Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:174–216
26:174Page 374
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧٤
Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.
No commentary for this ayah
26:175Page 374
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٧٥
And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.
No commentary for this ayah
26:176Page 374
كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٧٦
The companions of the thicket [i.e., the people of Madyan] denied the messengers
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ . قالَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ هم مَدْيَنُ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو الصَّحِيحُ، وعَلَيْهِ فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ بَيَّنَتْها الآياتُ المُوَضِّحَةُ قِصَّةَ شُعَيْبٍ مَعَ مَدْيَنَ، ومِمّا اسْتَدَلَّ بِهِ أهْلُ هَذا القَوْلِ، أنَّهُ قالَ هُنا لِأصْحابِ الأيْكَةِ: ﴿أوْفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وَزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨١ - ١٨٣] وهَذا الكَلامُ ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَهُ لِمَدْيَنَ في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ؛ كَقَوْلِهِ في ”هُودٍ“: ﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا (p-٩٦)المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّي أراكم بِخَيْرٍ وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿وَيا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٨٤ - ٨٦] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”الأعْرافِ“، قَوْلَنا: فَإنْ قِيلَ الهَلاكُ الَّذِي أصابَ قَوْمَ شُعَيْبٍ ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في ”الأعْرافِ“ أنَّهُ رَجْفَةٌ، وذَكَرَ في ”هُودٍ“ أنَّهُ صَيْحَةٌ، وذَكَرَ في ”الشُّعَراءِ“، أنَّهُ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ.
فالجَوابُ ما قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في تَفْسِيرِهِ، قالَ: وقَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ كُلُّهُ، أصابَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وهي سَحابَةٌ أظَلَّتْهم فِيها شَرَرٌ مِن نارٍ ولَهَبٌ ووَهَجٌ عَظِيمٌ، ثُمَّ جاءَتْهم صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ، ورَجْفَةٌ مِنَ الأرْضِ شَدِيدَةٌ مِن أسْفَلَ مِنهم فَزَهَقَتِ الأرْواحُ، وفاضَتِ النُّفُوسُ، وخَمَدَتِ الأجْسامُ، انْتَهى. وعَلى القَوْلِ بِأنَّ شُعَيْبًا أُرْسِلَ إلى أُمَّتَيْنِ: مَدْيَنَ وأصْحابِ الأيْكَةِ، وأنَّ مَدْيَنَ لَيْسُوا هم أصْحابَ الأيْكَةِ، فَلا إشْكالَ. وقَدْ جاءَ ذَلِكَ في حَدِيثٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، ومِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذا القَوْلُ: قَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ وإسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ.
وَقَدْ قَدَّمْنا بَعْضَ الآياتِ المُوَضِّحَةِ لِهَذا في سُورَةِ ”الحِجْرِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [الفرقان: ٧٨ - ٧٩] وأوْضَحْنا هُنالِكَ أنَّ نافِعًا، وابْنَ عامِرٍ، وابْنَ كَثِيرٍ قَرَأُوا لَيْكَةَ في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“، وسُورَةِ ”ص“، بِلامٍ مَفْتُوحَةٍ أوَّلَ الكَلِمَةِ، وتاءٍ مَفْتُوحَةٍ آخِرَها مِن غَيْرِ هَمْزٍ، ولا تَعْرِيفٍ عَلى أنَّ اسْمَ القَرْيَةِ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ، وأنَّ الباقِينَ قَرَأُوا: (الأيْكَةِ) بِالتَّعْرِيفِ والهَمْزِ وكَسْرِ التّاءِ، وأنَّ الجَمِيعَ اتَّفَقُوا عَلى ذَلِكَ في ”ق“ و ”الحِجْرِ“، وأوْضَحْنا هُنالِكَ تَوْجِيهَ القِراءَتَيْنِ في ”الشُّعَراءِ“ و ”ص“، ومَعْنى (الأيْكَةِ) في اللُّغَةِ مَعَ بَعْضِ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ.
26:177Page 374
إِذۡ قَالَ لَهُمۡ شُعَيۡبٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٧٧
When Shuʿayb said to them, "Will you not fear Allāh?
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
26:180Page 374
وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٨٠
And I do not ask you for it any payment. My payment is only from the Lord of the worlds.
No commentary for this ayah
26:181Page 374
۞ أَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُخۡسِرِينَ ١٨١
Give full measure and do not be of those who cause loss.
No commentary for this ayah
26:182Page 374
وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِيمِ ١٨٢
And weigh with an even [i.e., honest] balance.
No commentary for this ayah
26:183Page 374
وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ١٨٣
And do not deprive people of their due and do not commit abuse on earth, spreading corruption.
No commentary for this ayah
26:184Page 375
وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلۡجِبِلَّةَ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٨٤
And fear He who created you and the former creation."1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ . الجِبِلَّةُ: الخَلْقُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ [يس: ٦٢] وقَدِ اسْتَدَلَّ بِآيَةِ ”يس“، المَذْكُورَةِ عَلى آيَةِ ”الشُّعَراءِ“ هَذِهِ ابْنُ زَيْدٍ نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎والمَوْتُ أعْظَمُ حادِثٍ مِمّا يَمُرُّ عَلى الجِبِلَّهْ
26:185Page 375
قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلۡمُسَحَّرِينَ ١٨٥
They said, "You are only of those affected by magic.
No commentary for this ayah
26:186Page 375
وَمَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ١٨٦
You are but a man like ourselves, and indeed, we think you are among the liars.
No commentary for this ayah
26:187Page 375
فَأَسۡقِطۡ عَلَيۡنَا كِسَفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١٨٧
So cause to fall upon us fragments of the sky, if you should be of the truthful."
No commentary for this ayah
26:188Page 375
قَالَ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨٨
He said, "My Lord is most knowing of what you do."
No commentary for this ayah
26:189Page 375
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمۡ عَذَابُ يَوۡمِ ٱلظُّلَّةِۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ١٨٩
And they denied him, so the punishment of the day of the black cloud seized them. Indeed, it was the punishment of a terrible day.
No commentary for this ayah
26:190Page 375
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٩٠
Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.
No commentary for this ayah
26:191Page 375
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٩١
And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.
No commentary for this ayah
26:192Page 375
وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٩٢
And indeed, it [i.e., the Qur’ān] is the revelation of the Lord of the worlds.
(p-٩٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ .
أكَّدَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ هَذا القُرْآنَ العَظِيمَ تَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ، وأنَّهُ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ، الَّذِي هو جِبْرِيلُ عَلى قَلْبِ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ - لِيَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ بِهِ، وأنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، وما ذَكَرَهُ جَلَّ وعَلا هُنا أوْضَحَهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ. أمّا كَوْنُ هَذا القُرْآنِ تَنْزِيلَ رَبِّ العالَمِينَ، فَقَدْ أوْضَحَهُ جَلَّ وعَلا في آياتٍ مِن كِتابِهِ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ ﴿لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤١ - ٤٣]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ ﴿إلّا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا﴾ [طه: ١ - ٤]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ [الجاثية: ٢]
• وقَوْلِهِ: ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ الآيَةَ [فصلت: ١ - ٣]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿تَنْزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهم فَهم غافِلُونَ﴾ [يس: ١ - ٦]
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾، بَيَّنَهُ أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٩٧] وقَوْلُهُ: ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾، أيْ: نَزَلَ بِهِ عَلَيْكَ لِأجْلِ أنْ تَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ بِهِ، جاءَ مُبَيَّنًا في آياتٍ أُخَرَ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿المص﴾ ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١ - ٢] أيْ: أُنْزِلَ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَنْزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ الآيَةَ [يس: ٥ - ٦] . وقَوْلُهُ: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، ذَكَرَهُ أيْضًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ الآيَةَ [فصلت: ٣] .
وَقَدْ بَيَّنّا مَعْنى اللِّسانِ العَرَبِيِّ بِشَواهِدِهِ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] وقَدْ أوْضَحْنا مَعْنى إنْزالِ جِبْرِيلَ القُرْآنَ (p-٩٨)عَلى قَلْبِهِ ﷺ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٩٧] .
26:193Page 375
نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ ١٩٣
The Trustworthy Spirit [i.e., Gabriel] has brought it down
No commentary for this ayah
26:194Page 375
عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ١٩٤
Upon your heart, [O Muḥammad] - that you may be of the warners
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
26:196Page 375
وَإِنَّهُۥ لَفِي زُبُرِ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٩٦
And indeed, it is [mentioned] in the scriptures of former peoples.
No commentary for this ayah
26:197Page 375
أَوَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ ءَايَةً أَن يَعۡلَمَهُۥ عُلَمَٰٓؤُاْ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٩٧
And has it not been a sign to them that it is recognized by the scholars of the Children of Israel?
No commentary for this ayah
26:198Page 375
وَلَوۡ نَزَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ بَعۡضِ ٱلۡأَعۡجَمِينَ ١٩٨
And even if We had revealed it to one among the foreigners1
قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ، مَعَ ما يُوَضِّحُها مِنَ الآياتِ في ”النَّحْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٠٣] .
واعْلَمْ أنَّ كُلَّ صَوْتٍ غَيْرِ عَرَبِيٍّ تُسَمِّيهِ العَرَبُ أعْجَمَ، ولَوْ مِن غَيْرِ عاقِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ يَذْكُرُ صَوْتَ حَمامَةٍ:
؎فَلَمْ أرَ مِثْلِي شاقَهُ صَوْتُ مِثْلِها ولا عَرَبِيًّا شاقَهُ صَوْتُ أعَجَما
26:199Page 375
فَقَرَأَهُۥ عَلَيۡهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ مُؤۡمِنِينَ ١٩٩
And he had recited it to them [perfectly],1 they would [still] not have been believers in it.
No commentary for this ayah
26:200Page 375
كَذَٰلِكَ سَلَكۡنَٰهُ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٢٠٠
Thus have We inserted it [i.e., disbelief] into the hearts of the criminals.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ .
قَوْلُهُ: سَلَكْناهُ، أيْ: أدْخَلْناهُ، كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ والشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ في سُورَةِ ”هُودٍ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ الآيَةَ [هود: ٤٠] والضَّمِيرُ في سَلَكْناهُ، قِيلَ: لِلْقُرْآنِ، وهو الأظْهَرُ. وقِيلَ: لِلتَّكْذِيبِ والكُفْرِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩] وهَؤُلاءِ الكُفّارُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ، هُمُ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وسَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهم أشْقِياءُ؛ كَما يَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] وقَدْ أوْضَحْنا شِدَّةَ تَعَنُّتِ هَؤُلاءِ، وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآياتِ في سُورَةِ ”الفُرْقانِ“، وفي سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ وغَيْرِهِما. وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ﴾ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: كَذَلِكَ السَّلْكُ، أيِ: الإدْخالُ، سَلَكْناهُ، أيْ: أدْخَلْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ، وإيضاحُهُ عَلى أنَّهُ القُرْآنُ: أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ عَلى رَجُلٍ عَرَبِيٍّ فَصِيحٍ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، فَسَمِعُوهُ وفَهِمُوهُ لِأنَّهُ بِلُغَتِهِمْ، ودَخَلَتْ مَعانِيهِ في قُلُوبِهِمْ، ولَكِنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ العَذابِ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ، وعَلى أنَّ الضَّمِيرَ في سَلَكْناهُ لِلْكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، فَقَوْلُهُ عَنْهم: ﴿ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾، يَدُلُّ عَلى إدْخالِ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ في قُلُوبِهِمْ، أيْ: كَذَلِكَ السَّلْكُ سَلَكْناهُ، إلَخْ.
26:201Page 375
لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٢٠١
They will not believe in it until they see the painful punishment.
No commentary for this ayah
26:202Page 375
فَيَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٠٢
And it will come to them suddenly while they perceive [it] not.
No commentary for this ayah
(p-٩٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ .
لَفْظَةُ: هَلْ هُنا يُرادُ بِها التَّمَنِّي، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهم تَمَنَّوُا التَّأْخِيرَ والإنْظارَ، أيِ: الإمْهالَ، وقَدْ دَلَّتْ آياتٌ أُخَرُ عَلى طَلَبِهِمْ ذَلِكَ صَرِيحًا، وأنَّهم لَمْ يُجابُوا إلى ما طَلَبُوا؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] وأوْضَحَ أنَّهم لا يَنْظُرُونَ في آياتٍ مِن كِتابِهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٠] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الرَّعْدِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ الآيَةَ [الرعد: ٦] وذَكَرْنا طَرَفًا مِنهُ في سُورَةِ ”يُونُسَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلْآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: ٥٠ - ٥١] .
26:205Page 375
أَفَرَءَيۡتَ إِن مَّتَّعۡنَٰهُمۡ سِنِينَ ٢٠٥
Then have you considered if We gave them enjoyment for years
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿ما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرَ﴾ [البقرة: ٩٦] .
26:206Page 375
ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ ٢٠٦
And then there came to them that which they were promised?
No commentary for this ayah
26:207Page 376
مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ ٢٠٧
They would not be availed by the enjoyment with which they were provided.
No commentary for this ayah
26:208Page 376
وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ ٢٠٨
And We did not destroy any city except that it had warners
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا لَها مُنْذِرُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلَيْهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا ولَكِنَّ النّاسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] (p-١٠٠)إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وقَوْلُهُ: ذِكْرى، أعْرَبَهُ بَعْضُهم مَرْفُوعًا، عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذِهِ ذِكْرى، وأعْرَبَهُ بَعْضُهم مَنصُوبًا، وفي إعْرابِهِ عَلى أنَّهُ مَنصُوبٌ أوْجُهٌ: مِنها أنَّهُ ما نابَ عَنِ المُطْلَقِ، مِن قَوْلِهِ: مُنْذِرُونَ، لِأنَّ أنْذَرَ وذَكَرَ مُتَقارِبانِ.
وَمِنها أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ: مُنْذِرُونَ مِن أجْلِ الذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِرَةِ.
وَمِنها أنَّها حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُنْذِرُونَ، أيْ: يُنْذِرُونَهم في حالِ كَوْنِهِمْ ذَوِي تَذْكِرَةٍ.
26:210Page 376
وَمَا تَنَزَّلَتۡ بِهِ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢١٠
And the devils have not brought it [i.e., the revelation] down.1
No commentary for this ayah
26:211Page 376
وَمَا يَنۢبَغِي لَهُمۡ وَمَا يَسۡتَطِيعُونَ ٢١١
It is not allowable for them, nor would they be able.
No commentary for this ayah
26:212Page 376
إِنَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّمۡعِ لَمَعۡزُولُونَ ٢١٢
Indeed they, from [its] hearing, are removed.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الحِجْرِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا وزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿وَحَفِظْناها﴾ الآيَةَ [الحجر: ١٦ - ١٧] .
26:213Page 376
فَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُعَذَّبِينَ ٢١٣
So do not invoke1 with Allāh another deity and [thus] be among the punished.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ . قَدْ أوْضَحْنا في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢] بِالدَّلِيلِ القُرْآنِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ يُخاطَبُ بِمِثْلِ هَذا الخِطابِ، والمُرادُ التَّشْرِيعُ لِأُمَّتِهِ مَعَ بَعْضِ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ، وقَوْلُهُ هُنا: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ، جاءَ مَعْناهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ٣٩]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ . هَذا الأمْرُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِإنْذارِهِ خُصُوصَ عَشِيرَتِهِ الأقْرَبِينَ، لا يُنافِي الأمْرَ بِالإنْذارِ العامِّ، كَما دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ؛
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧]
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
26:215Page 376
وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢١٥
And lower your wing [i.e., show kindness] to those who follow you of the believers.
(p-١٠١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ . قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”المائِدَةِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وفي ”الحِجْرِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] وقَدْ وعَدْنا في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] بِأنّا نُوَضِّحُ مَعْنى خَفْضِ الجَناحِ، وإضافَتِهِ إلى الذُّلِّ في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“، في هَذا المَوْضِعِ، وهَذا وفاؤُنا بِذَلِكَ الوَعْدِ، ويَكْفِينا في الوَفاءِ بِهِ أنْ نَنْقُلَ كَلامَنا في رِسالَتِنا المُسَمّاةِ: ”مَنعَ جَوازِ المَجازِ في المُنَزَّلِ لِلتَّعَبُّدِ والإعْجازِ“ .
فَقَدْ قُلْنا فِيها، ما نَصُّهُ: والجَوابُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ٢٤] أنَّ الجَناحَ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ؛ لِأنَّ الجَناحَ يُطْلَقُ لُغَةً حَقِيقَةً عَلى يَدِ الإنْسانِ وعَضُدِهِ وإبِطِهِ. قالَ تَعالى: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص: ٣٢] والخَفْضُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، الَّذِي هو ضِدُّ الرَّفْعِ؛ لِأنَّ مُرِيدَ البَطْشِ يَرْفَعُ جَناحَيْهِ، ومَظْهَرُ الذُّلِّ والتَّواضُعِ يَخْفِضُ جَناحَيْهِ، فالأمْرُ بِخَفْضِ الجَناحِ لِلْوالِدَيْنِ كِنايَةٌ عَنْ لِينِ الجانِبِ لَهُما، والتَّواضُعِ لَهُما؛ كَما قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، وإطْلاقُ العَرَبِ خَفْضَ الجَناحِ كِنايَةً عَنِ التَّواضُعِ ولِينِ الجانِبِ أُسْلُوبٌ مَعْرُوفٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وَأنْتَ الشَّهِيرُ بِخَفْضِ الجَنا حِ فَلا تَكُ في رَفْعِهِ أجْدَلا
وَأمّا إضافَةُ الجَناحِ إلى الذُّلِّ، فَلا تَسْتَلْزِمُ المَجازَ كَما يَظُنُّهُ كَثِيرٌ؛ لِأنَّ الإضافَةَ فِيهِ كالإضافَةِ في قَوْلِكَ: حاتِمُ الجُودِ.
فَيَكُونُ المَعْنى: واخْفِضْ لَهُما الجَناحَ الذَّلِيلَ مِنَ الرَّحْمَةِ، أوِ الذَّلُولَ عَلى قِراءَةِ الذُّلِّ بِالكَسْرِ، وما يُذْكَرُ عَنْ أبِي تَمّامٍ مِن أنَّهُ لَمّا قالَ:
؎لا تَسْقِنِي ماءَ المَلامِ فَإنَّنِي ∗∗∗ صَبٌّ قَدِ اسْتَعْذَبْتُ ماءَ بُكائِي
جاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ لَهُ: صُبَّ لِي في هَذا الإناءِ شَيْئًا مِن ماءِ المَلامِ، فَقالَ لَهُ: إنْ أتَيْتَنِي (p-١٠٢)بِرِيشَةٍ مِن جَناحِ الذُّلِّ صَبَبْتُ لَكَ شَيْئًا مِن ماءِ المَلامِ، فَلا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأنَّ الآيَةَ لا يُرادُ بِها أنَّ لِلذُّلِّ جَناحًا، وإنَّما يُرادُ بِها خَفْضُ الجَناحِ المُتَّصِفِ بِالذُّلِّ لِلْوالِدَيْنِ مِنَ الرَّحْمَةِ بِهِما، وغايَةُ ما في ذَلِكَ إضافَةُ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ كَحاتِمِ الجُودِ، ونَظِيرُهُ في القُرْآنِ الإضافَةُ في قَوْلِهِ: ﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان: ٤٠] و ﴿عَذابَ الهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣] أيْ: مَطَرَ حِجارَةِ السِّجِّيلِ المَوْصُوفَ بِسَوْئِهِ مَن وقَعَ عَلَيْهِ، وعَذابَ أهْلِ النّارِ المَوْصُوفَ بِهَوْنِ مَن وقَعَ عَلَيْهِ، والمُسَوِّغُ لِإضافَةِ خُصُوصِ الجَناحِ إلى الذُّلِّ مَعَ أنَّ الذُّلَّ مِن صِفَةِ الإنْسانِ لا مِن صِفَةِ خُصُوصِ الجَناحِ، أنَّ خَفْضَ الجَناحِ كُنِّيَ بِهِ عَنْ ذُلِّ الإنْسانِ، وتَواضُعِهِ ولِينِ جانِبِهِ لِوالِدَيْهِ رَحْمَةً بِهِما، وإسْنادُ صِفاتِ الذّاتِ لِبَعْضِ أجْزائِها مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، كَإسْنادِ الكَذِبِ والخَطِيئَةِ إلى النّاصِيَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٦] وكَإسْنادِ الخُشُوعِ والعَمَلِ والنَّصَبِ إلى الوُجُوهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٢ - ٣] وأمْثالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ، وفي كَلامِ العَرَبِ. وهَذا هو الظّاهِرُ في مَعْنى الآيَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ السَّلَفِ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وَقالَ ابْنُ القَيِّمِ في ”الصَّواعِقِ“: إنَّ مَعْنى إضافَةِ الجَناحِ إلى الذُّلِّ أنَّ لِلذُّلِّ جَناحًا مَعْنَوِيًّا يُناسِبُهُ لا جَناحَ رِيشٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، انْتَهى. وفِيهِ إيضاحُ مَعْنى خَفْضِ الجَناحِ.
والتَّحْقِيقُ أنَّ إضافَةَ الجَناحِ إلى الذُّلِّ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ؛ كَما أوْضَحْنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ”الكَشّافِ“، في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، فَإنْ قُلْتَ: المُتَّبِعُونَ لِلرَّسُولِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، والمُؤْمِنُونَ هُمُ المُتَّبِعُونَ لِلرَّسُولِ، فَما قَوْلُهُ: ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ .
قُلْتُ: فِيهِ وجْهانِ، أنْ يُسَمِّيَهم قَبْلَ الدُّخُولِ في الإيمانِ مُؤْمِنِينَ، لِمُشارَفَتِهِمْ ذَلِكَ. وأنْ يُرِيدَ بِالمُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ بِألْسِنَتِهِمْ، وهم صِنْفانِ: صِنْفٌ صَدَّقَ واتَّبَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيما جاءَ بِهِ، وصِنْفٌ لَمْ يُوجَدْ مِنهم إلّا التَّصْدِيقُ فَحَسْبُ، ثُمَّ إمّا أنْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ أوْ فاسِقِينَ، والمُنافِقُ والفاسِقُ، لا يُخْفَضُ لَهُما الجَناحُ.
والمَعْنى: المُؤْمِنِينَ مِن عَشِيرَتِكَ وغَيْرِهِمْ، أيْ: أنْذِرْ قَوْمَكَ فَإنِ اتَّبَعُوكَ وأطاعُوكَ، فاخْفِضْ لَهم جَناحَكَ، وإنْ عَصَوْكَ ولَمْ يَتَّبِعُوكَ فَتَبَرَّأْ مِنهم ومِن أعْمالِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ وغَيْرِهِ، انْتَهى مِنهُ.
(p-١٠٣)والأظْهَرُ عِنْدِي في قَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، أنَّهُ نَوْعٌ مِنَ التَّوْكِيدِ يَكْثُرُ مِثْلُهُ في القُرْآنِ العَظِيمِ؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٦٧] ومَعْلُومٌ أنَّهم إنَّما يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ.
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] ومَعْلُومٌ أنَّهم إنَّما يَكْتُبُونَهُ بِأيْدِيهِمْ،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
26:216Page 376
فَإِنۡ عَصَوۡكَ فَقُلۡ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢١٦
And if they disobey you, then say, "Indeed, I am disassociated from what you are doing."
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences