Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:4–7, continued
المَسْألَةُ السّادِسَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّهُ لا يَجُوزُ رَمْيُ المُلاعَنَةِ بِالزِّنى، ولا رَمْيُ ولَدِها بِأنَّهُ ابْنُ زِنًى، ومَن رَمى أحَدَهُما فَعَلَيْهِ الحَدُّ، وهَذا لا يَنْبَغِي أنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْها زِنًى، ولا عَلى ولَدِها أنَّهُ ابْنُ زِنًى، وإنَّما انْتَفى نَسَبُهُ عَنِ الزَّوْجِ بِلِعانِهِ.
وَفِي سُنَنِ أبِي داوُدَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، ثَنا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ، ثَنا عَبّادُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «جاءَ هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وهو أحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَجاءَ مِن أرْضِهِ عَشِيًّا فَوَجَدَ عِنْدَ أهْلِهِ رَجُلًا فَرَأى بِعَيْنِهِ وسَمِعَ بِأُذُنِهِ. .، الحَدِيثَ، وفِيهِ: فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما، وقَضى ألّا يُدْعى ولَدُها لِأبٍّ، ولا تُرْمى ولا يُرْمى ولَدُها ومَن رَماها أوْ رَمى ولَدَها فَعَلَيْهِ الحَدُّ» . . إلى آخِرِ الحَدِيثِ، وفي هَذا الحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ مَن رَماها أوْ رَمى ولَدَها فَعَلَيْهِ الحَدُّ.
واعْلَمْ: أنَّ ما نَقَلَهُ الشَّيْخُ الحَطّابُ عَنْ بَعْضِ عُلَماءِ المالِكِيَّةِ مِن أنَّ مَن قالَ لِابْنِ مُلاعَنَةٍ: لَسْتَ لِأبِيكَ الَّذِي لاعَنَ أُمَّكَ، فَعَلَيْهِ الحَدُّ خِلافُ التَّحْقِيقِ؛ لِأنَّ الزَّوْجَ المُلاعِنَ يَنْتَفِي عَنْهُ نَسَبُ الوَلَدِ بِاللِّعانِ، فَنَفْيُهُ عَنْهُ حَقٌّ مُطابِقٌ لِلْواقِعِ، ولِذا لا يَتَوارَثانِ، ومَن قالَ كَلامًا حَقًّا، فَإنَّهُ لا يَسْتَوْجِبُ الحَدَّ بِذَلِكَ؛ كَما لَوْ قالَ لَهُ: يا مَن نَفاهُ زَوْجُ أُمِّهِ، أوْ يا ابْنَ مُلاعَنَةٍ، أوْ يا ابْنَ مَن لُوعِنَتْ؛ وإنَّما يَجِبُ الحَدُّ عَلى قاذِفِهِ، فِيما لَوْ قالَ: أنْتَ ابْنُ زِنًى ونَحْوَها مِن صَرِيحِ القَذْفِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
(p-٤٤٩)المَسْألَةُ السّابِعَةَ عَشْرَةَ: في حُكْمِ ما لَوْ قالَ لِرَجُلٍ: يا زانِيَةُ بِتاءِ الفَرْقِ، أوْ قالَ لِامْرَأةٍ: يا زانِي، بِلا تاءٍ، قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: هو قَذْفٌ صَرِيحٌ لِكُلٍّ مِنهُما، قالَ: واخْتارَ هَذا أبُو بَكْرٍ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، واخْتارَ ابْنُ حامِدٍ أنَّهُ لَيْسَ بِقَذْفٍ إلّا أنْ يُفَسِّرَهُ بِهِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: يا زانِيَةُ، أيْ: يا عَلّامَةُ في الزِّنا؛ كَما يُقالُ لِلْعالِمِ: عَلّامَةٌ، ولِكَثِيرِ الرِّوايَةِ: راوِيَةٌ، ولِكَثِيرِ الحِفْظِ: حَفِظَةٌ، ولَنا أنَّ ما كانَ قَذْفًا لِأحَدِ الجِنْسَيْنِ كانَ قَذْفًا لِلْآخَرِ؛ كَقَوْلِهِ: زَنَيْتَ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِها لَهُما جَمِيعًا، ولِأنَّ هَذا اللَّفْظَ خِطابٌ لَهُما وإشارَةٌ إلَيْهِما بِلَفْظِ الزِّنا، وذَلِكَ يُغْنِي عَنِ التَّمْيِيزِ بِتاءِ التَّأْنِيثِ وحَذْفِها، ولِذَلِكَ لَوْ قالَ لِلْمَرْأةِ: يا شَخْصًا زانِيًا، ولِلرَّجُلِ: يا نَسَمَةً زانِيَةً، كانَ قاذِفًا، وقَوْلُهم: إنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّهُ عَلّامَةٌ في الزِّنا لا يَصِحُّ فَإنَّما كانَ اسْمًا لِلْفِعْلِ، إذا دَخَلَتْهُ الهاءُ كانَتْ لِلْمُبالَغَةِ؛ كَقَوْلِهِمْ: حَفِظَةٌ لِلْمُبالِغِ في الحِفْظِ، وراوِيَةٌ لِلْمُبالِغِ في الرِّوايَةِ، وكَذَلِكَ هُمَزَةٌ لُمَزَةٌ وصُرَعَةٌ؛ ولِأنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ يُذَكِّرُ المُؤَنَّثَ ويُؤَنِّثُ المُذَكَّرَ، ولا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِ المُخاطَبِ بِهِ مُرادًا بِما يُرادُ بِاللَّفْظِ الصَّحِيحِ، انْتَهى كَلامُ صاحِبِ ”المُغْنِي“ .
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: أظْهَرُ القَوْلَيْنِ عِنْدِي فِيمَن قالَ لِذَكَرٍ: يا زانِيَةُ بِصِيغَةِ التَّأْنِيثِ، أوْ قالَ لِامْرَأةٍ: يا زانِي بِصِيغَةِ التَّذْكِيرِ، أنَّهُ يَلْزَمُهُ الحَدُّ.
وَإيضاحُهُ أنَّ القاذِفَ بِالعِبارَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ لا يَخْلُو مِن أحَدِ أمْرَيْنِ، إمّا أنْ يَكُونَ عامِّيًّا لا يَعْرِفُ العَرَبِيَّةَ، أوْ يَكُونَ لَهُ عِلْمٌ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، فَإنْ كانَ عامِّيًّا فَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ عالِمٍ بِالفَرْقِ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ، ونِداؤُهُ لِلشَّخْصِ بِلَفْظِ الزِّنى ظاهِرٌ في قَصْدِهِ قَذْفَهُ.
وَإنْ كانَ عالِمًا بِاللُّغَةِ، فاللَّهُ يَكْثُرُ فِيها إطْلاقُ وصْفِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى بِاعْتِبارِ كَوْنِها شَخْصًا.
وَقَدْ قَدَّمْنا بَعْضَ أمْثِلَةِ ذَلِكَ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ [النحل: ١٤]، ومِمّا ذَكَرْنا مِنَ الشَّواهِدِ هُناكَ قَوْلُ حَسّانٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
؎مَنَعَ النَّوْمَ بِالعِشاءِ الهُمُومُ وخَيالٌ إذا تَغارُ النُّجُومُ
؎مِن حَبِيبٍ أصابَ قَلْبَكَ مِنهُ ∗∗∗ سَقَمٌ فَهو داخِلٌ مَكْتُومُ
وَمُرادُهُ بِالحَبِيبِ أُنْثى، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ:
؎لَمْ تَفُتْها شَمْسُ النَّهارِ بِشَيْءٍ ∗∗∗ غَيْرَ أنَّ الشَّبابَ لَيْسَ يَدُومُ
(p-٤٥٠)وَقَوْلُ كُثَيِّرٍ:
؎لَئِنْ كانَ يَرِدُ الماءَ هَيْمانَ صادِيًا ∗∗∗ إلَيَّ حَبِيبًا إنَّها لَحَبِيبُ
وَمِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ قَوْلُ مَلِيحِ بْنِ الحَكَمِ الهُذَلِيِّ:
؎وَلَكِنَّ لَيْلى أهْلَكَتْنِي بِقَوْلِها ∗∗∗ نَعَمْ ثُمَّ لَيْلى الماطِلُ المُتَبَلِّحُ
يَعْنِي لَيْلى الشَّخْصُ الماطِلُ المُتَبَلِّحُ.
وَقَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ حِزامٍ العُذْرِيِّ:
؎وَعَفْراءُ أرْجى النّاسِ عِنْدِي مَوَدَّةً ∗∗∗ وعَفْراءُ عَنِّي المُعْرِضُ المُتَوانِي
أيِ: الشَّخْصُ المُعْرِضُ.
وَإذا كَثُرَ في كَلامِ العَرَبِ تَذْكِيرُ وصْفِ الأُنْثى بِاعْتِبارِ الشَّخْصِ كَما رَأيْتَ أمْثِلَتَهُ، فَكَذَلِكَ لا مانِعَ مِن تَأْنِيثِهِمْ صِفَةَ الذَّكَرِ بِاعْتِبارِ النَّسَمَةِ أوِ النَّفْسِ، ووُرُودُ ذَلِكَ لِتَأْنِيثِ اللَّفْظِ مَعَ تَذْكِيرِ المَعْنى مَعْرُوفٌ؛ كَقَوْلِهِ:
؎أبُوكَ خَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى ∗∗∗ وأنْتَ خَلِيفَةٌ ذاكَ الكَمالُ
* *
المَسْألَةُ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّ مَن رَمى رَجُلًا قَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الزِّنى سابِقًا أوِ امْرَأةً، قَدْ ثَبَتَ عَلَيْها الزِّنى سابِقًا بِبَيِّنَةٍ، أوْ إقْرارٍ، فَلا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ صادِقٌ، ولِأنَّ إحْصانَ المَقْذُوفِ قَدْ زالَ بِالزِّنى، ويَدُلُّ لِهَذا مَفْهُومُ المُخالَفَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ الآيَةَ، فَهو يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ أنَّ مَن رَمى غَيْرَ مُحْصَنَةٍ لا حَدَّ عَلَيْهِ، وهو كَذَلِكَ، ولَكِنَّهُ يَلْزَمُ تَعْزِيرُهُ؛ لِأنَّهُ رَماهُ بِفاحِشَةٍ ولَمْ يُثْبِتْها، ولا يُتْرَكُ عِرْضُ مَن ثَبَتَ عَلَيْهِ الزِّنى سابِقًا مُباحًا لِكُلِّ مَن شاءَ أنْ يَرْمِيَهُ بِالزِّنى دُونَ عُقُوبَةٍ رادِعَةٍ، كَما تَرى.
* *
المَسْألَةُ التّاسِعَةَ عَشْرَةَ: اعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ إذا كانَ مُشْرِكًا وزَنى في شِرْكِهِ، أوْ كانَ مَجُوسِيًّا ونَكَحَ أُمَّهُ أوِ ابْنَتَهُ مَثَلًا في حالِ كَوْنِهِ مَجُوسِيًّا، ثُمَّ أسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَماهُ أحَدٌ بِالزِّنى بَعْدَ إسْلامِهِ، فَلَهُ ثَلاثُ حالاتٍ:
الأُولى: أنْ يَقُولَ لَهُ: يا مَن زَنى في أيّامِ شِرْكِهِ أوْ يا مَن نَكَحَ أُمَّهُ مَثَلًا في أيّامِهِ مَجُوسِيًّا، وهَذِهِ الصُّورَةُ لا حَدَّ فِيها؛ لِأنَّ صاحِبَها أخْبَرَ بِحَقٍّ والإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ.
(p-٤٥١)الثّانِيَةُ: أنْ يَقُولَ لَهُ: يا مَن زَنى بَعْدَ إسْلامِهِ أوْ نَكَحَ أُمَّهُ بَعْدَ إسْلامِهِ، فَعَلَيْهِ الحَدُّ؛ كَما لا يَخْفى.
الثّالِثَةُ: أنْ يَقُولَ لَهُ: يا زانِي، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَوْنِ ذَلِكَ قَبْلَ إسْلامِهِ أوْ بَعْدَهُ، فَإنْ فَسَّرَهُ بِأنَّهُ أرادَ أنَّهُ زَنى بَعْدَ إسْلامِهِ، فَعَلَيْهِ الحَدُّ، وإنْ قالَ: أرَدْتُ بِذَلِكَ زِناهُ في زَمَنِ شِرْكِهِ، فَهَلْ يُقْبَلُ مِنهُ هَذا التَّفْسِيرُ، ويَسْقُطُ عَنْهُ الحَدُّ، أوْ لا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنهُ، ويُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ، اهـ، اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ، ومِمَّنْ قالَ بِأنَّهُ يُحَدُّ ولا يُلْتَفَتُ إلى تَفْسِيرِهِ ذَلِكَ: مالِكٌ وأصْحابُهُ، وصَرَّحَ بِهِ الخِرَقِيُّ مِنَ الحَنابِلَةِ، وقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: لا حَدَّ عَلَيْهِ، وخالَفَ في ذَلِكَ الخِرَقِيَّ في شَرْحِهِ لِقَوْلِ الخِرَقِيِّ: ومَن قَذَفَ مَن كانَ مُشْرِكًا، وقالَ: أرَدْتُ أنَّهُ زَنى وهو مُشْرِكٌ لَمْ يَلْتَفِتْ إلى قَوْلِهِ، وحَدُّ القاذِفِ إذا طالَبَ المَقْذُوفَ، وكَذَلِكَ مَن كانَ عَبْدًا، انْتَهى.
* *
المَسْألَةُ العِشْرُونَ: اعْلَمْ أنَّ مَن قَذَفَ بِنْتًا غَيْرَ بالِغَةٍ بِالزِّنى، أوْ قَذَفَ بِهِ ذَكَرًا غَيْرَ بالِغٍ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ: هَلْ يَجِبُ عَلى القاذِفِ الحَدُّ أوْ لا يَجِبُ عَلَيْهِ ؟ وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها: إذا رَمى صَبِيَّةً يُمْكِنُ وطْؤُها قَبْلَ البُلُوغِ بِالزِّنى كانَ قَذْفًا عِنْدَ مالِكٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ وأبُو ثَوْرٍ: لَيْسَ بِقَذْفٍ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِزِنًى إذْ لا حَدَّ عَلَيْها ويُعَزَّرُ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: والمَسْألَةُ مُحْتَمِلَةٌ مُشْكِلَةٌ لَكِنَّ مالِكًا غَلَّبَ حِمايَةَ عِرْضِ المَقْذُوفِ، وغَيْرَهُ راعى حِمايَةَ ظَهْرِ القاذِفِ، وحِمايَةُ عِرْضِ المَقْذُوفِ أوْلى؛ لِأنَّ القاذِفَ كَشَفَ سِتْرَهُ بِطَرَفِ لِسانِهِ فَلَزِمَهُ الحَدُّ، قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وقالَ أحْمَدُ في الجارِيَةِ بِنْتِ تِسْعٍ، يُحَدُّ قاذِفُها، وكَذَلِكَ الصَّبِيُّ إذا بَلَغَ عَشْرًا ضُرِبَ قاذِفُهُ، قالَ إسْحاقُ: إذا قَذَفَ غُلامًا يَطَأُ مِثْلُهُ فَعَلَيْهِ الحَدُّ، والجارِيَةُ إذا جاوَزَتْ تِسْعًا مِثْلُ ذَلِكَ، قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: لا يُحَدُّ مَن قَذَفَ مَن لَمْ يَبْلُغْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ، ويُعَزَّرُ عَلى الأذى، اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَإذا عَرَفْتَ مِمّا ذَكَرْنا أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ في المَسْألَةِ، فاعْلَمْ أنَّ أظْهَرَها عِنْدَنا قَوْلُ ابْنِ المُنْذِرِ: إنَّهُ لا يُحَدُّ ولَكِنْ يُعَزَّرُ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ مَن لَمْ يَبْلُغْ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ مَرْفُوعٌ عَنْهُ القَلَمُ، ولا مَعَرَّةَ تَلْحَقُهُ بِذَنْبٍ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُؤاخَذٍ، ولَوْ جاءَ قاذِفُ الصَّبِيِّ بِأرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ عَلى الصَّبِيِّ بِالزِّنى فَلا حَدَّ عَلَيْهِ إجْماعًا، ولَوْ كانَ قَذَفَهُ قَذْفًا عَلى الحَقِيقَةِ لَلَزِمَهُ الحَدُّ بِإقامَةِ القاذِفِ البَيِّنَةَ عَلى زِناهُ، وإنْ خالَفَ في هَذا جَمْعٌ مِن أجِلّاءِ العُلَماءِ، ولَكِنَّهُ يُعَزَّرُ التَّعْزِيرَ البالِغَ الرّادِعَ لَهُ، ولِغَيْرِهِ عَنْ قَذْفِ مَن لَمْ يَبْلُغْ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
(p-٤٥٢)المَسْألَةُ الحادِيَةُ والعِشْرُونَ: اعْلَمْ أنَّ الظّاهِرَ فِيما لَوْ قالَ رَجُلٌ لِآخَرَ زَنَأْتَ بِالهَمْزَةِ، أنَّ القاذِفَ إنَّ كانَ عامِّيًّا لا يُفَرِّقُ بَيْنَ المُعْتَلِّ والمَهْمُوزِ أنَّهُ يُحَدُّ لِظُهُورِ قَصْدِهِ لِقَذْفِهِ بِالزِّنى، وإنْ كانَ عالِمًا بِالعَرَبِيَّةِ، وقالَ: إنَّما أرَدْتُ بِقَوْلِي: زَنَأْتَ بِالهَمْزَةِ مَعْناهُ اللُّغَوِيَّ، ومَعْنى زَنَأْتَ بِالهَمْزَةِ: لَجَأْتَ إلى شَيْءٍ، أوْ صَعِدْتَ في جَبَلٍ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ المِنقَرِيِّ يُرَقِّصُ ابْنَهُ حَكِيمًا وهو صَغِيرٌ:
؎أشْبِهْ أبا أُمِّكَ أوْ أشْبِهْ حَمَلْ ولا تَكُونَنَّ كَهِلَّوْفٍ وكَلْ
؎يُصْبِحُ في مَضْجَعِهِ قَدِ انْجَدَلْ ∗∗∗ وارْقَ إلى الخَيْراتِ زَنَأً في الجَبَلْ
وَمَحَلُّ الشّاهِدِ مِنهُ قَوْلُهُ: زَنَأً في الجَبَلِ أيْ صُعُودًا فِيهِ، والهِلَّوْفُ الثَّقِيلُ الجافِي العَظِيمُ اللِّحْيَةِ، والوَكَلُ الَّذِي يَكِلُ أمْرَهُ إلى غَيْرِهِ، وزَعَمَ الجَوْهَرِيُّ أنَّ هَذا الرَّجَزَ لِأُمِّ الصَّبِيِّ المَذْكُورِ تُرَقِّصُهُ بِهِ وهي مَنفُوسَةُ ابْنَةُ زَيْدِ الفَوارِسِ، ورَدَّ ذَلِكَ عَلى الجَوْهَرِيِّ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ بَرِّيٍّ، ورَواهُ هو وغَيْرُهُ عَلى ما ذَكَرْنا، قالَ: وقالَتْ أُمُّهُ تَرُدُّ عَلى أبِيهِ:
؎أشْبِهْ أخِي أوْ أشْبِهَنَّ أباكا
؎أمّا أبِي فَلَنْ تَنالَ ذاكا ∗∗∗ تَقْصُرُ أنْ تَنالَهُ يَداكا
قالَهُ في اللِّسانِ.
* *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ والعِشْرُونَ: فَمَن نَفى رَجُلًا عَنْ جَدِّهِ أوْ عَنْ أُمِّهِ أوْ نَسَبَهُ إلى شِعْبٍ غَيْرِ شِعْبِهِ، أوْ قَبِيلَةٍ غَيْرِ قَبِيلَتِهِ، فَذَهَبَ مالِكٌ: أنَّهُ إنْ نَفاهُ عَنْ أُمِّهِ فَلا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَدَّعِ عَلَيْها الزِّنا، ولَمْ يَنْفِ نَسَبَهُ عَنْ أبِيهِ، وإنْ نَفاهُ عَنْ جَدِّهِ لَزِمَهُ الحَدُّ، ولا حَدَّ عِنْدَهُ في نِسْبَةِ جِنْسٍ لِغَيْرِهِ، ولَوْ أبْيَضَ لِأسْوَدَ، قالَ في ”المُدَوَّنَةِ“: إنْ قالَ لِفارِسِيٍّ: يا رُومِيُّ أوْ يا حَبَشِيُّ، أوْ نَحْوَ هَذا لَمْ يُحَدَّ، وقالَ ابْنُ القاسِمِ: اخْتُلِفَ عَنْ مالِكٍ في هَذا، وإنِّي أرى ألّا حَدَّ عَلَيْهِ، إلّا أنْ يَقُولَ: يا ابْنَ الأسْوَدِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ في آبائِهِ أسْوَدُ فَعَلَيْهِ الحَدُّ، وأمّا إنْ نَسَبَهُ إلى حَبَشِيٍّ؛ كَأنْ قالَ: يا ابْنَ الحَبَشِيِّ وهو بَرْبَرِيٌّ، فالحَبَشِيُّ والرُّومِيُّ في هَذا سَواءٌ، إذا كانَ بَرْبَرِيًّا.
وَقالَ ابْنُ يُونُسَ: وسَواءٌ قالَ: يا حَبَشِيُّ أوْ يا ابْنَ الحَبَشِيِّ والرُّومِيِّ، أوْ يا ابْنَ الرُّومِيِّ، فَإنَّهُ لا يُحَدُّ، وكَذَلِكَ عَنْهُ في كِتابِ مُحَمَّدٍ، قالَ الشَّيْخُ المَوّاقُ: هَذا ما يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ بِهِ الفَتْوى عَلى طَرِيقَةِ ابْنِ يُونُسَ، فانْظُرْهُ أنْتَ، اهـ.
وَهَذا الَّذِي ذَكَرْنا مِن عَدَمِ حَدِّ مَن نَسَبَ جِنْسًا إلى غَيْرِهِ هو مَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ، وقَدْ (p-٤٥٣)نَصَّ عَلَيْهِ في المُدَوَّنَةِ، ومَحَلُّ هَذا عِنْدَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ العَرَبِ.
قالَ مالِكٌ في ”المُدَوَّنَةِ“: مَن قالَ لِعَرَبِيٍّ: يا حَبَشِيُّ، أوْ يا فارِسِيُّ، أوْ يا رُومِيُّ، فَعَلَيْهِ الحَدُّ؛ لِأنَّ العَرَبَ تُنْسَبُ إلى آبائِها وهَذا نَفْيٌ لَها عَنْ آبائِها.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الفَرْقُ بَيْنَ العَرَبِيِّ وغَيْرِهِ المَذْكُورِ عَنْ مالِكٍ لا يَتَّجِهُ كُلَّ الِاتِّجاهِ، ووَجْهُ كَوْنِ مَن قالَ لِرُومِيٍّ: يا حَبَشِيُّ مَثَلًا لا يُحَدُّ، أنَّ الظّاهِرَ أنَّ مُرادَهُ أنَّهُ يُشْبِهُ الحَبَشِيَّ في بَعْضِ أخْلاقِهِ أوْ أفْعالِهِ، وهو اسْتِعْمالٌ مَعْرُوفٌ في العَرَبِيَّةِ، اهـ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ إنْ نَفاهُ عَنْ جَدِّهِ لا حَدَّ عَلَيْهِ، بِأنْ قالَ لَهُ: لَسْتَ ابْنَ جَدِّكَ أنَّهُ لا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ صادِقٌ إذْ هو ابْنُ أبِيهِ لا جَدِّهِ، وكَذَلِكَ لَوْ نَسَبَ جِنْسًا إلى غَيْرِهِ؛ كَقَوْلِهِ لِعَرَبِيٍّ: يا نَبَطِيُّ، فَلا حَدَّ عَلَيْهِ عِنْدَهُ عَلى المَشْهُورِ، وكَذَلِكَ عِنْدَهُ إذا نَسَبَهُ لِقَبِيلَةٍ أُخْرى غَيْرِ قَبِيلَتِهِ أوْ نَفاهُ عَنْ قَبِيلَتِهِ؛ لِأنَّهُ يُرادُ بِهِ التَّشْبِيهُ بِتِلْكَ القَبِيلَةِ الَّتِي نَسَبُهُ لَها في الأخْلاقِ أوِ الأفْعالِ، أوْ عَدَمِ الفَصاحَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَلا يَتَعَيَّنُ قَصْدُ القَذْفِ.
وَقالَ صاحِبُ ”تَبْيِينِ الحَقائِقِ“: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قالَ لِرَجُلٍ مِن قُرَيْشٍ: يا نَبَطِيُّ، فَقالَ: لا حَدَّ عَلَيْهِ، اهـ، وكَذَلِكَ لا يُحَدُّ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ مَن قالَ لِرَجُلٍ: يا ابْنَ ماءِ السَّماءِ، أوْ نَسَبَهُ إلى عَمِّهِ أوْ خالِهِ خِلافًا لِلْمالِكِيَّةِ ومَن وافَقَهُمُ القائِلِينَ بِحَدِّ مَن نَسَبَهُ لِعَمِّهِ ونَحْوِهِ، أوْ زَوْجِ أُمِّهِ الَّذِي هو رَبِيبُهُ؛ لِأنَّ العَمَّ والخالَ كِلاهُما كالأبِّ في الشَّفَقَةِ، وقَدْ يُرِيدُ التَّشْبِيهَ بِالأبِّ في المَحَبَّةِ والشَّفَقَةِ، وقَوْلُهُ: ابْنُ ماءِ السَّماءِ، فَإنَّهُ قَدْ يُرادُ بِهِ التَّشْبِيهُ في الجُودِ والسَّماحَةِ والصَّفاءِ، قالُوا: وكانَ عامِرُ بْنُ حارِثَةَ: يُلَقَّبُ بِماءِ السَّماءِ لِكَرَمِهِ، وأنَّهُ يُقِيمُ مالَهُ في القَحْطِ مَقامَ المَطَرِ، قالُوا: وسُمِّيَتْ أُمُّ المُنْذِرِ بْنِ امْرِئِ القَيْسِ بِماءِ السَّماءِ، لِحُسْنِها وجَمالِها، وقِيلَ لِأوْلادِها بَنِي ماءِ السَّماءِ وهم مُلُوكُ العِراقِ، اهـ، وإنْ نَسَبَهُ لِجَدِّهِ فَلا حَدَّ عَلَيْهِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُخْتَلَفَ في ذَلِكَ لِصِحَّةِ نِسْبَتِهِ إلى جَدِّهِ؛ كَما هو واقِعٌ بِكَثْرَةٍ عَلى مَرِّ الأزْمِنَةِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، اهـ، ومَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ: أنَّهُ إنْ نَفاهُ عَنْ أُمِّهِ فَلا حَدَّ عَلَيْهِ.
واخْتُلِفَ عَنْهُ فِيمَن نَفى رَجُلًا عَنْ قَبِيلَتِهِ أوْ نَسَبَ جِنْسًا لِغَيْرِهِ، قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وإذا نَفى رَجُلًا عَنْ أبِيهِ، فَعَلَيْهِ الحَدُّ، نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ، وكَذَلِكَ إذا نَفاهُ عَنْ قَبِيلَتِهِ، وبِهَذا قالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وإسْحاقُ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيُّ، وحَمّادٌ، اهـ.
وَقَدْ عَلِمْتَ الخِلافَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ، والمَشْهُورَ عَنْهُ بِما ذَكَرْناهُ قَرِيبًا، ثُمَّ قالَ ابْنُ قُدامَةَ (p-٤٥٤)فِي ”المُغْنِي“: والقِياسُ يَقْتَضِي ألّا يَجِبَ الحَدُّ بِنَفْيِ الرَّجُلِ عَنْ قَبِيلَتِهِ؛ ولِأنَّ ذَلِكَ لا يَتَعَيَّنُ فِيهِ الرَّمْيُ بِالزِّنا، فَأشْبَهَ ما لَوْ قالَ لِأعْجَمِيٍّ: إنَّكَ عَرَبِيٌّ، ولَوْ قالَ لِلْعَرَبِيِّ: أنْتَ نَبَطِيٌّ أوْ فارِسِيٌّ فَلا حَدَّ عَلَيْهِ، وعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ، نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ؛ لِأنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّكَ نَبَطِيُّ اللِّسانِ أوِ الطَّبْعِ، وحُكِيَ عَنْ أحْمَدَ رِوايَةٌ أُخْرى أنَّ عَلَيْهِ الحَدَّ كَما لَوْ نَفاهُ عَنْ أبِيهِ، والأوَّلُ أصَحُّ، وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ؛ لِأنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَ القَذْفِ احْتِمالًا كَثِيرًا فَلا يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ إلَيْهِ، ومَتى فَسَّرَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ بِالقَذْفِ فَهو قاذِفٌ، اهـ مِنَ ”المُغْنِي“ .
وَإذا عَرَفْتَ أقْوالَ أهْلِ العِلْمِ في هَذا، فاعْلَمْ أنَّ المَسْألَةَ لَيْسَتْ فِيها نُصُوصٌ مِنَ الوَحْيِ، والظّاهِرُ أنَّ ما احْتَمَلَ غَيْرَ القَذْفِ مِن ذَلِكَ لا يُحَدُّ صاحِبُهُ؛ لِأنَّ الحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهاتِ واحْتِمالُ الكَلامِ غَيْرَ القَذْفِ لا يَقِلُّ عَنْ شُبْهَةٍ قَوِيَّةٍ. وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: أنَّ الأشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ رَوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَقُولُ ”: «لا أُوتى بِرَجُلٍ يَقُولُ: إنَّ قُرَيْشًا لَيْسَتْ مِن كِنانَةَ إلّا جَلَدْتُهُ»“، اهـ، وانْظُرْ إسْنادَهُ.
* *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ والعِشْرُونَ: في أحْكامِ كَلِماتٍ مُتَفَرِّقَةٍ كَمَن قالَ لِرَجُلٍ: يا قَرْنانُ، أوْ يا دَيُّوثُ، أوْ يا كَشْخانُ، أوْ يا قَرْطَبانُ، أوْ يا مَعْفُوجُ، أوْ يا قَوّادُ، أوْ يا ابْنَ مُنْزِلَةِ الرُّكْبانِ، أوْ يا ابْنَ ذاتِ الرّاياتِ، أوْ يا مُخَنَّثُ، أوْ قالَ لِامْرَأةٍ: يا قَحْبَةُ.
اعْلَمْ أنَّ أهْلَ العِلْمِ اخْتَلَفُوا في هَذِهِ العِباراتِ المَذْكُورَةِ، فَمَذْهَبُ مالِكٍ: هو أنْ مَن قالَ لِرَجُلٍ: يا قَرْنانُ، لَزِمَهُ حَدُّ القَذْفِ لِزَوْجَتِهِ إنْ طَلَبَتْهُ؛ لِأنَّ القَرْنانَ عِنْدَ النّاسِ زَوْجُ الفاعِلَةِ، وكَذَلِكَ مَن قالَ لِامْرَأةٍ: يا قَحْبَةُ، لَزِمَهُ الحَدُّ عِنْدَ المالِكِيَّةِ، وكَذَلِكَ مَن قالَ: يا ابْنَ مُنْزِلَةِ الرُّكْبانِ، أوْ يا ابْنَ ذاتِ الرّاياتِ، كُلُّ ذَلِكَ فِيهِ حَدُّ القَذْفِ عِنْدَ المالِكِيَّةِ، كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، قالُوا: لِأنَّ الزّانِيَةَ في الجاهِلِيَّةِ كانَتْ تُنْزِلُ الرُّكْبانَ، وتَجْعَلُ عَلى بابِها رايَةً، وكَذَلِكَ لَوْ قالَ لَهُ: يا مُخَنَّثُ، لَزِمَهُ الحَدُّ إنْ لَمْ يَحْلِفْ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ قَذْفًا، فَإنْ حَلَفَ أنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ أُدِّبَ، ولَمْ يُحَدَّ. قالَهُ في ”المُدَوَّنَةِ“، وإنْ قالَ لَهُ: يا ابْنَ الفاسِقَةِ، أوْ يا ابْنَ الفاجِرَةِ، أوْ يا فاسِقُ، أوْ يا فاجِرُ أوْ يا حِمارُ ابْنَ الحِمارِ، أوْ يا كَلْبُ، أوْ يا ثَوْرُ، أوْ يا خِنْزِيرُ، ونَحْوَ ذَلِكَ فَلا حَدَّ عَلَيْهِ، ولَكِنَّهُ يُعَزَّرُ تَعْزِيرًا رادِعًا حَسْبَما يَراهُ الإمامُ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ: أنَّهُ لَوْ قالَ لَهُ: يا فاسِقُ، يا كافِرُ، يا خَبِيثُ، يا لِصُّ، يا فاجِرُ، يا مُنافِقُ، يا لُوطِيُّ، يا مَن يَلْعَبُ بِالصِّبْيانِ، يا آكِلَ الرِّبا، يا شارِبَ الخَمْرِ، يا دَيُّوثُ، يا مُخَنَّثُ، يا خائِنُ، يا ابْنَ القَحْبَةِ، يا زِنْدِيقُ، يا قَرْطَبانُ، يا مَأْوى الزَّوانِي أوِ اللُّصُوصِ، يا حَرامُ، (p-٤٥٥)أنَّهُ لا حَدَّ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ الألْفاظِ، وعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ، وآكَدُ التَّعْزِيرِ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ تِسْعَةٌ وثَلاثُونَ سَوْطًا، وأمّا لَوْ قالَ لَهُ: يا كَلْبُ، يا تَيْسُ، يا حِمارُ، يا خِنْزِيرُ، يا بَقَرُ، يا حَيَّةُ، يا حَجّامُ، يا بَبْغاءُ، يا مُؤاجِرُ، يا ولَدَ الحَرامِ، يا عَيّارُ، يا ناكِسُ، يا مَنكُوسُ، يا سُخْرَةُ، يا ضُحَكَةُ، يا كَشْخانُ، يا أبْلَهُ، يا مَسُوسُ؛ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ الألْفاظِ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ، ولا يُعَزَّرُ بِها، قالَ صاحِبُ ”تَبْيِينِ الحَقائِقِ“: لا يُعَزَّرُ بِهَذِهِ الألْفاظِ كُلِّها؛ لِأنَّ مِن عادَتِهِمْ إطْلاقَ الحِمارِ ونَحْوِهِ بِمَعْنى البَلادَةِ والحِرْصِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، ولا يُرِيدُونَ بِهِ الشَّتِيمَةَ، ألا تَرى أنَّهم يُسَمُّونَ بِهِ ويَقُولُونَ: عِياضُ بْنُ حِمارٍ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ وجَمَلٌ؛ ولِأنَّ المَقْذُوفَ لا يَلْحَقُهُ شَيْنٌ بِهَذا الكَلامِ، وإنَّما يَلْحَقُ بِالقاذِفِ، وكُلُّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّهُ آدَمِيٌّ، ولَيْسَ بِكَلْبٍ ولا حِمارٍ وأنَّ القاذِفَ كاذِبٌ في ذَلِكَ، وحَكى الهِنْدُوانِيُّ أنَّهُ يُعَزَّرُ في زَمانِنا في مِثْلِ قَوْلِهِ: يا كَلْبُ، يا خِنْزِيرُ؛ لِأنَّهُ يُرادُ بِهِ الشَّتْمُ في عُرْفِنا.
وَقالَ شَمْسُ الأئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: الأصَحُّ عِنْدِي أنَّهُ لا يُعَزَّرُ، وقِيلَ: إنْ كانَ المَنسُوبُ إلَيْهِ مِنَ الأشْرافِ كالفُقَهاءِ والعَلَوِيَّةِ يُعَزَّرُ؛ لِأنَّهُ يُعَدُّ شَيْنًا في حَقِّهِ، وتَلْحَقُهُ الوَحْشَةُ بِذَلِكَ، وإنْ كانَ مِنَ العامَّةِ لا يُعَزَّرُ، وهَذا أحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ، ومِنَ الألْفاظِ الَّتِي لا تُوجِبُ التَّعْزِيرَ قَوْلُهُ: يا رُسْتاقِيُّ، ويا ابْنَ الأسْوَدِ، ويا ابْنَ الحَجّامِ، وهو لَيْسَ كَذَلِكَ، اهـ مِن ”تَبْيِينِ الحَقائِقِ شَرْحِ كَنْزِ الدَّقائِقِ في الفِقْهِ الحَنَفِيِّ“ .
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: أمّا الألْفاظُ الَّتِي ذَكَرْنا عَنْهم أنَّها تُوجِبُ التَّعْزِيرَ فَوُجُوبُ التَّعْزِيرِ بِها كَما ذَكَرُوا واضِحٌ لا إشْكالَ فِيهِ، وأمّا الألْفاظُ الَّتِي ذَكَرْنا عَنْهم أنَّها لا تَعْزِيرَ فِيها، فالأظْهَرُ عِنْدَنا أنَّها يَجِبُ فِيها التَّعْزِيرُ؛ لِأنَّها كُلُّها شَتْمٌ وعَيْبٌ، ولا يَخْفى أنَّ مَن قالَ لِإنْسانٍ: يا كَلْبُ، يا خِنْزِيرُ، يا حِمارُ، يا تَيْسُ، يا بَقَرُ، إلى آخِرِهِ، أنَّ هَذا شَتْمٌ واضِحٌ لا خَفاءَ بِهِ ولَيْسَ مُرادُهُ أنَّ الإنْسانَ كَلْبٌ أوْ خِنْزِيرٌ، ولَكِنَّ مُرادَهُ تَشْبِيهُ الإنْسانِ بِالكَلْبِ والخِنْزِيرِ في الخِسَّةِ والصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ كَما لا يَخْفى، فَهو مِن نَوْعِ التَّشْبِيهِ الَّذِي يُسَمِّيهِ البَلاغِيُّونَ تَشْبِيهًا بَلِيغًا ولا شَكَّ أنَّ عاقِلًا قِيلَ لَهُ: يا كَلْبُ، أوْ يا خِنْزِيرُ مَثَلًا أنَّ ذَلِكَ يُؤْذِيهِ، ولا يُشَكُّ أنَّهُ شَتْمٌ، فَهو أذًى ظاهِرٌ، وعَلَيْهِ فالظّاهِرُ التَّعْزِيرُ في الألْفاظِ المَذْكُورَةِ، وكَوْنُهم يُسَمُّونَ الرَّجُلَ حِمارًا أوْ كَلْبًا لا يُنافِي ذَلِكَ؛ لِأنَّ مِنَ النّاسِ مَن يُسَمِّي ابْنَهُ باسِمٍ قَبِيحٍ لا يَرْضى غَيْرُهُ أنْ يُعابَ بِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ إنْ قالَ لِرَجُلٍ: يا ابْنَ الأسْوَدِ، ولَيْسَ أبُوهُ ولا أحَدٌ مِن أجْدادِهِ بِأسْوَدَ، أنَّهُ يَلْزَمُهُ الحَدُّ لِأنَّهُ نَفْيٌ لِنَسَبِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: يا ابْنَ الحَجّامِ إنْ لَمْ يَكُنْ أبُوهُ ولا أحَدٌ مِن أجْدادِهِ حَجّامًا فَهو قَذْفٌ؛ لِأنَّهُ نَفْيٌ لِنَسَبِهِ وإلْصاقٌ لَهُ بِأسْوَدَ أوْ حَجّامٍ لَيْسَ (p-٤٥٦)بَيْنَهُ وبَيْنَهُ نَسَبٌ؛ كَما هو قَوْلُ المالِكِيَّةِ ومَن وافَقَهم.
وَقالَ صاحِبُ ”تَبْيِينِ الحَقائِقِ“: وتَفْسِيرُ القَرْطَبانِ هو الَّذِي يَرى مَعَ امْرَأتِهِ أوْ مَحْرَمِهِ رَجُلًا، فَيَدَعُهُ خالِيًا بِها، وقِيلَ: هو السَّبَبُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ اثْنَيْنِ لِمَعْنًى غَيْرِ مَمْدُوحٍ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَبْعَثُ امْرَأتَهُ مَعَ غُلامٍ بالِغٍ أوْ مَعَ مُزارِعِهِ إلى الضَّيْعَةِ، أوْ يَأْذَنُ لَهُما بِالدُّخُولِ عَلَيْها في غَيْبَتِهِ، اهـ مِنهُ.
وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وإنْ قالَ لِرَجُلٍ: يا دَيُّوثُ، أوْ يا كَشْخانُ، فَقالَ أحْمَدُ: يُعَزَّرُ، وقالَ إبْراهِيمُ الحَرْبِيُّ: الدَّيُّوثُ الَّذِي يُدْخِلُ الرِّجالَ عَلى امْرَأتِهِ، وقالَ ثَعْلَبٌ: القَرْطَبانُ الَّذِي يَرْضى أنْ يَدْخُلَ الرِّجالُ عَلى امْرَأتِهِ، وقالَ: القَرْنانُ والكَشْخانُ لَمْ أرَهُما في كَلامِ العَرَبِ، ومَعْناهُ عِنْدَ العامَّةِ مِثْلُ مَعْنى الدَّيُّوثِ، أوْ قَرِيبٌ مِنهُ، فَعَلى القاذِفِ بِهِ التَّعْزِيرُ عَلى قِياسِ قَوْلِهِ في الدَّيُّوثِ؛ لِأنَّهُ قَذَفَهُ بِما لا حَدَّ فِيهِ، وقالَ خالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أبِيهِ في الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: يا قَرْنانُ إذا كانَ لَهُ أخَواتٌ، أوْ بَناتٌ في الإسْلامِ ضُرِبَ الحَدَّ، يَعْنِي أنَّهُ قاذِفٌ لَهُنَّ، وقالَ خالِدٌ عَنْ أبِيهِ: القَرْنانُ عِنْدَ العامَّةِ مَن لَهُ بَناتٌ، والكَشْخانُ: مَن لَهُ أخَواتٌ، يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ إذا كانَ يُدْخِلُ الرِّجالَ عَلَيْهِنَّ، والقَوّادُ عِنْدَ العامَّةِ: السِّمْسارُ في الزِّنى، والقَذْفُ بِذَلِكَ كُلِّهِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ؛ لِأنَّهُ قَذْفٌ بِما لا يُوجِبُ الحَدَّ، اهـ مِنَ ”المُغْنِي“، وقالَ في ”المُغْنِي“ أيْضًا المَنصُوصُ عَنْ أحْمَدَ فِيمَن قالَ: يا مَعْفُوجُ أنَّ عَلَيْهِ الحَدَّ، وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ يَقْتَضِي أنْ يُرْجَعَ إلى تَفْسِيرِهِ، فَإنْ فُسِّرَ بِغَيْرِ الفاحِشَةِ مِثْلَ أنْ يَقُولَ: أرَدْتُ يا مَفْلُوجُ، أوْ يا مُصابًا دُونَ الفَرْجِ ونَحْوَ هَذا، فَلا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ فَسَّرَهُ بِما لا حَدَّ فِيهِ، وإنْ فَسَّرَهُ بِعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ فَعَلَيْهِ الحَدُّ؛ كَما لَوْ صَرَّحَ بِهِ. وقالَ صاحِبُ ”القامُوسِ“: القَرْنانُ: الدَّيُّوثُ المُشارِكُ في قَرِينَتِهِ لِزَوْجَتِهِ، اهـ مِنهُ، وقالَ في ”القامُوسِ“ أيْضًا: القَرْطَبانُ بِالفَتْحِ الدَّيُّوثُ، والَّذِي لا غَيْرَةَ لَهُ أوِ القُوّادُ، اهـ مِنهُ، وقالَ في ”القامُوسِ“: والتَّدَيُّثُ القِيادَةُ، وفي ”القامُوسِ“ تَحْتَ الخَطِّ لا بَيْنَ قَوْسَيْنِ الكَشْخانُ ويُكْسَرُ: الدَّيُّوثُ، وكَشَّخَهُ تَكْشِيخًا، وكَشْخَنَهُ، قالَ لَهُ: يا كَشْخانُ، اهـ مِنهُ، وهو بِالخاءِ المُعْجَمَةِ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ في ”صِحاحِهِ“: والدَّيُّوثُ القُنْذُعُ وهو الَّذِي لا غَيْرَةَ لَهُ، اهـ مِنهُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ أنَّ التَّحْقِيقَ في جَمِيعِ الألْفاظِ المَذْكُورَةِ الَّتِي ذَكَرْنا كَلامَ العُلَماءِ فِيها أنَّها تَتْبَعُ العُرْفَ الجارِيَ في البَلَدِ الَّذِي قِيلَتْ فِيهِ، (p-٤٥٧)فَإنْ كانَ مِن عُرْفِهِمْ أنَّ المُرادَ بِها الشَّتْمُ بِما لا يُوجِبُ الحَدَّ وجَبَ التَّعْزِيرُ؛ لِأجْلِ الأذى ولا حَدَّ، وإنْ كانَ عُرْفُهم أنَّها يُرادُ بِها الشَّتْمُ بِالزِّنى، أوْ نَفْيِ النَّسَبِ، وكانَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا أنَّهُ هو المَقْصُودُ عُرْفًا، وجَبَ الحَدُّ؛ لِأنَّ العُرْفَ مُتَّبَعٌ في نَحْوِ ذَلِكَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]
24:5Page 350
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥
Except for those who repent thereafter and reform, for indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
No commentary for this ayah
24:6Page 350
وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ أَزۡوَٰجَهُمۡ وَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمۡ فَشَهَٰدَةُ أَحَدِهِمۡ أَرۡبَعُ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٦
And those who accuse their wives [of adultery] and have no witnesses except themselves - then the witness of one of them1 [shall be] four testimonies [swearing] by Allāh that indeed, he is of the truthful.
No commentary for this ayah
24:7Page 350
وَٱلۡخَٰمِسَةُ أَنَّ لَعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٧
And the fifth [oath will be] that the curse of Allāh be upon him if he should be of the liars.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences