Ash-ShinqitiAl‑Ahzab · 33:7–36

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:7–36

33:7Page 419

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ٧

And [mention, O Muḥammad], when We took from the prophets their covenant and from you and from Noah and Abraham and Moses and Jesus, the son of Mary; and We took from them a solemn covenant

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ .

ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ أخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم، ثُمَّ خَصَّ مِنهم بِذَلِكَ خَمْسَةً: هم أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وهم مُحَمَّدٌ ﷺ، ونُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى. ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا المِيثاقَ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهُ جَلَّ وعَلا بَيَّنَ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ فَبَيَّنَ المِيثاقَ المَأْخُوذَ عَلى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“: ﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨١ \ ٨٢] . وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“، في الكَلامِ عَلى قِصَّةِ الخَضِرِ، وقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا المِيثاقَ الَّذِي أخَذَهُ عَلى خُصُوصِ الخَمْسَةِ الَّذِينَ هم أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ في سُورَةِ ”الشُّورى“، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] .

وَبِما ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ آيَةَ ”آلِ عِمْرانَ“، وآيَةَ ”الشُّورى“، فِيهِما بَيانٌ لِآيَةِ ”الأحْزابِ“ هَذِهِ.

(p-٢٣٤)وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَمِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلَيْهِ مِرارًا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

33:8Page 419

لِّيَسۡـَٔلَ ٱلصَّٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡۚ وَأَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٨

That He may question the truthful about their truth.1 And He has prepared for the disbelievers a painful punishment.

No commentary for this ayah

33:9Page 419

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا ٩

O you who have believed, remember the favor of Allāh upon you when armies came to [attack] you and We sent upon them a wind and armies [of angels] you did not see. And ever is Allāh, of what you do, Seeing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ .

أمَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنْ يَذْكُرُوا نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ حِينَ جاءَتْهم جُنُودٌ وهم جَيْشُ الأحْزابِ، فَأرْسَلَ جَلَّ وعَلا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ يَرَها المُسْلِمُونَ، وهَذِهِ الجُنُودُ الَّتِي لَمْ يَرَوْها الَّتِي امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِها هُنا في سُورَةِ ”الأحْزابِ“، بَيَّنَ أنَّهُ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِها أيْضًا في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ الآيَةَ [التوبة: ٢٥ - ٢٦]، وهَذِهِ الجُنُودُ هي المَلائِكَةُ، وقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وعَلا ذَلِكَ في ”الأنْفالِ“، في الكَلامِ عَلى غَزْوَةِ بَدْرٍ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ١٢]، وهَذِهِ الجُنُودُ الَّتِي لَمْ يَرَوْها الَّتِي هي المَلائِكَةُ، قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في ”بَراءَةَ“، أنَّهُ أيَّدَ بِها نَبِيَّهُ ﷺ وهو في الغارِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ الآيَةَ [التوبة: ٤٠] .

33:10Page 419

إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ ١٠

[Remember] when they came at you from above you and from below you, and when eyes shifted [in fear], and hearts reached the throats, and you assumed about Allāh [various] assumptions.

No commentary for this ayah

33:11Page 419

هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا ١١

There the believers were tested and shaken with a severe shaking.

No commentary for this ayah

33:12Page 419

وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا ١٢

And [remember] when the hypocrites and those in whose hearts is disease said, "Allāh and His Messenger did not promise us except delusion,"

No commentary for this ayah

33:13Page 419

وَإِذۡ قَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ يَٰٓأَهۡلَ يَثۡرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمۡ فَٱرۡجِعُواْۚ وَيَسۡتَـٔۡذِنُ فَرِيقٞ مِّنۡهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوۡرَةٞ وَمَا هِيَ بِعَوۡرَةٍۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارٗا ١٣

And when a faction of them said, "O people of Yathrib,1 there is no stability for you [here], so return [home]." And a party of them asked permission of the Prophet, saying, "Indeed, our houses are exposed [i.e., unprotected]," while they were not exposed. They did not intend except to flee.

No commentary for this ayah

33:14Page 419

وَلَوۡ دُخِلَتۡ عَلَيۡهِم مِّنۡ أَقۡطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلۡفِتۡنَةَ لَأٓتَوۡهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلَّا يَسِيرٗا ١٤

And if they had been entered upon from all its [surrounding] regions and fitnah [i.e., disbelief] had been demanded of them, they would have done it and not hesitated over it except briefly.

No commentary for this ayah

33:15Page 419

وَلَقَدۡ كَانُواْ عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ لَا يُوَلُّونَ ٱلۡأَدۡبَٰرَۚ وَكَانَ عَهۡدُ ٱللَّهِ مَسۡـُٔولٗا ١٥

And they had already promised Allāh before not to turn their backs [i.e., flee]. And ever is the promise to Allāh [that about which one will be] questioned.

No commentary for this ayah

33:16Page 420

قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلۡفِرَارُ إِن فَرَرۡتُم مِّنَ ٱلۡمَوۡتِ أَوِ ٱلۡقَتۡلِ وَإِذٗا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٦

Say, [O Muḥammad], "Never will fleeing benefit you if you should flee from death or killing; and then [if you did], you would not be given enjoyment [of life] except for a little."

No commentary for this ayah

33:17Page 420

قُلۡ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعۡصِمُكُم مِّنَ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ سُوٓءًا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ رَحۡمَةٗۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٧

Say, "Who is it that can protect you from Allāh1 if He intends for you an ill or intends for you a mercy?" And they will not find for themselves besides Allāh any protector or any helper.

No commentary for this ayah

33:18Page 420

۞ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلۡمُعَوِّقِينَ مِنكُمۡ وَٱلۡقَآئِلِينَ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ هَلُمَّ إِلَيۡنَاۖ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلۡبَأۡسَ إِلَّا قَلِيلًا ١٨

Already Allāh knows the hinderers1 among you and those [hypocrites] who say to their brothers, "Come to us,"2 and do not go to battle, except for a few,3

No commentary for this ayah

33:19Page 420

أَشِحَّةً عَلَيۡكُمۡۖ فَإِذَا جَآءَ ٱلۡخَوۡفُ رَأَيۡتَهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ تَدُورُ أَعۡيُنُهُمۡ كَٱلَّذِي يُغۡشَىٰ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلۡخَوۡفُ سَلَقُوكُم بِأَلۡسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلۡخَيۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يُؤۡمِنُواْ فَأَحۡبَطَ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ١٩

Indisposed1 toward you. And when fear comes, you see them looking at you, their eyes revolving like one being overcome by death. But when fear departs, they lash you with sharp tongues, indisposed toward [any] good. Those have not believed, so Allāh has rendered their deeds worthless, and ever is that, for Allāh, easy.

No commentary for this ayah

33:20Page 420

يَحۡسَبُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ لَمۡ يَذۡهَبُواْۖ وَإِن يَأۡتِ ٱلۡأَحۡزَابُ يَوَدُّواْ لَوۡ أَنَّهُم بَادُونَ فِي ٱلۡأَعۡرَابِ يَسۡـَٔلُونَ عَنۡ أَنۢبَآئِكُمۡۖ وَلَوۡ كَانُواْ فِيكُم مَّا قَٰتَلُوٓاْ إِلَّا قَلِيلٗا ٢٠

They think the companies have not [yet] withdrawn.1 And if the companies should come [again], they would wish they were in the desert among the bedouins, inquiring [from afar] about your news. And if they should be among you, they would not fight except for a little.

No commentary for this ayah

33:21Page 420

لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا ٢١

There has certainly been for you in the Messenger of Allāh an excellent pattern1 for anyone whose hope is in Allāh and the Last Day and [who] remembers Allāh often.

No commentary for this ayah

33:22Page 420

وَلَمَّا رَءَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ قَالُواْ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّآ إِيمَٰنٗا وَتَسۡلِيمٗا ٢٢

And when the believers saw the companies, they said, "This is what Allāh and His Messenger had promised us, and Allāh and His Messenger spoke the truth." And it increased them only in faith and acceptance.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ .

ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا رَأوُا الأحْزابَ يَعْنِي جُنُودَ الكُفّارِ الَّذِينَ جاءُوهم مِن فَوْقِهِمْ ومِن أسْفَلَ مِنهم، في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ، قالُوا: ﴿هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا الآيَةَ الَّتِي وعَدَهم إيّاهُ فِيها، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، ومِمَّنْ قالَ إنَّ آيَةَ ”البَقَرَةِ“ المَذْكُورَةَ مُبَيِّنَةٌ لِآيَةِ (p-٢٣٥)”الأحْزابِ“ هَذِهِ، ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ وغَيْرُ واحِدٍ، وهو ظاهِرٌ.

وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَما زادَهم إلّا إيمانًا﴾، صَرِيحٌ في أنَّ الإيمانَ يَزِيدُ، وقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ بِذَلِكَ في آياتٍ مِن كِتابِهِ، فَلا وجْهَ لِلِاخْتِلافِ فِيهِ مَعَ تَصْرِيحِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا بِهِ في كِتابِهِ، في آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

33:23Page 421

مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا ٢٣

Among the believers are men true to what they promised Allāh. Among them is he who has fulfilled his vow [to the death], and among them is he who awaits [his chance]. And they did not alter [the terms of their commitment] by any alteration -

No commentary for this ayah

33:24Page 421

لِّيَجۡزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّٰدِقِينَ بِصِدۡقِهِمۡ وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ إِن شَآءَ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٢٤

That Allāh may reward the truthful for their truth and punish the hypocrites if He wills or accept their repentance. Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.

No commentary for this ayah

33:25Page 421

وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرٗاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا ٢٥

And Allāh repelled those who disbelieved, in their rage, not having obtained any good. And sufficient was Allāh for the believers in battle, and ever is Allāh Powerful and Exalted in Might.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ رَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا، وأنَّهُ كَفى المُؤْمِنِينَ القِتالَ، وهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ. ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا السَّبَبَ الَّذِي رَدَّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَفى بِهِ المُؤْمِنِينَ القِتالَ، ولَكِنَّهُ جَلَّ وعَلا بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [الأحزاب: ٩]، أيْ: وبِسَبَبِ تِلْكَ الرِّيحِ وتِلْكَ الجُنُودِ رَدَّهم بِغَيْظِهِمْ وكَفاكُمُ القِتالَ، كَما هو ظاهِرٌ.

33:26Page 421

وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا ٢٦

And He brought down those who supported them among the People of the Scripture1 from their fortresses and cast terror into their hearts [so that] a party [i.e., their men] you killed, and you took captive a party [i.e., the women and children].

No commentary for this ayah

33:27Page 421

وَأَوۡرَثَكُمۡ أَرۡضَهُمۡ وَدِيَٰرَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُمۡ وَأَرۡضٗا لَّمۡ تَطَـُٔوهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٗا ٢٧

And He caused you to inherit their land and their homes and their properties and a land which you have not trodden.1 And ever is Allāh, over all things, competent.

No commentary for this ayah

33:28Page 421

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيۡنَ أُمَتِّعۡكُنَّ وَأُسَرِّحۡكُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا ٢٨

O Prophet, say to your wives, "If you should desire the worldly life and its adornment, then come, I will provide for you and give you a gracious release.

No commentary for this ayah

33:29Page 421

وَإِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡمُحۡسِنَٰتِ مِنكُنَّ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٢٩

But if you should desire Allāh and His Messenger and the home of the Hereafter - then indeed, Allāh has prepared for the doers of good among you a great reward."

No commentary for this ayah

33:30Page 421

يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأۡتِ مِنكُنَّ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖ يُضَٰعَفۡ لَهَا ٱلۡعَذَابُ ضِعۡفَيۡنِۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ٣٠

O wives of the Prophet, whoever of you should commit a clear immorality - for her the punishment would be doubled two fold, and ever is that, for Allāh, easy.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٣٠] .

قَدْ قَدَّمْنا الآيَةَ المُوَضِّحَةَ لَهُ في آخِرِ سُورَةِ ”النَّمْلِ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]، وفي سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٧٥] .

33:31Page 422

۞ وَمَن يَقۡنُتۡ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا نُّؤۡتِهَآ أَجۡرَهَا مَرَّتَيۡنِ وَأَعۡتَدۡنَا لَهَا رِزۡقٗا كَرِيمٗا ٣١

And whoever of you devoutly obeys Allāh and His Messenger and does righteousness - We will give her her reward twice; and We have prepared for her a noble provision.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ .

ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ وعَلا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ مَن قَنَتَ مِن نِساءِ نَبِيِّهِ ﷺ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا يُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ. والقُنُوتُ: الطّاعَةُ. وما وعَدَ اللَّهُ بِهِ جَلَّ وعَلا مَن أطاعَ مِنهُنَّ بِإيتائِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، جاءَ الوَعْدُ بِنَظِيرِهِ لِغَيْرِهِنَّ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، فَمِن ذَلِكَ وعْدُهُ لِمَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ بِنَبِيِّهِ، ثُمَّ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بِإيتائِهِ أجْرَهُ مَرَّتَيْنِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَإذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا إنّا كُنّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ﴾ الآيَةَ [القصص: ٥١ - ٥٤] .

(p-٢٣٦)وَمِن ذَلِكَ وعْدُهُ لِجَمِيعِ المُطِيعِينَ مِن أُمَّتِهِ ﷺ بِإيتائِهِمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى، وذَلِكَ في قَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الآيَةَ [الحديد: ٢٨] .

واعْلَمْ: أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن سُورَةِ ”الحَدِيدِ“، الَّذِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ، أنَّ الخِطابَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ الآيَةَ [الحديد: ٢٨]، عامٌّ لِجَمِيعِ هَذِهِ الأُمَّةِ كَما تَرى. ولَيْسَ في خُصُوصِ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، كَما في آيَةِ ”القَصَصِ“ المَذْكُورَةِ آنِفًا، وكَوْنُهُ عامًّا هو التَّحْقِيقُ إنْ شاءَ اللَّهُ؛ لِظاهِرِ القُرْآنِ المُتَبادَرِ الَّذِي لَمْ يَصْرِفُ عَنْهُ صارِفٌ، فَما رَواهُ النَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن حَمْلِهِ آيَةَ ”الحَدِيدِ“ هَذِهِ عَلى خُصُوصِ أهْلِ الكِتابِ، كَما في آيَةِ ”القَصَصِ“ خِلافُ ظاهِرِ القُرْآنِ، فَلا يَصِحُّ الحَمْلُ عَلَيْهِ إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، وإنْ وافَقَ ابْنَ عَبّاسٍ في ذَلِكَ الضَّحّاكُ، وعُتْبَةُ بْنُ أبِي حَكِيمٍ وغَيْرُهُما، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.

والصَّوابُ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ هو ما ذَكَرْنا، لِأنَّ المَعْرُوفَ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ: أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ المُتَبادَرَ مِنهُ، لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُ، إلّا لِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ.

وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمّا افْتَخَرَ أهْلُ الكِتابِ بِأنَّهم يُؤْتُونَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ، أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ هَذِهِ الآيَةَ في حَقِّ هَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ﴾، أيْ: ضِعْفَيْنِ ﴿مِن رَحْمَتِهِ﴾، وزادَهم ﴿وَيَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٨]، فَفَضَّلَهم بِالنُّورِ والمَغْفِرَةِ، اهـ. نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

33:32Page 422

يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسۡتُنَّ كَأَحَدٖ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيۡتُنَّۚ فَلَا تَخۡضَعۡنَ بِٱلۡقَوۡلِ فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلۡبِهِۦ مَرَضٞ وَقُلۡنَ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٣٢

O wives of the Prophet, you are not like anyone among women. If you fear Allāh, then do not be soft in speech [to men],1 lest he in whose heart is disease should covet, but speak with appropriate speech.

No commentary for this ayah

33:33Page 422

وَقَرۡنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجۡنَ تَبَرُّجَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ ٱلۡأُولَىٰۖ وَأَقِمۡنَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتِينَ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِعۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا ٣٣

And abide in your houses and do not display yourselves as [was] the display of the former times of ignorance. And establish prayer and give zakāh and obey Allāh and His Messenger. Allāh intends only to remove from you the impurity [of sin], O people of the [Prophet's] household, and to purify you with [extensive] purification.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ .

قَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَقُولَ بَعْضُ العُلَماءِ في الآيَةِ قَوْلًا، ويَكُونُ في نَفْسِ الآيَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ القَوْلِ، وذَكَرْنا لِذَلِكَ أمْثِلَةً مُتَعَدِّدَةً في التَّرْجَمَةِ، وفي مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.

وَمِمّا ذَكَرْنا مِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ في التَّرْجَمَةِ قَوْلُنا فِيها: ومِن أمْثِلَتِهِ قَوْلُ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ: (p-٢٣٧)إنَّ أزْواجَهُ ﷺ لا يَدْخُلْنَ في أهْلِ بَيْتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾، فَإنَّ قَرِينَةَ السِّياقِ صَرِيحَةٌ في دُخُولِهِنَّ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ﴾ [الأحزاب: ٢٨]، ثُمَّ قالَ في نَفْسِ خِطابِهِ لَهُنَّ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٣٤] .

وَقَدْ أجْمَعَ جُمْهُورُ عُلَماءِ الأُصُولِ عَلى أنَّ صُورَةَ سَبَبِ النُّزُولِ قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ، فَلا يَصِحُّ إخْراجُها بِمُخَصَّصٍ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّها ظَنِّيَّةُ الدُّخُولِ، وإلَيْهِ أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ:

؎واجْزِمْ بِإدْخالِ ذَواتِ السَّبَبِ وارْوِ عَنِ الإمامِ ظَنًّا تُصِبِ

فالحَقُّ أنَّهُنَّ داخِلاتٌ في الآيَةِ، اهـ. مِن تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.

والتَّحْقِيقُ إنْ شاءَ اللَّهُ: أنَّهُنَّ داخِلاتٌ في الآيَةِ، وإنْ كانَتِ الآيَةُ تَتَناوَلُ غَيْرَهُنَّ مِن أهْلِ البَيْتِ.

أمّا الدَّلِيلُ عَلى دُخُولِهِنَّ في الآيَةِ، فَهو ما ذَكَرْناهُ آنِفًا مِن أنَّ سِياقَ الآيَةِ صَرِيحٌ في أنَّها نازِلَةٌ فِيهِنَّ.

والتَّحْقِيقُ: أنَّ صُورَةَ سَبَبِ النُّزُولِ قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ؛ كَما هو مُقَرَّرٌ في الأُصُولِ.

وَنَظِيرُ ذَلِكَ مِن دُخُولِ الزَّوْجاتِ في اسْمِ أهْلِ البَيْتِ، قَوْلُهُ تَعالى في زَوْجَةِ إبْراهِيمَ: ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ [الفاتحة: ٧٣] .

وَأمّا الدَّلِيلُ عَلى دُخُولِ غَيْرِهِنَّ في الآيَةِ، فَهو أحادِيثُ جاءَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في عَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنِ والحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: «إنَّهم أهْلُ البَيْتِ»، ودَعا لَهُمُ اللَّهُ أنْ يُذْهِبَ عَنْهُمُ الرِّجْسَ ويُطَهِّرَهم تَطْهِيرًا. وقَدْ رَوى ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنهم أُمُّ المُؤْمِنِينَ أُمُّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وأبُو سَعِيدٍ، وأنَسٌ، وواثِلَةُ بْنُ الأسْقَعِ، وأُمُّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةُ، وغَيْرُهم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.

وَبِما ذَكَرْنا مِن دَلالَةِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ تَعْلَمُ أنَّ الصَّوابَ شُمُولُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِأزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ، ولِعَلِيٍّ وفاطِمَةَ والحَسَنِ والحُسَيْنِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم كُلِّهِمْ.

* *

(p-٢٣٨)تَنْبِيهٌ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَيُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾، ضَمِيرُ الذُّكُورِ، فَلَوْ كانَ المُرادُ نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ لَقِيلَ: لِيُذْهِبَ عَنْكُنَّ ويُطَهِّرُكُنَّ.

فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: هو ما ذَكَرْنا مِن أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ شامِلَةٌ لَهُنَّ ولِعَلِيٍّ والحَسَنِ والحُسَيْنِ وفاطِمَةَ، وقَدْ أجْمَعَ أهْلُ اللِّسانِ العَرَبِيِّ عَلى تَغْلِيبِ الذُّكُورِ عَلى الإناثِ في الجُمُوعِ ونَحْوِها، كَما هو مَعْلُومٌ في مَحَلِّهِ.

الوَجْهُ الثّانِي: هو أنْ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي نَزَلَ بِها القُرْآنُ أنَّ زَوْجَةَ الرَّجُلِ يُطْلَقُ عَلَيْها اسْمُ الأهْلِ، وبِاعْتِبارِ لَفْظِ الأهْلِ تُخاطَبُ مُخاطَبَةَ الجَمْعِ المُذَكَّرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى في مُوسى: ﴿فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [طه: ١٠]، وقَوْلُهُ: سَآتِيكم [النمل: ٧]، وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾ [طه: ١٠]، والمُخاطَبُ امْرَأتُهُ؛ كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، ونَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَإنْ شِئْتِ حَرَّمَتُ النِّساءَ سِواكم وإنْ شِئْتِ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدًا

وَبِما ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ لَسْنَ داخِلاتٍ في الآيَةِ، يَرُدُّ عَلَيْهِ صَرِيحُ سِياقِ القُرْآنِ، وأنَّ مَن قالَ: إنَّ فاطِمَةَ وعَلِيًّا والحَسَنَ والحُسَيْنَ لَيْسُوا داخِلِينَ فِيها، تَرُدُّ عَلَيْهِ الأحادِيثُ المُشارُ إلَيْها.

وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ أهْلَ البَيْتِ في الآيَةِ هم مَن تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي: أنَّهُ يُذْهِبُ الرِّجْسَ عَنْهم، ويُطَهِّرُهم بِما يَأْمُرُ بِهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ، ويَنْهى عَنْهُ مِن مَعْصِيَتِهِ؛ لِأنَّ مَن أطاعَ اللَّهَ أذْهَبَ عَنْهُ الرِّجْسَ، وطَهَّرَهُ مِنَ الذُّنُوبِ تَطْهِيرًا.

وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في ”الكَشّافِ“: ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما نَهاهُنَّ وأمَرَهُنَّ ووَعَظَهُنَّ لِئَلّا يُقارِفَ أهْلُ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَآثِمَ، ولِيَتَصَوَّنُوا عَنْها بِالتَّقْوى، واسْتَعارَ لِلذُّنُوبِ الرِّجْسَ ولِلتَّقْوى الطُّهْرَ؛ لِأنَّ عِرْضَ المُقْتَرِفِ لِلْمُقَبَّحاتِ يَتَلَوَّثُ بِها ويَتَدَنَّسُ كَما يَتَلَوَّثُ بَدَنُهُ بِالأرْجاسِ. وأمّا الحَسَناتُ فالعِرْضُ مِنها نَقِيٌّ مَصُونٌ كالثَّوْبِ الطّاهِرِ، وفي هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ (p-٢٣٩)ما يُنَفِّرُ أُولِي الألْبابِ عَمّا كَرِهَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ، ونَهاهم عَنْهُ، ويُرَغِّبُهم فِيما يَرْضاهُ لَهم، وأمَرَهم بِهِ. وأهْلُ البَيْتِ نُصِبَ عَلى النِّداءِ أوْ عَلى المَدْحِ، وفي هَذا دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى أنَّ نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ مِن أهْلِ بَيْتِهِ.

* *

تَنْبِيهٌ.

اعْلَمْ أنَّهُ يَكْثُرُ في القُرْآنِ العَظِيمِ، وفي اللُّغَةِ إتْيانُ اللّامِ المَكْسُورَةِ مَنصُوبًا بَعْدَها المُضارِعُ بَعْدَ فِعْلِ الإرادَةِ؛

• كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ الآيَةَ،

• وقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]،

• وقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الصف: ٨]،

وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. وكَقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎أُرِيدُ لِأنْسى ذِكْرَها فَكَأنَّما تُمَثَّلُ لِي لَيْلى بِكُلِّ سَبِيلِ

وَلِلْعُلَماءِ في اللّامِ المَذْكُورَةِ أقْوالٌ، مِنها: أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ بِمَعْنى أنْ، وهو قَوْلٌ غَرِيبٌ. ومِنها: أنَّها لامُ كَيْ، ومَفْعُولُ الإرادَةِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يَأْمُرَكم ويَنْهاكم، لِأجْلِ أنْ يُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ، والرِّجْسُ كُلُّ مُسْتَقْذِرٍ تَعافُهُ النُّفُوسُ، ومِن أقْذَرِ المُسْتَقْذَراتِ مَعْصِيَةُ اللَّهِ تَعالى.

33:34Page 422

وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا ٣٤

And remember what is recited in your houses of the verses of Allāh and wisdom.1 Indeed, Allāh is ever Subtle2 and Aware.

No commentary for this ayah

33:35Page 422

إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلۡخَٰشِعِينَ وَٱلۡخَٰشِعَٰتِ وَٱلۡمُتَصَدِّقِينَ وَٱلۡمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰٓئِمِينَ وَٱلصَّٰٓئِمَٰتِ وَٱلۡحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمۡ وَٱلۡحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا ٣٥

Indeed, the Muslim men and Muslim women, the believing men and believing women, the obedient men and obedient women, the truthful men and truthful women, the patient men and patient women, the humble men and humble women, the charitable men and charitable women, the fasting men and fasting women, the men who guard their private parts and the women who do so, and the men who remember Allāh often and the women who do so - for them Allāh has prepared forgiveness and a great reward.

No commentary for this ayah

33:36Page 423

وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا ٣٦

It is not for a believing man or a believing woman, when Allāh and His Messenger have decided a matter, that they should [thereafter] have any choice about their affair. And whoever disobeys Allāh and His Messenger has certainly strayed into clear error.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском