Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:6
5:6Page 108
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٦
O you who have believed, when you rise to [perform] prayer, wash your faces and your forearms to the elbows and wipe over your heads and wash your feet to the ankles. And if you are in a state of janābah,1 then purify yourselves. But if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women2 and do not find water, then seek clean earth and wipe over your faces and hands with it. Allāh does not intend to make difficulty for you, but He intends to purify you and complete His favor upon you that you may be grateful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾، في قَوْلِهِ: وأرْجُلَكم ثَلاثُ قِراءاتٍ: واحِدَةٌ شاذَّةٌ، واثْنَتانِ مُتَواتِرَتانِ.
أمّا الشّاذَّةُ: فَقِراءَةُ الرَّفْعِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ؛ وأمّا المُتَواتِرَتانِ: فَقِراءَةُ النَّصْبِ، وقِراءَةُ الخَفْضِ.
أمّا النَّصْبُ: فَهو قِراءَةُ نافِعٍ، وابْنِ عامِرٍ، والكِسائِيِّ، وعاصِمٍ في رِوايَةِ حَفْصٍ مِنَ السَّبْعَةِ، ويَعْقُوبَ مِنَ الثَّلاثَةِ.
وَأمّا الجَرُّ: فَهو قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، وحَمْزَةَ، وأبِي عَمْرٍو، وعاصِمٍ، وفي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ.
أمّا قِراءَةُ النَّصْبِ: فَلا إشْكالَ فِيها، لِأنَّ الأرْجُلَ فِيها مَعْطُوفَةٌ عَلى الوُجُوهِ، وتَقْرِيرُ المَعْنى عَلَيْها: فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ، وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم.
وَإنَّما أُدْخِلَ مَسْحُ الرَّأْسِ بَيْنَ المَغْسُولاتِ مُحافَظَةً عَلى التَّرْتِيبِ، لِأنَّ الرَّأْسَ يُمْسَحُ بَيْنَ المَغْسُولاتِ؛ ومِن هُنا أخَذَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ وُجُوبَ التَّرْتِيبِ في أعْضاءِ الوُضُوءِ حَسْبَما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ.
وَأمّا عَلى قِراءَةِ الجَرِّ: فَفي الآيَةِ الكَرِيمَةِ إجْمالٌ، وهو أنَّها يُفْهَمُ مِنها الِاكْتِفاءُ بِمَسْحِ الرِّجْلَيْنِ في الوُضُوءِ عَنِ الغَسْلِ كالرَّأْسِ، وهو خِلافُ الواقِعِ لِلْأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ في وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ في الوُضُوءِ والتَّوَعُّدِ بِالنّارِ لِمَن تَرَكَ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ ﷺ: «وَيْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النّارِ» .
اعْلَمْ أوَّلًا، أنَّ القِراءَتَيْنِ إذا ظَهَرَ تَعارُضُهُما في آيَةٍ واحِدَةٍ لَهُما حُكْمُ الآيَتَيْنِ، كَما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ العُلَماءِ، وإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ قِراءَةَ: وأرْجُلَكم، بِالنَّصْبِ صَرِيحٌ في وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ في الوُضُوءِ، فَهي تُفْهِمُ أنَّ قِراءَةَ الخَفْضِ إنَّما هي لِمُجاوَرَةِ المَخْفُوضِ مَعَ أنَّها في الأصْلِ مَنصُوبَةٌ بِدَلِيلِ قِراءَةِ النَّصْبِ، والعَرَبُ تَخْفِضُ الكَلِمَةَ لِمُجاوَرَتِها لِلْمَخْفُوضِ، مَعَ أنَّ إعْرابَها النَّصْبُ، أوِ الرَّفْعُ.
وَما ذَكَرَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ الخَفْضَ بِالمُجاوَرَةِ مَعْدُودٌ مِنَ اللَّحْنِ الَّذِي يُتَحَمَّلُ (p-٣٣١)لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ خاصَّةً، وأنَّهُ غَيْرُ مَسْمُوعٍ في العَطْفِ، وأنَّهُ لَمْ يَجُزْ إلّا عِنْدَ أمْنِ اللَّبْسِ، فَهو مَرْدُودٌ بِأنَّ أئِمَّةَ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ صَرَّحُوا بِجَوازِهِ.
وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الأخْفَشُ، وأبُو البَقاءِ، وغَيْرُ واحِدٍ.
وَلَمْ يُنْكِرْهُ إلّا الزَّجّاجُ، وإنْكارُهُ لَهُ، مَعَ ثُبُوتِهِ في كَلامِ العَرَبِ، وفي القُرْآنِ العَظِيمِ، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَتَتَبَّعِ المَسْألَةَ تَتَبُّعًا كافِيًا.
والتَّحْقِيقُ: أنَّ الخَفْضَ بِالمُجاوَرَةِ أُسْلُوبٌ مِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وأنَّهُ جاءَ في القُرْآنِ لِأنَّهُ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ.
فَمِنهُ في النَّعْتِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: [ الطَّوِيلُ ]
؎كَأنَّ ثَبِيرًا في عِرانِينِ ودْقِهِ كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ
بِخَفْضٍ ”مُزَمَّلِ“ بِالمُجاوَرَةِ، مَعَ أنَّهُ نَعْتُ ”كَبِيرُ“ المَرْفُوعِ بِأنَّهُ خَبَرُ ”كَأنَّ“ وقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: [ البَسِيطُ ]
؎تُرِيكَ سُنَّةَ وجْهٍ غَيْرِ مُقْرِفَةٍ ∗∗∗ مَلْساءَ لَيْسَ بِها خالٌ ولا نَدَبُ
إذِ الرِّوايَةُ بِخَفْضِ ”غَيْرِ“، كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ لِلْمُجاوَرَةِ، مَعَ أنَّهُ نَعْتُ ”سُنَّةَ“ المَنصُوبِ بِالمَفْعُولِيَّةِ.
وَمِنهُ في العَطْفِ، قَوْلُ النّابِغَةِ: [ البَسِيطُ ]
؎لَمْ يَبْقَ إلّا أسِيرٌ غَيْرُ مُنْفَلِتٍ ∗∗∗ ومُوثَقٍ في حِبالِ القَدِّ مَجْنُوبِ
بِخَفْضٍ ”مُوثَقٍ“ لِمُجاوَرَتِهِ المَخْفُوضِ، مَعَ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”أسِيرٌ“ المَرْفُوعِ بِالفاعِلِيَّةِ.
وَقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: [ الطَّوِيلُ ]
؎وَظَلَّ طُهاةُ اللَّحْمِ ما بَيْنَ مُنْضِجٍ ∗∗∗ صَفِيفَ شِواءٍ أوْ قَدِيرٍ مُعَجَّلِ
بِجَرٍّ ”قَدِيرٍ“ لِمُجاوَرَتِهِ لِلْمَخْفُوضِ، مَعَ أنَّهُ عَطَفَ عَلى ”صَفِيفَ“ المَنصُوبِ بِأنَّهُ مَفْعُولُ اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو ”مُنْضِجٍ“، والصَّفِيفُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وهو المَصْفُوفُ مِنَ اللَّحْمِ عَلى الجَمْرِ لِيَنْشَوِيَ، والقَدِيرُ: كَذَلِكَ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهو المَجْعُولُ في القِدْرِ مِنَ اللَّحْمِ لِيَنْضُجَ بِالطَّبْخِ.
(p-٣٣٢)وَهَذا الإعْرابُ الَّذِي ذَكَرْناهُ هو الحَقُّ، لِأنَّ الإنْضاجَ واقِعٌ عَلى كُلٍّ مِنَ الصَّفِيفِ والقَدِيرِ، فَما زَعَمَهُ ”الصَّبّانُ“ في حاشِيَتِهِ عَلى ”الأشْمُونِيِّ“ مِن أنَّ قَوْلَهُ ”أوْ قَدِيرٍ“ مَعْطُوفٌ عَلى ”مُنْضِجٍ“ بِتَقْدِيرِ المُضافِ أيْ وطابِخِ قَدِيرٍ. . . الخَ، ظاهِرُ السُّقُوطِ؛ لِأنَّ المُنْضِجَ شامِلٌ لِشاوِي الصَّفِيفِ، وطابِخِ القَدِيرِ، فَلا حاجَةَ إلى عَطْفِ الطّابِخِ عَلى المُنْضَجِ لِشُمُولِهِ لَهُ، ولا داعِيَ لِتَقْدِيرِ ”طابِخٍ“ مَحْذُوفٍ.
وَما ذَكَرَهُ العَيْنِيُّ مِن أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”شِواءٍ“، فَهو ظاهِرُ السُّقُوطِ أيْضًا؛ وقَدْ رَدَّهُ عَلَيْهِ ”الصَّبّانُ“، لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ بِذَلِكَ: وصَفِيفٍ قَدِيرٍ، والقَدِيرُ لا يَكُونُ صَفِيفًا.
والتَّحْقِيقُ: هو ما ذَكَرْنا مِنَ الخَفْضِ بِالمُجاوَرَةِ، وبِهِ جَزَمَ ابْنُ قُدامَةَ في المُغْنِي.
وَمِنَ الخَفْضِ بِالمُجاوَرَةِ في العَطْفِ، قَوْلُ زُهَيْرٍ: [ الكامِلُ ]
؎لَعِبَ الزَّمانُ بِها وغَيَّرَها ∗∗∗ بَعْدِي سَوافِي المَوْرِ والقَطْرِ
بِجَرِّ ”القَطْرِ“ لِمُجاوَرَتِهِ لِلْمَخْفُوضِ مَعَ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ”سَوافِي“ المَرْفُوعِ، بِأنَّهُ فاعِلُ غَيَّرَ.
وَمِنهُ في التَّوْكِيدِ قَوْلُ الشّاعِرِ: [ البَسِيطُ ]
؎يا صاحِ بَلِّغْ ذَوِي الزَّوْجاتِ كُلَّهُمُ ∗∗∗ أنْ لَيْسَ وصْلٌ إذا انْحَلَّتْ عُرى الذَّنَبِ
بِجَرِّ ”كُلِّهِمْ“ عَلى ما حَكاهُ الفَرّاءُ، لِمُجاوَرَةِ المَخْفُوضِ، مَعَ أنَّهُ تَوْكِيدُ ”ذَوِيِ“ المَنصُوبِ بِالمَفْعُولِيَّةِ.
وَمِن أمْثِلَتِهِ في القُرْآنِ العَظِيمِ في العَطْفِ - كالآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ [الواقعة: ٢٢]، عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ.
وَرِوايَةُ المُفَضَّلِ عَنْ عاصِمٍ بِالجَرِّ لِمُجاوَرَتِهِ لِأكْوابٍ وأبارِيقَ، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١]، مَعَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾، حُكْمُهُ الرَّفْعُ، فَقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى فاعِلِ ”يَطُوفُ“ الَّذِي هو ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] .
وَقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، دَلَّ المَقامُ عَلَيْهِ.
أيْ: وفِيها حُورٌ عِينٌ، أوْ لَهم حُورٌ عِينٌ.
(p-٣٣٣)وَإذَنْ فَهو مِنَ العَطْفِ بِحَسَبِ المَعْنى.
وَقَدْ أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ لِلْعَطْفِ عَلى المَعْنى قَوْلَ الشَّمّاخِ، أوْ ذِي الرُّمَّةِ: [ الكامِلُ ]
؎بادَتْ وغَيَّرَ آيَهُنَّ مَعَ البِلا ∗∗∗ إلّا رَواكِدَ جَمْرُهُنَّ هَباءُ
؎وَمُشَجَّجٌ أمّا سَواءُ قِذالِهِ ∗∗∗ فَبَدا وغَيَّبَ سارَهُ المَعْزاءُ
لِأنَّ الرِّوايَةَ بِنَصْبِ ”رَواكِدَ“ عَلى الِاسْتِثْناءِ، ورَفْعِ مُشَجَّجٍ عَطْفًا عَلَيْهِ؛ لِأنَّ المَعْنى لَمْ يَبْقَ مِنها إلّا رَواكِدُ ومُشَجَّجٌ، ومُرادُهُ بِالرَّواكِدِ أثافِي القِدْرِ، وبِالمُشَجَّجِ وتَدُ الخِباءِ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ وجْهَ الخَفْضِ في قِراءَةِ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ هو المُجاوَرَةُ لِلْمَخْفُوضِ، كَما ذَكَرْنا خِلافًا لِمَن قالَ في قِراءَةِ الجَرِّ: إنَّ العَطْفَ عَلى أكْوابٍ، أيْ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِأكْوابٍ، وبِحُورٍ عِينٍ، ولِمَن قالَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى جَنّاتِ النَّعِيمِ، أيْ هم في جَنّاتِ النَّعِيمِ، وفي حُورٍ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ، أيْ في مُعاشَرَةِ حُورٍ.
وَلا يَخْفى ما في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، لِأنَّ الأوَّلَ يُرَدُّ، بِأنَّ الحُورَ العِينَ لا يُطافُ بِهِنَّ مَعَ الشَّرابِ، لِقَوْلِهِ تَعالى:﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] .
والثّانِي فِيهِ أنَّ كَوْنَهم في جَنّاتِ النَّعِيمِ، وفي حُورٍ ظاهِرُ السُّقُوطِ كَما تَرى، وتَقْدِيرُ ما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ لا وجْهَ لَهُ.
وَأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِجَوابَيْنِ، الأوَّلُ: أنَّ العَطْفَ فِيهِ بِحَسَبِ المَعْنى، لِأنَّ المَعْنى: يَتَنَعَّمُونَ بِأكْوابٍ وفاكِهَةٍ ولَحْمٍ وحُورٍ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
الجَوابُ الثّانِي: أنَّ الحُورَ قِسْمانِ:
١ - حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ.
٢ - وحُورٌ يُطافُ بِهِنَّ عَلَيْهِمْ
قالَهُ الفَخْرُ الرّازِيُّ وغَيْرُهُ، وهو تَقْسِيمٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، ولا يُعْرَفُ مِن صِفاتِ الحُورِ العِينِ كَوْنُهُنَّ يُطافُ بِهِنَّ كالشَّرابِ، فَأظْهَرُها الخَفْضُ بِالمُجاوَرَةِ، كَما ذَكَرْنا.
وَكَلامُ الفَرّاءِ، وقُطْرُبٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ، وما رُدَّ بِهِ القَوْلُ بِالعَطْفِ عَلى أكْوابٍ مِن كَوْنِ الحُورِ لا يُطافُ بِهِنَّ يُرَدُّ بِهِ القَوْلُ بِالعَطْفِ عَلى ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾، في قِراءَةِ الرَّفْعِ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الحُورَ يَطُفْنَ عَلَيْهِمْ كالوِلْدانِ، والقَصْرُ في الخِيامِ يُنافِي ذَلِكَ.
وَمِمَّنْ جَزَمَ بِأنَّ خَفْضَ وأرْجُلِكم؛ لِمُجاوَرَةِ المَخْفُوضِ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ (p-٣٣٤)الكُبْرى“، فَإنَّهُ قالَ ما نَصُّهُ: بابُ قِراءَةِ مَن قَرَأ ”وَأرْجُلَكم“ نَصْبًا، وأنَّ الأمْرَ رَجَعَ إلى الغَسْلِ، وأنَّ مَن قَرَأها خَفْضًا، فَإنَّما هو لِلْمُجاوَرَةِ، ثُمَّ ساقَ أسانِيدَهُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، وعَلِيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، والأعْرَجِ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَيْلانَ، ونافِعِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي نُعَيْمٍ القارِئِ، وأبِي مُحَمَّدٍ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ يَزِيدَ الحَضْرَمِيِّ أنَّهم قَرَءُوها كُلُّهم: وأرْجُلَكم، بِالنَّصْبِ.
قالَ: وبَلَغَنِي عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ يَزِيدَ التَّيْمِيِّ أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها نَصْبًا، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامِرٍ اليَحْصَبِيِّ، وعَنْ عاصِمٍ بِرِوايَةِ حَفْصٍ، وعَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ مِن رِوايَةِ الأعْشى، وعَنِ الكِسائِيِّ، كُلُّ هَؤُلاءِ نَصَبُوها.
وَمَن خَفَضَها فَإنَّما هو لِلْمُجاوَرَةِ، قالَ الأعْمَشُ: كانُوا يَقْرَءُونَها بِالخَفْضِ، وكانُوا يَغْسِلُونَ، اهـ كَلامُ البَيْهَقِيِّ.
وَمِن أمْثِلَةِ الخَفْضِ بِالمُجاوَرَةِ في القُرْآنِ في النَّعْتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤]، بِخَفْضِ مُحِيطٍ مَعَ أنَّهُ نَعْتٌ لِلْعَذابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [هود: ٢٦]، ومِمّا يَدُلُّ أنَّ النَّعْتَ لِلْعَذابِ، وقَدْ خُفِضَ لِلْمُجاوَرَةِ، كَثْرَةُ وُرُودِ الألَمِ في القُرْآنِ نَعْتًا لِلْعَذابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]، عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِخَفْضِ مَحْفُوظٍ كَما قالَهُ القُرْطُبِيُّ ومِن كَلامِ العَرَبِ: ”هَذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ“ بِخَفْضِ خَرِبٍ لِمُجاوَرَةِ المَخْفُوضِ مَعَ أنَّهُ نَعْتُ خَبَرِ المُبْتَدَأِ؛ وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ دَعْوى كَوْنِ الخَفْضِ بِالمُجاوَرَةِ لَحْنًا لا يُتَحَمَّلُ إلّا لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ باطِلَةٌ، والجَوابُ عَمّا ذَكَّرُوهُ مِن أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ أمْنِ اللَّبْسِ، هو أنَّ اللَّبْسَ هُنا يُزِيلُهُ التَّحْدِيدُ بِالكَعْبَيْنِ، إذْ لَمْ يَرِدْ تَحْدِيدُ المَمْسُوحِ، وتُزِيلُهُ قِراءَةُ النَّصْبِ، كَما ذَكَرْنا، فَإنْ قِيلَ قِراءَةُ الجَرِّ الدّالَّةُ عَلى مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ في الوُضُوءِ هي المُبَيِّنَةُ لِقِراءَةِ النَّصْبِ بِأنْ تَجْعَلَ قِراءَةَ النَّصْبِ عَطْفًا عَلى المَحَلِّ؛ لِأنَّ الرُّءُوسَ مَجْرُورَةٌ بِالباءِ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى حَدِّ قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في الخُلاصَةِ: [ الرَّجَزُ ]
؎وَجَرُّ ما يَتْبَعُ ما جُرَّ ومَن ∗∗∗ راعى في الِاتْباعِ المَحَلَّ فَحَسَنْ
وابْنُ مالِكٍ وإنْ كانَ أوْرَدَ هَذا في ”إعْمالِ المَصْدَرِ“ فَحُكْمُهُ عامٌّ، أيْ وكَذَلِكَ الفِعْلُ والوَصْفُ، كَما أشارَ لَهُ في الوَصْفِ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ]
؎واجُرُرْ أوِ انْصِبْ تابِعَ الَّذِي انْخَفَضْ ∗∗∗ كَمُبْتَغِي جاهٍ ومالًا مَن نَهَضْ
(p-٣٣٥)فالجَوابُ أنَّ بَيانَ قِراءَةِ النَّصْبِ بِقِراءَةِ الجَرِّ، كَما ذَكَرَ، تَأْباهُ السُّنَّةُ الصَّرِيحَةُ الصَّحِيحَةُ النّاطِقَةُ بِخِلافِهِ، وبِتَوَعُّدِ مُرْتَكِبِهِ بِالوَيْلِ مِنَ النّارِ بِخِلافِ بَيانِ قِراءَةِ الخَفْضِ بِقِراءَةِ النَّصْبِ، فَهو مُوافِقٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الثّابِتَةَ عَنْهُ قَوْلًا وفِعْلًا.
فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
قالَ: «تَخَلَّفَ عَنّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في سَفْرَةٍ سافَرْناها فَأدْرَكَنا، وقَدْ أرْهَقَتْنا الصَّلاةُ صَلاةُ العَصْرِ ونَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنا نَمْسَحُ عَلى أرْجُلِنا، فَنادى بِأعْلى صَوْتِهِ: ”أسْبِغُوا الوُضُوءَ، ويْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النّارِ“»، وكَذَلِكَ هو في الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أسْبِغُوا الوُضُوءَ، ويْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النّارِ»، ورَوى البَيْهَقِيُّ والحاكِمُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حارِثِ بْنِ جُزْءٍ، أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «وَيْلٌ لِلْأعْقابِ، وبُطُونِ الأقْدامِ مِنَ النّارِ»؛ ورَوى الإمامُ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «وَيْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النّارِ» .
وَرَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ مُعَيْقِيبٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «وَيْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النّارِ»، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَيْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النّارِ»، قالَ: فَما بَقِيَ في المَسْجِدِ شَرِيفٌ ولا وضِيعٌ إلّا نَظَرْتُ إلَيْهِ يُقَلِّبُ عُرْقُوبَيْهِ يَنْظُرُ إلَيْهِما.
وَثَبَتَ في أحادِيثِ الوُضُوءِ عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وعَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُعاوِيَةَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عاصِمٍ، والمِقْدادِ بْنِ مَعْدِيَكَرِبَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَسَلَ الرِّجْلَيْنِ في وُضُوئِهِ، إمّا مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا» عَلى اخْتِلافِ رِواياتِهِمْ.
وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ ”. ثُمَّ قالَ:“ هَذا وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلاةَ إلّا بِهِ» .
والأحادِيثُ في البابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وهي صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ في وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ في الوُضُوءِ، وعَدَمِ الِاجْتِزاءِ بِمَسْحِهِما.
* *
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِمَسْحِ الرِّجْلَيْنِ غَسْلُهُما. والعَرَبُ تُطْلِقُ المَسْحَ عَلى الغَسْلِ أيْضًا، وتَقُولُ تَمَسَّحْتُ بِمَعْنى تَوَضَّأْتُ، ومَسَحَ المَطَرُ الأرْضَ أيْ غَسَلَها، (p-٣٣٦)وَمَسَحَ اللَّهُ ما بِكَ أيْ غَسَلَ عَنْكَ الذُّنُوبَ والأذى، ولا مانِعَ مِن كَوْنِ المُرادِ بِالمَسْحِ في الأرْجُلِ هو الغَسْلُ، والمُرادُ بِهِ في الرَّأْسِ المَسْحُ الَّذِي لَيْسَ بِغَسْلٍ، ولَيْسَ مِن حَمْلِ المُشْتَرَكِ عَلى مَعْنَيَيْهِ، ولا مِن حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ، لِأنَّهُما مَسْألَتانِ كُلٌّ مِنهُما مُنْفَرِدَةٌ عَنِ الأُخْرى مَعَ أنَّ التَّحْقِيقَ جَوازُ حَمْلِ المُشْتَرَكِ عَلى مَعْنَيَيْهِ، كَما حَقَّقَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أبُو العَبّاسِ بْنُ تَيْمِيَّةَ في رِسالَتِهِ في عُلُومِ القُرْآنِ، وحَرَّرَ أنَّهُ هو الصَّحِيحُ في مَذاهِبِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وجَمَعَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ بَيْنَ قِراءَةِ النَّصْبِ والجَرِّ بِأنَّ قِراءَةَ النَّصْبِ يُرادُ بِها غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ، لِأنَّ العَطْفَ فِيها عَلى الوُجُوهِ والأيْدِي إلى المَرافِقِ، وهُما مِنَ المَغْسُولاتِ بِلا نِزاعٍ، وأنَّ قِراءَةَ الخَفْضِ يُرادُ بِها المَسْحُ مَعَ الغَسْلِ، يَعْنِي الدَّلْكَ بِاليَدِ أوْ غَيْرِها.
والظّاهِرُ أنَّ حِكْمَةَ هَذا في الرِّجْلَيْنِ دُونَ غَيْرِهِما؛ أنَّ الرِّجْلَيْنِ هُما أقْرَبُ أعْضاءِ الإنْسانِ إلى مُلابَسَةِ الأقْذارِ لِمُباشَرَتِهِما الأرْضَ فَناسَبَ ذَلِكَ أنْ يُجْمَعَ لَهُما بَيْنَ الغَسْلِ بِالماءِ والمَسْحِ أيِ الدَّلْكِ بِاليَدِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أبْلَغُ في التَّنْظِيفِ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِقِراءَةِ الجَرِّ: المَسْحُ، ولَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عَلى الخُفِّ.
وَعَلَيْهِ فالآيَةُ تُشِيرُ إلى المَسْحِ عَلى الخُفِّ في قِراءَةِ الخَفْضِ، والمَسْحُ عَلى الخُفَّيْنِ، إذا لَبِسَهُما طاهِرًا، مُتَواتِرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَمْ يُخالِفْ فِيهِ إلّا مَن لا عِبْرَةَ بِهِ، والقَوْلُ بِنَسْخِهِ بِآيَةِ المائِدَةِ يَبْطُلُ بِحَدِيثِ «جَرِيرٍ أنَّهُ بالَ ثُمَّ تَوَضَّأ، ومَسَحَ عَلى خُفَّيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: تَفْعَلُ هَكَذا ؟ قالَ: نَعَمْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بالَ، ثُمَّ تَوَضَّأ، ومَسَحَ عَلى خُفَّيْهِ، قالَ إبْراهِيمُ: فَكانَ يُعْجِبُهم هَذا الحَدِيثَ، لِأنَّ إسْلامَ جَرِيرٍ كانَ بَعْدَ نُزُولِ المائِدَةِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَيُوَضِّحُ عَدَمَ النَّسْخِ أنَّ آيَةَ المائِدَةِ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ ”المُرَيْسِيعِ“ .
وَلا شَكَّ أنَّ إسْلامَ جَرِيرٍ بَعْدَ ذَلِكَ، مَعَ أنَّ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ رَوى المَسْحَ عَلى الخُفَّيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهي آخِرُ مَغازِيهِ ﷺ .
وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِنُزُولِ آيَةِ المائِدَةِ في غَزْوَةِ ”المُرَيْسِيعِ“ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“، وأشارَ لَهُ البَدَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ في ”نَظْمِ المَغازِي“، بِقَوْلِهِ في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ: [ الرَّجَزُ ]
؎والإفْكُ في قُفُولِهِمْ ونُقِلا أنَّ التَّيَمُّمَ بِها قَدْ أُنْزِلا
(p-٣٣٧)والتَّيَمُّمُ في آيَةِ المائِدَةِ، وأجْمَعَ العُلَماءُ عَلى جَوازِ المَسْحِ عَلى الخُفِّ الَّذِي هو مِنَ الجُلُودِ، واخْتَلَفُوا فِيما كانَ مِن غَيْرِ الجِلْدِ إذا كانَ صَفِيقًا ساتِرًا لِمَحَلِّ الفَرْضِ، فَقالَ مالِكٌ وأصْحابُهُ: لا يُمْسَحُ عَلى شَيْءٍ غَيْرِ الجِلْدِ؛ فاشْتَرَطُوا في المَسْحِ أنْ يَكُونَ المَمْسُوحَ خُفًّا مِن جُلُودٍ، أوْ جَوْرَبًا مُجَلَّدًا ظاهِرُهُ وباطِنُهُ، يَعْنُونَ ما فَوْقَ القَدَمِ وما تَحْتَها لا باطِنَهُ الَّذِي يَلِي القَدَمَ.
واحْتَجُّوا بِأنَّ المَسْحَ عَلى الخُفِّ رُخْصَةٌ، وأنَّ الرُّخَصَ لا تَتَعَدّى مَحَلَّها، وقالُوا: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَمْسَحْ عَلى غَيْرِ الجِلْدِ؛ فَلا يَجُوزُ تَعَدِّيهِ إلى غَيْرِهِ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى شَطْرِ قاعِدَةٍ أُصُولِيَّةٍ مُخْتَلَفٍ فِيها، وهي: هَلْ يَلْحَقُ بِالرُّخَصِ ما في مَعْناها، أوْ يُقْتَصَرُ عَلَيْها ولا تُعَدّى مَحَلَّها ؟ .
وَمِن فُرُوعِها اخْتِلافُهم في بَيْعِ ”العَرايا“ مِنَ العِنَبِ بِالزَّبِيبِ اليابِسِ، هَلْ يَجُوزُ إلْحاقًا بِالرُّطَبِ بِالتَّمْرِ أوْ لا ؟ .
وَجُمْهُورُ العُلَماءِ مِنهُمُ الشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ، وأصْحابُهم عَلى عَدَمِ اشْتِراطِ الجِلْدِ، لِأنَّ سَبَبَ التَّرْخِيصِ الحاجَةُ إلى ذَلِكَ وهي مَوْجُودَةٌ في المَسْحِ عَلى غَيْرِ الجِلْدِ، ولِما «جاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن أنَّهُ مَسَحَ عَلى الجَوْرَبَيْنِ، والمُوقَيْنِ» .
قالُوا: والجَوْرَبُ: لِفافَةُ الرِّجْلِ، وهي غَيْرُ جِلْدٍ.
وَفِي القامُوسِ: الجَوْرَبُ لِفافَةُ الرِّجْلِ، وفي اللِّسانِ: الجَوْرَبُ لِفافَةُ الرِّجْلِ، مُعَرَّبٌ وهو بِالفارِسِيةِ ”كَوْرَبُ“ .
وَأجابَ مَنِ اشْتَرَطَ الجِلْدَ بِأنَّ الجَوْرَبَ هو الخُفُّ الكَبِيرُ، كَما قالَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، أمّا الجُرْمُوقُ والمُوقُ، فالظّاهِرُ أنَّهُما مِنَ الخِفافِ.
وَقِيلَ: إنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ، وهو الظّاهِرُ مِن كَلامِ أهْلِ اللُّغَةِ. وقِيلَ: إنَّهُما مُتَغايِرانِ، وفي القامُوسِ: الجُرْمُوقُ: كَعُصْفُورٍ الَّذِي يُلْبَسُ فَوْقَ الخُفِّ، وفي القامُوسِ أيْضًا: المُوقُ خُفٌّ غَلِيظٌ يُلْبَسُ فَوْقَ الخُفِّ، وفي اللِّسانِ: الجُرْمُوقُ، خُفٌّ صَغِيرٌ، وقِيلَ: خُفٌّ صَغِيرٌ يُلْبَسُ فَوْقَ الخُفِّ، في اللِّسانِ أيْضًا: المُوقُ الَّذِي يُلْبَسُ فَوْقَ الخُفِّ، فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، والمُوقُ: الخُفُّ اهـ.
قالُوا: والتَّساخِينُ: الخِفافُ، فَلَيْسَ في الأحادِيثِ ما يُعَيِّنُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ (p-٣٣٨)عَلى غَيْرِ الجِلْدِ، والجُمْهُورُ قالُوا: نَفْسُ الجِلْدِ لا أثَرَ لَهُ، بَلْ كُلُّ خُفٍّ صَفِيقٍ ساتِرٍ لِمَحَلِّ الفَرْضِ يُمْكِنُ فِيهِ تَتابُعُ المَشْيِ، يَجُوزُ المَسْحُ عَلَيْهِ، جِلْدًا كانَ أوْ غَيْرَهُ.
* *
مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِالمَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ
الأُولى: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى جَوازِ المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ في السَّفَرِ والحَضَرِ؛ وقالَ الشِّيعَةُ والخَوارِجُ: لا يَجُوزُ، وحَكى نَحْوَهُ القاضِي أبُو الطَّيِّبِ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ داوُدَ، والتَّحْقِيقُ عَنْ مالِكٍ، وجُلِّ أصْحابِهِ، القَوْلُ بِجَوازِ المَسْحِ عَلى الخُفِّ في الحَضَرِ والسَّفَرِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ المَنعُ مُطْلَقًا، ورُوِيَ عَنْهُ جَوازُهُ في السَّفَرِ دُونَ الحَضَرِ.
قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: لا أعْلَمُ أحَدًا أنْكَرَهُ إلّا مالِكًا في رِوايَةٍ أنْكَرَها أكْثَرُ أصْحابِهِ، والرِّواياتُ الصَّحِيحَةُ عَنْهُ مُصَرِّحَةٌ بِإثْباتِهِ، ومُوَطَّأُهُ، يَشْهَدُ لِلْمَسْحِ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، وعَلَيْهِ جَمِيعُ أصْحابِهِ، وجَمِيعُ أهْلِ السُّنَّةِ.
وَقالَ الباجِيُّ: رِوايَةُ الإنْكارِ في ”العُتْبِيَّةِ“ وظاهِرُها المَنعُ، وإنَّما مَعْناها أنَّ الغَسْلَ أفْضَلُ مِنَ المَسْحِ، قالَ ابْنُ وهْبٍ: آخِرُ ما فارَقْتُ مالِكًا عَلى المَسْحِ في الحَضَرِ والسَّفَرِ؛ وهَذا هو الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، فَما قالَهُ ابْنُ الحاجِبِ عَنْ مالِكٍ مِن جَوازِهِ في السَّفَرِ دُونَ الحَضَرِ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأنَّ المَسْحَ عَلى الخُفِّ مُتَواتِرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ الزُّرْقانِيُّ في شَرْحِ ”المُوَطَّأِ“: وجَمَعَ بَعْضُهم رُواتُهُ فَجاوَزُوا الثَّمانِينَ، مِنهُمُ العَشَرَةُ، ورَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وغَيْرُهُ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِنَ الصَّحابَةِ بِالمَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ، اهـ.
وَقالَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ ”المُهَذَّبِ“: وقَدْ نَقَلَ ابْنُ المُنْذِرِ في كِتابِ ”الإجْماعِ“، إجْماعَ العُلَماءِ عَلى جَوازِ المَسْحِ عَلى الخُفِّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ المُسْتَفِيضَةُ في مَسْحِ النَّبِيِّ ﷺ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، وأمَرَهُ بِذَلِكَ وتَرْخِيصُهُ فِيهِ، واتِّفاقُ الصَّحابَةِ، فَمَن بَعْدَهم عَلَيْهِ. قالَ الحافِظُ أبُو بَكْرٍ البَيْهَقِيُّ: رُوِّينا جَوازَ المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ عَنْ عُمَرَ، وعَلِيٍّ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، وأبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وعَمْرِو بْنِ العاصِ، وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، وسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وأبِي مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ، والمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، والبَراءِ بْنِ عازِبٍ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، (p-٣٣٩)وَجابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وأبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ بْنِ جُزْءٍ، وأبِي زَيْدٍ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
قُلْتُ: ورَواهُ خَلائِقٌ مِنَ الصَّحابَةِ، غَيْرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ البَيْهَقِيُّ، وأحادِيثُهم مَعْرُوفَةٌ في كُتُبِ السُّنَنِ وغَيْرِها.
قالَ التِّرْمِذِيُّ: وفي البابِ عَنْ عُمَرَ، وسَلْمانَ، وبُرَيْدَةَ، وعَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، ويَعْلى بْنِ مُرَّةَ، وعُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، وأُسامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، وأُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وصَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وعَوْفِ بْنِ مالِكٍ، وابْنِ عُمَرَ، وأبِي بَكْرَةَ، وبِلالٍ، وخُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ.
قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: ورُوِّينا عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، قالَ: حَدَّثَنِي سَبْعُونَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَمْسَحُ عَلى الخُفَّيْنِ» .
قالَ: ورُوِّينا عَنِ ابْنِ المُبارَكِ، قالَ: لَيْسَ في المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ اخْتِلافٌ. اهـ.
وَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «أنَّهُ ﷺ مَسَحَ عَلى الخُفِّ في غَزْوَةِ تَبُوكَ»، وهي آخِرُ مُغازِيهِ ﷺ، وثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلى الخُفِّ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ المائِدَةِ كَما تَقَدَّمَ، وفي سُنَنِ أبِي داوُدَ أنَّهم لَمّا قالُوا لِجَرِيرٍ: إنَّما كانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ المائِدَةِ، قالَ: ما أسْلَمْتُ إلّا بَعْدَ نُزُولِ المائِدَةِ.
وَهَذِهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي ذَكَرْنا تَدُلُّ عَلى عَدَمِ نَسْخِ المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ، وأنَّهُ لا شَكَّ في مَشْرُوعِيَّتِهِ، فالخِلافُ فِيهِ لا وجْهَ لَهُ البَتَّةَ.
* *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في غَسْلِ الرِّجْلِ والمَسْحِ عَلى الخُفِّ أيُّهُما أفْضَلُ ؟ فَقالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: غَسْلُ الرِّجْلِ أفْضَلُ مِنَ المَسْحِ عَلى الخُفِّ، بِشَرْطِ أنْ لا يَتْرُكَ المَسْحَ رَغْبَةً عَنِ الرُّخْصَةِ في المَسْحِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، ومالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، وأصْحابِهِمْ، ونَقَلَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وابْنِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. ورَواهُ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ.
وَحُجَّةُ هَذا القَوْلِ أنَّ غَسْلَ الرِّجْلِ هو الَّذِي واظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ في مُعْظَمِ (p-٣٤٠)الأوْقاتِ، ولِأنَّهُ هو الأصْلُ، ولِأنَّهُ أكْثَرُ مَشَقَّةً.
وَذَهَبَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ المَسْحَ أفْضَلُ، وهو أصَحُّ الرِّواياتِ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ، وبِهِ قالَ الشَّعْبِيُّ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ.
واسْتَدَلَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِقَوْلِهِ ﷺ في بَعْضِ رِواياتِ حَدِيثِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: ”بِهَذا أمَرَنِي رَبِّي“ .
وَلَفْظُهُ في سُنَنِ أبِي داوُدَ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَسَحَ عَلى الخُفَّيْنِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنَسِيتَ ؟ قالَ: ”بَلْ أنْتَ نَسِيتَ؛ بِهَذا أمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وجَلَّ“» .
واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِقَوْلِهِ ﷺ في حَدِيثِ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ الآتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَمْسَحَ عَلى الخُفَّيْنِ» الحَدِيثَ.
قالُوا: والأمْرُ إذا لَمْ يَكُنْ لِلْوُجُوبِ، فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَكُونَ لِلنَّدْبِ، قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: وأظْهَرُ ما قِيلَ في هَذِهِ المَسْألَةِ عِنْدِي، هو ما ذَكَرَهُ ابْنُ القَيِّمِ، وعَزاهُ لِشَيْخِهِ تَقِيِّ الدِّينِ، وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَتَكَلَّفُ ضِدَّ حالِهِ الَّتِي كانَ عَلَيْها قَدَماهُ، بَلْ إنْ كانَتا في الخُفِّ مَسَحَ عَلَيْهِما، ولَمْ يَنْزِعْهُما، وإنْ كانَتا مَكْشُوفَتَيْنِ غَسَلَ القَدَمَيْنِ، ولَمْ يَلْبَسِ الخُفَّ لِيَمْسَحَ عَلَيْهِ، وهَذا أعْدَلُ الأقْوالِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، اهـ.
وَيُشْتَرَطُ في الخُفِّ: أنْ يَكُونَ قَوِيًّا يُمْكِنُ تَتابُعُ المَشْيِ فِيهِ في مَواضِعِ النُّزُولِ، وعِنْدَ الحَطِّ والتَّرْحالِ، وفي الحَوائِجِ الَّتِي يَتَرَدَّدُ فِيها في المَنزِلِ، وفي المُقِيمِ نَحْوُ ذَلِكَ، كَما جَرَتْ عادَةُ لابِسِي الخِفافِ.
* *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إذا كانَ الخُفُّ مُخَرَّقًا، فَفي جَوازِ المَسْحِ عَلَيْهِ خِلافٌ بَيْنِ العُلَماءِ، فَذَهَبَ مالِكٌ وأصْحابُهُ إلى أنَّهُ إنْ ظَهَرَ مِن تَخْرِيقِهِ قَدْرُ ثُلُثِ القَدَمِ لَمْ يَجُزِ المَسْحُ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ أقَلَّ مِن ذَلِكَ جازَ المَسْحُ عَلَيْهِ، واحْتَجُّوا بِأنَّ الشَّرْعَ دَلَّ عَلى أنَّ الثُّلُثَ آخِرُ حَدِّ اليَسِيرِ، وأوَّلُ حَدِّ الكَثِيرِ.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لا يَجُوزُ المَسْحُ عَلى خُفٍّ فِيهِ خَرْقٌ يَبْدُو مِنهُ شَيْءٌ مِنَ القَدَمِ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، والشّافِعِيُّ في الجَدِيدِ، ومَعْمَرُ بْنُ راشِدٍ.
(p-٣٤١)واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِأنَّ المُنْكَشِفَ مِنَ الرِّجْلِ حُكْمُهُ الغَسْلُ، والمَسْتُورُ حُكْمُهُ المَسْحُ، والجَمْعُ بَيْنَ المَسْحِ والغَسْلِ لا يَجُوزُ، فَكَما أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَغْسِلَ إحْدى رِجْلَيْهِ ويَمْسَحَ عَلى الخُفِّ في الأُخْرى، لا يَجُوزُ لَهُ غَسْلُ بَعْضِ القَدَمِ مَعَ مَسْحِ الخُفِّ في الباقِي مِنها.
وَذَهَبَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ إلى أنَّ الخَرْقَ الكَبِيرَ يَمْنَعُ المَسْحَ عَلى الخُفِّ دُونَ الصَّغِيرِ. وحَدَّدُوا الخَرْقَ الكَبِيرَ بِمِقْدارِ ثَلاثَةِ أصابِعَ.
قِيلَ: مِن أصابِعِ الرِّجْلِ الأصاغِرِ، وقِيلَ: مِن أصابِعِ اليَدِ.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: يَجُوزُ المَسْحُ عَلى جَمِيعِ الخِفافِ، وإنْ تَخَرَّقَتْ تَخْرُّقًا كَثِيرًا ما دامَتْ يُمْكِنُ تَتابُعُ المَشْيِ فِيها؛ ونَقَلَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، وإسْحاقَ، ويَزِيدَ بْنِ هارُونَ، وأبِي ثَوْرٍ.
وَرَوى البَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرى عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، أنَّهُ قالَ: امْسَحْ عَلَيْهِما ما تَعَلَّقا بِالقَدَمِ، وإنْ تَخَرَّقا، قالَ: وكانَتْ كَذَلِكَ خِفافُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ مُخَرَّقَةً مُشَقَّقَةً، اهـ.
وَقالَ البَيْهَقِيُّ: قَوْلُ مَعْمَرِ بْنِ راشِدٍ في ذَلِكَ أحَبُّ إلَيْنا، وهَذا القَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنا عَنِ الثَّوْرِيِّ، ومَن وافَقَهُ هو اخْتِيارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ.
وَقالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وبُقُولِ الثَّوْرِيِّ أقُولُ، لِظاهِرِ إباحَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَسْحَ عَلى الخُفَّيْنِ قَوْلًا عامًا يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ الخِفافِ. اهـ، نَقَلَهُ عَنْهُ النَّوَوِيُّ وغَيْرُهُ، وهو قَوِيٌّ.
وَعَنِ الأوْزاعِيِّ إنْ ظَهَرَتْ طائِفَةٌ مِن رِجْلِهِ مَسَحَ عَلى خُفَّيْهِ، وعَلى ما ظَهَرَ مِن رِجْلِهِ. هَذا حاصِلُ كَلامِ العُلَماءِ في هَذِهِ المَسْألَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences