Ash-ShinqitiAn‑Nur · 24:4

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:4

24:4Page 350

وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤

And those who accuse chaste women and then do not produce four witnesses - lash them with eighty lashes and do not accept from them testimony ever after. And those are the defiantly disobedient,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: يَرْمُونَ مَعْناهُ: يَقْذِفُونَ المُحْصَناتِ بِالزِّنا صَرِيحًا أوْ ما يَسْتَلْزِمُ الزِّنا كَنَفْيِ نَسَبِ ولَدِ المُحْصَنَةِ عَنْ أبِيهِ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ مِن غَيْرِ أبِيهِ كانَ مِن زِنًى، وهَذا القَذْفُ هو الَّذِي أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ ثَلاثَةَ أحْكامٍ:

الأوَّلُ: جَلْدُ القاذِفِ ثَمانِينَ جَلْدَةً.

والثّانِي: عَدَمُ قَبُولِ شَهادَتِهِ.

والثّالِثُ: الحُكْمُ عَلَيْهِ بِالفِسْقِ.

فَإنْ قِيلَ: أيْنَ الدَّلِيلُ مِنَ القُرْآنِ عَلى أنَّ مَعْنى ﴿يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ، هو القَذْفُ بِصَرِيحِ الزِّنى، أوْ بِما يَسْتَلْزِمُهُ كَنَفْيِ النَّسَبِ ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَتانِ مِنَ القُرْآنِ:

الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ القَذْفِ يَتَوَقَّفُ إثْباتُهُ عَلى أرْبَعَةِ شُهَداءَ إلّا الزِّنى، ومَن قالَ: إنَّ اللِّواطَ حُكْمُهُ حُكْمُ الزِّنى أجْرى أحْكامَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى اللّائِطِ.

وَقَدْ قَدَّمْنا أحْكامَ اللّائِطِ مُسْتَوْفاةً في سُورَةِ ”هُودٍ“، كَما أشَرْنا لَهُ غَيْرَ بَعِيدٍ.

القَرِينَةُ الثّانِيَةُ: هي ذِكْرُ المُحْصَناتِ بَعْدَ ذِكْرِ الزَّوانِي، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فَذِكْرُ المُحْصَناتِ بَعْدَ ذِكْرِ الزَّوانِي، يَدُلُّ عَلى إحْصانِهِنَّ، أيْ: عِفَّتِهِنَّ عَنِ الزِّنى، وأنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَهُنَّ إنَّما يَرْمُونَهُنَّ بِالزِّنى، وقَدْ قَدَّمْنا جَمِيعَ المَعانِي الَّتِي تُرادُ بِالمُحْصَناتِ في القُرْآنِ، ومَثَّلْنا لَها كُلِّها مِنَ القُرْآنِ في سُورَةِ ”النِّساءِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فَذَكَرْنا أنَّ مِنَ المَعانِي الَّتِي (p-٤٢٩)تُرادُ بِالمُحْصَناتِ كَوْنُهُنَّ عَفائِفَ غَيْرَ زانِياتٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ [النساء: ٢٤]، أيْ: عَفائِفَ غَيْرَ زانِياتٍ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ أيِ: العَفائِفَ، وإطْلاقُ المُحْصَناتِ عَلى العَفائِفِ مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:

؎فَلا تَأْمَنَنَّ الحَيَّ قَيْسًا فَإنَّهم بَنُو مُحْصَناتٍ لَمْ تُدَنَّسْ حُجُورُها

وَإطْلاقُ الرَّمْيِ عَلى رَمْيِ الشَّخْصِ لِآخَرَ بِلِسانِهِ بِالكَلامِ القَبِيحِ مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ أحْمَرَ الباهِلِيِّ:

؎رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَّوِيِّ رَمانِي

فَقَوْلُهُ: رَمانِي بِأمْرٍ يَعْنِي: أنَّهُ رَماهُ بِالكَلامِ القَبِيحِ، وفي شِعْرِ امْرِئِ القَيْسِ أوْ غَيْرِهِ: وجُرْحُ اللِّسانِ كَجُرْحِ اليَدِ

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ مُبَيَّنَةٌ في الجُمْلَةِ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ:

الجِهَةُ الأُولى: هي القَرِينَتانِ القُرْآنِيَّتانِ الدّالَّتانِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالرَّمْيِ في قَوْلِهِ: ﴿يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ هو الرَّمْيُ بِالزِّنى، أوْ ما يَسْتَلْزِمُهُ كَنَفْيِ النَّسَبِ؛ كَما أوْضَحْناهُ قَرِيبًا.

الجِهَةُ الثّانِيَةُ: هي أنَّ عُمُومَ هَذِهِ الآيَةِ ظاهِرٌ في شُمُولِهِ لِزَوْجِ المَرْأةِ إذا رَماها بِالزِّنى، ولَكِنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - بَيَّنَ أنَّ زَوْجَ المَرْأةِ إذا قَذَفَها بِالزِّنى خارِجٌ مِن عُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّهُ إنْ لَمْ يَأْتِ الشُّهَداءُ تَلاعَنا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهُمْ﴾ الآيَةَ [النور: ٦] .

وَمَضْمُونُها: أنَّ الزَّوْجَ إذا قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِالزِّنى ولَمْ يَكُنْ لَهُ شاهِدٌ غَيْرَ نَفْسِهِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلى الإتْيانِ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ عَلى الزِّنى الَّذِي رَماها بِهِ، فَإنَّهُ يَشْهَدُ أرْبَعَ شَهاداتٍ يَقُولُ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنِّي لَصادِقٌ فِيما رَمَيْتُها بِهِ مِنَ الزِّنى، ثُمَّ يَقُولُ في الخامِسَةِ: عَلَيَّ لَعْنَةُ اللَّهِ إنْ كُنْتُ كاذِبًا عَلَيْها فِيما رَمَيْتُها بِهِ، ويَرْتَفِعُ عَنْهُ الجَلْدُ وعَدَمُ قَبُولِ الشَّهادَةِ والفِسْقُ بِهَذِهِ الشَّهاداتِ، وتَشْهَدُ هي أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ، تَقُولُ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنَّهُ لَكاذِبٌ فِيما رَمانِي بِهِ مِنَ الزِّنى، ثُمَّ تَقُولُ في الخامِسَةِ: غَضَبُ اللَّهِ (p-٤٣٠)عَلَيَّ إنْ كانَ صادِقًا فِيما رَمانِي بِهِ مِنَ الزِّنى؛ كَما هو واضِحٌ مِن نَصِّ الآيَةِ.

الجِهَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ اللَّهَ بَيَّنَ هَنا حُكْمَ عُقُوبَةِ مَن رَمى المُحْصَناتِ في الدُّنْيا، ولَمْ يُبَيِّنْ ما أُعِدَّ لَهُ في الآخِرَةِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ما أُعِدَّ لَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مِن عَذابِ اللَّهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ لُعِنُوا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ [النور: ٢٣ - ٢٥]، وقَدْ زادَ في هَذِهِ الآيَةِ الأخِيرَةِ كَوْنَهُنَّ مُؤْمِناتٍ غافِلاتٍ لِإيضاحِ صِفاتِهِنَّ الكَرِيمَةَ.

وَوَصْفُهُ تَعالى لِلْمُحْصَناتِ في هَذِهِ الآيَةِ بِكَوْنِهِنَّ غافِلاتٍ ثَناءٌ عَلَيْهِنَّ بِأنَّهُنَّ سَلِيماتُ الصُّدُورِ نَقِيّاتُ القُلُوبِ لا تَخْطُرُ الرِّيبَةُ في قُلُوبِهِنَّ لِحُسْنِ سَرائِرِهِنَّ، لَيْسَ فِيهِنَّ دَهاءٌ ولا مَكْرٌ؛ لِأنَّهُنَّ لَمْ يُجَرِّبْنَ الأمْرَ فَلا يَفْطُنَّ لِما تَفْطُنُ لَهُ المُجَرِّباتُ ذَواتُ المَكْرِ والدَّهاءِ، وهَذا النَّوْعُ مِن سَلامَةِ الصُّدُورِ وصَفائِها مِنَ الرِّيبَةِ مِن أحْسَنِ الثَّناءِ، وتُطْلِقُ العَرَبُ عَلى المُتَّصِفاتِ بِهِ اسْمَ البُلْهِ مَدْحًا لَها لا ذَمًّا، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:

؎نُفُجُ الحَقِيبَةِ بُوصُها مُتَنَضِّدٌ ∗∗∗ بَلْهاءُ غَيْرُ وشِيكَةِ الأقْسامِ

وَقَوْلُ الآخَرِ:

؎وَلَقَدْ لَهَوْتُ بِطِفْلَةٍ مَيّالَةٍ ∗∗∗ بِلْهاءَ تُطْلِعُنِي عَلى أسْرارِها

وَقَوْلُ الآخَرِ:

؎عَهِدْتُ بِها هِنْدًا وهِنْدٌ غَرِيرَةٌ ∗∗∗ عَنِ الفُحْشِ بَلْهاءُ العِشاءِ نَئُومُ ∗∗∗ رَداحُ الضُّحى مَيّالَةٌ بَخْتَرِيَّةٌ ∗∗∗ لَها مَنطِقٌ يُصْبِي الحَلِيمَ رَخِيمُ

والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لُعِنُوا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٣ - ٢٤]، مَحَلُّهُ فِيما إذا لَمْ يَتُوبُوا ويُصْلِحُوا، فَإنْ تابُوا وأصْلَحُوا، لَمْ يَنَلْهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ الوَعِيدِ، ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ الآيَةَ.

وَعُمُوماتُ نُصُوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ دالَّةٌ عَلى أنَّ مَن تابَ إلى اللَّهِ مِن ذَنْبِهِ تَوْبَةً نَصُوحًا (p-٤٣١)تَقَبَّلَها مِنهُ، وكَفَّرَ عَنْهُ ذَنْبَهُ ولَوْ مِنَ الكَبائِرِ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ جَماعَةٍ مِن أجِلّاءِ المُفَسِّرِينَ أنَّ آيَةَ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ فِيها التَّوْبَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ عامَّةٌ، وأنَّ آيَةَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ لُعِنُوا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ الآيَةَ [النور: ٢٣]، خاصَّةً بِالَّذِينِ رَمَوْا عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أوْ غَيْرَها مِن خُصُوصِ أزْواجِهِ ﷺ وأنَّ مَن رَماهُنَّ لا تَوْبَةَ لَهُ خِلافَ التَّحْقِيقِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ.

المَسْألَةُ الأُولى: لا يَخْفى أنَّ الآيَةَ إنَّما نَصَّتْ عَلى قَذْفِ الذُّكُورِ لِلْإناثِ خاصَّةً؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو صَرِيحُ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ وقَدْ أجْمَعَ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ قَذْفَ الذُّكُورِ لِلذُّكُورِ، أوِ الإناثِ لِلْإناثِ، أوِ الإناثِ لِلذُّكُورِ لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما نَصَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ، مِن قَذْفِ الذُّكُورِ لِلْإناثِ؛ لِلْجَزْمِ بِنَفْيِ الفارِقِ بَيْنَ الجَمِيعِ.

وَقَدْ قَدَّمْنا إيضاحَ هَذا وإبْطالَ قَوْلِ الظّاهِرِيَّةِ فِيهِ، مَعَ إيضاحِ كَثِيرٍ مِن نَظائِرِهِ في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“، في كَلامِنا الطَّوِيلِ عَلى آيَةِ: ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٧٨] .

* *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ المُقَرَّرَ في أُصُولِ المالِكِيَّةِ، والشّافِعِيَّةِ والحَنابِلَةِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ إذا جاءَ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعاطِفاتٍ، أوْ مُفْرَداتٍ مُتَعاطِفاتٍ، أنَّهُ يَرْجِعُ لِجَمِيعِها إلّا لِدَلِيلٍ مِن نَقْلٍ أوْ عَقْلٍ يُخَصِّصُهُ بِبَعْضِها، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ القائِلِ بِرُجُوعِ الِاسْتِثْناءِ لِلْجُمْلَةِ الأخِيرَةِ فَقَطْ، وإلى هَذِهِ المَسْألَةِ أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“، بِقَوْلِهِ:

؎وَكُلُّ ما يَكُونُ فِيهِ العَطْفُ مِن قَبْلِ الِاسْتِثْنا فَكُلًّا يَقْفُو ∗∗∗ دُونَ دَلِيلِ العَقْلِ أوْ ذِي السَّمْعِ ∗∗∗ والحَقُّ الِافْتِراقُ دُونَ الجَمْعِ

وَلِذا لَوْ قالَ إنْسانٌ: هَذِهِ الدّارُ وقْفٌ عَلى الفُقَراءِ والمَساكِينِ، وبَنِي زُهْرَةَ، وبَنِي تَمِيمٍ إلّا الفاسِقَ مِنهم، فَإنَّهُ يُخْرِجُ مِنَ الوَقْفِ الفاسِقَ مِنَ الجَمِيعِ لِرُجُوعِ الِاسْتِثْناءِ لِلْجَمِيعِ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ القائِلِ بِرُجُوعِهِ لِلْأخِيرَةِ، فَلا يَخْرُجُ عِنْدَهُ إلّا فاسِقُ الأخِيرَةِ فَقَطْ، ولِأجْلِ ذَلِكَ لا يَرْجِعُ عِنْدَهُ الِاسْتِثْناءُ في هَذِهِ الآيَةِ، إلّا لِجُمْلَةِ الأخِيرَةِ الَّتِي هي: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ فَقَدْ زالَ عَنْهُمُ الفِسْقُ، ولا يَقُولُ: ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً (p-٤٣٢)أبَدًا إلّا الَّذِينَ تابُوا فاقْبَلُوا شَهادَتَهم، بَلْ يَقُولُ: إنَّ شَهادَةَ القاذِفِ لا تُقْبَلُ أبَدًا، ولَوْ تابَ وأصْلَحَ، وصارَ أعْدَلَ أهْلِ زَمانِهِ لِرُجُوعِ الِاسْتِثْناءِ عِنْدَهُ لِلْجُمْلَةِ الأخِيرَةِ.

وَمِمَّنْ قالَ كَقَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ مِن أهْلِ العِلْمِ: القاضِي شُرَيْحٌ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومَكْحُولٌ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ جابِرٍ، وقالَ الشَّعْبِيُّ والضَّحّاكُ: لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ إلّا إذا اعْتَرَفَ عَلى نَفْسِهِ بِالكَذِبِ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.

وَقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ، مِنهُمُ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ في الآيَةِ راجِعٌ أيْضًا لِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ وأنَّ القاذِفَ إذا تابَ وأصْلَحَ، قُبِلَتْ شَهادَتُهُ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ فَلا يَرْجِعُ لَهُ الِاسْتِثْناءُ؛ لِأنَّ القاذِفَ إذا تابَ وأصْلَحَ، لا يَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّ القَذْفِ بِالتَّوْبَةِ.

فَتَحَصَّلَ أنَّ الجُمْلَةَ الأخِيرَةَ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ يَرْجِعُ لَها الِاسْتِثْناءُ بِلا خِلافٍ، وأنَّ الجُمْلَةَ الأُولى الَّتِي هي: ﴿فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ لا يَرْجِعُ لَها الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، ولَمْ يُخالِفْ إلّا مَن شَذَّ، وأنَّ الجُمْلَةَ الوُسْطى، وهي قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾ يَرْجِعُ لَها الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِ جُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ، مِنهُمُ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، وقَدْ ذَكَرْنا في كِتابِنا: دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ، أنَّ الَّذِي يَظْهَرُ لَنا في مَسْألَةِ الِاسْتِثْناءِ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعاطِفاتٍ أوْ مُفْرَداتٍ مُتَعاطِفاتٍ هو ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ، كابْنِ الحاجِبِ مِنَ المالِكِيَّةِ، والغَزالِيِّ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، والآمِدِيِّ مِنَ الحَنابِلَةِ مِن أنَّ الحُكْمَ في الِاسْتِثْناءِ الآتِي بَعْدَ مُتَعاطِفاتٍ هو الوَقْفُ، ولا يُحْكَمُ بِرُجُوعِهِ إلى الجَمِيعِ، ولا إلى الأخِيرَةِ إلّا بِدَلِيلٍ.

وَإنَّما قُلْنا: إنَّ هَذا هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٥٩] .

وَإذا رَدَدْنا النِّزاعَ في هَذِهِ المَسْألَةِ إلى اللَّهِ وجَدْنا القُرْآنَ دالًّا عَلى ما ذَكَرْنا أنَّهُ الأظْهَرُ عِنْدَنا، وهو الوَقْفُ، وذَلِكَ لِأنَّ بَعْضَ الآياتِ لَمْ يَرْجِعْ فِيها الِاسْتِثْناءُ لِلْأُولى، وبَعْضَها لَمْ يَرْجِعْ فِيهِ الِاسْتِثْناءُ لِلْأخِيرَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ رُجُوعَهُ لِما قَبْلَهُ لَيْسَ شَيْئًا مُطَّرِدًا.

وَمِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢]، فالِاسْتِثْناءُ في هَذِهِ الآيَةِ راجِعٌ لِلدِّيَةِ فَقَطْ؛ لِأنَّ المُطالَبَةَ بِها تَسْقُطُ (p-٤٣٣)بِتَصَدُّقِ مُسْتَحِقِّها بِها، ولا يَرْجِعُ لِتَحْرِيرِ الرَّقَبَةِ إجْماعًا، لِأنَّ تَصَدُّقَ مُسْتَحَقِّي الدِّيَةِ بِها لا يُسْقِطُ كَفّارَةَ القَتْلِ خَطَأً.

وَمِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ آيَةُ ”النُّورِ“ هَذِهِ؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ لا يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ: ﴿فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ كَما ذَكَرْناهُ آنِفًا.

وَمِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهم ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ [النساء: ٨٩ - ٩٠]، فالِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ لا يَرْجِعُ إلى الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ الَّتِي هي أقْرَبُ الجُمَلِ المَذْكُورَةِ إلَيْهِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [النساء: ٨٩]، إذْ لا يَجُوزُ اتِّخاذُ ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ مِنَ الكُفّارِ، ولَوْ وصَلُوا إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ، وهَذا لا خِلافَ فِيهِ بَلِ الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى الجُمْلَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩]، أيْ: فَخُذُوهم بِالأسْرِ، واقْتُلُوهم إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ، فَلَيْسَ لَكم أخْذُهم بِأسْرٍ، ولا قَتْلُهم؛ لِأنَّ المِيثاقَ الكائِنَ لِمَن وصَلُوا إلَيْهِمْ يَمْنَعُ مِن أسْرِهِمْ، وقَتْلِهِمْ كَما اشْتَرَطَهُ هِلالُ بْنُ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيُّ في صُلْحِهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، وفي سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ المُدْلِجِيُّ، وفي بَنِي جُذَيْمَةَ بْنِ عامِرٍ، وإذا كانَ الِاسْتِثْناءُ رُبَّما لَمْ يَرْجِعْ إلى أقْرَبِ الجُمَلِ إلَيْهِ في القُرْآنِ العَظِيمِ الَّذِي هو في الطَّرَفِ الأعْلى مِنَ الإعْجازِ، تَبَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ رُجُوعُهُ لِلْجَمِيعِ، ولا إلى الأخِيرَةِ، وأنَّ الأظْهَرَ الوَقْفُ حَتّى يَعْلَمَ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنَ المُتَعاطِفاتِ قَبْلَهُ بِدَلِيلٍ، ولا يَبْعُدُ أنَّهُ إنْ تَجَرَّدَ مِنَ القَرائِنِ والأدِلَّةِ، كانَ ظاهِرًا في رُجُوعِهِ لِلْجَمِيعِ.

وَقَدْ بَسَطْنا الكَلامَ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ في كِتابِنا ”دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“، ولِذَلِكَ اخْتَصَرْناهُ هُنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَن قَذَفَ إنْسانًا بِغَيْرِ الزِّنى أوْ نَفْيِ النَّسَبِ، كَأنْ يَقُولَ لَهُ: يا فاسِقُ، أوْ يا آكِلَ الرِّبا، ونَحْوَ ذَلِكَ مِن أنْواعِ السَّبِّ يَلْزَمُهُ التَّعْزِيرُ، وذَلِكَ بِما يَراهُ الإمامُ رادِعًا لَهُ ولِأمْثالِهِ مِنَ العُقُوبَةِ، مِن غَيْرِ تَحْدِيدِ شَيْءٍ في ذَلِكَ مِن جِهَةِ الشَّرْعِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لا يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ قَدْرَ الحَدِّ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ التَّعْزِيرَ بِحَسَبِ اجْتِهادِ الإمامِ فِيما يَراهُ رادِعًا مُطْلَقًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

(p-٤٣٤)المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ جُمْهُورَ العُلَماءِ عَلى أنَّ العَبْدَ إذا قَذَفَ حُرًّا يُجْلَدُ أرْبَعِينَ؛ لِأنَّهُ حَدٌّ يَتَشَطَّرُ بِالرِّقِّ كَحَدِّ الزِّنى، قالَ القُرْطُبِيُّ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ: يُجْلَدُ ثَمانِينَ، وجَلَدَ أبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَبْدًا قَذَفَ حُرًّا ثَمانِينَ، وبِهِ قالَ الأوْزاعِيُّ، واحْتَجَّ الجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وقالَ الآخَرُونَ: فَهِمْنا هُناكَ أنَّ حَدَّ الزِّنا لِلَّهِ، وأنَّهُ رُبَّما كانَ أخَفَّ فِيمَن قَلَّتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وأفْحَشَ فِيمَن عَظُمَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.

وَأمّا حَدُّ القَذْفِ، فَهو حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ وجَبَ لِلْجِنايَةِ عَلى عَرْضِ المَقْذُوفِ، والجِنايَةُ لا تَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، ورُبَّما قالُوا: لَوْ كانَ يَخْتَلِفُ لَذُكِرَ، كَما في الزِّنى.

قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: والَّذِي عَلَيْهِ عُلَماءُ الأمْصارِ القَوْلُ الأوَّلُ وبِهِ أقُولُ، انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: أظْهَرُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي دَلِيلًا: أنَّ العَبْدَ إذا قَذَفَ حُرًّا جُلِدَ ثَمانِينَ لا أرْبَعِينَ، وإنْ كانَ مُخالِفًا لِجُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ، وإنَّما اسْتَظْهَرْنا جَلْدَهُ ثَمانِينَ؛ لِأنَّ العَبْدَ داخِلٌ في عُمُومِ: ﴿فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ ولا يُمْكِنُ إخْراجُهُ مِن هَذا العُمُومِ، إلّا بِدَلِيلٍ ولَمْ يَرِدْ دَلِيلٌ يُخْرِجُ العَبْدَ مِن هَذا العُمُومِ، لا مِن كِتابٍ، ولا مِن سُنَّةٍ، ولا مِن قِياسٍ، وإنَّما ورَدَ النَّصُّ عَلى تَشْطِيرِ الحَدِّ عَنِ الأمَةِ في حَدِّ الزِّنى وألْحَقَ العُلَماءُ بِها العَبْدَ بِجامِعِ الرِّقِّ، والزِّنى غَيْرُ القَذْفِ.

أمّا القَذْفُ فَلَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ ولا قِياسٌ في خُصُوصِهِ.

وَأمّا قِياسُ القَذْفِ عَلى الزِّنى فَهو قِياسٌ مَعَ وُجُودِ الفارِقِ؛ لِأنَّ القَذْفَ جِنايَةٌ عَلى عِرْضِ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ، والرَّدْعُ عَنِ الأعْراضِ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ فَيُرْدَعُ العَبْدُ كَما يُرْدَعُ الحُرُّ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

تَنْبِيهٌ.

قَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي﴾ الآيَةَ [المائدة: ٣٢]، أنَّ الحُرَّ إذا قَذَفَ عَبْدًا لا يُحَدُّ لَهُ، وذَلِكَ ثابِتٌ في (p-٤٣٥)الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ ”: «مَن قَذَفَ عَبْدَهُ بِالزِّنى أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا أنْ يَكُونَ كَما قالَ»“ اهـ، وقَوْلُهُ ﷺ في هَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ ”: «أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ يَوْمَ القِيامَةِ»“، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ في الدُّنْيا وهو كَذَلِكَ، وهَذا لا نِزاعَ فِيهِ بَيْنَ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن أهْلِ العِلْمِ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ العُلَماءُ: وإنَّما كانَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ لِارْتِفاعِ المِلْكِ واسْتِواءِ الشَّرِيفِ والوَضِيعِ والحُرِّ والعَبْدِ، ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ فَضْلٌ إلّا بِالتَّقْوى، ولَمّا كانَ ذَلِكَ تَكافَأ النّاسُ في الحُدُودِ والحُرْمَةِ، واقْتُصَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِن صاحِبِهِ إلّا أنْ يَعْفُوَ المَظْلُومُ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ القُرْطُبِيِّ.

* *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ أجْمَعُوا عَلى أنَّهُ إذا صَرَّحَ في قَذْفِهِ لَهُ بِالزِّنى، كانَ قَذْفًا ورَمْيًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ، وأمّا إنْ عَرَّضَ ولَمْ يُصَرِّحْ بِالقَذْفِ، وكانَ تَعْرِيضُهُ يُفْهَمُ مِنهُ بِالقَرائِنِ أنَّهُ يَقْصِدُ قَذْفَهُ؛ كَقَوْلِهِ: أمّا أنا فَلَسْتُ بِزانٍ، ولا أُمِّي بِزانِيَةٍ، أوْ ما أنْتَ بِزانٍ ما يَعْرِفُكَ النّاسُ بِالزِّنى، أوْ يا حَلالُ ابْنَ الحَلالِ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ.

فَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ: هَلْ يَلْزَمُ القَذْفُ بِالتَّعْرِيضِ المُفْهِمِ لِلْقَذْفِ، وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ، أوْ لا يُحَدُّ حَتّى يُصَرِّحَ بِالقَذْفِ تَصْرِيحًا واضِحًا لا احْتِمالَ فِيهِ ؟ فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ التَّعْرِيضَ لا يُوجِبُ الحَدَّ، ولَوْ فُهِمَ مِنهُ إرادَةُ القَذْفِ، إلّا أنْ يُقِرَّ أنَّهُ أرادَ بِهِ القَذْفَ.

قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وهَذا القَوْلُ هو رِوايَةُ حَنْبَلٍ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ، وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، واخْتِيارُ أبِي بَكْرٍ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ، وقَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْيِ، وابْنُ المُنْذِرِ، واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِكِتابٍ وسُنَّةٍ.

أمّا الكِتابُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِن خِطْبَةِ النِّساءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، فَفَرَّقَ تَعالى بَيْنَ التَّصْرِيحِ لِلْمُعْتَدَّةِ والتَّعْرِيضِ، قالُوا: ولَمْ يُفَرِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما في كِتابِهِ، إلّا لِأنَّ بَيْنَهُما فَرْقًا، ولَوْ كانا سَواءً لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما في كِتابِهِ.

وَأمّا السُّنَّةُ: فالحَدِيثُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ الَّذِي قَدَّمْناهُ مِرارًا في الرَّجُلِ الَّذِي جاءَ النَّبِيَّ ﷺ وقالَ لَهُ: إنَّ امْرَأتِي ولَدَتْ غُلامًا أسْوَدَ وهو تَعْرِيضٌ بِنَفْيِهِ، ولَمْ يَجْعَلِ النَّبِيُّ ﷺ هَذا قَذْفًا، ولَمْ يَدْعُهُما لِلِعانٍ بَلْ قالَ لِلرَّجُلِ ”: «ألَكَ إبِلٌ“ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ ”: فَما ألْوانُها“ ؟ (p-٤٣٦)قالَ: حُمْرٌ، قالَ ”: هَلْ فِيها مِن أوْرَقَ“ ؟ قالَ: إنَّ فِيها لَوُرْقًا، قالَ ”: ومِن أيْنَ جاءَها ذَلِكَ“ ؟ قالَ: لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ، قالَ ”: وهَذا الغُلامُ الأسْوَدُ لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ»“، قالُوا: ولِأنَّ التَّعْرِيضَ مُحْتَمِلٌ لِمَعْنًى آخَرَ غَيْرِ القَذْفِ، وكُلُّ كَلامٍ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ لَمْ يَكُنْ قَذْفًا، هَذا هو حاصِلُ حُجَّةِ مَن قالُوا بِأنَّ التَّعْرِيضَ بِالقَذْفِ، لا يُوجِبُ الحَدَّ، وإنَّما يَجِبُ الحَدُّ بِالتَّصْرِيحِ بِالقَذْفِ.

وَذَهَبَتْ جَماعَةٌ آخَرُونَ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ التَّعْرِيضَ بِالقَذْفِ يَجِبُ بِهِ الحَدُّ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ وأصْحابِهِ، وقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: ورَوى الأثْرَمُ وغَيْرُهُ، عَنِ الإمامِ أحْمَدَ أنَّ عَلَيْهِ الحَدَّ، يَعْنِي المُعَرِّضَ بِالقَذْفِ، قالَ: ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبِهِ قالَ إسْحاقُ إلى أنْ قالَ: وقالَ مَعْمَرٌ: إنَّ عُمَرَ كانَ يَجْلِدُ الحَدَّ في التَّعْرِيضِ، اهـ.

واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِأدِلَّةٍ مِنها ما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ، قالَ: والدَّلِيلُ لِما قالَهُ مالِكٌ: هو أنَّ مَوْضُوعَ الحَدِّ في القَذْفِ، إنَّما هو لِإزالَةِ المَعَرَّةِ الَّتِي أوْقَعَها القاذِفُ بِالمَقْذُوفِ، وإذا حَصَلَتِ المَعَرَّةُ بِالتَّعْرِيضِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ قَذْفًا كالتَّصْرِيحِ والمُعَوَّلُ عَلى الفَهْمِ، وقَدْ قالَ تَعالى مُخْبِرًا عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ أنَّهم قالُوا لَهُ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، أيِ: السَّفِيهُ الضّالُّ، فَعَرَضُوا لَهُ بِالسَّبِّ بِكَلامٍ ظاهِرُهُ المَدْحُ في أحَدِ التَّأْوِيلاتِ حَسَبَ ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ ”هُودٍ“، وقالَ تَعالى في أبِي جَهْلٍ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، وقالَ تَعالى في الَّذِينَ قَذَفُوا مَرْيَمَ أنَّهم قالُوا: ﴿ياأُخْتَ هارُونَ ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]، فَمَدَحُوا أباها، ونَفَوْا عَنْ أُمِّها البِغاءَ، أيِ: الزِّنى وعَرَّضُوا لِمَرْيَمَ بِذَلِكَ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦]، وكُفْرُهم مَعْرُوفٌ والبُهْتانُ العَظِيمُ هو التَّعْرِيضُ لَها، أيْ: ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ أيْ: أنْتِ بِخِلافِهِما وقَدْ أتَيْتِ بِهَذا الوَلَدِ، وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤]، فَهَذا اللَّفْظُ قَدْ فُهِمَ مِنهُ أنَّ المُرادَ بِهِ أنَّ الكُفّارَ عَلى غَيْرِ هُدًى، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى الهُدى، فَفُهِمَ مِن هَذا التَّعْرِيضِ ما يُفْهَمُ مِن صَرِيحِهِ، اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ القُرْطُبِيِّ مَعَ تَصَرُّفٍ قَلِيلٍ لِإيضاحِ المُرادِ.

وَحاصِلُ كَلامِ القُرْطُبِيِّ المَذْكُورِ: أنَّ مِن أدِلَّةِ القائِلِينَ بِوُجُوبِ الحَدِّ بِالتَّعْرِيضِ آياتٍ قُرْآنِيَّةً، وبَيَّنَ وجْهَ دَلالَتِها عَلى ذَلِكَ كَما رَأيْتَهُ، وذَكَرَ أنَّ مِن أدِلَّتِهِمْ أنَّ المَعَرَّةَ اللّاحِقَةَ (p-٤٣٧)لِلْمَقْذُوفِ صَرِيحًا تَلْحَقُهُ بِالتَّعْرِيضِ لَهُ بِالقَذْفِ، ولِذَلِكَ يَلْزَمُ اسْتِواؤُهُما، وذَكَرَ أنَّ مِن أدِلَّتِهِمْ أنَّ المُعَوَّلَ عَلى الفَهْمِ، والتَّعْرِيضُ يُفْهَمُ مِنهُ القَذْفُ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كالصَّرِيحِ.

وَمِن أدِلَّتِهِمْ عَلى أنَّ التَّعْرِيضَ يَجِبُ بِهِ الحَدُّ بَعْضُ الآثارِ المَرْوِيَّةِ عَنْ بَعْضِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ، قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: لِأنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ شاوَرَهم في الَّذِي قالَ لِصاحِبِهِ: ما أنا بِزانٍ، ولا أُمِّي بِزانِيَةٍ، فَقالُوا: قَدْ مَدَحَ أباهُ وأُمَّهُ، فَقالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَّضَ بِصاحِبِهِ وجَلَدَهُ الحَدَّ، وقالَ مَعْمَرٌ: إنَّ عُمَرَ كانَ يَجْلِدُ الحَدَّ في التَّعْرِيضِ، ورَوى الأثْرَمُ: أنَّ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - جَلَدَ رَجُلًا قالَ لِآخَرَ: يا ابْنَ شامَّةِ الوَذْرِ، يُعَرِّضُ لَهُ بِزِنى أُمِّهِ، والوَذْرُ: غُدَرُ اللَّحْمِ يُعَرِّضُ لَهُ بِكَمَرِ الرِّجالِ، وانْظُرْ أسانِيدَ هَذِهِ الآثارِ.

وَمِن أدِلَّةِ أهْلِ هَذا القَوْلِ أنَّ الكِنايَةَ مَعَ القَرِينَةِ الصّارِفَةِ إلى أحَدِ مُحْتَمِلاتِها، كالصَّرِيحِ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ إلّا ذَلِكَ المَعْنى ولِذَلِكَ وقَعَ الطَّلاقُ بِالكِنايَةِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في حالِ الخُصُومَةِ، ولا وُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ إلى القَذْفِ، فَلا شَكَّ في أنَّهُ لا يَكُونُ قَذْفًا، انْتَهى مِنَ ”المُغْنِي“ .

ثُمَّ قالَ صاحِبُ المُغْنِي: وذَكَرَ أبُو بَكْرٍ عَبْدُ العَزِيزِ: أنَّ أبا عَبْدِ اللَّهِ رَجَعَ عَنِ القَوْلِ بِوُجُوبِ الحَدِّ في التَّعْرِيضِ، يَعْنِي بِأبِي عَبْدِ اللَّهِ الإمامَ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وقالَ القُرْطُبِيُّ: وقَدْ حَبَسَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الحُطَيْئَةَ، لَمّا قالَ:

؎دَعِ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها واقْعُدْ فَإنَّكَ أنْتَ الطّاعِمُ الكاسِي

.

لِأنَّهُ شَبَّهَهُ بِالنِّساءِ في أنَّهُنَّ يُطْعَمْنَ ويُسْقَيْنَ ويُكْسَوْنَ ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ أوِ النَّجاشِيِّ:

؎قُبَيِّلَةٌ لا يَخْفِرُونَ بِذِمَّةٍ ∗∗∗ ولا يَظْلِمُونَ النّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ

فَإنَّهُ يُرْوى أنَّ عُمَرَ لَمّا سَمِعَ هَذا الهِجاءَ حَمَلَهُ عَلى المَدْحِ، وقالَ: لَيْتَ آلَ الخَطّابِ كانُوا كَذَلِكَ، ولَمّا قالَ الشّاعِرُ بَعْدَ ذَلِكَ:

؎وَلا يَرِدُونَ الماءَ إلّا عَشِيَّةً ∗∗∗ إذا صَدَرَ الوُرّادُ عَنْ كُلِّ مَنهَلِ

قالَ عُمَرُ أيْضًا: لَيْتَ آلَ الخَطّابِ كانُوا كَذَلِكَ، فَظاهِرُ هَذا الشِّعْرِ يُشْبِهُ المَدْحَ، ولِذا ذَكَرُوا أنَّ عُمَرَ تَمَنّى ما فِيهِ مِنَ الهِجاءِ لِأهْلِ بَيْتِهِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَهُ مَدْحٌ وصاحِبُهُ يُرِيدُ الذَّمَّ بِلا (p-٤٣٨)نِزاعٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أوَّلُ شِعْرِهِ وآخِرُهُ، لِأنَّ أوَّلَ الأبْياتِ قَوْلُهُ:

؎إذا اللَّهُ عادى أهْلَ لُؤْمٍ وذِلَّةٍ ∗∗∗ فَعادى بَنِي العَجْلانِ رَهْطَ ابْنِ مُقْبِلِ

؎قُبَيِّلَةٌ لا يُخْفَرُونَ ∗∗∗ . . . . . . البَيْتَ

وَفِي آخِرِ شِعْرِهِ:

؎وَما سُمِّيَ العَجْلانُ إلّا لِقَوْلِهِ ∗∗∗ خُذِ القَعْبَ واحْلِبْ أيُّها العَبْدُ واعْجَلِ

وَكَوْنُ مِثْلِ هَذا مِنَ التَّعْرِيضِ بِالذَّمِّ لا شَكَّ فِيهِ، وقَوْلُ الحُطَيْئَةِ:

؎دَعِ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском