Ash-ShinqitiAn‑Nur · 24:8

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:8

24:8Page 350

وَيَدۡرَؤُاْ عَنۡهَا ٱلۡعَذَابَ أَن تَشۡهَدَ أَرۡبَعَ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٨

But it will prevent punishment from her if she gives four testimonies [swearing] by Allāh that indeed, he is of the liars.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ، مَعْنى: ويَدْرَأُ: يَدْفَعُ، والمُرادُ بِالعَذابِ هُنا: الحَدُّ، والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن أنْ وصِلَتِها في قَوْلِهِ: العَذابَ أنْ تَشْهَدَ فاعِلُ يَدْرَأُ، أيْ: يَدْفَعُ عَنْها الحَدَّ شَهادَتُها أرْبَعَ شَهاداتٍ.

والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَذابِ في قَوْلِهِ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْها العَذابَ﴾ الحَدُّ مِن أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: مِنها سِياقُ الآيَةِ، فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّ العَذابَ الَّذِي تَدْرَؤُهُ عَنْها شَهاداتُها هو الحَدُّ.

والثّانِي: أنَّهُ أطْلَقَ اسْمَ العَذابِ في مَواضِعَ أُخَرَ، عَلى الحَدِّ مَعَ دَلالَةِ السِّياقِ فِيها عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَذابِ فِيها الحَدُّ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، فَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما﴾ أيْ: حَدَّهُما بِلا نِزاعٍ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في الإماءِ: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ [النساء: ٢٥]، أيْ: نِصْفُ ما عَلى الحَرائِرِ مِنَ الجَلْدِ.

وَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّوْجَ إذا رَمى زَوْجَتَهُ وشَهِدَ شَهاداتِهِ الخَمْسَ المُبَيَّنَةَ في الآيَةِ أنَّ المَرْأةَ يَتَوَجَّهُ عَلَيْها الحَدُّ بِشَهاداتِهِ، وأنَّ ذَلِكَ الحَدَّ المُتَوَجِّهَ إلَيْها بِشَهاداتِ الزَّوْجِ تَدْفَعُهُ عَنْها شَهاداتُها هي المُوَضَّحَةُ في الآيَةِ.

وَمَفْهُومُ مُخالَفَةِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّها لَوْ نَكَلَتْ عَنْ شَهاداتِها، لَزِمَها الحَدُّ بِسَبَبِ نُكُولِها مَعَ شَهاداتِ الزَّوْجِ، وهَذا هو الظّاهِرُ الَّذِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ، فَشَهاداتُ الزَّوْجِ القاذِفِ تَدْرَأُ عَنْهُ هو حَدَّ القَذْفِ، وتُوَجِّهُ إلَيْها هي حَدَّ الزِّنى، وتَدْفَعُهُ عَنْها شَهاداتُها.

وَظاهِرُ القُرْآنِ أيْضًا أنَّهُ لَوْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ، وامْتَنَعَ مِنَ اللِّعانِ أنَّهُ يُحَدُّ حَدَّ القَذْفِ، فَكُلُّ مَنِ امْتَنَعَ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الشَّهاداتِ الخَمْسِ وجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ، وهَذا هو الظّاهِرُ مِنَ الآياتِ (p-٤٦٥)القُرْآنِيَّةِ؛ لِأنَّ الزَّوْجَ القاذِفَ داخِلٌ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]؛ ولَكِنَّ اللَّهَ بَيَّنَ خُرُوجَ الزَّوْجِ مِن هَذا العُمُومِ بِشَهاداتِهِ، حَيْثُ قالَ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ والخامِسَةُ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [النور: ٦ - ٧]، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا مِن جَلْدِ ثَمانِينَ، وعَدَمِ قَبُولِ الشَّهادَةِ، والحُكْمِ بِالفِسْقِ إلّا بِشَهاداتِهِ الَّتِي قامَتْ لَهُ مَقامَ البَيِّنَةِ المُبَرِّئَةِ لَهُ مِنَ الحَدِّ، فَإنْ نَكَلَ عَنْ شَهاداتِهِ فالظّاهِرُ وُجُوبُ الحَدِّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَدْرَأْ عَنْهُ أرْبَعَةٌ عُدُولٌ يَشْهَدُونَ بِصِدْقِهِ، ولا شَهاداتٌ تَنُوبُ عَنِ الشُّهُودِ، فَتَعَيَّنَ أنَّهُ يُحَدُّ لِأنَّهُ قاذِفٌ، ولَمْ يَأْتِ بِما يَدْفَعُ عَنْهُ حَدَّ القَذْفِ، وكَذَلِكَ الزَّوْجَةُ إذا نَكَلَتْ عَنْ أيْمانِها فَعَلَيْها الحَدُّ؛ لِأنَّ اللَّهَ نَصَّ عَلى أنَّ الَّذِي يَدْرَأُ عَنْها الحَدَّ هو شَهاداتُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْها العَذابَ﴾ الآيَةَ، ومِمَّنْ قالَ إنَّ الزَّوْجَ يَلْزَمُهُ الحَدُّ إنْ نَكَلَ عَنِ الشَّهاداتِ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ القائِلِ بِأنَّهُ يُحْبَسُ حَتّى يُلاعِنَ، أوْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ، فَيُقامَ عَلَيْهِ حَدُّ القَذْفِ، ومَن قالَ بِأنَّها إنْ شَهِدَ هو، ونَكَلَتْ هي أنَّها تُحَدُّ بِشَهاداتِهِ ونُكُولِها: مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والشَّعْبِيُّ، ومَكْحُولٌ، وأبُو عُبَيْدٍ، وأبُو ثَوْرٍ؛ كَما نَقَلَهُ عَنْهم صاحِبُ ”المُغْنِي“ .

وَهَذا القَوْلُ أصْوَبُ عِنْدَنا؛ لِأنَّهُ ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ، ولا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْ ظاهِرِ القُرْآنِ إلّا لِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ: لا حَدَّ عَلَيْها بِنُكُولِها عَنِ الشَّهاداتِ، وتُحْبَسُ أيْضًا حَتّى تُلاعِنَ أوْ تُقِرَّ فَيُقامُ عَلَيْها الحَدُّ.

قالَ في ”المُغْنِي“: وبِهَذا قالَ الحَسَنُ، والأوْزاعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحارِثِ العُكْلِيِّ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ، واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِحُجَجٍ يَرْجِعُ جَمِيعُها إلى أنَّ المانِعَ مِن حَدِّها أنَّ زِناها لَمْ يَتَحَقَّقْ ثُبُوتُهُ؛ لِأنَّ شَهاداتِ الزَّوْجِ ونُكُولَها هي لا يَتَحَقَّقُ بِواحِدٍ مِنهُما، ولا بِهِما مُجْتَمِعِينَ ثُبُوتُ الزِّنى عَلَيْها.

وَقَوْلُ الشّافِعِيِّ ومالِكٍ ومَن وافَقَهُما في هَذِهِ المَسْألَةِ أظْهَرُ عِنْدَنا؛ لِأنَّ مَسْألَةَ اللِّعانِ أصْلٌ مُسْتَقِلٌّ لا يَدْخُلُهُ القِياسُ عَلى غَيْرِهِ، فَلا يُعْدَلُ فِيهِ عَنْ ظاهِرِ النَّصِّ إلى القِياسِ عَلى مَسْألَةٍ أُخْرى، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

(p-٤٦٦)مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ اللِّعانَ لا يَلْزَمُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، إلّا بِقَذْفِ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ قَذْفًا يُوجِبُ عَلَيْهِ الحَدَّ لَوْ قالَهُ لِغَيْرِ زَوْجَةٍ كَرَمْيِها بِالزِّنى، ونَفْيِ ولَدِها عَنْهُ، وقَوْلُ الجُمْهُورِ هُنا: إنَّهُ يَكْفِي في وُجُوبِ اللِّعانِ قَذْفُها بِالزِّنى مِن غَيْرِ اشْتِراطِ أنْ يَقُولَ: رَأيْتُ بِعَيْنِي، أظْهَرُ عِنْدِي مِمّا رُوِيَ عَنْ مالِكٍ مِن أنَّهُ لا يَلْزَمُ اللِّعانُ، حَتّى يُصَرِّحَ بِرُؤْيَةِ العَيْنِ؛ لِأنَّ القَذْفَ بِالزِّنى كافٍ دُونَ التَّصْرِيحِ بِرُؤْيَةِ العَيْنِ.

وَقَوْلُ المَلاعِنِ في زَمَنِهِ ﷺ: «رَأتْ عَيْنِي وسَمِعَتْ أُذُنِي»، لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلى أنَّها زَنَتْ أنَّ ذَلِكَ لا يَكْفِي، دُونَ اشْتِراطِ رُؤْيَةِ العَيْنِ، وسَماعِ الأُذُنِ كَما لا يَخْفى، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في شَهاداتِ اللِّعانِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] إلى آخِرِ الآياتِ، هَلْ هي شَهاداتٌ أوْ أيْمانٌ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ:

الأوَّلُ: أنَّها شَهاداتٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ سَمّاها في الآيَةِ شَهاداتٍ.

والثّانِي: أنَّها أيْمانٌ.

والثّالِثُ: أنَّها أيْمانٌ مُؤَكَّدَةٌ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ.

والرّابِعُ: عَكْسُهُ، ويَنْبَنِي عَلى الخِلافِ في ذَلِكَ أنَّ مَن قالَ: إنَّها شَهاداتٌ لا يَصِحُّ عِنْدَهُ اللِّعانُ، إلّا مِمَّنْ تَجُوزُ شَهادَتُهُ، فَيُشْتَرَطُ في المُلاعِنِ والمُلاعِنَةِ العَدالَةُ وغَيْرُها مِن شُرُوطِ قَبُولِ الشَّهادَةِ، ومَن قالَ: إنَّها أيْمانٌ صَحَّ عِنْدَهُ اللِّعانُ مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ، ولَوْ كانا لا تَصِحُّ شَهادَتُهُما لِفِسْقٍ أوْ غَيْرِهِ مِن مُسْقِطاتِ قَبُولِ الشَّهادَةِ، ويَنْبَنِي عَلى الخِلافِ المَذْكُورِ ما لَوْ شَهِدَ مَعَ الزَّوْجِ ثَلاثَةٌ عُدُولٌ، فَعَلى أنَّها شَهادَةٌ يَكُونُ الزَّوْجُ رابِعَ الشُّهُودِ، فَيَجِبُ عَلَيْها حَدُّ الزِّنى، وعَلى أنَّها أيْمانٌ يُحَدُّ الثَّلاثَةُ ويُلاعِنُ الزَّوْجُ، وقِيلَ: لا يُحَدُّونَ، ومِمَّنْ قالَ: بِأنَّها شَهاداتٌ وأنَّ اللِّعّانَ لا يَصِحُّ إلّا مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهادَتُهُ، وأنَّها تُحَدُّ بِشَهادَةِ الثَّلاثَةِ مَعَ الزَّوْجِ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ومَن تَبِعَهُ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها أيْمانٌ مُؤَكَّدَةٌ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: أظْهَرُ الأقْوالِ عِنْدِي: أنَّها أيْمانٌ مُؤَكَّدَةٌ بِالشَّهادَةِ، وأنَّ لَفْظَ الشَّهادَةِ رُبَّما أُطْلِقُ في القُرْآنِ، مُرادًا بِها اليَمِينُ، مَعَ دَلالَةِ القَرائِنِ عَلى ذَلِكَ، وإنَّما اسْتَظْهَرْنا أنَّها أيْمانٌ لِأُمُورٍ:

الأوَّلُ: التَّصْرِيحُ في الآيَةِ بِصِيغَةِ اليَمِينِ في قَوْلِهِ: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ (p-٤٦٧)لِأنَّ لَفْظَةَ بِاللَّهِ يَمِينٌ فَدَلَّ قَوْلُهُ: بِاللَّهِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالشَّهادَةِ اليَمِينُ لِلتَّصْرِيحِ بِنَصِّ اليَمِينِ، فَقَوْلُهُ: أشْهَدُ بِاللَّهِ في مَعْنى: أُقْسِمُ بِاللَّهِ.

الثّانِي: أنَّ القُرْآنَ جاءَ فِيهِ إطْلاقُ الشَّهادَةِ وإرادَةُ اليَمِينِ في قَوْلِهِ: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما﴾ [المائدة: ١٠٧]، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِتِلْكَ الشَّهادَةِ اليَمِينُ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [المائدة: ١٠٨]، فَقَوْلُهُ: ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ في الآيَةِ اليَمِينُ، وهو واضِحٌ كَما تَرى.

وَقالَ القُرْطُبِيُّ: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [المنافقون: ١]؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢]، يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِشَهادَتِهِمُ الأيْمانُ، هَكَذا قالَ، ولا يَتَعَيَّنُ عِنْدِي ما ذَكَرَهُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

الثّالِثُ: ما قالَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ، قالَ: والفَيْصَلُ أنَّها يَمِينٌ لا شَهادَةٌ أنَّ الزَّوْجَ يَحْلِفُ لِنَفْسِهِ في إثْباتِ دَعْواهُ وتَخْلِيصِهِ مِنَ العَذابِ، وكَيْفَ يَجُوزُ لِأحَدٍ أنَّ يَدَّعِيَ في الشَّرِيعَةِ أنَّ شاهِدًا يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ بِما يُوجِبُ حُكْمًا عَلى غَيْرِهِ هَذا بَعِيدٌ في الأصْلِ، مَعْدُومٌ في النَّظَرِ، اهـ مِنهُ بِواسِطَةِ نَقْلِ القُرْطُبِيِّ.

وَحاصِلُ اسْتِدْلالِهِ هَذا: أنَّ اسْتِقْراءَ الشَّرِيعَةِ اسْتِقْراءً تامًّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيها شَهادَةُ إنْسانٍ لِنَفْسِهِ بِما يُوجِبُ حُكْمًا عَلى غَيْرِهِ، وهو اسْتِدْلالٌ قَوِيٌّ؛ لِأنَّ المُقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ الِاسْتِقْراءَ التّامَّ حُجَّةٌ؛ كَما أوْضَحْناهُ مِرارًا، ودَعْوى الحَنَفِيَّةِ ومَن وافَقَهم أنَّ الزَّوْجَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ لا يُسَوِّغُ شَهادَتَهُ لِنَفْسِهِ؛ لِإطْلاقِ ظَواهِرِ النُّصُوصِ في عَدَمِ قَبُولِ شَهادَةِ الإنْسانِ لِنَفْسِهِ مُطْلَقًا.

الرّابِعُ: ما جاءَ في بَعْضِ رِواياتِ «حَدِيثِ اللِّعّانِ أنَّهُ ﷺ قالَ لَمّا جاءَتِ المُلاعَنَةُ بِالوَلَدِ شَبِيهًا بِالَّذِي رُمِيَتْ بِهِ ”: لَوْلا الأيْمانُ لَكانَ لِي ولَها شَأْنٌ“»، عِنْدَ أحْمَدَ وأبِي داوُدَ، وقَدْ سَمّى ﷺ في هَذِهِ الرِّوايَةِ شَهاداتِ اللِّعانِ أيْمانًا، وفي إسْنادِ الرِّوايَةِ المَذْكُورَةِ عَبّادُ بْنُ مَنصُورٍ، تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ واحِدٍ، ويُقالُ: إنَّهُ كانَ قَدَرِيًّا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أدِلَّتِهِمْ.

وَأمّا الَّذِينَ قالُوا: إنَّها شَهاداتٌ لا أيْمانٌ، فاحْتَجُّوا بِأنَّ اللَّهَ سَمّاها شَهاداتٍ في قَوْلِهِ: (p-٤٦٨)﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهُمْ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ﴾ الآيَةَ، واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِحَدِيثِ ”: «أرْبَعَةٌ لا لِعانَ بَيْنَهم وبَيْنَ أزْواجِهِمُ: اليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ تَحْتَ المُسْلِمِ، والمَمْلُوكَةُ تَحْتَ الحُرِّ، والحُرَّةُ تَحْتَ المَمْلُوكِ»“، اهـ، قالُوا: إنَّما مُنِعَ لِعانُ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ والعَبْدِ والأمَةِ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهادَتُهم، ولَوْ كانَتْ شَهاداتُ اللِّعانِ أيْمانًا لَصَحَّ لِعانُهم؛ لِأنَّهم مِمَّنْ تُقْبَلُ يَمِينُهُ، وقالَ الزَّيْلَعِيُّ في ”نَصْبِ الرّايَةِ“، في الحَدِيثِ المَذْكُورِ: قُلْتُ: أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَطاءٍ، عَنْ أبِيهِ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ ”: «أرْبَعٌ مِنَ النِّساءِ لا مُلاعَنَةَ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أزْواجِهِنَّ: النَّصْرانِيَّةُ تَحْتَ المُسْلِمِ، واليَهُودِيَّةُ تَحْتَ المُسْلِمِ، والمَمْلُوكَةُ تَحْتَ الحُرِّ، والحُرَّةُ تَحْتَ المَمْلُوكِ»“، انْتَهى.

وَأخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الوَقّاصِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِهِ، وقالَ: عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا ”: «أرْبَعَةٌ لَيْسَ بَيْنَهم لِعانٌ: لَيْسَ بَيْنَ الحُرِّ والأمَةِ لِعانٌ، ولَيْسَ بَيْنَ العَبْدِ والحُرَّةِ لِعانٌ، ولَيْسَ بَيْنَ المُسْلِمِ واليَهُودِيَّةِ لِعانٌ، ولَيْسَ بَيْنَ المُسْلِمِ والنَّصْرانِيَّةِ لِعانٌ»“، انْتَهى، وقالَ الدّارَقُطْنِيُّ: والوَقّاصِيُّ مَتْرُوكُ الحَدِيثِ، ثُمَّ أخْرَجَهُ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِهِ، قالَ: وعُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ الخُراسانِيُّ ضَعِيفُ الحَدِيثِ جِدًّا، وتابَعَهُ يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ عَطاءٍ وهو ضَعِيفٌ أيْضًا، ورُوِيَ عَنِ الأوْزاعِيِّ، وابْنِ جُرَيْجٍ وهُما إمامانِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَوْلُهُ، ولَمْ يَرْفَعاهُ، ثُمَّ أخْرَجَهُ كَذَلِكَ مَوْقُوفًا، ثُمَّ أخْرَجَهُ عَنْ عَمّارِ بْنِ مَطَرٍ، ثَنا حَمّادُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَتّابَ بْنَ أسِيدٍ ”: ألّا لِعانَ بَيْنَ أرْبَعٍ»“ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، قالَ: وعَمّارُ بْنُ مَطَرٍ، وحَمّادُ بْنُ عَمْرٍو، وزَيْدُ بْنُ رُفَيْعٍ ضُعَفاءُ، انْتَهى، وقالَ البَيْهَقِيُّ في ”المَعْرِفَةِ“: هَذا حَدِيثٌ رَواهُ عُثْمانُ بْنُ عَطاءٍ، ويَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ الرَّمْلِيُّ، عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ”: «أرْبَعَةٌ لا مُلاعَنَةَ بَيْنَهُمُ: النَّصْرانِيَّةُ تَحْتَ المُسْلِمِ»“ إلى آخِرِهِ، قالَ: وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ مَعْرُوفٌ بِكَثْرَةِ الغَلَطِ، وابْنُهُ عُثْمانُ وابْنُ زَرَيْعٍ ضَعِيفانِ، ورَواهُ عُثْمانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الوَقّاصِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِهِ، وهو مَتْرُوكُ الحَدِيثِ ضَعَّفَهُ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ وغَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ، ورَواهُ عَمّارُ بْنُ مَطَرٍ، عَنْ حَمّادِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وعَمّارُ بْنُ مَطَرٍ، وحَمّادُ بْنُ عَمْرٍو، وزَيْدُ بْنُ رُفَيْعٍ ضُعَفاءُ. (p-٤٦٩)وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ والأوْزاعِيِّ، وهُما إمامانِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَوْقُوفًا، وفي ثُبُوتِهِ مَوْقُوفًا أيْضًا نَظَرٌ، فَإنَّ راوِيَهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ والأوْزاعِيِّ عَمْرُو بْنُ هارُونَ، ولَيْسَ بِالقَوِيِّ، ورَواهُ يَحْيى بْنُ أبِي أُنَيْسَةَ أيْضًا، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِهِ مَوْقُوفًا، وهو مَتْرُوكٌ، ونَحْنُ إنَّما نَحْتَجُّ بِرِواياتِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، إذا كانَ الرّاوِي عَنْهُ ثِقَةً وانْضَمَّ إلَيْهِ ما يُؤَكِّدُهُ، ولَمْ نَجِدْ لِهَذا الحَدِيثِ طَرِيقًا صَحِيحًا إلى عَمْرٍو، واللَّهُ أعْلَمُ، انْتَهى كَلامُهُ، انْتَهى كَلامُ صاحِبِ ”نَصْبِ الرّايَةِ“ .

وَقالَ صاحِبُ ”الجَوْهَرِ النَّقِيِّ“: إنَّ الحَدِيثَ المَذْكُورَ جَيِّدُ الإسْنادِ، ولَوْ فَرَضْنا جَوْدَةَ إسْنادِهِ كَما ذَكَرَهُ لَمْ يَلْزَمْ مِن ذَلِكَ أنَّ شَهاداتِ اللِّعانِ شَهاداتٌ لا أيْمانٌ؛ لِاحْتِمالِ كَوْنِ عَدَمِ المُلاعَنَةِ مِن بَيْنِ مَن ذُكِرَ في الحَدِيثِ لِعَدَمِ المُكافَأةِ.

والأظْهَرُ عِنْدَنا أنَّها أيْمانٌ أُكِّدَتْ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ، لِلْأدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا، وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا يَجُوزُ في اللِّعانِ، الِاعْتِمادُ عَلى إتْيانِ المَرْأةِ بِالوَلَدِ أسْوَدَ، وإنْ كانَتْ بَيْضاءَ وزَوْجُها أبْيَضَ؛ لِقِصَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي ولَدَتِ امْرَأتُهُ غُلامًا أسْوَدَ، وأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ كَأنَّهُ يُعَرِّضُ بِنَفْيِ الوَلَدِ الأسْوَدِ بِاللِّعانِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ ”: «هَلْ لَكَ مِن إبِلٍ“ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ ”: ما ألْوانُها“ ؟ قالَ: حُمْرٌ، قالَ ”: هَلْ فِيها مِن أوْرَقَ“ ؟ قالَ: إنَّ فِيها لَوُرْقًا، قالَ ”: ومِن أيْنَ جاءَتْها الوُرْقَةُ“ ؟ قالَ: لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَها، قالَ ”: وهَذا الغُلامُ الأسْوَدُ لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ“»، والقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ ثابِتَةٌ في الصَّحِيحَيْنِ، وقَدْ قَدَّمْناها مِرارًا، وفِيها الدَّلالَةُ عَلى أنَّ سَوادَ الوَلَدِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَنَدًا لِلرَّجُلِ في اللِّعانِ، كَما تَرى.

* *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ مَن قَذَفَ امْرَأةً بِالزِّنى قَبْلَ أنْ يَتَزَوَّجَها ثُمَّ تَزَوَّجَها أنَّهُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ عَلى زِناها أنَّهُ يُجْلَدُ حَدَّ القَذْفِ، ولا يُقْبَلُ مِنهُ اللِّعانُ؛ لِأنَّها وقْتَ القَذْفِ أجْنَبِيَّةٌ مُحْصَنَةٌ داخِلَةٌ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾ الآيَةَ [النور: ٤]، والزَّواجُ الواقِعُ بَعْدَ ذَلِكَ لا يُغَيِّرُ الحُكْمَ الثّابِتَ قَبْلَهُ، فَما يُرْوى عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِن أنَّهُ إنْ قَذَفَها قَبْلَ الزَّواجِ، ثُمَّ تَزَوَّجَها بَعْدَ القَذْفِ أنَّهُما يَلْتَعِنانِ، خِلافُ الظّاهِرِ عِنْدَنا مِن نَصِّ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ الزَّوْجَ إنْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ وأُمَّها بِالزِّنا، ولَمْ يَأْتِ (p-٤٧٠)بِالبَيِّنَةِ أنَّهُ يُحَدُّ لِلْأُمِّ حَدَّ القَذْفِ؛ لِأنَّهُ قَذَفَها بِالزِّنى وهي مُحْصَنَةٌ غَيْرُ زَوْجَةٍ، فَهي داخِلَةٌ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ الآيَةَ، وأمّا البِنْتُ فَإنَّهُ يُلاعِنُها؛ لِأنَّهُ قَذَفَها، وهي زَوْجَةٌ لَهُ، فَتَدْخُلُ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلّا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ إلى آخِرِ آياتِ اللِّعانِ.

وَبِما ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ بَعْضِ الأئِمَّةِ: إنَّهُ إنْ حُدَّ لِلْأُمِّ سَقَطَ حَدُّ البِنْتِ، وإنْ لاعَنَ البِنْتَ لَمْ يَسْقُطْ حَدُّ الأُمِّ، أنَّهُ خِلافُ التَّحْقِيقِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتُ القُرْآنِ، وقَدْ قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في القَوْلِ المَذْكُورِ: وهَذا باطِلٌ جِدًّا، فَإنَّهُ خَصَّصَ عُمُومَ الآيَةِ في البِنْتِ وهي زَوْجَةٌ بِحَدِّ الأُمِّ مِن غَيْرِ أثَرٍ ولا أصْلٍ قاسَهُ عَلَيْهِ، اهـ، وهو ظاهِرٌ.

* *

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ الَّذِي يَظْهَرُ لَنا أنَّهُ الصَّوابُ: أنَّ مَن قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِالزِّنى، ثُمَّ زَنَتْ قَبْلَ لِعانِهِ لَها أنَّهُ لا حَدَّ عَلَيْهِ ولا لِعانَ؛ لِأنَّهُ تَبَيَّنَ بِزِناها قَبْلَ اللِّعانِ أنَّها غَيْرُ مُحْصَنَةٍ، ولا لِعانَ في قَذْفِ غَيْرِ المُحْصَنَةِ، كَما قَدَّمْنا أنَّهُ إنْ قَذَفَ أجْنَبِيَّةً بِالزِّنى، ثُمَّ زَنَتْ قَبْلَ أنْ يُقامَ عَلَيْهِ الحَدُّ أنَّ الظّاهِرَ لَنا سُقُوطُ الحَدِّ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ بِزِناها أنَّها غَيْرُ مُحْصَنَةٍ قَبْلَ اسْتِيفاءِ الحَدِّ، فَلا يُحَدُّ بِقَذْفِ مَن ظَهَرَ أنَّها غَيْرُ مُحْصَنَةٍ، وذَكَرْنا الخِلافَ في ذَلِكَ.

وَحُجَّةُ مَن قالَ: يُحَدُّ إنْ كانَتْ أجْنَبِيَّةً ويُلاعِنُ إنْ كانَتْ زَوْجَةً أنَّ الحَدَّ واللِّعانَ قَدْ وجَبا وقْتَ القَذْفِ فَلا يَسْقُطانِ بِالزِّنى الطّارِئِ، وبَيَّنّا أنَّ الأظْهَرَ سُقُوطُ الحَدِّ واللِّعانِ، لِتَبَيُّنِ عَدَمِ الإحْصانِ قَبْلَ الحَدِّ وقَبْلَ اللِّعانِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

المَسْألَةُ السّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَن رَمى زَوْجَتَهُ الكَبِيرَةَ الَّتِي لا تَحْمِلُ لِكِبَرِ سِنِّها أنَّهُما يَلْتَعِنانِ هو لِدَفْعِ الحَدِّ، وهي لِدَرْءِ العَذابِ، وأمّا إنْ رَمى زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ الَّتِي لا تَحْمِلُ لِصِغَرِها، فَقَدْ قَدَّمْنا خِلافَ العُلَماءِ: هَلْ يَلْزَمُهُ حَدُّ القَذْفِ إنْ كانَتْ صَغِيرَةً تُطِيقُ الوَطْءَ، ولَمْ تَبْلُغْ ؟ فَعَلى أنَّهُ يَلْزَمُهُ الحَدُّ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَلْتَعِنَ لِدَفْعِ الحَدِّ، وأمّا عَلى القَوْلِ: بِأنَّهُ لا حَدَّ في قَذْفِ الصَّغِيرَةِ مُطْلَقًا فَلا لِعانَ عَلَيْهِ في قَذْفِها، وقَدْ قَدَّمْنا الأظْهَرَ عِنْدَنا في ذَلِكَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ إنْ نَفى حَمْلَ زَوْجَتِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ، هَلْ لَهُ أنْ يُلاعِنَها، وهي حامِلٌ لِنَفْيِ ما في بَطْنِها، أوْ لا يَجُوزُ لَهُ اللِّعانُ حَتّى تَضَعَ الوَلَدَ ؟ فَذَهَبَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: إلى أنَّهُ يُلاعِنُها وهي حامِلٌ ويَنْتَفِي عَنْهُ حَمْلُها بِاللِّعانِ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ (p-٤٧١)فِي ”الفَتْحِ“، بَعْدَ أنْ ساقَ أحادِيثَ اللِّعانِ، وفِيهِ أنَّ الحامِلَ تُلاعَنَ قَبْلَ الوَضْعِ؛ لِقَوْلِهِ في الحَدِيثِ ”: «انْظُرُوا فَإنْ جاءَتْ»“ إلَخْ، كَما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ سَهْلٍ، وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِنْدَ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَجاءَ، يَعْنِي الرَّجُلَ هو وامْرَأتُهُ فَتَلاعَنا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ ”: «لَعَلَّها أنْ تَجِيءَ بِهِ أسْوَدَ جَعْدًا»“، فَجاءَتْ بِهِ أسْوَدَ جَعْدًا، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، خِلافًا لِمَن أبى ذَلِكَ مِن أهْلِ الرَّأْيِ مُعْتَلًّا بِأنَّ الحَمْلَ لا يُعْلَمُ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ نَفْخَةً.

وَحُجَّةُ الجُمْهُورِ: أنَّ اللِّعانَ شُرِعَ لِدَفْعِ حَدِّ القَذْفِ عَنِ الرَّجُلِ، ودَفْعِ حَدِّ الرَّجْمِ عَنِ المَرْأةِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ أنْ تَكُونَ حامِلًا أوْ حائِلًا، ولِذَلِكَ شُرِعَ اللِّعانُ مَعَ الآيِسَةِ.

وَقَدِ اخْتُلِفَ في الصَّغِيرَةِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ الرَّجُلَ إذا قَذَفَها فَلَهُ أنْ يَلْتَعِنَ لِدَفْعِ حَدِّ القَذْفِ عَنْهُ دُونَها، انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِن كَلامِ ابْنِ حَجَرٍ.

وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ التِعانَ قاذِفِ الصَّغِيرَةِ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ يُحَدُّ لِقَذْفِها، وقَدْ قَدَّمْنا كَلامَ أهْلِ العِلْمِ واخْتِلافَهم في حَدِّ قاذِفِ الصَّغِيرَةِ المُطِيقَةِ لِلْوَطْءِ، وذَكَرْنا ما يَظْهَرُ لَنا رُجْحانُهُ مِن ذَلِكَ.

وَأمّا الَّذِينَ قالُوا: لا تُلاعَنُ الحامِلُ حَتّى تَضَعَ ولَدَها، فَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِأمْرَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الحَمْلَ لا يَتَيَقَّنُ وُجُودُهُ قَبْلَ الوَضْعِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ انْتِفاخًا وقَدْ يَكُونُ رِيحًا.

والثّانِي: هو ما جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ في أحادِيثِ اللِّعانِ، مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ أخَّرَ لِعانَ الحامِلِ حَتّى وضَعَتْ. فَفي البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، ما نَصُّهُ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ”: «اللَّهُمَّ بَيِّنْ“، فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُها أنَّهُ وجَدَهُ عِنْدَها فَلاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُما،» الحَدِيثَ. قالُوا: فَتَرْتِيبُهُ فَلاعَنَ بِالفاءِ عَلى قَوْلِهِ: فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ، إلَخْ. دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللِّعانَ كانَ بَعْدَ الوَضْعِ كَما هو مَدْلُولُ الفاءِ، وأُجِيبَ مِن قِبَلِ الجُمْهُورِ عَنْ هَذِهِ الرِّوايَةِ بِما ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“، فَإنَّهُ قالَ في كَلامِهِ عَلى الرِّوايَةِ المَذْكُورَةِ: ظاهِرُهُ أنَّ المُلاعَنَةَ تَأخَّرَتْ إلى وضْعِ المَرْأةِ لَكِنْ أوْضَحَتْ أنَّ رِوايَةَ ابْنِ عَبّاسٍ هَذِهِ هي في القِصَّةِ في حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وتَقَدَّمَ قَبْلُ مِن حَدِيثِ سَهْلٍ أنَّ اللِّعانَ وقَعَ بَيْنَهُما قَبْلَ أنْ تَضَعَ، فَعَلى هَذا تَكُونُ الفاءُ في قَوْلِهِ: فَلاعَنَ مُعَقِّبَةً لِقَوْلِهِ فَأخْبَرَهُ بِالَّذِي وجَدَ عَلَيْهِ امْرَأتَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الَّتِي ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ أنَّ جُمْلَةَ ”فَلاعَنَ“ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها مَذْكُورَةٌ (p-٤٧٢)فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ الَّذِي ذَكَرْنا مَحَلَّ الغَرَضِ مِنهُ.

والَّذِي يَظْهَرُ لَنا أنَّ الحامِلَ تُلاعِنُ قَبْلَ الوَضْعِ لِتَصْرِيحِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِذَلِكَ، ولِما ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ في كَلامِهِ الَّذِي نَقَلْناهُ آنِفًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: اعْلَمْ أنْ أظْهَرَ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ عِنْدِي فِيمَن طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثُمَّ قَذَفَها بَعْدَ الطَّلاقِ، أنَّهُ إنْ كانَ قَذْفُهُ لَها بِنَفْيِ حَمْلٍ لَمْ يُعْلَمْ بِهِ إلّا بَعْدَ الطَّلاقِ، أنَّهُ يُلاعِنُها لِنَفْيِ ذَلِكَ الحَمْلِ عَنْهُ، وإنْ كانَتْ بائِنًا، وأنَّهُ إنْ قَذَفَها بِالزِّنى بَعْدَ الطَّلاقِ حُدَّ، ولَمْ يُلاعَنْ لِأنَّ تَأْخِيرَهُ القَذْفَ واللِّعانَ إلى زَمَنٍ بَعْدَ الطَّلاقِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قاذِفٌ، والأظْهَرُ ولَوْ كانَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا، ولَمْ تَنْقَضِ العِدَّةُ، وإنْ كانَتِ الرَّجْعِيَّةُ في حُكْمِ الزَّوْجَةِ؛ لِأنَّ طَلاقَهُ إيّاها قَبْلَ القَذْفِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يُرِيدُ اللِّعانَ ويُجْلَدُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: يُلاعِنُ الرَّجْعِيَّةَ قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، لِأنَّها في حُكْمِ الزَّوْجَةِ، وهو مَذْهَبُ أحْمَدَ المَشْهُورُ، ورِوايَةُ أبِي طالِبٍ عَنْهُ، وبِهِ قالَ ابْنُ عُمَرَ، وجابِرٌ، وزَيْدٌ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، والشّافِعِيُّ، وإسْحاقُ، وأبُو عُبَيْدٍ، وأبُو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْيِ ولَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

وَقالَ القُرْطُبِيُّ: لا مُلاعَنَةَ بَيْنَ الرَّجُلِ وزَوْجَتِهِ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ إلّا في مَسْألَةٍ واحِدَةٍ، وهي أنْ يَكُونَ الرَّجُلُ غائِبًا فَتَأْتِيَ امْرَأتُهُ بِوَلَدٍ في مَغِيبِهِ، وهو لا يَعْلَمُ فَيُطَلِّقَها فَتَنْقَضِيَ عِدَّتُها ثُمَّ يَقْدَمُ فَيَنْفِيَهُ، فَلَهُ أنْ يُلاعِنَها هُنا بَعْدَ العِدَّةِ، وكَذَلِكَ لَوْ قَدِمَ بَعْدَ وفاتِها ونَفى الوَلَدَ لاعَنَ لِنَفْسِهِ وهي مَيِّتَةٌ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ العِدَّةِ ويَرِثُها؛ لِأنَّها ماتَتْ قَبْلَ وُقُوعِ الفُرْقَةِ بَيْنَهُما، اهـ مِنهُ، ولا نَصَّ فِيهِ، ولَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ.

وَقالَ القُرْطُبِيُّ أيْضًا: إذا قَذَفَها بَعْدَ الطَّلاقِ نَظَرَتْ، فَإنْ كانَ هُناكَ نَسَبٌ يُرِيدُ أنْ يَنْفِيَهُ، أوْ حَمْلٌ يُرِيدُ أنْ يَتَبَرَّأ مِنهُ لاعَنَ، وإلّا لَمْ يُلاعِنْ، وقالَ عُثْمانُ البَتِّيُّ: لا يُلاعِنُ بِحالٍ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُلاعِنُ في الوَجْهَيْنِ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ، وهَذا يَنْتَقِضُ عَلَيْهِ بِالقَذْفِ قَبْلَ الزَّوْجِيَّةِ كَما ذَكَرْناهُ آنِفًا بَلْ هَذا أوْلى؛ لِأنَّ النِّكاحَ قَدْ تَقَدَّمَ، وهو يُرِيدُ الِانْتِفاءَ مِنَ النَّسَبِ، وتَبْرِئَتَهُ مِن ولَدٍ يَلْحَقُ بِهِ، فَلا بُدَّ مِنَ اللِّعانِ، وإذا لَمْ يَكُنْ هُناكَ حَمْلٌ يُرْجى، ولا نَسَبٌ يُخافُ تَعَلُّقُهُ لَمْ يَكُنْ لِلِّعانِ فائِدَةٌ فَلَمْ يُحْكَمْ بِهِ، وكانَ قَذْفًا مُطْلَقًا داخِلًا تَحْتَ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ الآيَةَ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ، وبَطَلَ ما قالَهُ البَتِّيُّ لِظُهُورِ فَسادِهِ، انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ.

وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ القَوْلَ بِلَعانِ الرَّجْعِيَّةِ قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ؛ لِأنَّها في حُكْمِ (p-٤٧٣)الزَّوْجَةِ، وذَكَرْنا ما يَظْهَرُ لَنا أنَّهُ أظْهَرُ الأقْوالِ في ذَلِكَ، وأقْوالَ العُلَماءِ، وفائِدَةُ لَعانِهِ أنْ يَدْفَعَ عَنْهُ حَدَّ القَذْفِ، وكَوْنُ الرَّجْعِيَّةِ كالزَّوْجَةِ قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ فَيَتَوارَثانِ، ولا يَجُوزُ لَهُ تُزَوُّجُ أُخْتِها، قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، ولا تَزْوِيجُ رابِعَةٍ غَيْرِها؛ لِأنَّها تَكُونُ كالخامِسَةِ نَظَرًا إلى أنَّ الرَّجْعِيَّةَ كالزَّوْجَةِ، يَقْتَضِي أنْ يَقُولَ بِلِعانِ الرَّجْعِيَّةِ قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ، وقَدْ رَأيْتُ كَثْرَةَ مَن قالَ بِهِ مِن أهْلِ العِلْمِ، ووَجْهُ القَوْلِ بِعَدَمِهِ أنَّهُ لَمّا طَلَّقَها عالِمًا بِزِناها في زَعْمِهِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ تارِكٌ لِلِّعانِ، ويَنْبَنِي عَلى الخِلافِ المَذْكُورِ، ما لَوِ ادَّعى أنَّها زَنَتْ بَعْدَ الطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ، وقَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، هَلْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ قاذِفٌ؛ لِأنَّهُ رَماها بِزِنًى واقِعٍ بَعْدَ الفِراقِ أوْ لَهُ أنْ يُلاعِنَها لِنَفْيِ الحَدِّ عَنْهُ بِناءً عَلى أنَّ الرَّجْعِيَّةَ في حُكْمِ الزَّوْجَةِ.

أمّا إنْ قَذَفَها قَبْلَ أنْ يُطَلِّقَها ثُمَّ طَلَّقَها بَعْدَ القَذْفِ، فالأظْهَرُ أنَّ لَهُ لِعانَها مُطْلَقًا، ولَوْ كانَ الطَّلاقُ بائِنًا؛ لِأنَّ القَذْفَ وقَعَ وهي زَوْجَةٌ غَيْرُ مُطَلَّقَةٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ومَكْحُولٌ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وأبُو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وقالَ الحارِثُ العُكْلِيُّ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ والحَكَمُ: يُجْلَدُ، وقالَ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ وأصْحابُ الرَّأْيِ: لا حَدَّ ولا لِعانَ؛ لِأنَّ اللِّعانَ إنَّما يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ولَيْسَ هَذانَ بِزَوْجَيْنِ، ولا يُحَدُّ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقْذِفْ أجْنَبِيَّةً.

* *

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском