Ash-ShinqitiAn‑Nur · 24:3

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:3, continued

الفَرْعُ الرّابِعُ: اعْلَمْ أنَّ الَّذِينَ قالُوا بِجَوازِ نِكاحِ العَفِيفِ الزّانِيَةَ، لا يَلْزَمُ مِن قَوْلِهِمْ أنْ يَكُونَ زَوْجُ الزّانِيَةِ العَفِيفُ دَيُّوثًا؛ لِأنَّهُ إنَّما يَتَزَوَّجُها لِيَحْفَظَها، ويَحْرُسَها، ويَمْنَعَها مِنَ ارْتِكابِ ما لا يَنْبَغِي مَنعًا باتًّا بِأنْ يُراقِبَها دائِمًا، وإذا خَرَجَ تَرَكَ الأبْوابَ مُقْفَلَةً دُونَها، وأوْصى بِها مَن يَحْرُسُها بَعْدَهُ فَهو يَسْتَمْتِعُ بِها، مَعَ شِدَّةِ الغَيْرَةِ والمُحافَظَةِ عَلَيْها مِنَ الرِّيبَةِ، وإنْ جَرى مِنها شَيْءٌ لا عِلْمَ لَهُ بِهِ مَعَ اجْتِهادِهِ في صِيانَتِها وحِفْظِها فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ، ولا يَكُونُ بِهِ دَيُّوثًا، كَما هو مَعْلُومٌ، وقَدْ عَلِمْتَ مِمّا مَرَّ أنَّ أكْثَرَ أهْلِ العِلْمِ عَلى جَوازِ نِكاحِ العَفِيفِ الزّانِيَةَ كَعَكْسِهِ، وأنَّ جَماعَةً قالُوا بِمَنعِ ذَلِكَ.

(p-٤٢٨)والأظْهَرُ لَنا في هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّ المُسْلِمَ لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ إلّا عَفِيفَةً صَيِّنَةً، لِلْآياتِ الَّتِي ذَكَرْنا والأحادِيثِ ويُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ ”: «فاظْفَرْ بِذاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَداكَ»“، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى،

⁕ ⁕ ⁕

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

(p-٣٥٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ النُّورِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِ نِكاحِ الزَّوانِي والزُّناةِ عَلى الأعِفّاءِ والعَفائِفِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٥]، وقَوْلُهُ: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٤] .

وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ بِعُمُومِها عَلى خِلافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ الآيَةَ [ ٢٤ ]، وقَوْلِهِ: ﴿وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] .

والجَوابُ عَنْ هَذا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، اخْتِلافًا مَبْنِيًّا عَلى الِاخْتِلافِ في حُكْمِ تَزَوُّجِ العَفِيفِ لِلزّانِيَةِ أوِ العَفِيفَةِ لِلزّانِي، فَمَن يَقُولُ هو حَرامٌ، يَقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ وعُمُومِ: ﴿وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ .

والَّذِينَ يَقُولُونَ بِعَدَمِ المَنعِ، وهُمُ الأكْثَرُ، أجابُوا بِأجْوِبَةٍ:

مِنها أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ واقْتَصَرَ صاحِبُ الإتْقانِ عَلى النَّسْخِ، ومِمَّنْ قالَ بِالنَّسْخِ: سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ والشّافِعِيُّ.

وَمِنها أنَّ النِّكاحَ في هَذِهِ الآيَةِ الوَطْءُ، وعَلَيْهِ فالمُرادُ بِالآيَةِ أنَّ الزّانِيَ لا يُطاوِعُهُ عَلى فِعْلِهِ ويُشارِكُهُ في مُرادِهِ إلّا زانِيَةٌ مِثْلُهُ، أوْ مُشْرِكَةٌ لا تَرى حُرْمَةَ الزِّنا.

وَمِنها أنَّ هَذا خاصٌّ، لِأنَّهُ كانَ في نِسْوَةٍ بَغايا كانَ الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ إحْداهُنَّ عَلى أنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ مِمّا كَسَبَتْهُ مِنَ الزِّنا، لِأنَّ ذَلِكَ هو سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ، فَزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِذَلِكَ السَّبَبِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى﴾ الآيَةَ، وهَذا أضْعَفُها، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

(p-٣٥٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ نَزَلَتْ في بَراءَةِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مِمّا رُمِيَتْ بِهِ، وذَلِكَ يُؤَيِّدُ ما قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ مِن أنَّ مَعْناها: الخَبِيثاتُ مِنَ النِّساءِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ، والخَبِيثُونَ مِنَ الرِّجالِ لِلْخَبِيثاتِ مِنَ النِّساءِ، والطَّيِّباتُ مِنَ النِّساءِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجالِ، والطَّيِّبُونَ مِنَ الرِّجالِ لِلطَّيِّباتِ مِنَ النِّساءِ، أيْ فَلَوْ كانَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها غَيْرَ طَيِّبَةٍ لَما جَعَلَها اللَّهُ زَوْجَةً لِأطْيَبِ الطَّيِّبِينَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ.

وَعَلى هَذا فالآيَةُ الكَرِيمَةُ يَظْهَرُ تَعارُضُها مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأةَ نُوحٍ وامْرَأةَ لُوطٍ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠] .

وَقَوْلِهِ أيْضًا: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأةَ فِرْعَوْنَ﴾ الآيَةَ [التحريم: ١١] .

إذِ الآيَةُ الأُولى دَلَّتْ عَلى خُبْثِ الزَّوْجَتَيْنِ الكافِرَتَيْنِ مَعَ أنَّ زَوْجَيْهِما مِن أطْيَبِ الطَّيِّبِينَ، وهُما نُوحٌ ولُوطٌ عَلَيْهِما وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ، والآيَةُ الثّانِيَةُ دَلَّتْ عَلى طِيبِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ مَعَ خُبْثِ زَوْجِها.

والجَوابُ أنَّ في مَعْنى الآيَةِ وجْهَيْنِ لِلْعُلَماءِ:

الأوَّلُ: وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والشَّعْبِيِّ والحَسَنِ البَصْرِيِّ وحَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ والضَّحّاكِ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ: أنَّ مَعْناها الخَبِيثاتُ مِنَ القَوْلِ، لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ والخَبِيثُونَ مِنَ الرِّجالِ لِلْخَبِيثاتِ مِنَ القَوْلِ، والطَّيِّباتُ مِنَ القَوْلِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجالِ والطَّيِّبُونَ مِنَ الرِّجالِ لِلطَّيِّباتِ مِنَ القَوْلِ، أيْ فَما نَسَبَهُ أهْلُ النِّفاقِ إلى عائِشَةَ مِن كَلامٍ خَبِيثٍ هم أوْلى بِهِ، وهي أوْلى بِالبَراءَةِ والنَّزاهَةِ مِنهم، ولِذا قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦]، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَلا تَعارُضَ أصْلًا بَيْنَ الآياتِ.

الوَجْهُ الثّانِي: هو ما قَدَّمْنا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ، وعَلَيْهِ فالإشْكالُ ظاهِرٌ بَيْنَ الآياتِ، والَّذِي يَظْهَرُ لِمُقَيِّدِهِ عَفا اللَّهُ عَنْهُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ إلى آخِرِهِ عَلى هَذا القَوْلِ مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ، بِدَلِيلِ امْرَأةِ نُوحٍ وامْرَأةِ فِرْعَوْنَ.

(p-٣٥٤)وَعَلَيْهِ فالغالِبُ تَقْيِيضُ كُلٍّ مِنَ الطَّيِّباتِ والطَّيِّبِينَ والخَبِيثاتِ والخَبِيثِينَ لِجِنْسِهِ وشَكْلِهِ المُلائِمِ لَهُ في الخُبْثِ أوِ الطِّيبِ، مَعَ أنَّهُ تَعالى رُبَّما قَيَّضَ خَبِيثَةً لِطَيِّبٍ كامْرَأةِ نُوحٍ ولُوطٍ، أوْ طَيِّبَةً لِخَبِيثٍ كامْرَأةِ فِرْعَوْنَ لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] .

فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ تَقْيِيضَ الخَبِيثَةِ لِلطَّيِّبِ أوِ الطَّيِّبَةِ لِلْخَبِيثِ فِيهِ حِكْمَةٌ لا يَعْقِلُها إلّا العُلَماءُ، وهي في تَقْيِيضِ الخَبِيثَةِ لِلطَّيِّبِ أنْ يُبَيِّنَ لِلنّاسِ أنَّ القَرابَةَ مِنَ الصّالِحِينَ لا تَنْفَعُ الإنْسانَ، وإنَّما يَنْفَعُهُ عَمَلُهُ، ألا تَرى أنَّ أعْظَمَ ما يُدافِعُ عَنْهُ الإنْسانُ زَوْجَتُهُ، وأكْرَمَ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ رُسُلُهُ، فَدُخُولُ امْرَأةِ نُوحٍ وامْرَأةِ لُوطٍ النّارَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠] فِيهِ أكْبَرُ واعِظٍ وأعْظَمُ زاجِرٍ عَنِ الِاغْتِرارِ بِالقَرابَةِ مِنَ الصّالِحِينَ والأعْلامِ، بِأنَّ الإنْسانَ إنَّما يَنْفَعُهُ عَمَلُهُ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٢٣] .

كَما أنَّ دُخُولَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ الجَنَّةَ يُعْلَمُ مِنهُ أنَّ الإنْسانَ إذا دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ لِمُخالَطَةِ الكُفّارِ مِن غَيْرِ اخْتِيارِهِ، وأحْسَنَ عَمَلَهُ وصَبَرَ عَلى القِيامِ بِدِينِهِ أنَّهُ يَدْخُلُ الجَنَّةَ ولا يَضُرُّهُ خُبْثُ الَّذِينَ يُخالِطُهم ويُعاشِرُهم، فالخَبِيثُ خَبِيثٌ وإنْ خالَطَ الصّالِحِينَ، كامْرَأةِ نُوحٍ ولُوطٍ، والطَّيِّبُ طَيِّبٌ وإنْ خالَطَ الأشْرارَ كامْرَأةِ فِرْعَوْنَ، ولَكِنَّ مُخالَطَةَ الأشْرارِ لا تَجُوزُ اخْتِيارًا، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ أدِلَّةٌ أُخَرُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском