Ash-ShinqitiAl‑Ma'idah · 5:6

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:6, continued

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَسْحِ الرَّأْسِ في الوُضُوءِ هَلْ يَجِبُ تَعْمِيمُهُ، فَقالَ مالِكٌ وأحْمَدُ وجَماعَةٌ: يَجِبُ تَعْمِيمُهُ، ولا شَكَّ أنَّهُ الأحْوَطُ في الخُرُوجِ مِن عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِالمَسْحِ، وقالَ الشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ: لا يَجِبُ التَّعْمِيمُ.

واخْتَلَفُوا في القَدْرِ المُجْزِئِ، فَعَنِ الشّافِعِيِّ: أقَلُّ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ المَسْحِ كافٍ، وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ: الرُّبُعُ، وعَنْ بَعْضِهِمُ: الثُّلُثُ، وعَنْ بَعْضِهِمُ: الثُّلُثانِ، وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ”المَسْحُ عَلى العِمامَةِ“، وحَمَلَهُ المالِكِيَّةُ عَلى ما إذا خِيفَ بِنَزْعِها ضَرَرٌ، وظاهِرُ الدَّلِيلِ الإطْلاقُ.

وَثَبَتَ عَنْهُ ﷺ ”المَسْحُ عَلى النّاصِيَةِ والعِمامَةِ“، ولا وجْهَ لِلِاسْتِدْلالِ بِهِ عَلى الِاكْتِفاءِ بِالنّاصِيَةِ، لِأنَّهُ لَمْ يَرِدْ أنَّهُ ﷺ اكْتَفى بِها، بَلْ مَسَحَ مَعَها عَلى العِمامَةِ، فَقَدْ ثَبَتَ في مَسْحِ الرَّأْسِ ثَلاثُ حالاتٍ: المَسْحُ عَلى الرَّأْسِ، والمَسْحُ عَلى العِمامَةِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما بِالمَسْحِ عَلى النّاصِيَةِ، والعِمامَةِ.

والظّاهِرُ مِنَ الدَّلِيلِ جَوازُ الحالاتِ الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

وَما قَدَّمَنا مِن حِكايَةِ الإجْماعِ عَلى عَدَمِ الِاكْتِفاءِ في المَسْحِ عَلى الخُفِّ بِالتَّيَمُّمِ، مَعَ أنَّ فِيهِ بَعْضُ خِلافٍ كَما يَأْتِي، لِأنَّهُ لِضَعْفِهِ عِنْدَنا كالعَدَمِ، ولْنَكْتَفِ بِما ذَكَرْنا مِن أحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ خَوْفَ الإطالَةِ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾ الآيَةَ، اعْلَمْ أنَّ لَفْظَةَ مِن في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مُحْتَمِلَةٌ، لِأنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، فَيَتَعَيَّنُ في التَّيَمُّمِ التُّرابُ الَّذِي لَهُ غُبارٌ يَعْلَقُ بِاليَدِ؛ ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ مَبْدَأُ ذَلِكَ المَسْحِ كائِنٌ مِنَ الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، فَلا يَتَعَيَّنُ مالَهُ غُبارٌ، وبِالأوَّلِ قالَ الشّافِعِيُّ، (p-٣٥٤)وَأحْمَدُ، وبِالثّانِي قالَ مالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى جَمِيعًا.

فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إشارَةً إلى هَذا القَوْلِ الأخِيرِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]، فَقَوْلُهُ: ﴿مِن حَرَجٍ﴾ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ زِيدَتْ قَبْلَها مِن، والنَّكِرَةُ إذا كانَتْ كَذَلِكَ، فَهي نَصٌّ في العُمُومِ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، قالَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ عاطِفًا عَلى صِيَغِ العُمُومِ: [ الرَّجَزُ ]

؎وَفِي سِياقِ النَّفْيِ مِنها يُذْكَرْ إذا بُنِي أوْ زِيدَ مِن مُنَكَّرْ

فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى عُمُومِ النَّفْيِ في كُلِّ أنْواعِ الحَرَجِ، والمُناسِبُ لِذَلِكَ كَوْنُ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ البِلادِ لَيْسَ فِيهِ إلّا الرِّمالُ أوِ الجِبالُ، فالتَّكْلِيفُ بِخُصُوصِ ما فِيهِ غُبارٌ يَعْلَقُ بِاليَدِ، لا يَخْلُو مِن حَرَجٍ في الجُمْلَةِ.

وَيُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي، نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ لِي الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، فَأيُّما رَجُلٍ مِن أُمَّتِي أدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ، فَلْيُصَلِّ»، وفي لَفْظٍ: «فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وطَهُورُهُ» الحَدِيثَ.

فَهَذا نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ في أنَّ مَن أدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ في مَحَلٍّ لَيْسَ فِيهِ إلّا الجِبالُ أوِ الرِّمالُ أنَّ ذَلِكَ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ الَّذِي هو الحِجارَةُ، أوِ الرَّمْلُ طَهُورٌ لَهُ ومَسْجِدٌ؛ وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن تَعَيُّنِ كَوْنِ مِن لِلتَّبْعِيضِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ فَإنْ قِيلَ: ورَدَ في الصَّحِيحِ ما يَدُلُّ عَلى تَعَيُّنِ التُّرابِ الَّذِي لَهُ غُبارٌ يَعْلَقُ بِاليَدِ، دُونَ غَيْرِهِ مِن أنْواعِ الصَّعِيدِ، فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فُضِّلْنا عَلى النّاسِ بِثَلاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنا كَصُفُوفِ المَلائِكَةِ، وجُعِلَتْ لَنا الأرْضُ كُلُّها مَسْجِدًا، وجُعِلَتْ تُرْبَتُها لَنا طَهُورًا، إذا لَمْ نَجِدِ الماءَ» الحَدِيثَ، فَتَخْصِيصُ التُّرابِ بِالطَّهُورِيَّةِ في مَقامِ الِامْتِنانِ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ غَيْرَهُ مِنَ الصَّعِيدِ لَيْسَ كَذَلِكَ، فالجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ كَوْنَ الأمْرِ مَذْكُورًا في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ، مِمّا يَمْنَعُ فِيهِ اعْتِبارُ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، قالَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ في مَوانِعَ اعْتِبارِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ: [ الرَّجَزُ ](p-٣٥٥)

؎أوِ امْتِنانٌ أوْ وِفاقُ الواقِعِ ∗∗∗ والجَهْلُ والتَّأْكِيدُ عِنْدَ السّامِعِ

وَلِذا أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى جَوازِ أكْلِ القَدِيدِ مِنَ الحُوتِ مَعَ أنَّ اللَّهَ خَصَّ اللَّحْمَ الطَّرِيَّ مِنهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ اللَّحْمَ الطَّرِيَّ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ، فَلا مَفْهُومَ مُخالَفَةٍ لَهُ، فَيَجُوزُ أكْلُ القَدِيدِ مِمّا في البَحْرِ.

الثّانِي: أنَّ مَفْهُومَ التُّرْبَةِ مَفْهُومُ لَقَبٍ، وهو لا يُعْتَبَرُ عِنْدَ جَماهِيرِ العُلَماءِ، وهو الحَقُّ كَما هو مَعْلُومٌ في الأُصُولِ.

الثّالِثُ: أنَّ التُّرْبَةَ فَرْدٌ مِن أفْرادِ الصَّعِيدِ؛ وذِكْرُ بَعْضِ أفْرادِ العامِّ بِحُكْمِ العامِّ لا يَكُونُ مُخَصِّصًا لَهُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، سَواءٌ ذُكِرا في نَصٍّ واحِدٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، أوْ ذُكِرا في نَصَّيْنِ كَحَدِيثِ: «أيُّما إهابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ»، عِنْدَ أحْمَدَ، ومُسْلِمٍ، وابْنِ ماجَهْ، والتِّرْمِذِيِّ، وغَيْرِهِمْ، مَعَ حَدِيثِ: «هَلّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِها»، يَعْنِي شاةً مَيِّتَةً عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ، كِلاهُما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَذِكْرُ الصَّلاةِ الوُسْطى في الأوَّلِ، وجِلْدِ الشّاةِ في الأخِيرِ لا يَقْتَضِي أنَّ غَيْرَهُما مِنَ الصَّلَواتِ في الأوَّلِ، ومِنَ الجُلُودِ في الثّانِي لَيْسَ كَذَلِكَ، قالَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ عاطِفًا عَلى ما لا يُخَصَّصُ بِهِ العُمُومُ: [ الرَّجَزُ ]

؎وَذِكْرُ ما وافَقَهُ مِن مُفْرَدِ ∗∗∗ ومَذْهَبُ الرّاوِي عَلى المُعْتَمَدِ

وَلَمْ يُخالِفْ في عَدَمِ التَّخْصِيصِ بِذِكْرِ بَعْضِ أفْرادِ العامِّ بِحُكْمِ العامِّ، إلّا أبُو ثَوْرٍ مُحْتَجًّا بِأنَّهُ لا فائِدَةَ لِذِكْرِهِ إلّا التَّخْصِيصُ.

وَأُجِيبَ مِن قِبَلِ الجُمْهُورِ بِأنَّ مَفْهُومَ اللَّقَبِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وفائِدَةُ ذِكْرِ البَعْضِ نَفْيُ احْتِمالِ إخْراجِهِ مِنَ العامِ، والصَّعِيدُ في اللُّغَةِ: وجْهُ الأرْضِ، كانَ عَلَيْهِ تُرابٌ، أوْ لَمْ يَكُنْ، قالَهُ الخَلِيلُ، وابْنُ الأعْرابِيِّ، والزَّجّاجُ.

قالَ الزَّجّاجُ: لا أعْلَمُ فِيهِ خِلافًا بَيْنَ أهْلِ اللُّغَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨]، أيْ أرْضًا غَلِيظَةً لا تُنْبِتُ شَيْئًا، وقالَ تَعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: [ البَسِيطُ ]

؎كَأنَّهُ بِالضُّحى تَرْمِي الصَّعِيدُ بِهِ ∗∗∗ دَبّابَةٌ في عِظامِ الرَّأْسِ خُرْطُومُ

(p-٣٥٦)وَإنَّما سُمِّيَ صَعِيدًا؛ لِأنَّهُ نِهايَةُ ما يُصْعَدُ إلَيْهِ مِنَ الأرْضِ، وجَمْعُ الصَّعِيدِ صُعُداتٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، ومِنهُ حَدِيثُ: «إيّاكم والجُلُوسَ في الصُّعُداتِ»، قالَهُ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ عَنْهُ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيهِ مِن أجْلِ تَقْيِيدِهِ بِالطَّيِّبِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: ”الطَّيِّبُ“ هو الطّاهِرُ، فَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِوَجْهِ الأرْضِ كُلِّهِ، تُرابًا كانَ أوْ رَمْلًا، أوْ حِجارَةً، أوْ مَعْدِنًا، أوْ سَبْخَةً، إذا كانَ ذَلِكَ طاهِرًا، وهَذا مَذْهَبُ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، والثَّوْرِيِّ، وغَيْرِهِمْ.

وَقالَتْ طائِفَةٌ: الطَّيِّبُ: الحَلالُ، فَلا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِتُرابٍ مَغْصُوبٍ. وقالَ الشّافِعِيُّ، وأبُو يُوسُفَ: الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ: التُّرابُ المُنْبِتُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٥٨]

فَإذا عَلِمْتَ هَذا، فاعْلَمْ أنَّ المَسْألَةَ لَها واسِطَةٌ وطَرَفانِ: طَرَفٌ أجْمَعَ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ عَلى جَوازِ التَّيَمُّمِ بِهِ، وهو التُّرابُ المُنْبِتُ الطّاهِرُ الَّذِي هو غَيْرُ مَنقُولٍ، ولا مَغْصُوبٍ؛ وطَرَفٌ أجْمَعَ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ عَلى مَنعِ التَّيَمُّمِ بِهِ، وهو الذَّهَبُ والفِضَّةُ الخالِصانِ، والياقُوتُ والزُّمُرُّدُ، والأطْعِمَةُ كالخُبْزِ واللَّحْمِ وغَيْرِهِما، والنَّجاساتُ وغَيْرُ هَذا هو الواسِطَةُ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيها العُلَماءُ، فَمِن ذَلِكَ المَعادِنُ.

فَبَعْضُهم يُجِيزُ التَّيَمُّمَ عَلَيْها كَمالِكٍ، وبَعْضُهم يَمْنَعُهُ كالشّافِعِيِّ ومِن ذَلِكَ الحَشِيشُ، فَقَدْ رَوى ابْنُ خُوَيْزٍ مِندادُ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ يُجِيزُ التَّيَمُّمَ عَلى الحَشِيشِ إذا كانَ دُونَ الأرْضِ، ومَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ المَنعُ، ومِن ذَلِكَ التَّيَمُّمُ عَلى الثَّلْجِ، فَرُوِيَ عَنْ مالِكٍ في ”المُدَوَّنَةِ“، و ”المَبْسُوطِ جَوازُهُ“، قِيلَ: مُطْلَقًا، وقِيلَ: عِنْدَ عَدَمِ الصَّعِيدِ، وفي غَيْرِهِما مَنعُهُ.

واخْتُلِفَ عَنْهُ في التَّيَمُّمِ عَلى العُودِ، فالجُمْهُورُ عَلى المَنعِ، وفي ”مُخْتَصَرِ الوَقارِ“ أنَّهُ جائِزٌ، وقِيلَ: يَجُوزُ في العُودِ المُتَّصِلِ بِالأرْضِ دُونَ المُنْفَصِلِ عَنْها، وذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ أنَّ مالِكًا قالَ: لَوْ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى شَجَرَةٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِها أجَزَأهُ، قالَ: وقالَ الأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ: يَجُوزُ بِالأرْضِ، وكُلُّ ما عَلَيْها مِنَ الشَّجَرِ والحَجَرِ، والمَدَرِ وغَيْرِها حَتّى قالا: لَوْ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى الجَمَدِ والثَّلْجِ أجْزَأهُ.

وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ يُجِيزُهُ بِالكُحْلِ، والزَّرْنِيخِ، والنَّوْرَةِ، والجَصِّ، والجَوْهَرِ المَسْحُوقِ، ويَمْنَعُهُ بِسُحالَةِ الذَّهَبِ، والفِضَّةِ، والنُّحاسِ، والرَّصاصِ، لِأنَّ (p-٣٥٧)ذَلِكَ لَيْسَ مِن جِنْسِ الأرْضِ.

وَذَكَرَ النَّقّاشُ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وابْنِ كَيْسانَ أنَّهُما أجازاهُ بِالمِسْكِ، والزَّعْفَرانِ، وأبْطَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا القَوْلَ، ومَنَعَهُ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ بِالسِّباخِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوُهُ، وعَنْهُ فِيمَن أدْرَكَهُ التَّيَمُّمَ، وهو في طِينٍ أنَّهُ يَطْلِي بِهِ بَعْضَ جَسَدِهِ، فَإذا جَفَّ تَيَمَّمَ بِهِ، قالَهُ القُرْطُبِيُّ.

وَأمّا التُّرابُ المَنقُولُ في طَبَقٍ أوْ غَيْرِهِ، فالتَّيَمُّمُ بِهِ جائِزٌ في مَشْهُورِ مَذْهَبِ مالِكٍ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المالِكِيَّةِ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وأصْحابِهِ، وعَنْ بَعْضِ المالِكِيَّةِ، وجَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ مَنعُهُ.

وَما طُبِخَ كالجَصِّ، والآجُرِّ فَفِيهِ أيْضًا خِلافٌ عَنِ المالِكِيَّةِ، والمَنعُ أشْهَرُ.

واخْتَلَفُوا أيْضًا في التَّيَمُّمِ عَلى الجِدارِ، فَقِيلَ: جائِزٌ مُطْلَقًا، وقِيلَ: مَمْنُوعٌ مُطْلَقًا، وقِيلَ بِجَوازِهِ لِلْمَرِيضِ دُونَ غَيْرِهِ، وحَدِيثُ أبِي جُهَيْمٍ الآتِي يَدُلُّ عَلى الجَوازِ مُطْلَقًا.

والظّاهِرُ أنَّ مَحَلَّهُ فِيما إذا كانَ ظاهِرُ الجِدارِ مِن أنْواعِ الصَّعِيدِ، ومَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ جَوازُ التَّيَمُّمِ عَلى المَعادِنِ غَيْرَ الذَّهَبِ، والفِضَّةِ ما لَمْ تُنْقَلْ، وجَوازُهُ عَلى المِلْحِ غَيْرِ المَصْنُوعِ، ومَنعُهُ بِالأشْجارِ، والعِيدانِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وأجازَهُ أحْمَدُ، والشّافِعِيُّ، والثَّوْرِيُّ عَلى اللُّبَدِ، والوَسائِدِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ إذا كانَ عَلَيْهِ غُبارٌ.

والتَّيَمُّمُ في اللُّغَةِ: القَصْدُ، تَيَمَّمْتُ الشَّيْءَ قَصَدْتُهُ، وتَيَمَّمْتُ الصَّعِيدَ تَعَمَّدْتُهُ، وأنْشَدَ الخَلِيلُ قَوْلَ عامِرِ بْنِ مالِكٍ، مُلاعِبِ الأسِنَّةِ: [ البَسِيطُ ]

؎يَمَّمْتُهُ الرُّمْحَ شَزْرًا ثُمَّ قُلْتُ لَهُ ∗∗∗ هَذِي البَسالَةُ لا لَعِبُ الزَّحالِيقِ

وَمِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: [ الطَّوِيلُ ]

؎تَيَمَّمَتِ العَيْنَ الَّتِي عِنْدَ ضارِجٍ ∗∗∗ يَفِيءُ عَلَيْها الظِّلُّ عَرْمَضُها طامِي

وَقَوْلُ أعْشى باهِلَةَ: [ المُتَقارِبُ ]

؎تَيَمَّمْتُ قَيْسًا وكَمْ دُونَهُ ∗∗∗ مِنَ الأرْضِ مِن مَهْمَةٍ ذِي شَزَنْ

وَقَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ: [ الطَّوِيلُ ]

؎سَلِ الرَّبْعَ أنّى يَمَّمَتْ أُمُّ طارِقٍ ∗∗∗ وهَلْ عادَةٌ لِلرَّبْعِ أنْ يَتَكَلَّما

(p-٣٥٨)والتَّيَمُّمُ في الشَّرْعِ: القَصْدُ إلى الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ لِمَسْحِ الوَجْهِ، واليَدَيْنِ مِنهُ بِنِيَّةِ اسْتِباحَةِ الصَّلاةِ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ، أوِ العَجْزِ عَنِ اسْتِعْمالِهِ، وكَوْنُ التَّيَمُّمِ بِمَعْنى القَصْدِ يَدُلُّ عَلى اشْتِراطِ النِّيَّةِ في التَّيَمُّمِ، وهو الحَقُّ.

* *

مَسائِلُ في أحْكامِ التَّيَمُّمِ

المَسْألَةُ الأُولى: لَمْ يُخالِفْ أحَدٌ مِن جَمِيعِ المُسْلِمِينَ في التَّيَمُّمِ، عَنِ الحَدَثِ الأصْغَرِ، وكَذَلِكَ عَنِ الحَدَثِ الأكْبَرِ، إلّا ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ مِنَ التّابِعِينَ أنَّهم مَنَعُوهُ، عَنِ الحَدَثِ الأكْبَرِ.

وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ عَنِ ابْنِ الصَّبّاغِ وغَيْرِهِ القَوْلَ بِرُجُوعِ عُمَرَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ ذَلِكَ، واحْتَجَّ لِمَن مَنَعَ التَّيَمُّمَ، عَنِ الحَدَثِ الأكْبَرِ بِأنَّ آيَةَ النِّساءِ لَيْسَ فِيها إباحَتُهُ إلّا لِصاحِبِ الحَدَثِ الأصْغَرِ؛ حَيْثُ قالَ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٣]، ورَدُّ هَذا الِاسْتِدْلالِ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: أنا لا نُسَلِّمُ عَدَمَ ذِكْرِ الجَنابَةِ في آيَةِ النِّساءِ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ [النساء: ٤٣]، فَسَّرَهُ تُرْجُمانُ القُرْآنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، بِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِماعُ، وإذًا فَذِكْرُ التَّيَمُّمِ بَعْدَ الجِماعِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِاللَّمْسِ، أوِ المُلامَسَةِ بِحَسَبِ القِراءَتَيْنِ، والمَجِيءُ مِنَ الغائِطِ دَلِيلٌ عَلى شُمُولِ التَّيَمُّمِ لِحالَتَيِ الحَدَثِ الأكْبَرِ، والأصْغَرِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى في سُورَةِ المائِدَةِ، صَرَّحَ بِالجَنابَةِ غَيْرَ مُعَبِّرٍ عَنْها بِالمُلامَسَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَها التَّيَمُّمَ، فَدَلَّ عَلى أنْ يَكُونَ عَنْها أيْضًا حَيْثُ قالَ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، ثُمَّ قالَ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآيَةَ [المائدة: ٦] .

فَهُوَ عائِدٌ إلى المُحْدِثِ، والجُنُبِ جَمِيعًا، كَما هو ظاهِرٌ.

الثّالِثُ: تَصْرِيحُهُ ﷺ بِذَلِكَ الثّابِتُ عَنْهُ في الصَّحِيحِ؛ فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أنَّهُ قالَ: «أجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الماءَ، فَتَمَعَّكْتُ في الصَّعِيدِ وصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: ”إنَّما كانَ يَكْفِيكَ هَكَذا“، (p-٣٥٩)وَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الأرْضَ، ونَفَخَ فِيهِما، ثُمَّ مَسَحَ بِهِما وجْهَهُ، وكَفَّيْهِ» .

وَأخْرَجا في صَحِيحَيْهِما أيْضًا مِن حَدِيثِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَفَرٍ فَصَلّى بِالنّاسِ؛ فَإذا هم بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ، فَقالَ: ما مَنَعَكَ أنْ تُصَلِّيَ ؟ قالَ: أصابَتْنِي جَنابَةٌ ولا ماءَ، قالَ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإنَّهُ يَكْفِيكَ» .

والأحادِيثُ في البابِ كَثِيرَةٌ.

* *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ العُلَماءُ، هَلْ تَكْفِي لِلتَّيَمُّمِ ضَرْبَةٌ واحِدَةٌ أوْ لا ؟ فَقالَ جَماعَةٌ: تَكْفِي ضَرْبَةٌ واحِدَةٌ لِلْكَفَّيْنِ والوَجْهِ، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ الإمامُ أحْمَدُ، وعَطاءٌ، ومَكْحُولٌ، والأوْزاعِيُّ، وإسْحاقُ، ونَقْلَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ جُمْهُورِ العُلَماءِ واخْتارَهُ، وهو قَوْلُ عامَّةِ أهْلِ الحَدِيثِ، ودَلِيلُهُ حَدِيثُ عَمّارٍ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ المُتَقَدِّمُ آنِفًا.

وَذَهَبَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ إلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن ضَرْبَتَيْنِ: إحْداهُما لِلْوَجْهِ، والأُخْرى لِلْكَفَّيْنِ، ومِنهم مَن قالَ بِوُجُوبِ الثّانِيَةِ، ومِنهم مَن قالَ بِسُنِّيَّتِها كَمالِكٍ، وذَهَبَ ابْنُ المُسَيَّبِ، وابْنُ شِهابٍ، وابْنُ سِيرِينَ إلى أنَّ الواجِبَ ثَلاثُ ضَرَباتٍ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ، وضَرْبَةٌ لِلذِّراعَيْنِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: الظّاهِرُ مِن جِهَةِ الدَّلِيلِ الِاكْتِفاءُ بِضَرْبَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مِن أحادِيثِ البابِ شَيْءٌ مَرْفُوعًا، إلّا حَدِيثُ عَمّارٍ المُتَقَدِّمَ، وحَدِيثُ أبِي جُهَيْمِ بْنِ الحارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأنْصارِيِّ، قالَ: " «أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، مِن نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، حَتّى أقْبَلَ عَلى الجِدارِ فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ ويَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ»، أخْرَجَهُ البُخارِيُّ مَوْصُولًا، ومُسْلِمٌ تَعْلِيقًا، ولَيْسَ في واحِدٍ مِنهُما ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُما ضَرْبَتانِ كَما رَأيْتَ، وقَدْ دَلَّ حَدِيثُ عَمّارٍ أنَّها واحِدَةٌ.

* *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَلْ يَلْزَمُ في التَّيَمُّمِ مَسْحُ غَيْرِ الكَفَّيْنِ ؟ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ، فَأوْجَبَ بَعْضُهُمُ المَسْحَ في التَّيَمُّمِ إلى المِرْفَقَيْنِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، وأصْحابُهُما، والثَّوْرِيُّ، وابْنُ أبِي سَلَمَةَ، واللَّيْثُ، كُلُّهم يَرَوْنَ بُلُوغَ التَّيَمُّمِ بِالمِرْفَقَيْنِ فَرْضًا واجِبًا، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الحَكَمِ، وابْنُ نافِعٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ إسْماعِيلُ القاضِي.

(p-٣٦٠)قالَ ابْنُ نافِعٍ: مَن تَيَمَّمَ إلى الكُوعَيْنِ أعادَ الصَّلاةَ أبَدًا، وقالَ مالِكٌ: في المُدَوَّنَةِ يُعِيدُ في الوَقْتِ، ورُوِيَ التَّيَمُّمُ إلى المِرْفَقَيْنِ مَرْفُوعًا، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنِ عُمَرَ، وأبِي أُمامَةَ، وعائِشَةَ، وعَمّارٍ، والأسْلَعِ، وسَيَأْتِي ما في أسانِيدِ رِواياتِهِمْ مِنَ المَقالِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وبِهِ كانَ يَقُولُ ابْنُ عُمَرَ، وقالَ ابْنُ شِهابٍ: يَمْسَحُ في التَّيَمُّمِ إلى الآباطِ.

واحْتَجَّ مَن قالَ بِالتَّيَمُّمِ إلى المِرْفَقَيْنِ بِما رُوِيَ عَمَّنْ ذَكَرْنا مِن ذِكْرِ المِرْفَقَيْنِ، وبِأنَّ ابْنَ عُمَرَ كانَ يَفْعَلُهُ، وبِالقِياسِ عَلى الوُضُوءِ، وقَدْ قالَ تَعالى فِيهِ: ﴿وَأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ .

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: الَّذِي يَظْهَرُ مِنَ الأدِلَّةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، أنَّ الواجِبَ في التَّيَمُّمِ هو مَسْحُ الكَفَّيْنِ فَقَطْ، لِما قَدَّمْنا مِن أنَّ الأحادِيثَ الوارِدَةَ في صِفَةِ التَّيَمُّمِ لَمْ يَصِحَّ مِنها شَيْءٌ ثابِتُ الرَّفْعِ إلّا حَدِيثَ عَمّارٍ: وحَدِيثَ أبِي جُهَيْمٍ المُتَقَدِّمَيْنِ.

أمّا حَدِيثُ أبِي جُهَيْمٍ، فَقَدْ ورَدَ بِذِكْرِ اليَدَيْنِ مُجْمَلًا، كَما رَأيْتَ، وأمّا حَدِيثُ عَمّارٍ فَقَدْ ورَدَ بِذِكْرِ الكَفَّيْنِ في الصَّحِيحَيْنِ، كَما قَدَّمْنا آنِفًا. ووَرَدَ في غَيْرِهِما بِذِكْرِ المِرْفَقَيْنِ، وفي رِوايَةٍ إلى نِصْفِ الذِّراعِ، وفي رِوايَةٍ إلى الآباطِ، فَأمّا رِوايَةُ المِرْفَقَيْنِ، ونِصْفِ الذِّراعِ، فَفِيهِما مَقالٌ سَيَأْتِي، وأمّا رِوايَةُ الآباطِ، فَقالَ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ: إنْ كانَ ذاكَ وقَعَ بِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَكُلُّ تَيَمُّمٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَهُ فَهو ناسِخٌ لَهُ؛ وإنْ كانَ وقَعَ بِغَيْرِ أمْرِهِ، فالحُجَّةُ فِيما أمَرَ بِهِ، ومِمّا يُقَوِّي رِوايَةَ الصَّحِيحَيْنِ في الِاقْتِصارِ عَلى الوَجْهِ والكَفَّيْنِ، كَوْنُ عَمّارٍ كانَ يُفْتِي بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ؛ وراوِي الحَدِيثِ أعْرِفُ بِالمُرادِ بِهِ مِن غَيْرِهِ؛ ولا سِيَّما الصَّحابِيُّ المُجْتَهِدُ، قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“ .

وَأمّا فِعْلُ ابْنُ عُمَرَ، فَلَمْ يَثْبُتْ رَفْعُهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، والمَوْقُوفُ عَلى ابْنِ عُمَرَ لا يُعارَضُ بِهِ مَرْفُوعٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وهو حَدِيثُ عَمّارٍ.

وَقَدْ رَوى أبُو داوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، أنَّهُ قالَ: «مَرَّ رَجُلٌ عَلى النَّبِيِّ ﷺ في سِكَّةٍ مِنَ السِّكَكِ، وقَدْ خَرَجَ مِن غائِطٍ أوْ بَوْلٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتّى كادَ الرَّجُلُ يَتَوارى في السِّكَكِ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى حائِطٍ، ومَسَحَ بِها وجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرى فَمَسَحَ بِها ذِراعَيْهِ»، ومَدارُ الحَدِيثِ عَلى مُحَمَّدِ بْنِ ثابِتٍ، وقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وأحْمَدُ والبُخارِيُّ وأبُو حاتِمٍ. وقالَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ: يُنْكَرُ عَلَيْهِ حَدِيثُ التَّيَمُّمِ. أيْ (p-٣٦١)هَذا، زادَ البُخارِيُّ: خالَفَهُ أيُّوبُ، وعُبَيْدُ اللَّهِ والنّاسُ، فَقالُوا عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَعَلَهُ.

وَقالَ أبُو داوُدَ: لَمْ يُتابِعْ أحَدٌ مُحَمَّدَ بْنَ ثابِتٍ في هَذِهِ القِصَّةِ عَلى ضَرْبَتَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ورَوَوْهُ مِن فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ، وقالَ الخَطّابِيُّ: لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ مُحَمَّدَ بْنَ ثابِتٍ ضَعِيفٌ جِدًّا، ومُحَمَّدُ بْنُ ثابِتٍ هَذا هو العَبْدِيُّ أبُو عَبْدِ اللَّهِ البَصْرِيُّ، قالَ فِيهِ في ”التَّقْرِيبِ“: صَدُوقٌ، لَيِّنُ الحَدِيثِ.

واعْلَمْ أنَّ رِوايَةَ الضَّحّاكِ بْنِ عُثْمانَ، وابْنِ الهادِ لِهَذا الحَدِيثِ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، لَيْسَ في واحِدَةٍ مِنهُما مُتابَعَةُ مُحَمَّدِ بْنِ ثابِتٍ عَلى الضَّرْبَتَيْنِ، ولا عَلى الذِّراعَيْنِ؛ لِأنَّ الضَّحّاكَ لَمْ يَذْكُرِ التَّيَمُّمَ في رِوايَتِهِ، وابْنَ الهادِ قالَ في رِوايَتِهِ ”مَسَحَ وجْهَهَ ويَدَيْهِ“، قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، والبَيْهَقِيُّ، ورَوى الدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ ظَبْيانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قالَ: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ» .

قالَ الدّارَقُطْنِيُّ: وقَفَهُ يَحْيى القَطّانُ، وهُشَيْمٌ وغَيْرُهُما، وهو الصَّوابُ، ثُمَّ رَواهُ مِن طَرِيقِ مالِكٍ عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا، قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، مَعَ أنَّ عَلِيَّ بْنَ ظَبْيانَ ضَعَّفَهُ القَطّانُ، وابْنُ مَعِينٍ، وغَيْرُ واحِدٍ.

وَهُوَ ابْنُ ظَبْيانَ بْنِ هِلالٍ العَبْسِيُّ الكُوفِيُّ، قاضِي بَغْدادَ، قالَ فِيهِ في ”التَّقْرِيبِ“: ضَعِيفٌ.

وَرَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ مِن طَرِيقِ سالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «تَيَمَّمْنا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ضَرَبْنا بِأيْدِينا عَلى الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، ثُمَّ نَفَضْنا أيْدِيَنا فَمَسَحْنا بِها وُجُوهَنا، ثُمَّ ضَرَبْنا ضَرْبَةً أُخْرى فَمَسَحْنا مِنَ المَرافِقِ إلى الأكُفِّ» الحَدِيثَ، لَكِنْ في إسْنادِهِ سُلَيْمانُ بْنُ أرْقَمَ، وهو مَتْرُوكٌ.

قالَ البَيْهَقِيُّ: رَواهُ مَعْمَرٌ وغَيْرُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ مَوْقُوفًا، وهو الصَّحِيحُ، ورَواهُ الدَّراقُطْنِيُّ أيْضًا مِن طَرِيقِ سُلَيْمانَ بْنِ أبِي داوُدَ الحَرّانَيِّ، وهو مَتْرُوكٌ أيْضًا عَنْ سالِمٍ، ونافِعٍ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ: «وَفِي التَّيَمُّمِ ضَرْبَتانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ» .

قالَ أبُو زُرْعَةَ: حَدِيثٌ باطِلٌ، ورَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ مِن طَرِيقِ عُثْمانَ بْنِ (p-٣٦٢)مُحَمَّدٍ الأنْماطِيِّ عَنْ عَزْرَةَ بْنِ ثابِتٍ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وضَرْبَةٌ لِلذِّراعَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ»، ومِن طَرِيقِ أبِي نُعَيْمٍ عَنْ عَزْرَةَ بِسَنَدِهِ المَذْكُورِ، قالَ: «جاءَ رَجُلٌ، فَقالَ: أصابَتْنِي جَنابَةٌ، وإنِّي تَمَعَّكْتُ في التُّرابِ، فَقالَ: اضْرِبْ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ الأرْضَ فَمَسَحَ وجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَيْهِ فَمَسَحَ بِهِما إلى المِرْفَقَيْنِ» .

ضَعَّفَ ابْنُ الجَوْزِيِّ هَذا الحَدِيثَ بِأنَّ فِيهِ عُثْمانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ورُدَّ عَلى ابْنِ الجَوْزِيِّ بِأنَّ عُثْمانَ بْنَ مُحَمَّدٍ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أحَدٌ، كَما قالَهُ ابْنُ دَقِيقِ العِيدِ، لَكِنَّ رِوايَتَهُ المَذْكُورَةَ شاذَّةٌ؛ لِأنَّ أبا نُعَيْمٍ رَواهُ عَنْ عَزْرَةَ مَوْقُوفًا، أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ أيْضًا.

وَقالَ الدّارَقُطْنِيُّ في ”حاشِيَةِ السُّنَنِ“، عَقِبَ حَدِيثِ عُثْمانَ بْنِ مُحَمَّدٍ: كُلُّهم ثِقاتٌ، والصَّوابُ مَوْقُوفٌ، قالَ ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“، وقالَ في ”التَّقْرِيبِ“ في عُثْمانَ بْنِ مُحَمَّدٍ المَذْكُورِ مَقْبُولٌ، وقالَ في ”التَّلْخِيصِ“ أيْضًا، وفي البابِ عَنِ الأسْلَعِ، قالَ: «كُنْتُ أخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ بِآيَةِ الصَّعِيدِ، فَأرانِي التَّيَمُّمَ، فَضَرَبْتُ بِيَدَيَّ الأرْضَ واحِدَةً، فَمَسَحْتُ بِها وجْهِيَ ثُمَّ ضَرَبْتُ بِها الأرْضَ فَمَسَحْتُ بِها يَدَيَّ إلى المِرْفَقَيْنِ»، رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وفِيهِ الرَّبِيعُ بْنُ بَدْرٍ، وهو ضَعِيفٌ، وعَنْ أبِي أُمامَةَ، رَواهُ الطَّبَرانِيُّ، وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ أيْضًا.

وَرَواهُ البَزّارُ، وابْنُ عَدِيٍّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ مَرْفُوعًا: «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ»، تَفَرَّدَ بِهِ الحَرِيشُ بْنُ الخِرِّيتِ، عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنْها قالَ أبُو حاتِمٍ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، والحَرِيشُ شَيْخٌ لا يُحْتَجُّ بِهِ.

وَحَدِيثُ: «أنَّهُ ﷺ قالَ لِعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ: تَكْفِيكَ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وضَرْبَةٌ لِلْكَفَّيْنِ»، رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والكَبِيرِ، وفِيهِ إبْراهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي يَحْيى، وهو ضَعِيفٌ، ولَكِنَّهُ حُجَّةٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ.

وَحَدِيثُ عَمّارٍ: «كُنْتُ في القَوْمِ حِينَ نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ فَأمَرَنا فَضَرَبْنا واحِدَةً لِلْوَجْهِ، ثُمَّ ضَرْبَةً أُخْرى لِلْيَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ» .

رَواهُ البَزّارُ، ولا شَكَّ أنَّ الرِّوايَةَ المُتَّفَقَ عَلَيْها عَنْ عَمّارٍ أوْلى مِنهُ.

وَقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: أكْثَرُ الآثارِ المَرْفُوعَةِ عَنْ عَمّارٍ ضَرْبَةٌ واحِدَةٌ، وما رُوِيَ عَنْهُ مِن ضَرْبَتَيْنِ فَكُلُّها مُضْطَرِبَةٌ، اهـ، مِنهُ؛ فَبِهَذا كُلُّهُ تَعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يَصِحَّ في البابِ إلّا حَدِيثُ (p-٣٦٣)عَمّارٍ، وأبِي جُهَيْمٍ المُتَقَدِّمَيْنِ، كَما ذَكَرْنا.

فَإذا عَرَفْتَ نُصُوصَ السُّنَّةِ في المَسْألَةِ فاعْلَمْ أنَّ الواجِبَ في المَسْحِ الكَفّانِ فَقَطْ، ولا يَبْعُدُ ما قالَهُ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ مِن وُجُوبِ الكَفَّيْنِ، وسُنِّيَّةِ الذِّراعَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ، لِأنَّ الوُجُوبَ دَلَّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ في الكَفَّيْنِ.

وَهَذِهِ الرِّواياتُ الوارِدَةُ بِذِكْرِ اليَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ تَدُلُّ عَلى السُّنِّيَّةِ، وإنْ كانَتْ لا يَخْلُو شَيْءٌ مِنها مِن مَقالٍ، فَإنَّ بَعْضَها يَشُدُّ بَعْضًا، لِما تَقَرَّرَ في عُلُومِ الحَدِيثِ مِن أنَّ الطُّرُقَ الضَّعِيفَةَ المُعْتَبَرَ بِها يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا حَتّى يَصْلُحَ مَجْمُوعُها لِلِاحْتِجاجِ: لا تُخاصِمْ بِواحِدٍ أهْلَ بَيْتٍ، فَضَعِيفانِ يَغْلِبانِ قَوِيًّا، وتَعْتَضِدُ أيْضًا بِالمَوْقُوفاتِ المَذْكُورَةِ.

والأصْلُ إعْمالُ الدَّلِيلَيْنِ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ.

* *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَلْ يَجِبُ التَّرْتِيبُ في التَّيَمُّمِ أوْ لا ؟ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ مِنهُمُ الشّافِعِيُّ وأصْحابُهُ إلى أنَّ تَقْدِيمَ الوَجْهِ عَلى اليَدَيْنِ رُكْنٌ مِن أرْكانِ التَّيَمُّمِ، وحَكى النَّوَوِيُّ عَلَيْهِ اتِّفاقُ الشّافِعِيَّةِ، وذَهَبَتْ جَماعَةٌ مِنهم مالِكٌ، وجُلُّ أصْحابِهِ إلى أنَّ تَقْدِيمَ الوَجْهِ عَلى اليَدَيْنِ سُنَّةٌ.

وَدَلِيلُ تَقْدِيمِ الوَجْهِ عَلى اليَدَيْنِ أنَّهُ تَعالى قَدَّمَهُ في آيَةِ النِّساءِ، وآيَةِ المائِدَةِ، حَيْثُ قالَ فِيهِما: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ﴾ .

وَقَدْ قالَ ﷺ: «أبْدَأُ بِما بَدَأ اللَّهُ بِهِ»، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٥٨]، وفي بَعْضِ رِواياتِهِ ”ابْدَءُوا“ بِصِيغَةِ الأمْرِ، وذَهَبَ الإمامُ أحْمَدُ، ومَن وافَقَهُ إلى تَقْدِيمِ اليَدَيْنِ، مُسْتَدِلًّا بِما ورَدَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ في بابِ ”التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ“، مِن حَدِيثِ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: «إنَّما كانَ يَكْفِيكَ أنَّ تَصْنَعَ هَكَذا، فَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ ضَرْبَةً عَلى الأرْضِ، ثُمَّ نَفَضَها، ثُمَّ مَسَحَ بِها ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمالِهِ، أوْ ظَهْرَ شِمالِهِ بِكَفِّهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِها وجْهَهُ» الحَدِيثَ.

وَمَعْلُومٌ أنْ ”ثُمَّ“ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وأنَّ الواوَ لا تَقْتَضِيهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وإنَّما تَقْتَضِي مُطْلَقَ التَّشْرِيكِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ أنْ يَقُومَ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ عَلى أنَّ المَعْطُوفَ بِالواوِ مُؤَخَّرٌ عَمّا قَبْلَهُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ المُتَقَدِّمُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ﴾ الآيَةَ، وكَما في قَوْلِ حَسّانَ: [ الوافِرُ ](p-٣٦٤)

؎هَجَوْتَ مُحَمَّدًا وأجَبْتُ عَنْهُ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском