Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:103–117, continued
والجَوابُ عَنْ قَوْلِ أبِي داوُدَ لَيْسَ في جَمْعِ التَّقْدِيمِ حَدِيثٌ قائِمٌ هو ما رَأيْتَ مِن أنَّهُ ثَبَتَ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“ مِن حَدِيثِ جابِرٍ وصَحَّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ مِن طَرِيقِ إسْحاقَ بْنِ راهَوَيْهِ وأخْرَجَهُ الحاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ في ”الأرْبَعِينَ“ وأخْرَجَهُ أبُو نُعَيْمٍ في ”مُسْتَخْرَجِ مُسْلِمٍ“ والإسْماعِيلِيُّ والبَيْهَقِيُّ وقالَ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ بِلَفْظِ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا كانَ في سَفَرٍ وزالَتِ الشَّمْسُ صَلّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا» إلى آخِرِ ما تَقَدَّمَ.
* *
قالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: قَدْ عَرَفْتَ أنَّ أحادِيثَ جَمْعِ التَّقْدِيمِ بَعْضُها صَحِيحٌ وبَعْضُها حَسَنٌ، وذَلِكَ يَرُدُّ قَوْلَ أبِي داوُدَ: لَيْسَ في جَمْعِ التَّقْدِيمِ حَدِيثٌ قائِمٌ، والجَوابُ عَنْ تَضْعِيفِ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ المُتَقَدِّمِ في جَمْعِ التَّقْدِيمِ بِأنَّ في إسْنادِهِ حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ هو ضَعِيفٌ، هو أنَّهُ رُوِيَ مِن طَرِيقَيْنِ أُخْرَيَيْنِ بِهِما يَعْتَضِدُ الحَدِيثُ حَتّى يَصِيرَ أقَلُّ دَرَجاتِهِ الحَسَنَ.
الأُولى: أخْرَجَها يَحْيى بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ الحَمّانِيُّ عَنْ أبِي خالِدٍ الأحْمَرِ عَنِ الحَجّاجِ عَنِ الحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِيَةُ: مِنهُما رَواها إسْماعِيلُ القاضِي في الأحْكامِ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي أُوَيْسٍ عَنْ أخِيهِ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ بِلالٍ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِنَحْوِهِ قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“ والشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“ .
وَقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“ أيْضًا: يُقالُ إنِ التِّرْمِذِيَّ حَسَّنَهُ وكَأنَّهُ بِاعْتِبارِ المُتابَعَةِ، وغَفَلَ ابْنُ العَرَبِيِّ فَصَحَّحَ إسْنادَهُ.
وَبِهَذا كُلِّهِ تَعْلَمُ أنَّ كُلًّا مِن جَمْعِ التَّقْدِيمِ وجَمْعِ التَّأْخِيرِ في السَّفَرِ ثابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وفِيهِ صُورَةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْها وهي الَّتِي رَواها مُسْلِمٌ عَنْ جابِرٍ في حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ في الحَجِّ كَما قَدَّمْنا، وهي جَمْعُ التَّقْدِيمِ ظُهْرَ عَرَفاتٍ، وجَمْعُ التَّأْخِيرِ عِشاءَ المُزْدَلِفَةِ.
قالَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“: والجَمْعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ بِعُذْرِ السَّفَرِ مِنَ الأُمُورِ المَشْهُورَةِ المُسْتَعْمَلَةِ فِيما بَيْنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ، مَعَ الثّابِتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ عَنْ أصْحابِهِ ثُمَّ ما أجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ مِن جَمْعِ النّاسِ بِعَرَفاتٍ ثُمَّ بِالمُزْدَلِفَةِ. اهـ. مِنهُ بِلَفْظِهِ. (p-٣٠٠)وَرَوى البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ أيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ سَألَ سالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ: هَلْ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ في السَّفَرِ ؟ فَقالَ: نَعَمْ لا بَأْسَ بِذَلِكَ، ألَمْ تَرَ إلى صَلاةِ النّاسِ بِعَرَفَةَ اهـ. مِنهُ بِلَفْظِهِ.
وَقالَ ابْنُ القَيِّمِ في ”زادِ المَعادِ“: قالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ويَدُلُّ عَلى جَمْعِ التَّقْدِيمِ جَمْعُهُ بِعَرَفَةَ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ لِمَصْلَحَةِ الوُقُوفِ لِيَتَّصِلَ وقْتُ الدُّعاءِ ولا يَقْطَعَهُ بِالنُّزُولِ لِصَلاةِ العَصْرِ مَعَ إمْكانِ ذَلِكَ بِلا مَشَقَّةٍ، فالجَمْعُ كَذَلِكَ لِأجْلِ المَشَقَّةِ والحاجَةِ أوْلى.
قالَ الشّافِعِيُّ: وكانَ أرْفَقُ بِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ تَقْدِيمُ العَصْرِ؛ لِأنْ يَتَّصِلَ لَهُ الدُّعاءُ فَلا يَقْطَعَهُ بِصَلاةِ العَصْرِ، والتَّأْخِيرُ أرْفَقُ بِالمُزْدَلِفَةِ؛ لِأنْ يَتَّصِلَ لَهُ المُسَيَّرُ ولا يَقْطَعُهُ لِلنُّزُولِ لِلْمَغْرِبِ لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّضْيِيقِ عَلى النّاسِ اهـ. مِن ”زادَ المَعادِ“ .
فَبِهَذِهِ الأدِلَّةِ الَّتِي سُقْناها في هَذا المَبْحَثِ تَعْلَمُ أنَّ العَصْرَ مُشْتَرِكَةٌ مَعَ الظُّهْرِ في وقْتِها عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وأنَّ العِشاءَ مُشْتَرِكَةٌ مَعَ المَغْرِبِ في وقْتِها عِنْدَ الضَّرُورَةِ أيْضًا، وأنَّ الظُّهْرَ مُشْتَرِكَةٌ مَعَ العَصْرِ في وقْتِها عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وأنَّ المَغْرِبَ مُشْتَرِكَةٌ مَعَ العِشاءِ في وقْتِها عِنْدَ الضَّرُورَةِ أيْضًا، ولا يَخْفى أنَّ الأئِمَّةَ الَّذِينَ خالَفُوا مالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في امْتِدادِ وقْتِ الضَّرُورَةِ لِلظَّهْرِ إلى الغُرُوبِ وامْتِدادِ وقْتِ الضَّرُورَةِ لِلْمَغْرِبِ إلى الفَجْرِ كالشّافِعِيِّ وأحْمَدَ رَحِمَهُما اللَّهُ ومَن وافَقَهُما أنَّهم في الحَقِيقَةِ مُوافِقُونَ لَهُ لِاعْتِرافِهِمْ بِأنَّ الحائِضَ إذا طَهُرَتْ قَبْلَ الغُرُوبِ بِرَكْعَةٍ صَلَّتِ الظُّهْرَ والعَصْرَ مَعًا، وكَذَلِكَ إذا طَهُرَتْ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ بِرَكْعَةٍ صَلَّتِ المَغْرِبَ والعِشاءَ كَما قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَلَوْ كانَ الوَقْتُ خَرَجَ بِالكُلِّيَّةِ لَمْ يَلْزَمْها أنْ تُصَلِّيَ الظُّهْرَ ولا المَغْرِبَ لِلْإجْماعِ عَلى أنَّ الحائِضَ لا تَقْضِي ما فاتَ وقْتُهُ مِنَ الصَّلَواتِ وهي حائِضٌ.
وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَنا أنَّهُ يَجِبُ عَلى المَعْذُورِ الظُّهْرُ بِما تَجِبُ بِهِ العَصْرُ، وبِهِ قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وابْنُ عَبّاسٍ وفُقَهاءُ المَدِينَةِ السَّبْعَةِ وأحْمَدُ وغَيْرُهم.
وَقالَ الحَسَنُ وحَمّادٌ وقَتادَةُ والثَّوْرِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ وداوُدُ: لا تَجِبُ عَلَيْهِ. اهـ. مِنهُ بِلَفْظِهِ، ومالِكٌ يُوجِبُها بِقَدْرِ ما تُصَلّى فِيهِ الأُولى مِن مُشْتَرَكَتَيِّ الوَقْتِ مَعَ بَقاءِ رَكْعَةٍ فَهو أرْبَعٌ في المَغْرِبِ والعِشاءِ وخَمْسٌ في الظُّهْرِ والعَصْرِ لِلْحاضِرِ، وثَلاثٌ لِلْمُسافِرِ.
وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: ورُوِيَ هَذا القَوْلُ يَعْنِي إدْراكَ الظُّهْرِ مَثَلًا بِما (p-٣٠١)تُدْرَكُ بِهِ العَصْرُ في الحائِضِ تَطْهُرُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وابْنِ عَبّاسٍ وطاوُسٍ ومُجاهِدٍ والنَّخَعِيِّ والزُّهْرِيِّ ورَبِيعَةَ ومالِكٍ واللَّيْثِ والشّافِعِيِّ وإسْحاقَ وأبِي ثَوْرٍ.
قالَ الإمامُ أحْمَدُ: عامَّةُ التّابِعِينَ يَقُولُونَ بِهَذا القَوْلِ إلّا الحَسَنَ وحْدَهُ، قالَ: لا تَجِبْ إلّا الصَّلاةُ الَّتِي طَهُرَتْ في وقْتِها وحْدَها، إلى أنْ قالَ: ولَنا ما رَوى الأثْرَمُ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما بِإسْنادِهِمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ أنَّهُما قالا في الحائِضِ تَطْهُرُ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ بِرَكْعَةٍ: تُصَلِّي المَغْرِبَ والعِشاءَ، فَإذا طَهُرَتْ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ صَلَّتِ الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا؛ ولِأنَّ وقْتَ الثّانِيَةِ وقْتُ الأُولى حالَ العُذْرِ فَإذا أدْرَكَهُ المَعْذُورُ لَزِمَهُ فَرْضُها كَما يَلْزَمُهُ فَرْضُ الثّانِيَةِ، اهـ مِنهُ بِلَفْظِهِ مَعَ حَذْفٍ يَسِيرٍ، وهو تَصْرِيحٌ مِن هَذا العالِمِ الجَلِيلِ الحَنْبَلِيِّ بِامْتِدادِ وقْتِ الضَّرُورَةِ لِلْمَغْرِبِ إلى الفَجْرِ، ولِلظُّهْرِ إلى الغُرُوبِ كَقَوْلِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وأمّا أوَّلُ وقْتِ العِشاءِ فَقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ يَدْخُلُ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ.
وَفِي حَدِيثِ جابِرٍ وابْنِ عَبّاسٍ المُتَقَدِّمَيْنِ في إمامَةِ جِبْرِيلَ في بَيانِ أوَّلِ وقْتِ العِشاءِ ثُمَّ صَلّى العِشاءَ حِينَ غابَ الشَّفَقُ.
وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ المُتَقَدِّمِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ ثُمَّ أمَرَهُ فَأقامَ العِشاءَ حِينَ غابَ الشَّفَقُ.
وَفِي حَدِيثِ أبِي مُوسى عِنْدَ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ: ثُمَّ أمَرَهُ فَأقامَ العِشاءَ حِينَ غابَ الشَّفَقُ، والأحادِيثُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا وهو أمْرٌ لا نِزاعَ فِيهِ.
فَإذا عَلِمْتَ إجْماعَ العُلَماءِ عَلى أنَّ أوَّلَ وقْتِ العِشاءِ هو مَغِيبُ الشَّفَقِ، فاعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في الشَّفَقِ، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هو الحُمْرَةُ، وهو الحَقُّ.
وَقالَ بَعْضُهم: هو البَياضُ الَّذِي بَعْدَ الحُمْرَةِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّفَقَ هو الحُمْرَةُ ما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «الشَّفَقُ الحُمْرَةُ فَإذا غابَ الشَّفَقُ وجَبَتِ الصَّلاةُ» .
قالَ الدّارَقُطْنِيُّ في ”الغَرائِبِ“: هو غَرِيبٌ وكُلُّ رُواتِهِ ثِقاتٌ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ في ”صَحِيحِهِ“ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «وَوَقْتُ صَلاةِ المَغْرِبِ إلى أنْ تَذْهَبَ حُمْرَةُ الشَّفَقِ» الحَدِيثَ.
قالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: إنْ صَحَّتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ أغْنَتْ عَنْ غَيْرِها مِنَ الرِّواياتِ، لَكِنْ تَفَرَّدَ بِها مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ. (p-٣٠٢)قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“: مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ هو الواسِطِيُّ وهو صَدُوقٌ، ورَوى هَذا الحَدِيثَ ابْنُ عَساكِرَ وصَحَّحَ البَيْهَقِيُّ وقْفَهُ عَلى ابْنِ عُمَرَ.
وَقالَ الحاكِمُ أيْضًا: إنَّ رَفْعَهُ غَلَطٌ، بَلْ قالَ البَيْهَقِيُّ: رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وعُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ وشَدّادِ بْنِ أوْسٍ، ولا يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ ولَكِنْ قَدْ عَلِمْتَ أنَّ الإسْنادَ الَّذِي رَواهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ بِهِ في ”صَحِيحِهِ“ لَيْسَ فِيهِ مِمّا يُوجِبُ تَضْعِيفَهُ إلّا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ صَدُوقٌ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُمْرَةَ الشَّفَقُ ما رَواهُ البَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ «عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ:“ أنا أعْلَمُ النّاسِ بِوَقْتِ صَلاةِ العِشاءِ " كانَ ﷺ يُصَلِّيها لِسُقُوطِ القَمَرِ لِثالِثَةٍ» لِما حَقَّقَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن أنَّ البَياضَ لا يَغِيبُ إلّا بَعْدَ ثُلُثِ اللَّيْلِ وسُقُوطِ القَمَرِ لِثالِثَةِ الشَّهْرِ قَبْلَ ذَلِكَ كَما هو مَعْلُومٌ.
* *
وَقالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: ومِن حُجَجِ القائِلِينَ بِأنَّ الشَّفَقَ الحُمْرَةُ ما رُوِيَ عَنْهُ ﷺ: «أنَّهُ صَلّى العِشاءَ لِسُقُوطِ القَمَرِ لِثالِثَةِ الشَّهْرِ» أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهو صَحِيحٌ وصَلّى قَبْلَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ.
قالَ ابْنُ سَيِّدِ النّاسِ في ”شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ“: وقَدْ عَلِمَ كُلُّ مَن لَهُ عِلْمٌ بِالمَطالِعِ والمَغارِبِ أنَّ البَياضَ لا يَغِيبُ إلّا عِنْدَ ثُلُثِ اللَّيْلِ الأوَّلِ، وهو الَّذِي حَدَّ ﷺ خُرُوجَ أكْثَرِ الوَقْتِ بِهِ فَصَحَّ يَقِينًا أنَّ وقْتَها داخِلٌ قَبْلِ ثُلُثِ اللَّيْلِ الأوَّلِ بِيَقِينٍ، فَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ أنَّهُ داخِلٌ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ الَّذِي هو البَياضُ فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ يَقِينًا أنَّ الوَقْتَ دَخَلَ يَقِينًا بِالشَّفَقِ الَّذِي هو الحُمْرَةُ. اهـ.
وابْتِداءُ وقْتِ العِشاءِ مَغِيبُ الشَّفَقِ إجْماعًا لِما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ وحَدِيثِ التَّعْلِيمِ، وهَذا الحَدِيثُ وغَيْرُ ذَلِكَ انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ، وهو دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ الشَّفَقَ الحُمْرَةُ لا البَياضُ، وفي ”القامُوسِ“ الشَّفَقُ الحُمْرَةُ ولَمْ يُذْكَرِ البَياضَ.
وَقالَ الخَلِيلُ والفَرّاءُ وغَيْرُهُما مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ: الشَّفَقُ الحُمْرَةُ وما رُوِيَ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن أنَّ الشَّفَقَ في السَّفَرِ هو الحُمْرَةُ وفي الحَضَرِ هو البَياضُ الَّذِي بَعْدَ الحُمْرَةِ لا يُخالِفُ ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّهُ مِن تَحْقِيقِ المَناطِ لِغَيْبُوبَةِ الحُمْرَةِ الَّتِي هي الشَّفَقُ عِنْدَ أحْمَدَ وإيضاحُهُ أنَّ الإمامَ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: ”الشَّفَقُ هو الحُمْرَةُ“ والمُسافِرُ لِأنَّهُ في الفَلاةِ والمَكانِ المُتَّسِعِ يَعْلَمُ سُقُوطَ الحُمْرَةِ، أمّا الَّذِي في الحَضَرِ فالأُفُقُ يَسْتَتِرُ عَنْهُ بِالجُدْرانِ فَيَسْتَظْهِرُ حَتّى يَغِيبَ البَياضُ لِيَسْتَدِلَّ بِغَيْبُوبَتِهِ عَلى مَغِيبِ (p-٣٠٣)الحُمْرَةِ، فاعْتِبارُهُ لِغَيْبَةِ البَياضِ لِدَلالَتِهِ عَلى مَغِيبِ الحُمْرَةِ لا لِنَفْسِهِ. اهـ. مِنَ ”المُغْنِي“ لِابْنِ قُدامَةَ.
وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ ومَن وافَقَهُ: الشَّفَقُ البَياضُ الَّذِي بَعْدَ الحُمْرَةِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّهُ الحُمْرَةُ، وأما آخِرُ وقْتِ العِشاءِ فَقَدْ جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ انْتِهاؤُهُ عِنْدَ ثُلُثِ اللَّيْلِ الأوَّلِ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ نِصْفُ اللَّيْلِ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ ما يَدُلُّ عَلى امْتِدادِهِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ.
فَمِنَ الرِّواياتِ بِانْتِهائِهِ إلى ثُلُثِ اللَّيْلِ، ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في ”صَحِيحِهِ“ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ”كانُوا يُصَلُّونَ العِشاءَ فِيما بَيْنَ أنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إلى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأوَّلِ“ .
وَفِي حَدِيثِ أبِي مُوسى، وبُرَيْدَةَ المُتَقَدِّمَيْنِ في تَعْلِيمِ مَن سَألَ عَنْ مَواقِيتِ الصَّلاةِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ: ”أنَّهُ ﷺ في اللَّيْلَةِ الأُولى أقامَ العِشاءَ حِينَ غابَ الشَّفَقُ، وفي اللَّيْلَةِ الثّانِيَةِ أخَّرَهُ حَتّى كانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأوَّلِ، ثُمَّ قالَ: الوَقْتُ فِيما بَيْنَ هَذَيْنِ“ .
وَفِي حَدِيثِ جابِرٍ، وابْنِ عَبّاسٍ المُتَقَدِّمَيْنِ في إمامَةِ جِبْرِيلَ: ”أنَّهُ في اللَّيْلَةِ الأُولى صَلّى العِشاءَ حِينَ مَغِيبِ الشَّفَقِ، وفي اللَّيْلَةِ الثّانِيَةِ صَلّاها حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأوَّلِ وقالَ: الوَقْتُ فِيما بَيْنَ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ“، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الرِّواياتِ الدّالَّةِ عَلى انْتِهاءِ وقْتِ العِشاءِ عِنْدَ ذَهابِ ثُلُثِ اللَّيْلِ الأوَّلِ.
وَمِنَ الرِّواياتِ الدّالَّةِ عَلى امْتِدادِهِ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ، ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «أخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ العِشاءَ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلّى، ثُمَّ قالَ: قَدْ صَلّى النّاسُ ونامُوا أما إنَّكم في صَلاةٍ ما انْتَظَرْتُمُوها» . قالَ أنَسٌ: كَأنِّي أنْظُرُ إلى وبِيصِ خاتَمِهِ لَيْلَتَئِذٍ.
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو المُتَقَدِّمِ عِنْدَ أحْمَدَ، ومُسْلِمٍ، والنَّسائِيِّ، وأبِي داوُدَ: «وَوَقْتُ صَلاةِ العِشاءِ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ» وفي بَعْضِ رِواياتِهِ: «فَإذا صَلَّيْتُمُ العِشاءَ فَإنَّهُ وقْتٌ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ» .
وَمِنَ الرِّواياتِ الدّالَّةِ عَلى امْتِدادِهِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ ما رَواهُ أبُو قَتادَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَيْسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إنَّما التَّفْرِيطُ عَلى مَن لَمْ يُصَلِّ الصَّلاةَ حَتّى يَجِيءَ وقْتُ الأُخْرى»، رَواهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ .
واعْلَمْ أنَّ عُمُومَ هَذا الحَدِيثِ مَخْصُوصٌ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ وقْتَ الصُّبْحِ (p-٣٠٤)لا يَمْتَدُّ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى صَلاةِ الظُّهْرِ، فَلا وقْتَ لِلصُّبْحِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إجْماعًا، فَإنْ قِيلَ يُمْكِنُ تَخْصِيصُ حَدِيثِ أبِي قَتادَةَ هَذا بِالأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى انْتِهاءِ وقْتِ العِشاءِ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ.
فالجَوابُ: أنَّ الجَمْعَ مُمْكِنٌ، وهو واجِبٌ إذا أمْكَنَ وإعْمالُ الدَّلِيلَيْنِ أوْلى مِن إلْغاءِ أحَدِهِما، ووَجْهُ الجَمْعِ أنَّ التَّحْدِيدَ بِنِصْفِ اللَّيْلِ لِلْوَقْتِ الِاخْتِيارِيِّ والِامْتِدادَ إلى الفَجْرِ لِلْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ.
وَيَدُلُّ لِهَذا: إطْباقُ مَن ذَكَرْنا سابِقًا مِنَ العُلَماءِ عَلى أنَّ الحائِضَ إذا طَهُرَتْ قَبْلَ الصُّبْحِ بِرَكْعَةٍ صَلَّتِ المَغْرِبَ، والعِشاءَ، ومَن خالَفَ مِنَ العُلَماءِ فِيما ذَكَرْنا سابِقًا، إنَّما خالَفَ في المَغْرِبِ لا في العِشاءِ، مَعَ أنَّ الأثَرَ الَّذِي قَدَّمْنا في ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وابْنِ عَبّاسٍ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في حُكْمِ المَرْفُوعِ؛ لِأنَّ المَوْقُوفَ الَّذِي لا مَجالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، كَما تَقَرَّرَ في عُلُومِ الحَدِيثِ، ومَعْلُومٌ أنَّ انْتِهاءَ أوْقاتِ العِباداتِ كابْتِدائِها لا مَجالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ؛ لِأنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ مَحْضٌ.
وَبِهَذا تَعْرِفُ وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ ما دَلَّ عَلى انْتِهائِهِ بِنِصْفِ اللَّيْلِ، وما دَلَّ عَلى امْتِدادِهِ إلى الفَجْرِ، ولَكِنْ يَبْقى الإشْكالُ بَيْنَ رِواياتِ الثُّلُثِ ورِواياتِ النِّصْفِ، والظّاهِرُ في الجَمْعِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّهُ جَعَلَ كُلَّ ما بَيْنَ الثُّلُثِ والنِّصْفِ وهو السُّدُسُ ظَرْفًا لِآخِرِ وقْتِ العِشاءِ الِاخْتِيارِيِّ.
وَإذَنْ فَلِآخِرِهِ أوَّلٌ وآخِرٌ وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ سُرَيْجٍ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، وعَلى أنَّ الجَمْعَ بِهَذا الوَجْهِ لَيْسَ بِمُقْنِعٍ فَلَيْسَ هُناكَ طَرِيقٌ إلّا التَّرْجِيحُ بَيْنَ الرِّواياتِ. فَبَعْضُ العُلَماءِ رَجَّحَ رِواياتِ الثُّلُثِ بِأنَّها أحْوَطُ في المُحافَظَةِ عَلى الوَقْتِ المُخْتارِ وبِأنَّها مَحَلُّ وِفاقٍ لِاتِّفاقِ الرِّواياتِ عَلى أنَّ مَن صَلّى العِشاءَ قَبْلَ الثُّلُثِ فَهو مُؤَدٍّ صَلاتَهُ في وقْتِها الِاخْتِيارِيِّ، وبَعْضُهم رَجَّحَ رِواياتِ النِّصْفِ بِأنَّها زِيادَةٌ صَحِيحَةٌ، وزِيادَةُ العَدْلِ مَقْبُولَةٌ.
وَأمّا أوَّلُ وقْتِ صَلاةِ الصُّبْحِ فَهو عِنْدُ طُلُوعِ الفَجْرِ الصّادِقِ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ وهو الفَجْرُ الَّذِي يُحَرِّمُ الطَّعامَ والشَّرابَ عَلى الصّائِمِ.
وَفِي حَدِيثِ أبِي مُوسى، وبُرَيْدَةَ المُتَقَدِّمَيْنِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ: «وَأمَرَ بِلالًا فَأقامَ الفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الفَجْرُ، والنّاسُ لا يَكادُ يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا» الحَدِيثَ.
وَفِي حَدِيثِ جابِرٍ المُتَقَدِّمِ، في إمامَةِ جِبْرِيلَ أيْضًا: «ثُمَّ صَلّى الفَجْرَ حِينَ بَرَقَ (p-٣٠٥)الفَجْرُ، وحَرُمَ الطَّعامُ عَلى الصّائِمِ»، ومَعْلُومٌ أنَّ الفَجْرَ فَجْرانِ كاذِبٌ وصادِقٌ، فالكاذِبُ لا يُحَرِّمُ الطَّعامَ عَلى الصّائِمِ، ولا تَجُوزُ بِهِ صَلاةُ الصُّبْحِ، والصّادِقُ بِخِلافِ ذَلِكَ فِيهِما، وأمّا آخِرُ وقْتِ صَلاةِ الصُّبْحِ فَقَدْ جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ تَحْدِيدُهُ بِالإسْفارِ، وجاءَ في بَعْضِها امْتِدادُهُ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَمِنَ الرِّواياتِ الدّالَّةِ عَلى انْتِهائِهِ بِالإسْفارِ ما في حَدِيثِ جابِرٍ المَذْكُورِ آنِفًا: «ثُمَّ جاءَهُ حِينَ أسْفَرَ جِدًّا فَقالَ: قُمْ فَصَلِّهِ فَصَلّى الفَجْرَ» .
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ المُتَقَدِّمِ آنِفًا: «ثُمَّ صَلّى الصُّبْحَ حِينَ أسْفَرَتِ الأرْضُ» الحَدِيثَ. وهَذا في بَيانِهِ لِآخِرِ وقْتِ الصُّبْحِ المُخْتارِ في اليَوْمِ الثّانِي.
وَفِي حَدِيثِ أبِي مُوسى وبُرَيْدَةَ المُتَقَدِّمَيْنِ عِنْدَ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ: «ثُمَّ أخَّرَ الفَجْرَ مِنَ الغَدِ حَتّى انْصَرَفَ مِنها والقائِلُ يَقُولُ: طَلَعَتِ الشَّمْسُ أوْ كادَتْ» .
وَمِنَ الرِّواياتِ الدّالَّةِ عَلى امْتِدادِهِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «وَوَقْتُ صَلاةِ الفَجْرِ ما لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ» .
وَفِي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «وَوَقْتُ الفَجْرِ ما لَمْ يَطْلُعْ قَرْنُ الشَّمْسِ الأوَّلُ»، والظّاهِرُ في وجْهِ الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّواياتِ أنَّ الوَقْتَ المُنْتَهِيَ إلى الإسْفارِ هو وقْتُ الصُّبْحِ الِاخْتِيارِيُّ، والمُمْتَدُّ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ وقْتُها الضَّرُورِيُّ، وهَذا هو مَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ.
وَقالَ بَعْضُ المالِكِيَّةِ: لا ضَرُورِيَّ لِلصُّبْحِ فَوَقْتُها كُلُّهُ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ وقْتُ اخْتِيارٍ، وعَلَيْهِ فَوَجْهُ الجَمْعِ هو ما قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ في الكَلامِ عَلى آخِرِ وقْتِ العِشاءِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
فَهَذا الَّذِي ذَكَرْنا هو تَفْصِيلُ الأوْقاتِ الَّذِي أُجْمِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ [ ٤ ]، وبَيَّنَ بَعْضَ البَيانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٧٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ الآيَةَ [هود: ١١٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ الآيَةَ [الروم: ١٧]،
والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
4:104Page 95
وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ١٠٤
And do not weaken in pursuit of the enemy. If you should be suffering - so are they suffering as you are suffering, but you expect from Allāh that which they expect not. And Allāh is ever Knowing and Wise.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، (p-٣٠٦)نَهى اللَّهُ تَعالى المُسْلِمِينَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنِ الوَهْنِ، وهو الضَّعْفُ في طَلَبِ أعْدائِهِمُ الكافِرِينَ، وأخْبَرَهم بِأنَّهم إنْ كانُوا يَجِدُونَ الألَمَ مِنَ القَتْلِ والجِراحِ فالكُفّارُ كَذَلِكَ، والمُسْلِمُ يَرْجُو مِنَ اللَّهِ مِنَ الثَّوابِ والرَّحْمَةِ ما لا يَرْجُوهُ الكافِرُ، فَهو أحَقُّ بِالصَّبْرِ عَلى الآلامِ مِنهُ، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٣٩ \ ١٤٠]، وكَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكم ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
4:105Page 95
إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا ١٠٥
Indeed, We have revealed to you, [O Muḥammad], the Book in truth so you may judge between the people by that which Allāh has shown you. And do not be for the deceitful an advocate.
No commentary for this ayah
4:106Page 96
وَٱسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٠٦
And seek forgiveness of Allāh. Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.
No commentary for this ayah
4:107Page 96
وَلَا تُجَٰدِلۡ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخۡتَانُونَ أَنفُسَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمٗا ١٠٧
And do not argue on behalf of those who deceive themselves. Indeed, Allāh loves not one who is a habitually sinful deceiver.
No commentary for this ayah
4:108Page 96
يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا ١٠٨
They conceal [their evil intentions and deeds] from the people, but they cannot conceal [them] from Allāh, and He is with them [in His knowledge] when they spend the night in such as He does not accept of speech. And ever is Allāh, of what they do, encompassing.
No commentary for this ayah
4:109Page 96
هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ جَٰدَلۡتُمۡ عَنۡهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا ١٠٩
Here you are - those who argue on their behalf in [this] worldly life - but who will argue with Allāh for them on the Day of Resurrection, or who will [then] be their representative?
No commentary for this ayah
4:110Page 96
وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١١٠
And whoever does a wrong or wrongs himself but then seeks forgiveness of Allāh will find Allāh Forgiving and Merciful.
No commentary for this ayah
4:111Page 96
وَمَن يَكۡسِبۡ إِثۡمٗا فَإِنَّمَا يَكۡسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١١١
And whoever earns [i.e., commits] a sin only earns it against himself. And Allāh is ever Knowing and Wise.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن فَعَلَ ذَنْبًا فَإنَّهُ إنَّما يَضُرُّ بِهِ خُصُوصَ نَفْسِهِ لا غَيْرَها، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
4:112Page 96
وَمَن يَكۡسِبۡ خَطِيٓـَٔةً أَوۡ إِثۡمٗا ثُمَّ يَرۡمِ بِهِۦ بَرِيٓـٔٗا فَقَدِ ٱحۡتَمَلَ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ١١٢
But whoever earns an offense or a sin and then blames it on an innocent [person] has taken upon himself a slander and manifest sin.
No commentary for this ayah
4:113Page 96
وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ وَرَحۡمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا ١١٣
And if it was not for the favor of Allāh upon you, [O Muḥammad], and His mercy, a group of them would have determined to mislead you. But they do not mislead except themselves, and they will not harm you at all. And Allāh has revealed to you the Book and wisdom and has taught you that which you did not know. And ever has the favor of Allāh upon you been great.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ عَلَّمَ نَبِيَّهُ ﷺ ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ عَلَّمَهُ ذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ الآيَةَ [الشورى: ٥٢]، وقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
4:114Page 97
۞ لَّا خَيۡرَ فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَٰحِۭ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١١٤
No good is there in much of their private conversation, except for those who enjoin charity or that which is right or conciliation between people. And whoever does that seeking means to the approval of Allāh - then We are going to give him a great reward.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ كَثِيرًا مِن مُناجاةِ النّاسِ فِيما بَيْنَهم لا خَيْرَ فِيهِ.
وَنَهى في مَوْضِعٍ آخَرَ عَنِ التَّناجِي بِما لا خَيْرَ فِيهِ، وبَيَّنَ أنَّهُ مِنَ الشَّيْطانِ لِيُحْزِنَ بِهِ المُؤْمِنِينَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠، ٩] .
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلِ المُرادُ بِالنّاسِ المُسْلِمُونَ دُونَ الكُفّارِ أوْ لا.
(p-٣٠٧)وَلَكِنَّهُ أشارَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ المُرَغَّبِ في الإصْلاحِ بَيْنَهم هُنا المُسْلِمُونَ خاصَّةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ [الحجرات: ٩]، فَتَخْصِيصُهُ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَهم لَيْسَ كَذَلِكَ كَما هو ظاهِرٌ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [ ٨ ] .
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ﴾ [النساء: ١١٤]، يُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١، ٢، ٣]، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٨]، والآيَةُ الأخِيرَةُ فِيها أنَّها في الآخِرَةِ، والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ المَذْكُورُ إنَّما هو في الدُّنْيا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
4:115Page 97
وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ١١٥
And whoever opposes the Messenger after guidance has become clear to him and follows other than the way of the believers - We will give him what he has taken1 and drive him into Hell, and evil it is as a destination.
No commentary for this ayah
4:116Page 97
إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١١٦
Indeed, Allāh does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allāh has certainly gone far astray.
No commentary for this ayah
4:117Page 97
إِن يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَٰثٗا وَإِن يَدۡعُونَ إِلَّا شَيۡطَٰنٗا مَّرِيدٗا ١١٧
They call upon instead of Him none but female [deities], and they [actually] call upon none but a rebellious Satan,
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ بِدُعائِهِمُ الشَّيْطانَ المَرِيدَ عِبادَتَهم لَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ الآيَةَ [يس: ٦٠]، وقَوْلُهُ عَنْ خَلِيلِهِ إبْراهِيمَ مُقَرِّرًا لَهُ: ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ [مريم: ٤٤]، وقَوْلُهُ عَنِ المَلائِكَةِ: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٤١]، وقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ [يس: ١٣٧]، ولَمْ يُبَيِّنْ في هَذِهِ الآياتِ ما وجْهُ عِبادَتِهِمْ لِلشَّيْطانِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في آياتٍ أُخَرَ أنَّ مَعْنى عِبادَتِهِمْ لِلشَّيْطانِ إطاعَتُهم لَهُ واتِّباعُهم لِتَشْرِيعِهِ وإيثارُهُ عَلى ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، «فَإنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: كَيْفَ اتَّخَذُوهم أرْبابًا ؟ قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ”إنَّهم أحَلُّوا لَهم ما حَرَّمَ اللَّهُ، وحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ ما أحَلَّ اللَّهُ فاتَّبَعُوهم“»، وذَلِكَ هو مَعْنى اتِّخاذِهِمْ إيّاهم أرْبابًا. ويُفْهَمُ مِن هَذِهِ الآياتِ بِوُضُوحٍ لا لَبْسَ فِيهِ أنَّ مَنِ اتَّبَعَ تَشْرِيعَ الشَّيْطانِ مُؤْثِرًا لَهُ عَلى ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، فَهو كافِرٌ بِاللَّهِ، عابِدٌ لِلشَّيْطانِ، مُتَّخِذٌ الشَّيْطانَ رَبًّا، وإنْ سَمّى اتِّباعَهُ لِلشَّيْطانِ بِما شاءَ مِنَ الأسْماءِ؛ لِأنَّ الحَقائِقَ لا تَتَغَيَّرُ بِإطْلاقِ الألْفاظِ عَلَيْها، كَما هو مَعْلُومٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences