌ، فَهي مُضَمَّنَةٌ مَعْنى النَّفْيِ، فَيَتَسَلَّطُ النَّفْيُ الكامِنُ فِيها عَلى النَّفْيِ الصَّرِيحِ في ”لَمْ“ فَيَنْفِيهِ، ونَفْيُ النَّفْيِ إثْباتٌ فَيَؤُولُ إلى مَعْنى الإثْباتِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الِاسْتِفْهامَ في ذَلِكَ التَّقْرِيرِ، وهو حَمْلُ المُخاطَبِ عَلى أنْ يُقِرَّ فَيَقُولُ ”بَلى“ وعَلَيْهِ فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾ حَمَلُهم عَلى أنْ يُقِرُّوا بِذَلِكَ فَيَقُولُوا بَلى هَكَذا. ونَظِيرُ هَذا مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحٍ
فَإذا عَرَفْتَ أنَّ قَوْلَهُ هُنا ﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ إلى قَوْلِهِ بِمَلْكِنا قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِيهِ أنَّ مُوسى لَمّا رَجَعَ إلَيْهِمْ في شِدَّةِ غَضَبٍ مِمّا فَعَلُوا وعاتَبَهم قالَ لَهم في ذَلِكَ العِتابِ ﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾ الآيَةَ [طه: ٨٦] فاعْلَمْ أنَّ بَعْضَ عِتابِهِ لَهم لَمْ يُبَيِّنْهُ هُنا، وكَذَلِكَ بَعْضُ فِعْلِهِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“ في القِصَّةِ بِعَيْنِها: ﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٠] (p-٨٣)وَبَيَّنَ بَعْضَ ما فَعَلَ بِقَوْلِهِ في ”الأعْرافِ“: ﴿وَألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠] وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ هُنا في ”طه“ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ ياابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences