Ash-ShinqitiAl‑Ma'idah · 5:6

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:6, continued

وَأقْرَبُ الأقْوالِ عِنْدِي، المَسْحُ عَلى الخُفِّ المُخَرَّقِ ما لَمْ يَتَفاحَشْ خَرْقُهُ حَتّى يَمْنَعَ تَتابُعَ المَشْيِ فِيهِ لِإطْلاقِ النُّصُوصِ، مَعَ أنَّ الغالِبَ عَلى خِفافِ المُسافِرِينَ، والغُزاةِ عَدَمُ السَّلامَةِ مِنَ التَّخْرِيقِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

* *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في جَوازِ المَسْحِ عَلى النَّعْلَيْنِ، فَقالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ المَسْحُ عَلى النَّعْلَيْنِ وخالَفَ في ذَلِكَ جُمْهُورُ العُلَماءِ، واسْتَدَلَّ القائِلُونَ بِالمَسْحِ عَلى (p-٣٤٢)النَّعْلَيْنِ بِأحادِيثَ، مِنها ما رَواهُ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ، حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ وكِيعٍ، عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أبِي قَيْسٍ الأوْدِيِّ، هو عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَرْوانَ، عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأ ومَسَحَ الجَوْرَبَيْنِ والنَّعْلَيْنِ»، قالَ أبُو داوُدَ: وكانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ لا يُحَدِّثُ بِهَذا الحَدِيثِ، لِأنَّ المَعْرُوفَ عَنِ المُغِيرَةِ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلى الخُفَّيْنِ»، ورَوى هَذا الحَدِيثَ البَيْهَقِيُّ.

ثُمَّ قالَ: قالَ أبُو مُحَمَّدٍ: رَأيْتُ مُسْلِمَ بْنَ الحَجّاجِ ضَعَّفَ هَذا الخَبَرَ، وقالَ أبُو قَيْسٍ الأوْدِيُّ، وهُزَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ: لا يَحْتَمِلانِ مَعَ مُخالَفَتِهِما الأجِلَّةَ الَّذِينَ رَوَوْا هَذا الخَبَرَ عَنِ المُغِيرَةِ، فَقالُوا: مَسَحَ عَلى الخُفَّيْنِ، وقالَ: لا نَتْرُكُ ظاهِرَ القُرْآنِ بِمِثْلِ أبِي قَيْسٍ وهُزَيْلٍ، فَذَكَرْتُ هَذِهِ الحِكايَةَ عَنْ مُسْلِمٍ لِأبِي العَبّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولِيِّ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: عَلِيُّ بْنُ شَيْبانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أبا قُدامَةَ السَّرَخْسِيَّ يَقُولُ: قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ: قُلْتُ لِسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ: لَوْ حَدَّثْتَنِي بِحَدِيثِ أبِي قَيْسٍ عَنْ هُزَيْلٍ ما قَبِلْتُهُ مِنكَ، فَقالَ سُفْيانُ: الحَدِيثُ ضَعِيفٌ أوْ واهٍ، أوْ كَلِمَةً نَحْوَها، اهـ.

وَرَوى البَيْهَقِيُّ أيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الإمامِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أنَّهُ قالَ حَدَّثْتُ أبِي بِهَذا الحَدِيثِ، فَقالَ أبِي: لَيْسَ يُرْوى هَذا إلّا مِن حَدِيثِ أبِي قَيْسٍ، قالَ أبِي: إنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ، يَقُولُ: هو مُنْكَرٌ، ورَوى البَيْهَقِيُّ أيْضًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ المَدِينِيِّ أنَّهُ قالَ: حَدِيثُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ في المَسْحِ رَواهُ عَنِ المُغِيرَةِ أهْلُ المَدِينَةِ، وأهْلُ الكُوفَةِ، وأهْلُ البَصْرَةِ، ورَواهُ هُزَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ عَنِ المُغِيرَةِ، إلّا أنَّهُ قالَ: ومَسَحَ عَلى الجَوْرَبَيْنِ، وخالَفَ النّاسَ.

وَرُوِيَ أيْضًا عَنْ يَحْيى بْنِ مَعِينٍ، أنَّهُ قالَ في هَذا الحَدِيثِ: النّاسُ كُلُّهم يَرْوُونَهُ عَلى الخُفَّيْنِ غَيْرَ أبِي قَيْسٍ، ثُمَّ ذَكَرَ أيْضًا ما قَدَّمْنا عَنْ أبِي داوُدَ مِن أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ كانَ لا يُحَدِّثُ بِهَذا الحَدِيثِ، لِأنَّ المَعْرُوفَ عَنِ المُغِيرَةِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلى الخُفَّيْنِ»، وقالَ أبُو داوُدَ: ورُوِيَ هَذا الحَدِيثُ أيْضًا عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ولَيْسَ بِالقَوِيِّ ولا بِالمُتَّصِلِ، وبَيَّنَ البَيْهَقِيُّ مُرادَ أبِي داوُدَ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتَّصِلٍ وغَيْرَ قَوِيٍّ، فَعَدَمُ اتِّصالِهِ، إنَّما هو لِأنَّ راوِيَهُ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ هو الضَّحّاكُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قالَ البَيْهَقِيُّ: والضَّحّاكُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَمْ يَثْبُتْ سَماعُهُ مِن أبِي مُوسى، وعَدَمُ قُوَّتِهِ؛ لِأنَّ في إسْنادِهِ عِيسى بْنَ سِنانٍ، قالَ البَيْهَقِيُّ: وعِيسى بْنُ سِنانٍ ضَعِيفٌ، اهـ.

(p-٣٤٣)وَقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: لَيِّنُ الحَدِيثِ، واعْتَرَضَ المُخالِفُونَ تَضْعِيفَ الحَدِيثِ المَذْكُورِ في المَسْحِ عَلى الجَوْرَبَيْنِ والنَّعْلَيْنِ، قالُوا: أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، وسَكَتَ عَنْهُ، وما سَكَتَ عَنْهُ فَأقَلُّ دَرَجاتِهِ عِنْدَهُ الحَسَنُ، قالُوا: وصَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ، وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، قالُوا: وأبُو قَيْسٍ وثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وقالَ العِجْلِيُّ: ثِقَةٌ ثَبْتٌ، وهُزَيْلٌ وثَّقَهُ العِجْلِيُّ، وأخْرَجَ لَهُما مَعًا البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، ثُمَّ إنَّهُما لَمْ يُخالِفا النّاسَ مُخالَفَةَ مُعارَضَةٍ، بَلْ رَوَيا أمْرًا زائِدًا عَلى ما رَوَوْهُ بِطْرِيقٍ مُسْتَقِلٍّ غَيْرِ مُعارَضٍ، فَيُحْمَلُ عَلى أنَّهُما حَدِيثانِ قالُوا: ولا نُسَلِّمُ عَدَمَ سَماعِ الضَّحّاكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِن أبِي مُوسى، لِأنَّ المُعاصَرَةَ كافِيَةٌ في ذَلِكَ كَما حَقَّقَهُ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ في مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ؛ ولِأنَّ عَبْدَ الغَنِيِّ قالَ في ”الكَمالِ“: سَمِعَ الضَّحّاكُ مِن أبِي مُوسى، قالُوا: وعِيسى بْنُ سِنانٍ، وثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وضَعَّفَهُ غَيْرُهُ، وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ في ”الجَنائِزِ“ حَدِيثًا في سَنَدِهِ عِيسى بْنُ سِنانٍ هَذا، وحَسَّنَهُ.

وَيَعْتَضِدُ الحَدِيثُ المَذْكُورُ أيْضًا بِما جاءَ في بَعْضِ رِواياتِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الثّابِتِ في الصَّحِيحِ «أنَّ عُبَيْدَ بْنَ جُرَيْجٍ قالَ لَهُ: يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَأيْتُكُ تَصْنَعُ أرْبَعًا لَمْ أرَ أحَدًا مِن أصْحابِكَ يَصْنَعُها، قالَ: ما هُنَّ ؟ فَذَكَرَهُنَّ، وقالَ فِيهِنَّ: رَأيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعالَ السَّبْتِيَّةَ، قالَ: أمّا النِّعالُ السَّبْتِيَّةُ، ”فَإنِّي رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ النِّعالَ الَّتِي لَيْسَ فِيها شَعْرٌ ويَتَوَضَّأُ فِيها، فَأنا أُحِبُّ أنْ ألْبَسَها“» .

قالَ البَيْهَقِيُّ، بَعْدَ أنْ ساقَ هَذا الحَدِيثَ بِسَنَدِهِ: ورَواهُ البُخارِيُّ في الصَّحِيحِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مالِكٍ، ورَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيى بْنِ يَحْيى، ورَواهُ جَماعَةٌ عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، ورَواهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ عَجْلانَ عَنِ المَقْبُرِيِّ، فَزادَ فِيهِ: ويَمْسَحُ عَلَيْها؛ وهو مَحَلُّ الشّاهِدِ، قالَ البَيْهَقِيُّ: وهَذِهِ الزِّيادَةُ وإنْ كانَتْ مَحْفُوظَةً فَلا يُنافِي غَسْلَهُما، فَقَدْ يَغْسِلُهُما في النَّعْلِ، ويَمْسَحُ عَلَيْهِما.

وَيَعْتَضِدُ الِاسْتِدْلالُ المَذْكُورُ أيْضًا في المَسْحِ عَلى النَّعْلَيْنِ بِما رَواهُ البَيْهَقِيُّ بِإسْنادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وهْبٍ، قالَ: بالَ عَلِيٌّ، وهو قائِمٌ ثُمَّ تَوَضَّأ، ومَسَحَ عَلى النَّعْلَيْنِ، ثُمَّ قالَ: وبِإسْنادِهِ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أبِي ظَبْيانَ، قالَ: ”بالَ عَلِيٌّ وهو قائِمٌ ثُمَّ تَوَضَّأ ومَسَحَ عَلى النَّعْلَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلّى الظُّهْرَ“ .

وَأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ أيْضًا نَحْوَهُ عَنْ أبِي ظَبْيانَ بِسَنَدٍ آخَرَ، ويَعْتَضِدُ الِاسْتِدْلالُ المَذْكُورُ (p-٣٤٤)بِما رَواهُ البَيْهَقِيُّ أيْضًا مِن طَرِيقِ رَوّادِ بْنِ الجَرّاحِ، عَنْ سُفْيانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأ مَرَّةً مَرَّةً، ومَسَحَ عَلى نَعْلَيْهِ» .

ثُمَّ قالَ: هَكَذا رَواهُ رَوّادُ بْنُ الجَرّاحِ، وهو يَنْفَرِدُ عَنِ الثَّوْرِيِّ بِمَناكِيرَ هَذا أحَدُها، والثِّقاتُ رَوَوْهُ عَنِ الثَّوْرِيِّ دُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ.

وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ الحُبابِ عَنِ الثَّوْرِيِّ هَكَذا، ولَيْسَ بِمَحْفُوظٍ، ثُمَّ قالَ: أخْبَرَنا أبُو الحَسَنِ بْنُ عَبْدانَ، أنْبَأ سُلَيْمانُ بْنُ أحْمَدَ الطَّبَرانِيُّ، ثَنا إبْراهِيمُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ عُمَرَ الوَكِيعِيُّ، حَدَّثَنِي أبِي، ثَنا زَيْدُ بْنُ الحُبابِ، ثَنا سُفْيانُ فَذَكَرَهُ بِإسْنادِهِ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلى النَّعْلَيْنِ»، اهـ.

قالَ البَيْهَقِيُّ بَعْدَ أنْ ساقَهُ: والصَّحِيحُ رِوايَةُ الجَماعَةِ، ورَواهُ عَبْدُ العَزِيزِ الدَّراوَرْدِيُّ، وهِشامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، فَحَكَيا في الحَدِيثِ: «رَشًّا عَلى الرِّجْلِ وفِيها النَّعْلُ»، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ غَسَلَها في النَّعْلِ.

فَقَدْ رَواهُ سُلَيْمانُ بْنُ بِلالٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَجْلانَ، ووَرْقاءُ بْنُ عُمَرَ، ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، فَحَكَوْا في الحَدِيثِ غَسْلَهُ رِجْلَيْهِ، والحَدِيثُ حَدِيثٌ واحِدٌ.

والعَدَدُ الكَثِيرُ أوْلى بِالحِفْظِ مِنَ العَدَدِ اليَسِيرِ، مَعَ فَضْلِ حِفْظِ مَن حَفِظَ فِيهِ الغَسْلَ بَعْدَ الرَّشِّ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْهُ، ويَعْتَضِدُ الِاسْتِدْلالُ المَذْكُورُ أيْضًا بِما رَواهُ البَيْهَقِيُّ أيْضًا، أخْبَرَنا أبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبارِيُّ، أنا أبُو بَكْرِ بْنُ داسَةَ، ثَنا أبُو داوُدَ، ثَنا مُسَدَّدٌ، وعَبّادُ بْنُ مُوسى، قالا: ثَنا هُشَيْمٌ، عَنْ يَعْلى بْنِ عَطاءٍ، عَنْ أبِيهِ، قالَ عَبّادٌ: قالَ: أخْبَرَنِي أوْسُ بْنُ أبِي أوْسٍ الثَّقَفِيُّ قالَ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأ ومَسَحَ عَلى نَعْلَيْهِ وقَدَمَيْهِ» .

وَقالَ مُسَدَّدٌ: إنَّهُ رَأى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ورَواهُ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يَعْلى بْنِ عَطاءٍ، عَنْ أوْسٍ الثَّقَفِيِّ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأ ومَسَحَ عَلى نَعْلَيْهِ» وهو مُنْقَطِعٌ، أخْبَرَناهُ أبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، ثَنا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، ثَنا أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، ثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، فَذَكَرَهُ.

وَهَذا الإسْنادُ غَيْرُ قَوِيٍّ، وهو يَحْتَمِلُ ما احْتَمَلَ الحَدِيثُ الأوَّلُ، اهـ كَلامُ البَيْهَقِيِّ.

وَلا يَخْفى أنَّ حاصِلَهُ أنَّ أحادِيثَ المَسْحِ عَلى النَّعْلَيْنِ مِنها ما هو ضَعِيفٌ لا يُحْتَجُّ (p-٣٤٥)بِهِ، ومِنها ما مَعْناهُ عِنْدَهُ: «أنَّهُ ﷺ غَسَلَ رِجْلَيْهِ في النَّعْلَيْنِ» .

ثُمَّ اسْتَدَلَّ البَيْهَقِيُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالوُضُوءِ في النَّعْلَيْنِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ فِيهِما بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، الثّابِتِ في الصَّحِيحَيْنِ، أنَّهُ قالَ: «أمّا النِّعالُ السَّبْتِيَّةُ فَإنِّي رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ النِّعالَ الَّتِي لَيْسَ فِيها شَعْرٌ، ويَتَوَضَّأُ فِيها، فَأنا أُحِبُّ أنْ ألْبَسَها» اهـ.

وَمُرادُ البَيْهَقِيِّ أنَّ مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ”وَيَتَوَضَّأُ“ فِيها أنَّهُ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ فِيها، وقَدْ عَلِمْتَ أنّا قَدَّمْنا رِوايَةَ ابْنِ عُيَيْنَةَ الَّتِي ذَكَرَها البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَجْلانَ، عَنِ المَقْبُرِيِّ، وفِيها زِيادَةٌ ”وَيَمْسَحُ عَلَيْها“ .

وَقالَ البَيْهَقِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في مَنعِ المَسْحِ عَلى النَّعْلَيْنِ والجَوْرَبَيْنِ: والأصْلُ وُجُوبُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ إلّا ما خَصَّتْهُ سُنَّةٌ ثابِتَةٌ، أوْ إجْماعٌ لا يُخْتَلَفُ فِيهِ، ولَيْسَ عَلى المَسْحِ عَلى النَّعْلَيْنِ ولا عَلى الجَوْرَبَيْنِ واحِدٌ مِنهُما، اهـ.

وَأُجِيبَ مِن جِهَةِ المُخالِفِينَ بِثُبُوتِ المَسْحِ عَلى الجَوْرَبَيْنِ والنَّعْلَيْنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالُوا: إنَّ التِّرْمِذِيَّ صَحَّحَ المَسْحَ عَلى الجَوْرَبَيْنِ والنَّعْلَيْنِ، وحَسَّنَهُ مِن حَدِيثِ هُزَيْلٍ عَنِ المُغِيرَةِ، وحَسَّنَهُ أيْضًا مِن حَدِيثِ الضَّحّاكِ عَنْ أبِي مُوسى، وصَحَّحَ ابْنُ حِبّانَ المَسْحَ عَلى النَّعْلَيْنِ مِن حَدِيثِ أوْسٍ، وصَحَّحَ ابْنُ خُزَيْمَةَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ في المَسْحِ عَلى النِّعالِ السَّبْتِيَّةِ.

قالُوا: وما ذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ الحُبابِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ في المَسْحِ عَلى النَّعْلَيْنِ، حَدِيثٌ جَيِّدٌ قالُوا: ورَوى البَزّارُ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَتَوَضَّأُ ونَعْلاهُ في رِجْلَيْهِ، ويَمْسَحُ عَلَيْهِما.

وَيَقُولُ: ”كَذَلِكَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ“»، وصَحَّحَهُ ابْنُ القَطّانِ.

وَقالَ ابْنُ حَزْمٍ: المَنعُ مِنَ المَسْحِ عَلى الجَوْرَبَيْنِ خَطَأٌ، لِأنَّهُ خِلافُ السُّنَّةِ الثّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وخِلافُ الآثارِ. هَذا حاصِلُ ما جاءَ في المَسْحِ عَلى النَّعْلَيْنِ والجَوْرَبَيْنِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: إنْ كانَ المُرادُ بِالمَسْحِ عَلى النَّعْلَيْنِ والجَوْرَبَيْنِ، أنَّ (p-٣٤٦)الجَوْرَبَيْنِ مُلْصَقانِ بِالنَّعْلَيْنِ، بِحَيْثُ يَكُونُ المَجْمُوعُ ساتِرًا لِمَحَلِّ الفَرْضِ مَعَ إمْكانِ تَتابُعِ المَشْيِ فِيهِ، والجَوْرَبانِ صَفِيقانِ فَلا إشْكالَ.

وَإنْ كانَ المُرادُ المَسْحَ عَلى النَّعْلَيْنِ بِانْفِرادِهِما، فَفي النَّفْسِ مِنهُ شَيْءٌ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَغْسِلْ رِجْلَهُ، ولَمْ يَمْسَحْ عَلى ساتِرٍ لَها، فَلَمْ يَأْتِ بِالأصْلِ، ولا بِالبَدَلِ.

والمَسْحُ عَلى نَفْسِ الرِّجْلِ تَرُدُّهُ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ المُصَرِّحَةُ بِمَنعِ ذَلِكَ بِكَثْرَةٍ كَقَوْلِهِ ﷺ: «وَيْلٌ لِلْأعْقابِ مِنَ النّارِ»، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

* *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَوْقِيتِ المَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ.

فَذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى تَوْقِيتِ المَسْحِ بِيَوْمٍ ولَيْلَةٍ لِلْمُقِيمِ، وثَلاثَةِ أيّامٍ بِلَيالِيهِنَّ لِلْمُسافِرِ.

وَإلَيْهِ ذَهَبَ الأئِمَّةُ الثَّلاثَةُ: أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وأصْحابُهم وهو مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، وأبِي ثَوْرٍ، وإسْحاقَ بْنِ راهَوَيْهِ، وداوُدَ الظّاهِرِيِّ، ومُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، والحَسَنِ بْنِ صالِحِ بْنِ حُسَيْنٍ.

وَمِمَّنْ قالَ بِهِ مِنَ الصَّحابَةِ: عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةُ، والمُغِيرَةُ، وأبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ.

وَرُوِيَ أيْضًا عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وعَنْ جَمِيعِهِمْ.

وَمِمَّنْ قالَ بِهِ مِنَ التّابِعِينَ شُرَيْحٌ القاضِي، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، والشَّعْبِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ.

وَقالَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: أكْثَرُ التّابِعِينَ والفُقَهاءِ عَلى ذَلِكَ.

وَقالَ أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ: التَّوْقِيتُ ثَلاثًا لِلْمُسافِرِ، ويَوْمًا ولَيْلَةً لِلْمُقِيمِ هو قَوْلُ عامَّةِ العُلَماءِ مِنَ الصَّحابَةِ، والتّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم.

وَقالَ الخَطّابِيُّ: التَّوْقِيتُ قَوْلُ عامَّةِ الفُقَهاءِ، قالَهُ النَّوَوِيُّ.

وَحُجَّةُ أهْلِ هَذا القَوْلِ بِتَوْقِيتِ المَسْحِ الأحادِيثُ الوارِدَةُ بِذَلِكَ، فَمِن ذَلِكَ حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِلْمُسافِرِ ثَلاثَةُ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ، ولِلْمُقِيمِ، يَوْمٌ ولَيْلَةٌ»، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، والإمامُ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ (p-٣٤٧)حِبّانَ.

وَمِن ذَلِكَ أيْضًا حَدِيثُ أبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّهُ رَخَّصَ لِلْمُسافِرِ ثَلاثَةَ أيّامٍ ولَيالِيهِنَّ، ولِلْمُقِيمِ يَوْمًا ولَيْلَةً، إذا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِما»، أخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ في العِلَلِ، والشّافِعِيُّ، وابْنُ الجارُودِ، والأثْرَمُ في سُنَنِهِ، وصَحَّحَهُ الخَطّابِيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وغَيْرُهُما.

وَمِن ذَلِكَ أيْضًا حَدِيثُ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ المُرادِيِّ قالَ: «أمَرَنا، يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ، أنْ نَمْسَحَ عَلى الخُفَّيْنِ إذا نَحْنُ أدْخَلْناها عَلى طُهْرٍ ثَلاثًا إذا سافَرْنا، ويَوْمًا ولَيْلَةً إذا أقَمْنا، ولا نَخْلَعَهُما مِن غائِطٍ، ولا بَوْلٍ، ولا نَوْمٍ، ولا نَخْلَعَهُما إلّا مِن جَنابَةٍ»، أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحاهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والشّافِعِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ.

قالَ الشَّوْكانِيُّ في ”نَيْلِ الأوْطارِ“: وحَكى التِّرْمِذِيُّ عَنِ البُخارِيِّ، أنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ، ومَدارُهُ عَلى عاصِمِ بْنِ أبِي النُّجُودِ، وهو صَدُوقٌ، سَيِّئُ الحِفْظِ، وقَدْ تابَعَهُ جَماعَةٌ، ورَواهُ عَنْهُ أكْثَرُ مِن أرْبَعِينَ نَفْسًا، قالَهُ ابْنُ مِندَهْ، اهـ.

وَذَهَبَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى عَدَمِ تَوْقِيتِ المَسْحِ وقالُوا: إنَّ مَن لَبِسَ خُفَّيْهِ وهو طاهِرٌ، مَسَحَ عَلَيْهِما ما بَدا لَهُ، ولا يَلْزَمُهُ خَلْعُهُما إلّا مِن جَنابَةٍ.

وَمِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ مالِكٌ، وأصْحابُهُ، واللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ.

وَيُرْوى عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والشَّعْبِيِّ، ورَبِيعَةَ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ في القَدِيمِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وعُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.

وَحُجَّةُ أهْلِ هَذا القَوْلِ ما رَواهُ الحاكِمُ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إذا تَوَضَّأ أحَدُكم، فَلَبِسَ خُفَّيْهِ، فَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِما، ولْيُصَلِّ فِيهِما، ولا يَخْلَعْهُما إنْ شاءَ، إلّا مِن جَنابَةٍ ونَحْوِهِ» . وأخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ.

وَهَذا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ الَّذِي أخْرَجَهُ الحاكِمُ وغَيْرُهُ، يَعْتَضِدُ بِما رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحارِثِ الهِلالِيَّةِ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ مِن عَدَمِ التَّوْقِيتِ.

(p-٣٤٨)وَيُؤَيِّدُهُ أيْضًا ما رَواهُ أبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّهُ زادَ في حَدِيثِ التَّوْقِيتِ ما لَفْظُهُ: ولَوِ اسْتَزَدْناهُ لَزادَنا، وفي لَفْظٍ: ”لَوْ مَضى السّائِلُ عَلى مَسْألَتِهِ لَجَعَلَها خَمْسًا“، يَعْنِي لَيالِيَ التَّوْقِيتِ لِلْمَسْحِ.

وَحَدِيثُ خُزَيْمَةَ هَذا الَّذِي فِيهِ الزِّيادَةُ المَذْكُورَةُ صَحَّحَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وابْنُ حِبّانَ وغَيْرُهُما، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ ادِّعاءَ النَّوَوِيِّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ الِاتِّفاقَ عَلى ضَعْفِهِ، غَيْرُ صَحِيحٍ.

وَقَوْلُ البُخارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ. إنَّهُ لا يَصِحُّ عِنْدَهُ لِأنَّهُ لا يُعْرَفُ لِلْجَدَلِيِّ سَماعٌ مِن خُزَيْمَةَ، مَبْنِيٌّ عَلى شَرْطِهِ، وهو ثُبُوتُ اللُّقِىِّ.

وَقَدْ أوْضَحَ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ، أنَّ الحَقَّ هو الِاكْتِفاءُ بِإمْكانِ اللُّقِىِّ بِثُبُوتِ المُعاصَرَةِ، وهو مَذْهَبُ جُمْهُورِ العُلَماءِ.

فَإنْ قِيلَ: حَدِيثُ خُزَيْمَةَ الَّذِي فِيهِ الزِّيادَةُ، ظَنَّ فِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَوِ اسْتُزِيدَ لَزادَ، وقَدْ رَواهُ غَيْرُهُ، ولَمْ يَظُنَّ هَذا الظَّنَّ، ولا حُجَّةَ في ظَنِّ صَحابِيٍّ خالَفَهُ غَيْرُهُ فِيهِ.

فالجَوابُ: أنَّ خُزَيْمَةَ هو ذُو الشَّهادَتَيْنِ الَّذِي جَعَلَهُ ﷺ بِمَثابَةِ شاهِدَيْنِ، وعَدالَتُهُ، وصِدْقُهُ، يَمْنَعانِهِ مِن أنْ يَجْزِمَ بِأنَّهُ لَوِ اسْتُزِيدَ لَزادَ إلّا وهو عارِفٌ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، بِأُمُورٍ أُخَرَ اطَّلَعَ هو عَلَيْها، ولَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْها غَيْرُهُ.

وَمِمّا يُؤَيِّدُ عَدَمَ التَّوْقِيتِ ما رَواهُ أبُو داوُدَ، وقالَ: لَيْسَ بِالقَوِيِّ «عَنْ أُبَيِّ بْنِ عُمارَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّهُ قالَ: ”يا رَسُولَ اللَّهِ أمْسَحُ عَلى الخُفَّيْنِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: يَوْمًا، قالَ: نَعَمْ، قالَ: ويَوْمَيْنِ، قالَ: نَعَمْ، قالَ: وثَلاثَةَ أيّامٍ، قالَ: نَعَمْ، وما شِئْتَ“» .

وَهَذا الحَدِيثُ وإنْ كانَ لا يَصْلُحُ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا، فَإنَّهُ يَصْلُحُ لِتَقْوِيَةِ غَيْرِهِ مِنَ الأحادِيثِ الَّتِي ذَكَرْنا.

فَحَدِيثُ أنَسٍ في عَدَمِ التَّوْقِيتِ صَحِيحٌ، ويَعْتَضِدُ بِحَدِيثِ خُزَيْمَةَ الَّذِي فِيهِ الزِّيادَةُ، وحَدِيثُ مَيْمُونَةَ، وحَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ عُمارَةَ، وبِالآثارِ المَوْقُوفَةِ عَلى عُمَرَ، وابْنِهِ، وعُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.

تَنْبِيهٌ

الَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّهُ لا يُمْكِنُ الجَمْعُ في هَذِهِ الأحادِيثِ بِحَمْلِ (p-٣٤٩)المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ، لِأنَّ المُطْلَقَ هُنا فِيهِ التَّصْرِيحُ بِجَوازِ المَسْحِ أكْثَرَ مِن ثَلاثٍ لِلْمُسافِرِ، والمُقِيمِ، والمُقَيَّدُ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِمَنعِ الزّائِدِ عَلى الثَّلاثِ لِلْمُسافِرِ واليَوْمِ واللَّيْلَةِ لِلْمُقِيمِ؛ فَهُما مُتَعارِضانِ في ذَلِكَ الزّائِدِ، فالمُطْلَقُ يُصَرِّحُ بِجَوازِهِ، والمُقَيَّدُ يُصَرِّحُ بِمَنعِهِ، فَيَجِبُ التَّرْجِيحُ بَيْنَ الأدِلَّةِ، فَتُرَجَّحُ أدِلَّةُ التَّوْقِيتِ بِأنَّها أحْوَطُ، كَما رَجَّحَها بِذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ، وبِأنَّ رُواتَها مِنَ الصَّحابَةِ أكْثَرُ، وبِأنَّ مِنها ما هو ثابِتٌ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وهو حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ المُتَقَدِّمُ.

وَقَدْ تَرْجَّحَ أدِلَّةُ عَدَمِ التَّوْقِيتِ بِأنَّها تَضَمَّنَتْ زِيادَةً، وزِيادَةُ العَدْلِ مَقْبُولَةٌ، وبِأنَّ القائِلَ بِها مُثْبِتٌ أمْرًا، والمانِعُ مِنها نافٍ لَهُ، والمُثْبِتُ أوْلى مِنَ النّافِي.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: والنَّفْسُ إلى تَرْجِيحِ التَّوْقِيتِ أمْيَلُ؛ لِأنَّ الخُرُوجَ مِنَ الخِلافِ أحْوَطُ كَما قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: [ الرَّجَزُ ]

؎إنِ الأوْرَعَ الَّذِي يَخْرُجُ مِن خِلافِهِمْ ولَوْ ضَعِيفًا فاسْتَبِنْ

وَقالَ الآخَرُ: [ الرَّجَزُ ]

؎وَذُو احْتِياطٍ في أُمُورِ الدِّينِ ∗∗∗ مَن فَرَّ مَن شَكٍّ إلى يَقِينِ

وَمِصْداقُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ ﷺ: «دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ» .

فالعامِلُ بِأدِلَّةِ التَّوْقِيتِ طَهارَتُهُ صَحِيحَةٌ بِاتِّفاقِ الطّائِفَتَيْنِ، بِخِلافِ غَيْرِهِ فَإحْدى الطّائِفَتَيْنِ تَقُولُ بِبُطْلانِها بَعْدَ الوَقْتِ المُحَدَّدِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

واعْلَمْ أنَّ القائِلِينَ بِالتَّوْقِيتِ اخْتَلَفُوا في ابْتِداءِ مُدَّةِ المَسْحِ.

فَذَهَبَ الشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأصْحابُهُما، وأحْمَدُ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وداوُدُ في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ، وغَيْرُهم، إلى أنَّ ابْتِداءَ مُدَّةِ التَّوْقِيتِ مِن أوَّلِ حَدَثٍ يَقَعُ بَعْدَ لُبْسِ الخُفِّ، وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ.

واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِزِيادَةٍ رَواها الحافِظُ القاسِمُ بْنُ زَكَرِيّا المُطَرِّزُ في حَدِيثِ صَفْوانَ: مِنَ الحَدَثِ إلى الحَدَثِ.

قالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: وهي زِيادَةٌ غَرِيبَةٌ لَيْسَتْ ثابِتَةً.

واحْتَجُّوا أيْضًا بِالقِياسِ وهو أنَّ المَسْحَ عِبادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ، فَيَكُونُ ابْتِداءُ وقْتِها مِن حِينِ جَوازِ فِعْلِها قِياسًا عَلى الصَّلاةِ.

(p-٣٥٠)وَذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ ابْتِداءَ المُدَّةِ مِن حِينِ يَمْسَحُ بَعْدَ الحَدَثِ.

وَمِمَّنْ قالَ بِهَذا، الأوْزاعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ، وداوُدَ، ورَجَّحَ هَذا القَوْلَ النَّوَوِيُّ، واخْتارَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، وحُكِيَ نَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِأحادِيثِ التَّوْقِيتِ في المَسْحِ، وهي أحادِيثٌ صِحاحٌ.

وَوَجْهُ احْتِجاجِهِمْ بِها أنَّ قَوْلَهُ ﷺ: «يَمْسَحُ المُسافِرُ ثَلاثَةَ أيّامٍ» صَرِيحٌ، في أنَّ الثَّلاثَةَ كُلَّها ظَرْفٌ لِلْمَسْحِ.

وَلا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلّا إذا كانَ ابْتِداءُ المُدَّةِ مِنَ المَسْحِ، وهَذا هو أظْهَرُ الأقْوالِ دَلِيلًا فِيما يَظْهَرُ لِي، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وَفِي المَسْألَةِ قَوْلٌ ثالِثٌ، وهو أنَّ ابْتِداءَ المُدَّةِ مِن حِينِ لُبْسِ الخُفِّ، وحَكاهُ الماوَرْدِيُّ والشّاشِيُّ، عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، قالَهُ النَّوَوِيُّ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

* *

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلْ يَكْفِي مَسْحُ ظاهِرِ الخُفِّ، أوْ لا بُدَّ مِن مَسْحِ ظاهِرِهِ وباطِنِهِ.

فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّهُ يَكْفِي مَسْحُ ظاهِرِهِ.

وَمِمَّنْ قالَ بِهِ أبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وحَكاهُ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ، وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وعَطاءٍ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وغَيْرِهِمْ.

وَأصَحُّ الرِّواياتِ عَنْ أحْمَدَ أنَّ الواجِبَ مَسْحُ أكْثَرِ أعْلى الخُفِّ، وأبُو حَنِيفَةَ يَكْفِي عِنْدَهُ مَسْحُ قَدْرِ ثَلاثَةِ أصابِعَ مِن أعْلى الخُفِّ.

وَحُجَّةُ مَنِ اقْتَصَرَ عَلى مَسْحِ ظاهِرِ الخُفِّ دُونَ أسْفَلِهِ، حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «لَوْ كانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكانَ أسْفَلُ الخُفِّ أوْلى بِالمَسْحِ مِن أعْلاهُ، لَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلى ظاهِرِ خُفَّيْهِ» أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، والدّارَقُطْنِيُّ.

قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”بُلُوغِ المَرامِ“: إسْنادُهُ حَسَنٌ.

وَقالَ في ”التَّلْخِيصِ“: إسْنادُهُ صَحِيحٌ.

(p-٣٥١)واعْلَمْ أنَّ هَذا الحَدِيثَ لا يُقْدَحُ فِيهِ بِأنَّ في إسْنادِهِ عَبْدُ خَيْرِ بْنُ يَزِيدَ الهَمْدانِيُّ، وأنَّ البَيْهَقِيَّ قالَ: لَمْ يَحْتَجْ بِعَبْدِ خَيْرٍ المَذْكُورِ صاحِبا الصَّحِيحِ، اهـ؛ لِأنَّ عَبْدَ خَيْرٍ المَذْكُورِ، ثِقَةٌ مُخَضْرَمٌ مَشْهُورٌ، قِيلَ إنَّهُ صَحابِيٌّ.

والصَّحِيحُ أنَّهُ مُخَضْرَمٌ وثَّقَهُ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ، والعِجْلِيُّ، وقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: مُخَضْرَمٌ ثِقَةٌ مِنَ الثّانِيَةِ لَمْ يَصِحَّ لَهُ صُحْبَةٌ.

وَأمّا كَوْنُ الشَّيْخَيْنِ لَمْ يُخَرِّجا لَهُ، فَهَذا لَيْسَ بِقادِحٍ فِيهِ بِاتِّفاقِ أهْلِ العِلْمِ.

وَكَمْ مِن ثِقَةٍ عَدْلٍ لَمْ يُخَرِّجْ لَهُ الشَّيْخانِ !

وَذَهَبَ الإمامُ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلى أنَّ الواجِبَ مَسْحُ أقَلِّ جُزْءٍ مِن أعْلاهُ، وأنَّ مَسْحَ أسْفَلِهِ مُسْتَحَبٌّ.

وَذَهَبَ الإمامُ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إلى أنَّهُ يَلْزَمُ مَسْحُ أعْلاهُ وأسْفَلِهِ مَعًا، فَإنِ اقْتَصَرَ عَلى أعْلاهُ أعادَ في الوَقْتِ، ولَمْ يُعِدْ أبَدًا، وإنِ اقْتَصَرَ عَلى أسْفَلِهِ أعادَ أبَدًا.

وَعَنْ مالِكٍ أيْضًا أنَّ مَسْحَ أعْلاهُ واجِبٌ، ومَسْحُ أسْفَلِهِ مَندُوبٌ.

واحْتَجَّ مَن قالَ بِمَسْحِ كُلٍّ مِن ظاهِرِ الخُفِّ وأسْفَلِهِ، بِما رَواهُ ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ رَجاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ ورّادٍ، كاتِبِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ أعْلى الخُفِّ وأسْفَلِهِ»، أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ الجارُودِ.

وَقالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ مَعْلُولٌ، لَمْ يُسْنِدْهُ عَنْ ثَوْرٍ غَيْرُ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، وسَألْتُ أبا زُرْعَةَ ومُحَمَّدًا عَنْ هَذا الحَدِيثِ فَقالا: لَيْسَ بِصَحِيحٍ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا الحَدِيثَ ضَعِيفٌ.

وَقَدِ احْتَجَّ مالِكٌ لِمَسْحِ أسْفَلِ الخُفِّ بِفِعْلِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

* *

المَسْألَةُ السّابِعَةُ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى اشْتِراطِ الطَّهارَةِ المائِيَّةِ لِلْمَسْحِ عَلى الخُفِّ، وأنَّ مَن لَبِسَهُما مُحْدِثًا، أوْ بَعْدَ تَيَمُّمٍ، لا يَجُوزُ لَهُ المَسْحُ عَلَيْهِما.

واخْتَلَفُوا في اشْتِراطِ كَمالِ الطَّهارَةِ، كَمَن غَسَلَ رِجْلَهُ اليُمْنى فَأدْخَلَها في الخُفِّ قَبْلَ أنْ يَغْسِلَ رِجْلَهُ اليُسْرى، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ اليُسْرى فَأدْخَلَها أيْضًا في الخُفِّ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ المَسْحُ عَلى الخُفَّيْنِ إذا أحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ .

(p-٣٥٢)ذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى اشْتِراطِ كَمالِ الطَّهارَةِ، فَقالُوا في الصُّورَةِ المَذْكُورَةِ: لا يَجُوزُ لَهُ المَسْحُ لِأنَّهُ لَبِسَ أحَدَ الخُفَّيْنِ قَبْلَ كَمالِ الطَّهارَةِ. ومِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ الشّافِعِيُّ وأصْحابُهُ، ومالِكٌ وأصْحابُهُ، وإسْحاقُ، وهو أصَحُّ الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ.

واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِالأحادِيثِ الوارِدَةِ بِاشْتِراطِ الطَّهارَةِ لِلْمَسْحِ عَلى الخُفَّيْنِ، كَحَدِيثِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قالَ: ”دَعْهُما فَإنِّي أدْخَلْتُهُما طاهِرَتَيْنِ“ فَمَسَحَ عَلَيْهِما» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، ولِأبِي داوُدَ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «”دَعِ الخُفَّيْنِ فَإنِّي أدْخَلْتُ القَدَمَيْنِ الخُفَّيْنِ، وهُما طاهِرَتانِ“ فَمَسَحَ عَلَيْهِما» .

وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أحْمَدَ أنَّهُ ﷺ قالَ لَهُ لَمّا نَبَّهَهُ عَلى أنَّهُ لَمْ يَغْسِلْ رِجْلَيْهِ: «إنِّي أدْخَلْتُهُما وهُما طاهِرَتانِ» .

وَفِي حَدِيثِ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ المُتَقَدِّمِ: «أمَرَنا أنْ نَمْسَحَ عَلى الخُفَّيْنِ إذا نَحْنُ أدْخَلْناهُما عَلى طُهْرٍ» الحَدِيثَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحادِيثِ.

وَقالُوا: والطَّهارَةُ النّاقِصَةُ كَلا طَهارَةٍ.

وَذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى عَدَمِ اشْتِراطِ كَمالِ الطَّهارَةِ وقْتَ لُبْسِ الخُفِّ فَأجازُوا لُبْسَ خُفِّ اليُمْنى قَبْلَ اليُسْرى والمَسْحَ عَلَيْهِ، إذا أحْدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ، لِأنَّ الطَّهارَةَ كَمُلَتْ بَعْدَ لُبْسِ الخُفِّ.

قالُوا: والدَّوامُ كالِابْتِداءِ. ومِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ: الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، ويَحْيى بْنُ آدَمَ، والمُزَنِيُّ، وداوُدُ. واخْتارَ هَذا القَوْلَ ابْنُ المُنْذِرِ، قالَهُ النَّوَوِيُّ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: مَنشَأُ الخِلافِ في هَذِهِ المَسْألَةِ هو قاعِدَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيها، ”وَهي هَلْ يَرْتَفِعُ الحَدَثُ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ مِن أعْضاءِ الوُضُوءِ بِمُجَرَّدِ غَسْلِهِ، أوْ لا يَرْتَفِعُ الحَدَثُ عَنْ شَيْءٍ مِنها إلّا بِتَمامِ الوُضُوءِ ؟“، وأظْهَرُهُما عِنْدِي أنَّ الحَدَثَ مَعْنًى مِنَ المَعانِي لا يَنْقَسِمُ ولا يَتَجَزَّأُ، فَلا يَرْتَفِعُ مِنهُ جُزْءٌ، وأنَّهُ قَبْلَ تَمامِ الوُضُوءِ مُحْدِثٌ، والخُفُّ يُشْتَرَطُ في المَسْحِ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ وقْتَ لُبْسِهِ غَيْرَ مُحْدِثٍ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، اهـ.

* *

تَنْبِيهٌ

جُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى اشْتِراطِ النِّيَّةِ في الوُضُوءِ والغَسْلِ، لِأنَّهُما قُرْبَةٌ، والنَّبِيُّ ﷺ (p-٣٥٣)يَقُولُ: «إنَّما الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ»، وخالَفَ أبُو حَنِيفَةَ قائِلًا: إنَّ طَهارَةَ الحَدَثِ لا تَشْتَرِطُ فِيها النِّيَّةُ، كَطَهارَةِ الخَبَثِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ أيْضًا في الغايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إلى المَرافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، هَلْ هي داخِلَةٌ فَيَجِبُ غَسْلُ المُرافِقِ في الوُضُوءِ ؟ . وهو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ. أوْ خارِجَةٌ فَلا يَجِبُ غَسْلُ المُرافِقِ فِيهِ ؟ .

والحُقُّ اشْتِراطُ النِّيَّةِ، ووُجُوبُ غَسْلِ المَرافِقِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском