Ash-ShinqitiAn‑Nur · 24:4

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:4, continued

يَهْجُو بِهِ الزِّبْرِقانَ بْنَ بَدْرٍ التَّمِيمِيَّ، كَما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ، وما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في الكَلامِ الَّذِي نَقَلْنا عَنْهُ مِن أنَّ البُهْتانَ العَظِيمَ الَّذِي قالُوهُ عَلى مَرْيَمَ: هو تَعْرِيضُهم لَها بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ﴾ الآيَةَ [مريم: ٢٨]، لا يَتَعَيَّنُ بِانْفِرادِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - ذَكَرَ عَنْهم أنَّهم قالُوا لَها غَيْرَ ذَلِكَ وهو أقْرَبُ لِلتَّصْرِيحِ بِالفاحِشَةِ مِمّا ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧]، فَقَوْلُهم لَها: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ في وقْتِ مَجِيئِها بِالوَلَدِ تَحْمِلُهُ ظاهِرٌ جِدًّا في إرادَتِهِمْ قَذْفَها، كَما تَرى، والكَلامُ الَّذِي ذَكَرَ ابْنُ قُدامَةَ: أنَّ عُثْمانَ جَلَدَ الحَدَّ فِيهِ وهو قَوْلُ الرَّجُلِ لِصاحِبِهِ: يا ابْنَ شامَّةِ الوَذْرِ، قالَ فِيهِ الجَوْهَرِيُّ في صِحاحِهِ: الوَذْرَةُ بِالتَّسْكِينِ الغَدْرَةُ، وهي القِطْعَةُ مِنَ اللَّحْمِ إذا كانَتْ مُجْتَمِعَةً، ومِنهُ قَوْلُهم: يا ابْنَ شامَّةِ الوَذْرَةِ، وهي كَلِمَةُ قَذْفٍ، وكانَتِ العَرَبُ تَتَسابُّ بِها، كَما كانَتْ تَتَسابُّ بِقَوْلِهِمْ: يا ابْنَ مُلْقِي أرْحُلِ الرُّكْبانِ، أوْ يا ابْنَ ذاتِ الرّاياتِ ونَحْوِها، والجَمْعُ وذْرٌ مِثْلُ: تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، اهـ مِن صِحاحِ الجَوْهَرِيِّ.

والشّامَّةُ بِتَشْدِيدِ المِيمِ اسْمُ فاعِلِ شَمَّهُ، وقالَ صاحِبُ ”اللِّسانِ“: وفي حَدِيثِ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ رُفِعَ إلَيْهِ رَجُلٌ قالَ لِرَجُلٍ: يا ابْنَ شامَّةِ الوَذْرِ، فَحَدَّهُ، وهو مِن سِبابِ العَرَبِ وذَمِّهِمْ، وإنَّما أرادَ يا ابْنَ شامَّةِ المَذاكِيرِ يَعْنُونَ الزِّنا، كَأنَّها كانَتْ تَشُمُّ كَمَرًا مُخْتَلِفَةً فَكَنّى عَنْهُ، والذَّكَرُ قِطْعَةٌ مِن بَدَنِ صاحِبِهِ، وقِيلَ: أرادُوا بِها القُلُفَ جَمْعَ قُلْفَةِ الذَّكَرِ؛ لِأنَّها تُقْطَعُ، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن ”لِسانِ العَرَبِ“، وهَذا لا يَتَّضِحُ مِنهُ قَصْدُ الزِّنا ولَمْ أرَ مَن (p-٤٣٩)أوْضَحَ مَعْنى شامَّةِ الوَذْرِ إيضاحًا شافِيًا؛ لِأنَّ شَمَّ كَمَرِ الرِّجالِ لَيْسَ مِنَ الأمْرِ المَعْهُودِ الواضِحِ.

والَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّ قائِلَ الكَلامِ المَذْكُورِ يُشَبِّهُ مَن عَرَّضَ لَها بِالزِّنا بِسِفادِ الحَيَواناتِ؛ لِأنَّ الذَّكَرَ مِن غالِبِ الحَيَواناتِ إذا أرادَ سِفادَ الأُنْثى شَمَّ فَرْجَها، واسْتَنْشَقَ رِيحَهُ اسْتِنْشاقًا شَدِيدًا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْزُو عَلَيْها فَيُسافِدُها فَكَأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ المَرْأةَ تَشُمُّ ذَكَرَ الرَّجُلِ كَما يَشُمُّ الفَحْلُ مِنَ الحَيَواناتِ فَرْجَ أُنْثاهُ، وشَمُّها لِمَذاكِيرِ الرِّجالِ كَأنَّهُ مُقَدِّمَةٌ لِلْمُواقَعَةِ، فَكَنَّوْا عَنِ المُواقَعَةِ بِشَمِّ المَذاكِيرِ، وعَبَّرُوا عَنْ ذَكَرِ الرَّجُلِ بِالوَذْرَةِ؛ لِأنَّهُ قِطْعَةٌ مِن بَدَنِ صاحِبِهِ كَقِطْعَةِ اللَّحْمِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم أرادُوا كَثْرَةَ مُلابَسَتِها لِذَلِكَ الأمْرِ، حَتّى صارَتْ كَأنَّها تَشُمُّ رِيحَ ذَلِكَ المَوْضِعِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: قَدْ عَلِمْتَ مِمّا ذَكَرْنا أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ، وحُجَجَهم في التَّعْرِيضِ بِالقَذْفِ، هَلْ يَلْزَمُ بِهِ الحَدُّ أوْ لا يَلْزَمُ بِهِ.

وَأظْهَرُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي: أنَّ التَّعْرِيضَ إذا كانَ يُفْهَمُ مِنهُ مَعْنى القَذْفِ فَهْمًا واضِحًا مِنَ القَرائِنِ أنَّ صاحِبَهُ يُحَدُّ؛ لِأنَّ الجِنايَةَ عَلى عِرْضِ المُسْلِمِ تَتَحَقَّقُ بِكُلِّ ما يُفْهَمُ مِنهُ ذَلِكَ فَهْمًا واضِحًا، ولِئَلّا يَتَذَرَّعَ بَعْضُ النّاسِ لِقَذْفِ بَعْضِهِمْ بِألْفاظِ التَّعْرِيضِ الَّتِي يُفْهَمُ مِنها القَذْفُ بِالزِّنا، والظّاهِرُ أنَّهُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ التَّعْرِيضَ بِالقَذْفِ لا يُوجِبُ الحَدَّ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَعْزِيرِ المُعَرِّضِ بِالقَذْفِ لِلْأذى الَّذِي صَدَرَ مِنهُ لِصاحِبِهِ بِالتَّعْرِيضِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: الجُمْهُورُ مِنَ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ لا حَدَّ عَلى مَن قَذَفَ رَجُلًا مِن أهْلِ الكِتابِ أوِ امْرَأةً مِنهم، وقالَ الزُّهْرِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وابْنُ أبِي لَيْلى: عَلَيْهِ الحَدُّ إذا كانَ لَها ولَدٌ مِن مُسْلِمٍ، وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: وهو أنَّهُ إذا قَذَفَ النَّصْرانِيَّةَ تَحْتَ المُسْلِمِ جُلِدَ الحَدَّ، قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وجُلُّ العُلَماءِ مُجْمِعُونَ وقائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ، ولَمْ أُدْرِكْ أحَدًا، ولا لَقِيتُهُ يُخالِفُ في ذَلِكَ، وإذا قَذَفَ النَّصْرانِيُّ المُسْلِمَ الحُرَّ فَعَلَيْهِ ما عَلى المُسْلِمِ ثَمانُونَ جَلْدَةً، لا أعْلَمُ في ذَلِكَ خِلافًا، انْتَهى مِنهُ.

* *

المَسْألَةُ السّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ أظْهَرَ قَوْلَيْ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي في مَسْألَةِ ما لَوْ قَذَفَ رَجُلٌ رَجُلًا، فَقالَ آخَرُ: صَدَقْتَ، أنَّ المُصَدِّقَ قاذِفٌ فَتَجِبُ إقامَةُ الحَدِّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ تَصْدِيقَهُ لِلْقاذِفِ قَذْفٌ خِلافًا لِزُفَرَ ومَن وافَقَهُ.

(p-٤٤٠)وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: ولَوْ قالَ: أخْبَرَنِي فَلانٌ أنَّكَ زَنَيْتَ لَمْ يَكُنْ قاذِفًا سَواءٌ كَذَّبَهُ المُخْبَرُ عَنْهُ أوْ صَدَّقَهُ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ وأصْحابُ الرَّأْيِ. وقالَ أبُو الخَطّابِ: فِيهِ وجْهٌ آخَرُ أنَّهُ يَكُونُ قاذِفًا إذا كَذَّبَهُ الآخَرُ، وبِهِ قالَ مالِكٌ، وعَطاءٌ، ونَحْوُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ لِأنَّهُ أخْبَرُ بِزِناهُ، اهـ مِنهُ.

وَأظْهَرُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي: أنَّهُ لا يَكُونُ قاذِفًا ولا يُحَدُّ، لِأنَّهُ حَكى عَنْ غَيْرِهِ ولَمْ يَقُلْ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صادِقًا، وأنَّ الَّذِي أخْبَرَهُ أنْكَرَ بَعْدَ إخْبارِهِ إيّاهُ كَما لَوْ شَهِدَ عَلى رَجُلٍ أنَّهُ قَذَفَ رَجُلًا وأنْكَرَ المَشْهُودُ عَلَيْهِ، فَلا يَكُونُ الشّاهِدُ قاذِفًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: أظْهَرُ قَوْلَيْ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي فِيمَن قَذَفَ رَجُلًا بِالزِّنى، ولَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الحَدُّ حَتّى زَنا المَقْذُوفُ أنَّ الحَدَّ يَسْقُطُ عَنْ قاذِفِهِ؛ لِأنَّهُ تَحَقَّقَ بِزِناهُ أنَّهُ غَيْرُ مُحْصَنٍ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ لَمْ يَظْهَرْ إلّا بَعْدَ لُزُومِ الحَدِّ لِلْقاذِفِ؛ لِأنَّهُ قَدْ ظَهَرَ أنَّهُ غَيْرُ عَفِيفٍ قَبْلَ إقامَةِ الحَدِّ عَلى مَن قَذَفَهُ، فَلا يُحَدُّ لِغَيْرِ عَفِيفٍ؛ اعْتِبارًا بِالحالَةِ الَّتِي يُرادُ أنْ يُقامَ فِيها الحَدُّ، فَإنَّهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ ثَبَتَ عَلَيْهِ أنَّهُ غَيْرُ عَفِيفٍ.

وَهَذا الَّذِي اسْتَظْهَرْنا عَزاهُ ابْنُ قُدامَةَ: لِأبِي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ، والشّافِعِيِّ، والقَوْلُ بِأنَّهُ يُحَدُّ هو مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ.

قالَ صاحِبُ ”المُغْنِي“: وبِهِ قالَ الثَّوْرِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، والمُزَنِيُّ، وداوُدُ، واحْتَجُّوا بِأنَّ الحَدَّ قَدْ وجَبَ وتَمَّ بِشُرُوطِهِ فَلا يَسْقُطُ بِزَوالِ شَرْطِ الوُجُوبِ.

والأظْهَرُ عِنْدَنا هو ما قَدَّمْنا؛ لِأنَّهُ تَحَقَّقَ أنَّهُ غَيْرُ عَفِيفٍ قَبْلَ إقامَةِ الحَدِّ عَلى قاذِفِهِ، فَلا يُحَدُّ لِمَن تَحَقَّقَ أنَّهُ غَيْرُ عَفِيفٍ.

وَإنَّما وجَبَ الحَدُّ قَبْلَ هَذا، لِأنَّ عَدَمَ عِفَّتِهِ كانَ مَسْتُورًا، ثُمَّ ظَهَرَ قَبْلَ إقامَةِ الحَدِّ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: اعْلَمْ أنْ أظْهَرَ قَوْلَيْ أهْلِ العِلْمِ عِنْدَنا فِيمَن قالَ لِرَجُلٍ: يا مَن وطِئَ بَيْنَ الفَخْذَيْنِ، أنَّهُ لَيْسَ بِقَذْفٍ، ولا يُحَدُّ قائِلُهُ؛ لِأنَّهُ رَماهُ بِفِعْلٍ لا يُعَدَّ زِنًا إجْماعًا، خِلافًا لِابْنِ القاسِمِ مِن أصْحابِ مالِكٍ القائِلِ بِوُجُوبِ الحَدِّ زاعِمًا أنَّهُ تَعْرِيضٌ بِهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

(p-٤٤١)المَسْألَةُ العاشِرَةُ: اعْلَمْ أنَّ حَدَّ القَذْفِ لا يُقامُ عَلى القاذِفِ إلّا إذا طَلَبَ المَقْذُوفُ إقامَةَ الحَدِّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ حَقٌّ لَهُ، ولَمْ يَكُنْ لِلْقاذِفِ بَيِّنَةٌ عَلى ما ادَّعى مِن زِنا المَقْذُوفِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ﴾ ومَفْهُومُ الآيَةِ: أنَّ القاذِفَ لَوْ جاءَ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ عَلى الوَجْهِ المَقْبُولِ شَرْعًا أنَّهُ لا حَدَّ عَلَيْهِ، وإنَّما يُثْبِتُ بِذَلِكَ حَدَّ الزِّنا عَلى المَقْذُوفِ، لِشَهادَةِ البَيِّنَةِ، ويُشْتَرَطُ لِذَلِكَ أيْضًا عَدَمُ إقْرارِ المَقْذُوفِ، فَإنْ أقَرَّ بِالزِّنا، فَلا حَدَّ عَلى القاذِفِ، وإنْ كانَ القاذِفُ زَوْجًا اعْتُبِرَ في حَدِّهِ حَدَّ القَذْفِ امْتِناعُهُ مِنَ اللِّعانِ، قالَ ابْنُ قُدامَةَ: ولا نَعْلَمُ خِلافًا في هَذا كُلِّهِ، ثُمَّ قالَ: وتُعْتَبَرُ اسْتِدامَةُ الطَّلَبِ إلى إقامَةِ الحَدِّ، فَلَوْ طَلَبَ ثُمَّ عَفا عَنِ الحَدِّ سَقَطَ، وبِهَذا قالَ الشّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ. وقالَ الحَسَنُ وأصْحابُ الرَّأْيِ: لا يَسْقُطُ بِعَفْوِهِ؛ لِأنَّهُ حَدٌّ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالعَفْوِ كَسائِرِ الحُدُودِ، ولَنا أنَّهُ حَدٌّ لا يُسْتَوْفى إلّا بَعْدَ مُطالَبَةِ الآدَمِيِّ بِاسْتِيفائِهِ فَسَقَطَ بِعَفْوِهِ كالقِصاصِ، وفارَقَ سائِرَ الحُدُودِ، فَإنَّهُ لا يُعْتَبَرُ في إقامَتِها الطَّلَبُ بِاسْتِيفائِها، وحَدُّ السَّرِقَةِ إنَّما تُعْتَبَرُ فِيهِ المُطالَبَةُ بِالمَسْرُوقِ لا بِاسْتِيفاءِ الحَدِّ، ولِأنَّهم قالُوا تَصِحُّ دَعْواهُ، ويُسْتَحْلَفُ فِيهِ، ويَحْكُمُ الحاكِمُ فِيهِ بِعِلْمِهِ، ولا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهُ بَعْدَ الِاعْتِرافِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ، اهـ مِنَ ”المُغْنِي“، وكَوْنُهُ حَقًّا لِآدَمِيٍّ هو أحَدُ أقْوالٍ فِيهِ.

قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ: واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حَدِّ القَذْفِ، هَلْ هو مِن حُقُوقِ اللَّهِ، أوْ مِن حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ أوْ فِيهِ شائِبَةٌ مِنهُما ؟

الأوَّلُ: قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.

والثّانِي: قَوْلُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ.

والثّالِثُ: قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

وَفائِدَةُ الخِلافِ أنَّهُ إنْ كانَ حَقًّا لِلَّهِ تَعالى وبَلَغَ الإمامَ أقامَهُ، وإنْ لَمْ يَطْلُبْ ذَلِكَ المَقْذُوفُ، ونَفَعَتِ القاذِفَ التَّوْبَةُ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، ويَتَشَطَّرُ فِيهِ الحَدُّ بِالرِّقِّ كالزِّنا، وإنْ كانَ حَقًّا لِلْآدَمِيِّ، فَلا يُقِيمُهُ الإمامُ إلّا بِمُطالَبَةِ المَقْذُوفِ، ويَسْقُطُ بِعَفْوِهِ ولَمْ تَنْفَعِ القاذِفَ التَّوْبَةُ حَتّى يُحَلِّلَهُ المَقْذُوفُ، اهـ كَلامُ القُرْطُبِيِّ.

وَمَذْهَبُ مالِكٍ وأصْحابِهِ كَأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ الثّالِثِ، وهو أنَّ الحَدَّ يَسْقُطُ بِعَفْوِ (p-٤٤٢)المَقْذُوفِ قَبْلَ بُلُوغِ الإمامِ، فَإنْ بَلَغَ الإمامَ، فَلا يُسْقِطُهُ عَفْوُهُ إلّا إذا ادَّعى أنَّهُ يُرِيدُ بِالعَفْوِ السَّتْرَ عَلى نَفْسِهِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الظّاهِرُ أنَّ القَذْفَ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ وكُلُّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ فِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ.

وَإيضاحُهُ: أنَّ حَدَّ القَذْفِ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ شُرِعَ لِلزَّجْرِ عَنْ فِعْلِهِ، ولِدَفْعِ مَعَرَّةِ القَذْفِ عَنْهُ، فَإذا تَجَرَّأ عَلَيْهِ القاذِفُ انْتَهَكَ حُرْمَةَ عِرْضِ المُسْلِمِ، وأنَّ لِلْمُسْلِمِ عَلَيْهِ حَقًّا بِانْتِهاكِ حُرْمَةِ عِرْضِهِ، وانْتَهَكَ أيْضًا حُرْمَةَ نَهْيِ اللَّهِ عَنْ فِعْلِهِ في عِرْضِ مُسْلِمٍ، فَكانَ لِلَّهِ حَقٌّ عَلى القاذِفِ بِانْتِهاكِهِ حُرْمَةَ نَهْيِهِ، وعَدَمِ امْتِثالِهِ، فَهو عاصٍ لِلَّهِ مُسْتَحِقٌّ لِعُقُوبَتِهِ، فَحَقُّ اللَّهِ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، وحَقُّ المُسْلِمِ يَسْقُطُ بِإقامَةِ الحَدِّ، أوْ بِالتَّحَلُّلِ مِنهُ.

والَّذِي يَظْهَرُ عَلى هَذا التَّفْصِيلِ أنَّ المَقْذُوفَ إذا عَفا وسَقَطَ الحَدُّ بِعَفْوِهِ أنَّ لِلْإمامِ تَعْزِيرَ القاذِفِ لِحَقِّ اللَّهِ، واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - أعْلَمُ.

* *

المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: قالَ القُرْطُبِيُّ: إنْ تَمَّتِ الشَّهادَةُ عَلى الزّانِي بِالزِّنا ولَكِنَّ الشُّهُودَ لَمْ يُعَدَّلُوا، فَكانَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، والشَّعْبِيُّ يَرَيانِ ألّا حَدَّ عَلى الشُّهُودِ، ولا عَلى المَشْهُودِ عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ، والنُّعْمانُ، ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ.

وَقالَ مالِكٌ: وإذا شَهِدَ عَلَيْهِ أرْبَعَةٌ بِالزِّنا وكانَ أحَدُهم مَسْخُوطًا عَلَيْهِ أوْ عَبْدًا يُجْلَدُونَ جَمِيعًا، وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ في أرْبَعَةِ عِمْيانٍ يَشْهَدُونَ عَلى امْرَأةٍ بِالزِّنى: يُضْرَبُونَ، فَإنْ رَجَعَ أحَدُ الشُّهُودِ، وقَدْ رُجِمَ المَشْهُودُ عَلَيْهِ في الزِّنى، فَقالَتْ طائِفَةٌ: يُغَرَّمُ رُبْعَ الدِّيَةِ، ولا شَيْءَ عَلى الآخَرِينَ، وكَذَلِكَ قالَ قَتادَةُ، وحَمّادٌ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو هاشِمٍ، ومالِكٌ، وأحْمَدُ، وأصْحابُ الرَّأْيِ، وقالَ الشّافِعِيُّ: إنْ قالَ عَمَدْتُ لِيُقْتَلَ، فالأوْلِياءُ بِالخِيارِ إنْ شاءُوا قَتَلُوا، وإنْ شاءُوا عَفَوْا، وأخَذُوا رُبْعَ الدِّيَةِ وعَلَيْهِ الحَدُّ، وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: يُقْتَلُ وعَلى الآخَرِينَ ثَلاثَةُ أرْباعِ الدِّيَةِ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: إذا قالَ أخْطَأْتُ وأرَدْتُ غَيْرَهُ، فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ كامِلَةً، وإنْ قالَ تَعَمَّدْتُ قُتِلَ، وبِهِ قالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ، اهـ كَلامُ القُرْطُبِيِّ، وقَدْ قَدَّمْنا بَعْضَهُ.

وَأظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدِي: أنَّهم إنْ لَمْ يَعْدِلُوا حُدُّوا كُلُّهم؛ لِأنَّ مَن أتى بِمَجْهُولٍ غَيْرِ مَعْرُوفِ العَدالَةِ، كَمَن لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ، وأنَّهُ إنْ أقَرَّ بِأنَّهُ تَعَمَّدَ الشَّهادَةَ عَلَيْهِ؛ لِأجْلِ أنْ يُقْتَلَ (p-٤٤٣)يُقْتَصُّ مِنهُ، وإنِ ادَّعى شُبْهَةً في رُجُوعِهِ يُغَرَّمُ قِسْطَهُ مِنَ الدِّيَةِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ يُغَرَّمُ الدِّيَةَ كامِلَةً لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ، والعِلْمِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

المَسْألَةُ الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ مَن قَذَفَ مَن يَحْسَبُهُ عَبْدًا فَإذا هو حُرٌّ فَعَلَيْهِ الحَدُّ، وقالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، واخْتارَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، ومَن قَذَفَ أُمَّ الوَلَدِ حُدَّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وهو قِياسُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ، وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: لا حَدَّ عَلَيْهِ، انْتَهى مِنهُ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: أمّا حَدُّهُ في قَذْفِ أُمِّ الوَلَدِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِها، وعِتْقِها مِن رَأْسِ مالِ مَسْتَوْلِدِها، أمّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَمْ تَتَحَقَّقْ حُرِّيَّتُها بِالفِعْلِ، ولا سِيَّما عَلى قَوْلِ مَن يُجِيزُ بَيْعَها مِنَ العُلَماءِ، والقاذِفُ لا يُحَدُّ بِقَذْفِ مَن لَمْ يَكُنْ حُرًّا حُرِّيَّةً كامِلَةً فِيما يَظْهَرُ، وكَذَلِكَ لَوْ قِيلَ: إنَّ مَن قَذَفَ مَن يَظُنُّهُ عَبْدًا، فَإذا هو حُرٌّ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ لِأنَّهُ لَمْ يَنْوِ قَذْفَ حُرٍّ، وإنَّما نَوى قَذْفَ عَبْدٍ لَكانَ لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ؛ لِأنَّ «الأعْمالَ بِالنِّيّاتِ ولِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوى»، ولِأنَّ المَعَرَّةَ تَزُولُ عَنِ المَقْذُوفِ بِقَوْلِ القاذِفِ: ما قَصَدْتُ قَذْفَكَ ولا أقُولُ: إنَّكَ زانٍ، وإنَّما قَصَدْتُ بِذَلِكَ مَن كُنْتُ أعْتَقِدُهُ عَبْدًا فَأنْتَ عَفِيفٌ في نَظَرِي، ولا أقُولُ فِيكَ إلّا خَيْرًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

المَسْألَةُ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا فِيمَن قَذَفَ جَماعَةً بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ أوْ بِكَلِماتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، أوْ قَذَفَ واحِدًا، مَرّاتٍ مُتَعَدِّدَةً. وقَدْ قَدَّمْنا خِلافَ أهْلِ العِلْمِ، فِيمَن قَذَفَ جَماعَةً بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ في الكَلامِ عَلى آياتِ ”الحَجِّ“ ٠

قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“، في شَرْحِهِ لِقَوْلِ الخِرَقِيِّ: وإذا قَذَفَ الجَماعَةَ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ، فَحَدٌّ واحِدٌ إذا طالَبُوا أوْ واحِدٌ مِنهم، ما نَصُّهُ: وبِهَذا قالَ: طاوُسٌ والشَّعْبِيُّ، والزُّهْرِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، وحَمّادٌ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ وصاحِباهُ، وابْنُ أبِي لَيْلى وإسْحاقُ، وقالَ الحَسَنُ، وأبُو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ: لِكُلِّ واحِدٍ حَدٌّ كامِلٌ، وعَنْ أحْمَدَ مِثْلُ ذَلِكَ، ولِلشّافِعِيِّ قَوْلانِ كالرِّوايَتَيْنِ، ووَجْهُ هَذا أنَّهُ قَذَفَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم، فَلَزِمَهُ لَهُ حَدٌّ كامِلٌ؛ كَما لَوْ قَذَفَهم بِكَلِماتٍ، ولَنا قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ قَذْفِ واحِدٍ أوْ جَماعَةٍ؛ ولِأنَّ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلى المُغِيرَةِ قَذَفُوا امْرَأةً، فَلَمْ يَحُدَّهم عُمَرُ إلّا حَدًّا واحِدًا، ولِأنَّهُ قَذْفٌ واحِدٌ فَلَمْ يَجِبْ إلّا حَدٌّ واحِدٌ كَما لَوْ قَذَفَ واحِدًا، ولِأنَّ الحَدَّ إنَّما وجَبَ بِإدْخالِ المَعَرَّةِ عَلى (p-٤٤٤)المَقْذُوفِ بِقَذْفِهِ وبِحَدٍّ واحِدٍ يَظْهَرُ كَذِبُ هَذا القاذِفِ.

وَتَزُولُ المَعَرَّةُ، فَوَجَبَ أنْ يَكْتَفِيَ بِهِ بِخِلافِ ما إذا قَذَفَ كُلَّ واحِدٍ قَذْفًا مُنْفَرِدًا، فَإنْ كَذَّبَهُ في قَذْفِهِ لا يَلْزَمُ مِنهُ كَذِبُهُ في آخَرَ، ولا تَزُولُ المَعَرَّةُ عَنْ أحَدِ المَقْذُوفِينَ بِحَدِّهِ لِلْآخَرِ، فَإذا ثَبَتَ هَذا، فَإنَّهم إنْ طَلَبُوهُ جُمْلَةً حُدَّ لَهم، وإنْ طَلَبَهُ واحِدٌ أُقِيمَ الحَدُّ؛ لِأنَّ الحَقَّ ثابِتٌ لَهم عَلى سَبِيلِ البَدَلِ، فَأيُّهم طالَبَ بِهِ اسْتَوْفى، وسَقَطَ فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ الطَّلَبُ بِهِ كَحَقِّ المَرْأةِ عَلى أوْلِيائِها في تَزْوِيجِها، إذا قامَ بِهِ واحِدٌ سَقَطَ عَنِ الباقِينَ، وإنْ أسْقَطَهُ أحَدُهم فَلِغَيْرِهِ المُطالَبَةُ بِهِ واسْتِيفاؤُهُ؛ لِأنَّ المَعَرَّةَ لَمْ تَزُلْ عَنْهُ بِعَفْوِ صاحِبِهِ، ولَيْسَ لِلْعافِي الطَّلَبُ بِهِ، لِأنَّهُ قَدْ أسْقَطَ حَقَّهُ.

وَرُوِيَ عَنْ أحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رِوايَةٌ أُخْرى: أنَّهم إنْ طَلَبُوهُ دَفْعَةً واحِدَةً فَحَدٌّ واحِدٌ، وكَذَلِكَ إنْ طَلَبُوهُ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ إلّا أنَّهُ لَمْ يُقَمْ حَتّى طَلَبَهُ الكُلُّ فَحَدٌّ واحِدٌ، وإنْ طَلَبَهُ واحِدٌ فَأُقِيمَ لَهُ، ثُمَّ طَلَبَهُ آخَرُ أُقِيمَ لَهُ، وكَذَلِكَ جَمِيعُهم وهَذا قَوْلُ عُرْوَةَ؛ لِأنَّهم إذا اجْتَمَعُوا عَلى طَلَبِهِ، وقَعَ اسْتِيفاؤُهُ لِجَمِيعِهِمْ، وإذا طَلَبَهُ واحِدٌ مُنْفَرِدًا كانَ اسْتِيفاؤُهُ لَهُ وحْدَهُ، فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الباقِينَ بِغَيْرِ اسْتِيفائِهِمْ (في) إسْقاطِهِمْ، وإنْ قَذَفَ الجَماعَةَ بِكَلِماتٍ فَلِكُلِّ واحِدٍ حَدٌّ، وبِهَذا قالَ عَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وأبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ، وقالَ حَمّادٌ ومالِكٌ: لا يَجِبُ إلّا حَدٌّ واحِدٌ، لِأنَّها جِنايَةٌ تُوجِبُ حَدًّا، فَإذا تَكَرَّرَتْ كَفى حَدٌّ واحِدٌ، كَما لَوْ سَرَقَ مِن جَماعَةٍ أوْ زَنى بِنِساءٍ، أوْ شَرِبَ أنْواعًا مِنَ المُسْكِرِ، ولَنا أنَّها حُقُوقٌ لِآدَمِيِّينَ فَلَمْ تَتَداخَلْ كالدُّيُونِ والقِصاصِ، وفارَقَ ما قاسُوا عَلَيْهِ فَإنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعالى، إلى أنْ قالا: وإنْ قَذَفَ رَجُلًا مَرّاتٍ فَلَمْ يُحَدَّ، فَحَدٌّ واحِدٌ رِوايَةً واحِدَةً، سَواءٌ قَذَفَهُ بِزِنًا واحِدٍ أوْ بِزَنَيْاتٍ، وإنْ قَذَفَهُ فَحُدَّ ثُمَّ أعادَ قَذْفَهُ نَظَرْتَ، فَإنْ قَذَفَهُ بِذَلِكَ الزِّنا الَّذِي حُدَّ مِن أجْلِهِ لَمْ يُعَدْ عَلَيْهِ الحَدُّ في قَوْلِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ القاسِمِ: أنَّهُ أوْجَبَ حَدًّا ثانِيًا، وهَذا يُخالِفُ إجْماعَ الصَّحابَةِ، فَإنَّ أبا بَكْرَةَ لَمّا حُدَّ بِقَذْفِ المُغِيرَةِ أعادَ قَذْفَهُ فَلَمْ يَرَوْا عَلَيْهِ حَدًّا ثانِيًا، فَرَوى الأثْرَمُ بِإسْنادِهِ عَنْ ظَبْيانَ بْنِ عُمارَةَ، قالَ: شَهِدَ عَلى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ أنَّهُ زانٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَكَبُرَ عَلَيْهِ، وقالَ: شاطَ ثَلاثَةُ أرْباعِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وجاءَ زِيادٌ، فَقالَ: ما عِنْدَكَ ؟ فَلَمْ يُثْبِتْ فَأمَرَ بِجِلْدِهِمْ فَجُلِدُوا، وقالَ: شُهُودُ زُورٍ، فَقالَ أبُو بَكْرَةَ: ألَيْسَ تَرْضى إنْ أتاكَ رَجُلٌ عِنْدَكَ يَشْهَدُ رَجْمَهُ ؟ قالَ: نَعَمْ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، فَقالَ أبُو بَكْرَةَ: وأنا أشْهَدُ أنَّهُ زانٍ، فَأرادَ أنْ يُعِيدَ عَلَيْهِ الحَدَّ، فَقالَ عَلِيٌّ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنَّكَ إنْ أعَدْتَ عَلَيْهِ الحَدَّ، أوْجَبْتَ عَلَيْهِ الرَّجْمَ، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: فَلا يُعادُ فِيهِ فِرْيَةُ جَلْدٍ مَرَّتَيْنِ. قالَ الأثْرَمُ: قُلْتُ لِأبِي عَبْدِ اللَّهِ، قَوْلُ عَلِيٍّ: إنْ جَلَدْتَهُ فارْجُمْ صاحِبَكَ، قالَ: كَأنَّهُ جَعَلَ (p-٤٤٥)شَهادَتَهُ شَهادَةَ رَجُلَيْنِ، قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: وكُنْتُ أنا أُفَسِّرُهُ عَلى هَذا حَتّى رَأيْتُهُ في هَذا الحَدِيثِ فَأعْجَبَنِي، ثُمَّ قالَ يَقُولُ: إذا جَلَدْتَهُ ثانِيَةً فَكَأنَّكَ جَعَلْتَهُ شاهِدًا آخَرَ، فَأمّا إنْ حُدَّ لَهُ وقَذَفَهُ بِزِنًا ثانٍ نَظَرْتَ، فَإنْ قَذَفَهُ بَعْدَ طُولِ الفَصْلِ فَحَدٌّ ثانٍ؛ لِأنَّهُ لا يُسْقِطُ حُرْمَةَ المَقْذُوفِ بِالنِّسْبَةِ إلى القاذِفِ أبَدًا بِحَيْثُ يُمَكَّنُ مِن قَذْفِهِ بِكُلِّ حالٍ، وإنْ قَذَفَهُ عُقَيْبَ حَدِّهِ فَفِيهِ رِوايَتانِ:

إحْداهُما: يُحَدُّ أيْضًا؛ لِأنَّهُ قَذْفٌ لَمْ يَظْهَرْ كَذِبُهُ فِيهِ بِحَدٍّ، فَيَلْزَمُ فِيهِ حَدٌّ كَما لَوْ طالَ الفَصْلُ، ولِأنَّ سائِرَ أسْبابِ الحَدِّ إذا تَكَرَّرَتْ بَعْدَ أنْ حُدَّ لِلْأوَّلِ ثَبَتَ لِلثّانِي حُكْمُهُ، كالزِّنا والسَّرِقَةِ وغَيْرِهِما مِنَ الأسْبابِ.

والثّانِيَةُ: لا يُحَدُّ؛ لِأنَّهُ قَدْ حُدَّ لَهُ لِمَرَّةٍ فَلَمْ يُحَدَّ لَهُ بِالقَذْفِ عَقِبَهُ، كَما لَوْ قَذَفَهُ بِالزِّنا الأوَّلِ، انْتَهى مِنَ ”المُغْنِي“، وقَدْ رَأيْتُ نَقْلَهُ لِأقْوالِ أهْلِ العِلْمِ، فِيمَن قَذَفَ جَماعَةً بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ أوْ بِكَلِماتٍ أوْ قَذَفَ واحِدًا مَرّاتٍ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: هَذِهِ المَسائِلُ لَمْ نَعْلَمْ فِيها نَصًّا مِن كِتابٍ ولا سُنَّةٍ.

والَّذِي يَظْهَرُ لَنا فِيهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّ مَن قَذَفَ جَماعَةً بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ فَعَلَيْهِ حَدٌّ واحِدٌ، لِأنَّهُ يَظْهَرُ بِهِ كَذِبُهُ عَلى الجَمِيعِ وتَزُولُ بِهِ المَعَرَّةُ عَنِ الجَمِيعِ، ويَحْصُلُ شِفاءُ الغَيْظِ بِحَدِّهِ لِلْجَمِيعِ.

والأظْهَرُ عِنْدَنا فِيمَن رَمى جَماعَةً بِكَلِماتٍ أنَّهُ يَتَعَدَّدُ عَلَيْهِ الحَدُّ، بِعَدَدِ الكَلِماتِ الَّتِي قَذَفَ بِها؛ لِأنَّهُ قَذَفَ كُلَّ واحِدٍ قَذْفًا مُسْتَقِلًّا لَمْ يُشارِكْهُ فِيهِ غَيْرُهُ وحَدُّهُ لِبَعْضِهِمْ لا يَظْهَرُ بِهِ كَذِبُهُ عَلى الثّانِي الَّذِي قَذَفَهُ بِلَفْظٍ آخَرَ، ولا تَزُولُ بِهِ عَنْهُ المَعَرَّةُ. وهَذا إنْ كانَ قَذْفُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم قَذْفًا مُفْرَدًا لَمْ يُجْمَعْ مَعَهُ غَيْرُهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ، والأظْهَرُ أنَّهُ إنْ قَذَفَهم بِعِباراتٍ مُخْتَلِفَةٍ تَكَرَّرُ عَلَيْهِ الحَدُّ بِعَدَدِهِمْ، كَما اخْتارَهُ صاحِبُ ”المُغْنِي“ .

والأظْهَرُ عِنْدَنا أنَّهُ إنْ كَرَّرَ القَذْفَ لِرَجُلٍ واحِدٍ قَبْلَ إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ يَكْفِي فِيهِ حَدٌّ واحِدٌ، وأنَّهُ إنْ رَماهُ بَعْدَ حَدِّهِ لِلْقَذْفِ الأوَّلِ بَعْدَ طُولِ حَدٍّ أيْضًا، وإنْ رَماهُ قُرْبَ زَمَنِ حَدِّهِ بِعَيْنِ الزِّنا الَّذِي حُدَّ لَهُ لا يُعادُ عَلَيْهِ الحَدُّ؛ كَما حَكاهُ صاحِبُ المُغْنِي في قِصَّةِ أبِي بَكْرَةَ والمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وإنْ كانَ القَذْفُ الثّانِي غَيْرَ الأوَّلِ، كَأنْ قالَ في الأوَّلِ: زَنَيْتَ بِامْرَأةٍ (p-٤٤٦)بَيْضاءَ، وفي الثّانِي قالَ: بِامْرَأةٍ سَوْداءَ، فالظّاهِرُ تَكَرُّرُهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

وَعَنْ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ”المُدَوَّنَةِ“: إنْ قَذَفَ رَجُلًا فَلَمّا ضُرِبَ أسْواطًا قَذَفَهُ ثانِيًا أوْ آخَرَ ابْتُدِئَ الحَدُّ عَلَيْهِ ثَمانِينَ مِن حِينِ يَقْذِفُهُ، ولا يُعْتَدُّ بِما مَضى مِنَ السِّياطِ.

* *

المَسْألَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ: الظّاهِرُ أنَّ مَن قالَ لِجَماعَةٍ: أحَدُكم زانٍ أوِ ابْنُ زانِيَةٍ لا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ واحِدًا فَلَمْ تَلْحَقِ المَعَرَّةُ واحِدًا مِنهم، فَإنْ طَلَبُوا إقامَةَ الحَدِّ عَلَيْهِ جَمِيعًا لا يُحَدُّ، لِأنَّهُ لَمْ يَرْمِ واحِدًا مِنهم بِعَيْنِهِ، ولَمْ يُعَرِّفْ مَن أرادَ بِكَلامِهِ، نَقَلَهُ المَوّاقُ عَنِ الباجِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المَوّازِ، ووَجْهُهُ ظاهِرٌ كَما تَرى، واقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلِيلٌ في مُخْتَصَرِهِ في قَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما لا حَدَّ فِيهِ، أوْ قالَ لِجَماعَةٍ: أحَدُكم زانٍ.

وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وإذا قالَ مَن رَمانِي فَهو ابْنُ الزّانِيَةِ فَرَماهُ رَجُلٌ، فَلا حَدَّ عَلَيْهِ في قَوْلِ أحَدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ. وكَذَلِكَ إنِ اخْتَلَفَ رَجُلانِ في شَيْءٍ، فَقالَ أحَدُهُما: الكاذِبُ هو ابْنُ الزّانِيَةِ، فَلا حَدَّ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ أحَدًا بِالقَذْفِ، وكَذَلِكَ ما أشْبَهَ هَذا، ولَوْ قَذَفَ جَماعَةً لا يُتَصَوَّرُ صِدْقُهُ في قَذْفِهِمْ مِثْلَ أنْ يَقْذِفَ أهْلَ بَلْدَةٍ كَثِيرَةٍ بِالزِّنى كُلَّهم، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَدٌّ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُلْحِقِ العارَ بِأحَدٍ غَيْرِ نَفْسِهِ لِلْعِلْمِ بِكَذِبِهِ، انْتَهى مِنهُ.

* *

المَسْألَةُ الخامِسَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّ أظْهَرَ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ عِنْدَنا فِيمَن قالَ لِرَجُلٍ: أنْتَ أزَنى مِن فُلانٍ، فَهو قاذِفٌ لَهُما، وعَلَيْهِ حَدّانِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ أزَنى صِيغَةُ تَفْضِيلٍ، وهي تَدُلُّ عَلى اشْتِراكِ المُفَضَّلِ، والمُفَضَّلِ عَلَيْهِ في أصْلِ الفِعْلِ، إلّا أنَّ المُفَضَّلَ أفْضَلُ فِيهِ مِن صاحِبِهِ المُشارِكِ لَهُ فِيهِ، فَمَعْنى كَلامِهِ بِدَلالَةِ المُطابَقَةِ في صِيغَةِ التَّفْضِيلِ: أنْتَ وفُلانٌ زانِيانِ، ولَكِنَّكَ تَفُوقُهُ في الزِّنى، وكَوْنُ هَذا قَذْفًا لَهُما واضِحٌ، كَما تَرى. وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ أحَدَ الوَجْهَيْنِ عِنْدَ الحَنابِلَةِ أنَّهُ يُحَدُّ لِلْمُخاطَبِ فَقَطْ، دُونَ فُلانٍ المَذْكُورِ لا يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ ما عَزاهُ ابْنُ قُدامَةَ لِلشّافِعِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْيِ مِن أنَّهُ لَيْسَ بِقَذْفٍ لِلْأوَّلِ، ولا لِلثّانِي إلّا أنْ يُرِيدَ بِهِ القَذْفَ، كُلُّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ ولا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ صِيغَةَ: أنْتَ أزَنى مِن فُلانٍ قَذْفٌ صَرِيحٌ لَهُما بِعِبارَةٍ واضِحَةٍ، لا إشْكالَ فِيها.

وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ مُحْتَجًّا لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا عَنِ الحَنابِلَةِ: أنَّهُ لا حَدَّ عَلى الثّانِي، ما نَصُّهُ: والثّانِي يَكُونُ قَذْفًا لِلْمُخاطَبِ خاصَّةً؛ لِأنَّ لَفْظَةَ أفْعَلَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلْمُنْفَرِدِ بِالفِعْلِ؛ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعالى (p-٤٤٧)﴿أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلّا أنْ يُهْدى فَما﴾ الآيَةَ [يونس: ٣٥]، وقالَ تَعالى: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ [الأنعام: ٨١]، وقالَ لُوطٌ: ﴿بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]، أيْ مِن أدْبارِ الرِّجالِ، ولا طَهارَةَ فِيها لا يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ كَما أنَّهُ هو ساقَهُ، ولَمْ يُعَوِّلْ عَلَيْهِ.

وَحاصِلُ الِاحْتِجاجِ المَذْكُورِ: أنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ قَدْ تَرِدُ مُرادًا بِها مُطْلَقُ الوَصْفِ لا حُصُولُ التَّفْضِيلِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، ومَثَّلَ لَهُ هو بِكَلِمَةِ: ﴿أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ﴾ وكَلِمَةِ: ﴿أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ وكَلِمَةِ: ﴿أطْهَرُ لَكُمْ﴾؛ لِأنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ في الآياتِ المَذْكُورَةِ لِمُطْلَقِ الوَصْفِ لا لِلتَّفْضِيلِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: لا يَخْفى أنَّ صِيغَةَ التَّفْضِيلِ قَدْ تَرِدُ لِمُطْلَقِ الوَصْفِ، كَما هو مَعْلُومٌ، ومِن أمْثِلَتِهِ الآياتُ الَّتِي ذَكَرَها صاحِبُ ”المُغْنِي“، ولَكِنَّها لا تُحْمَلُ عَلى غَيْرِ التَّفْضِيلِ، إلّا بِدَلِيلٍ خارِجٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ، والآياتُ الَّتِي ذَكَرَ مَعْلُومٌ أنَّها لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ؛ لِأنَّ الأصْنامَ لا نَصِيبَ لَها مِن أحَقِّيَّةِ الِاتِّباعَ أصْلًا في قَوْلِهِ: ﴿أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ ولِأنَّ الكَفّارَ لا نَصِيبَ لَهم في الأحَقِّيَّةِ بِالأمْنِ، ولِأنَّ أدْبارَ الرِّجالِ لا نَصِيبَ لَها في الطَّهارَةِ.

وَمِن أمْثِلَةِ وُرُودِ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ لِمُطْلَقِ الوَصْفِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، أيْ: هَيِّنٌ سَهْلٌ عَلَيْهِ، وقَوْلُ الشَّنْفَرى:

؎وَإنْ مُدَّتِ الأيْدِيِ إلى الزّادِ لَمْ أكُنْ بِأعْجَلِهِمْ إذْ أجْشَعُ القَوْمِ أعْجَلُ

أيْ: لَمْ أكُنْ بِالعَجِلِ مِنهم، وقَوْلُ الفَرَزْدَقِ:

؎إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا ∗∗∗ بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ

أيْ: عَزِيزَةٌ طَوِيلَةٌ، وقَوْلُ مَعْنِ بْنِ أوْسٍ:

؎لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنِّي لَأوْجَلُ ∗∗∗ عَلى أيِّنا تَعْدُو المَنِيَّةُ أوَّلُ

أيْ: لَوَجِلٌ، وقَوْلُ الأحْوَصِ بْنِ مُحَمَّدٍ الأنْصارِيِّ:

؎إنِّي لِأمْنَحُكَ الصُّدُودَ وإنَّنِي ∗∗∗ قَسَمًا إلَيْكَ مَعَ الصُّدُودِ لَأمْيَلُ

أيْ: لَمائِلٌ، وقَوْلُ الآخَرِ:

(p-٤٤٨)تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ وإنْ أمُتْ ∗∗∗ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَدِ.

أيْ: بِواحِدٍ، وقالَ الآخَرُ:

؎لَعَمْرُكَ إنَّ الزِّبْرِقانَ لَباذِلٌ ∗∗∗ لِمَعْرُوفِهِ عِنْدَ السِّنِينَ وأفْضَلُ

أيْ: وفاضِلٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَّواهِدِ، ولَكِنْ قَدَّمْنا أنَّها لا تُحْمَلُ عَلى مُطْلَقِ الوَصْفِ، إلّا لِدَلِيلٍ خارِجٍ، أوْ قَرِينَةٍ واضِحَةٍ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ لَهُ: أنْتَ أزَنى مِن فُلانٍ، لَيْسَ هُناكَ قَرِينَةٌ، ولا دَلِيلٌ صارِفٌ لِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ عَنْ أصْلِها، فَوَجَبَ إبْقاؤُها عَلى أصْلِها، وحَدُّ القاذِفِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، والإتْيانُ بِلَفْظَةِ مِن في قَوْلِهِ: أنْتَ أزَنى مِن فُلانٍ، يُوَضِّحُ صَراحَةً الصِّيغَةَ في التَّفْضِيلِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском