Ash-ShinqitiAl‑Ma'idah · 5:96

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:96

5:96Page 124

أُحِلَّ لَكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَحۡرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِلسَّيَّارَةِۖ وَحُرِّمَ عَلَيۡكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَرِّ مَا دُمۡتُمۡ حُرُمٗاۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٩٦

Lawful to you is game from the sea and its food as provision for you and the travelers,1 but forbidden to you is game from the land as long as you are in the state of iḥrām. And fear Allāh to whom you will be gathered.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾، الآيَةَ.

ظاهِرُ عُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ يَشْمَلُ إباحَةَ صَيْدِ البَحْرِ لِلْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، وهو كَذَلِكَ، كَما بَيَّنَهُ تَخْصِيصُهُ تَعالى تَحْرِيمَ الصَّيْدِ عَلى المُحْرِمِ بِصَيْدِ البَرِّ في قَوْلِهِ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ﴾ [المائدة: ٩٦]، فَإنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ صَيْدَ البَحْرِ لا يَحْرُمُ عَلى المُحْرِمِ، كَما هو ظاهِرٌ.

مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِالِاصْطِيادِ

فِي الإحْرامِ أوْ في الحَرَمِ

المَسْألَةُ الأُولى: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى مَنعِ صَيْدِ البَرِّ لِلْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ.

وَهَذا الإجْماعُ في مَأْكُولِ اللَّحْمِ الوَحْشِيِّ كالظَّبْيِ، والغَزالِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وتَحْرُمُ عَلَيْهِ الإشارَةُ إلى الصَّيْدِ والدَّلالَةُ عَلَيْهِ، لِما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن «حَدِيثِ أبِي قَتادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ كانَ مَعَ قَوْمٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو حَلالٌ وهم مُحْرِمُونَ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحْرِمٌ أمامَهم، فَأبْصَرُوا حِمارًا وحْشِيًّا وأبُو قَتادَةَ مَشْغُولٌ يَخْصِفُ نَعْلَهُ فَلَمْ يُؤْذُنُوهُ، وأحَبُّوا لَوْ أنَّهُ أبْصَرَهُ فَأبْصَرَهُ فَأسْرَجَ فَرَسَهُ؛ ثُمَّ رَكِبَ ونَسِيَ سَوْطَهُ ورُمْحَهُ فَقالَ لَهم: ناوِلُونِي السَّوْطَ والرُّمْحَ، فَقالُوا: واللَّهِ لا نُعِينُكَ عَلَيْهِ، فَغَضِبَ فَنَزَلَ (p-٤٣٠)فَأخَذَهُما فَرَكِبَ فَشَدَّ عَلى الحِمارِ فَعَقَرَهُ ثُمَّ جاءَ بِهِ وقَدْ ماتَ، فَوَقَعُوا فِيهِ يَأْكُلُونَهُ، ثُمَّ إنَّهم شَكُّوا في أكْلِهِمْ إيّاهُ وهم حُرُمٌ، فَأدْرَكُوا النَّبِيَّ ﷺ فَسَألُوهُ فَقَرَّرَهم عَلى أكْلِهِ، وناوَلَهُ أبُو قَتادَةَ عَضُدَ الحِمارِ الوَحْشِيِّ، فَأكَلَ مِنها ﷺ، ولِمُسْلِمٍ: ”هَلْ أشارَ إلَيْهِ إنْسانٌ أوْ أمَرَهُ بِشَيْءٍ“، قالُوا: لا، قالَ: ”فَكُلُوهُ“» .

وَلِلْبُخارِيِّ: «هَلْ مِنكم أحَدٌ أمَرَهُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْها ”، أوْ“ أشارَ إلَيْها ”قالُوا: لا، قالَ:“ فَكُلُوا ما بَقِيَ مِن لَحْمِها»، وقَدْ أجْمَعَ جَمِيعُ العُلَماءِ عَلى أنَّ ما صادَهُ مُحْرِمٌ لا يَجُوزُ أكْلُهُ لِلْمُحْرِمِ الَّذِي صادَهُ، ولا لِمُحْرِمٍ غَيْرِهِ، ولا لِحَلالٍ غَيْرِ مُحْرِمٍ؛ لِأنَّهُ مَيْتَةٌ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في أكْلِ المُحْرِمِ مِمّا صادَهُ حَلالٌ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ، قِيلَ: لا يَجُوزُ لَهُ الأكْلُ مُطْلَقًا، وقِيلَ: يَجُوزُ مُطْلَقًا، وقِيلَ: بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ ما صادَهُ لِأجْلِهِ، وما صادَهُ لا لِأجْلِهِ فَيُمْنَعُ الأوَّلُ دُونَ الثّانِي.

واحْتَجَّ أهْلُ القَوْلِ الأوَّلِ بِحَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثّامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّهُ أهْدى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمارًا وحْشِيًّا وهو بِالأبْواءِ أوْ بِوَدّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمّا رَأى ما في وجْهِهِ قالَ: ”إنّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلّا أنّا حَرامٌ“»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، ولِأحْمَدَ ومُسْلِمٍ «لَحْمَ حِمارٍ وحْشِيٍّ» .

واحْتَجُّوا أيْضًا بِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ أُهْدِيَ لَهُ عُضْوٌ مِن لَحْمِ صَيْدٍ فَرَدَّهُ، وقالَ: ”إنّا لا نَأْكُلُهُ إنّا حُرُمٌ»“ أخْرَجَهُ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ.

واحْتَجُّوا أيْضًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، ويُرْوى هَذا القَوْلُ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، واللَّيْثِ، والثَّوْرِيِّ، وإسْحاقَ، وعائِشَةَ وغَيْرِهِمْ.

واحْتَجَّ مَن قالَ: بِجَوازِ أكْلِ المُحْرِمِ ما صادَهُ الحَلالُ مُطْلَقًا؛ بِعُمُومِ الأحادِيثِ الوارِدَةِ بِجَوازِ أكْلِ المُحْرِمِ مِن صَيْدِ الحَلالِ، كَحَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، والإمامِ أحْمَدَ: «أنَّهُ كانَ في قَوْمٍ مُحْرِمُونَ، فَأُهْدِيَ لَهم طَيْرٌ، وطَلْحَةُ راقِدٌ، فَمِنهم مَن أكَلَ ومِنهم مَن تَوَرَّعَ فَلَمْ يَأْكُلْ، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وافَقَ مَن أكَلَهُ وقالَ: أكَلْناهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ» .

وَكَحَدِيثِ البَهْزِيِّ واسْمُهُ زَيْدُ بْنُ كَعْبٍ، أنَّهُ «قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ في حِمارٍ وحْشِيٍّ عَقِيرٍ (p-٤٣١)فِي بَعْضِ وادِي الرَّوْحاءِ وهو صاحِبُهُ: شَأْنُكم بِهَذا الحِمارِ، فَأمَرَ ﷺ أبا بَكْرٍ فَقَسَمَهُ في الرِّفاقِ وهم مُحْرِمُونَ»، أخْرَجَهُ الإمامانِ مالِكٌ في ”مُوَطَّئِهِ“، وأحْمَدُ في ”مَسْنَدِهِ“، والنَّسائِيُّ، وصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وغَيْرُهُ، كَما قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، ومِمَّنْ قالَ بِإباحَتِهِ مُطْلَقًا أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: أظْهَرُ الأقْوالِ وأقْواها دَلِيلًا، هو القَوْلُ المُفَصَّلُ بَيْنَ ما صِيدَ لِأجْلِ المُحْرِمِ؛ فَلا يَحِلُّ لَهُ، وبَيْنَ ما صادَهُ الحَلالُ، لا لِأجْلِ المُحْرِمِ؛ فَإنَّهُ يَحِلُّ لَهُ.

والدَّلِيلُ عَلى هَذا أمْرانِ:

الأوَّلُ: أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الأدِلَّةِ واجِبٌ مَتى ما أمْكَنَ؛ لِأنَّ إعْمالَ الدَّلِيلَيْنِ أوْلى مِن إلْغاءِ أحَدِهِما، ولا طَرِيقَ لِلْجَمْعِ إلّا هَذِهِ الطَّرِيقُ، ومَن عَدَلَ عَنْها لا بُدَّ أنْ يُلْغِيَ نُصُوصًا صَحِيحَةً.

الثّانِي: أنَّ جابِرًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «صَيْدُ البَرِّ لَكم حَلالٌ وأنْتُمْ حُرُمٌ، ما لَمْ تَصِيدُوهُ، أوْ يُصَدْ لَكم»، رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ.

وَقالَ الشّافِعِيُّ: هَذا أحْسَنُ حَدِيثٍ رُوِيَ في هَذا البابِ وأقْيَسُ، فَإنْ قِيلَ في إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ، عَمْرُو بْنُ أبِي عَمْرٍو مَوْلى المُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ، عَنْ مَوْلاهُ المُطَّلِبِ، عَنْ جابِرٍ، وعَمْرٌو مُخْتَلَفٌ فِيهِ، قالَ فِيهِ النَّسائِيُّ: لَيْسَ بِالقَوِيِّ في الحَدِيثِ، وإنْ كانَ قَدْ رَوى عَنْهُ مالِكٌ.

وَقالَ التِّرْمِذِيُّ في مَوْلاهُ المُطَّلِبِ أيْضًا: لا يُعْرَفُ لَهُ سَماعٌ مِن جابِرٍ، وقالَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ أيْضًا في مَوْضِعٍ آخَرَ، قالَ مُحَمَّدٌ: لا أعْرِفُ لَهُ سَماعًا مِن أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ، إلّا قَوْلَهُ حَدَّثَنِي مَن شَهِدَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ .

فالجَوابُ أنَّ هَذا كُلَّهُ لَيْسَ فِيهِ ما يَقْتَضِي رَدَّ هَذا الحَدِيثِ؛ لِأنَّ عَمْرًا المَذْكُورَ ثِقَةٌ، وهو مِن رِجالِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ، ومِمَّنْ رَوى عَنْهُ مالِكُ بْنُ أنَسٍ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ثِقَةٌ، وقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّقْرِيبِ“: ثِقَةٌ رُبَّما وهِمَ، وقالَ فِيهِ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: أمّا تَضْعِيفُ عَمْرِو بْنِ أبِي عَمْرٍو فَغَيْرُ ثابِتٍ؛ لِأنَّ البُخارِيَّ، ومُسْلِمًا رَوَيا لَهُ في صَحِيحَيْهِما، واحْتَجّا بِهِ، وهُما القُدْوَةُ في هَذا البابِ.

(p-٤٣٢)وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مالِكٌ، ورَوى عَنْهُ وهو القُدْوَةُ، وقَدْ عُرِفَ مِن عادَتِهِ أنَّهُ لا يَرْوِي في كِتابِهِ إلّا عَنْ ثِقَةٍ، وقالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِيهِ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وقالَ أبُو زُرْعَةَ: هو ثِقَةٌ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا بَأْسَ بِهِ.

وَقالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لا بَأْسَ بِهِ؛ لِأنَّ مالِكًا رَوى عَنْهُ، ولا يَرْوِي مالِكٌ إلّا عَنْ صَدُوقٍ ثِقَةٍ، قُلْتُ: وقَدْ عُرِفَ أنَّ الجَرْحَ لا يَثْبُتُ إلّا مُفَسَّرًا، ولَمْ يُفَسِّرْهُ ابْنُ مَعِينٍ، والنَّسائِيُّ بِما يُثْبِتُ تَضْعِيفَ عَمْرٍو المَذْكُورِ، وقَوْلُ التِّرْمِذِيِّ: إنَّ مَوْلاهُ المُطَّلِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ، لا يُعْرَفُ لَهُ سَماعٌ مِن جابِرٍ، وقَوْلُ البُخارِيِّ لِلتِّرْمِذِيِّ: لا أعْرِفُ لَهُ سَماعًا مِن أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ إلّا قَوْلَهُ: حَدَّثَنِي مَن شَهِدَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ما يَقْتَضِي رَدَّ رِوايَتِهِ، لِما قَدَّمْنا في سُورَةِ النِّساءِ مِن أنَّ التَّحْقِيقَ هو الِاكْتِفاءُ بِالمُعاصَرَةِ.

وَلا يَلْزَمُ ثُبُوتَ اللُّقْيِ، وأحْرى ثُبُوتُ السَّماعِ، كَما أوْضَحَهُ الإمامُ مُسْلِمُ بْنُ الحَجّاجِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - في مُقَدِّمَةِ ”صَحِيحِهِ“، بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، مَعَ أنَّ البُخارِيَّ ذَكَرَ في كَلامِهِ هَذا الَّذِي نَقَلَهُ عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ، أنَّ المُطَّلِبَ مَوْلى عَمْرِو بْنِ أبِي عَمْرٍو المَذْكُورَ، صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ مِمَّنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو تَصْرِيحٌ بِالسَّماعِ مِن بَعْضِ الصَّحابَةِ بِلا شَكٍّ.

وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: وأمّا إدْراكُ المُطَّلِبِ لِجابِرٍ، فَقالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: ورَوى عَنْ جابِرٍ، قالَ: ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ أدْرَكَهُ، هَذا هو كَلامُ ابْنِ أبِي حاتِمٍ، فَحَصَلَ شَكٌّ في إدْراكِهِ، ومَذْهَبُ مُسْلِمِ بْنِ الحَجّاجِ الَّذِي ادَّعى في مُقَدِّمَةِ ”صَحِيحِهِ“ الإجْماعَ فِيهِ أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ في اتِّصالِ الحَدِيثِ اللِّقاءُ، بَلْ يُكْتَفى بِإمْكانِهِ، والإمْكانُ حاصِلٌ قَطْعًا، ومَذْهَبُ عَلِيِّ بْنِ المَدِينِيِّ، والبُخارِيِّ، والأكْثَرِينَ اشْتِراطُ ثُبُوتِ اللِّقاءِ، فَعَلى مَذْهَبِ مُسْلِمٍ الحَدِيثُ مُتَّصِلٌ، وعَلى مَذْهَبِ الأكْثَرِينَ يَكُونُ مُرْسَلًا لِبَعْضِ كِبارِ التّابِعِينَ، وقَدْ سَبَقَ أنَّ مُرْسَلَ التّابِعِيِّ الكَبِيرِ يُحْتَجُّ بِهِ عِنْدَنا إذا اعْتَضَدَ بِقَوْلِ الصَّحابَةِ؛ أوْ قَوْلِ أكْثَرِ العُلَماءِ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا سَبَقَ.

وَقَدِ اعْتَضَدَ هَذا الحَدِيثُ، فَقالَ بِهِ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - مَن سَنَذْكُرُهُ في فَرْعِ مَذاهِبِ العُلَماءِ. اهـ. كَلامُ النَّوَوِيِّ، فَظَهَرَتْ صِحَّةُ الِاحْتِجاجِ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ عَلى كُلِّ التَّقْدِيراتِ، عَلى مَذاهِبِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ؛ لِأنَّ الشّافِعِيَّ مِنهم هو الَّذِي لا يَحْتَجُّ (p-٤٣٣)بِالمُرْسَلِ، وقَدْ عَرَفْتَ احْتِجاجَهُ بِهَذا الحَدِيثِ عَلى تَقْدِيرِ إرْسالِهِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: نَعَمْ، يُشْتَرَطُ في قَبُولِ رِوايَةِ المُدَلِّسِ التَّصْرِيحُ بِالسَّماعِ، والمُطَّلِبُ المَذْكُورُ مُدَلِّسٌ، لَكِنَّ مَشْهُورَ مَذْهَبِ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، وأحْمَدَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى - صِحَّةُ الِاحْتِجاجِ بِالمُرْسَلِ، ولاسِيَّما إذا اعْتَضَدَ بِغَيْرِهِ كَما هُنا، وقَدْ عَلِمْتَ مِن كَلامِ النَّوَوِيِّ مُوافَقَةَ الشّافِعِيَّةِ.

واحْتَجَّ مَن قالَ بِأنَّ المُرْسَلَ حُجَّةٌ بِأنَّ العَدْلَ لا يَحْذِفُ الواسِطَةَ مَعَ الجَزْمِ بِنِسْبَةِ الحَدِيثِ لِمَن فَوْقَها، إلّا وهو جازِمٌ بِالعَدالَةِ والثِّقَةِ فِيمَن حَذَفَهُ، حَتّى قالَ بَعْضُ المالِكِيَّةِ: إنَّ المُرْسَلَ مُقَدَّمٌ عَلى المَسْنَدِ؛ لِأنَّهُ ما حَذَفَ الواسِطَةَ في المُرْسَلِ إلّا وهو مُتَكَفِّلٌ بِالعَدالَةِ والثِّقَةِ فِيما حَذَفَ بِخِلافِ المُسْنَدِ، فَإنَّهُ يُحِيلُ النّاظِرَ عَلَيْهِ، ولا يَتَكَفَّلُ لَهُ بِالعَدالَةِ والثِّقَةِ، وإلى هَذا أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ في مَبْحَثِ المُرْسَلِ: [ الرَّجَزُ ]

؎وَهُوَ حُجَّةٌ ولَكِنْ رُجِّحا عَلَيْهِ مُسْنَدٌ وعَكْسٌ صُحِّحا

وَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن يَحْتَجُّ بِالمُرْسَلِ يَحْتَجُّ بِعَنْعَنَةِ المُدَلِّسِ مِن بابٍ أوْلى، فَظَهَرَتْ صِحَّةُ الِاحْتِجاجِ بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ عِنْدَ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، وأحْمَدَ مَعَ أنَّ هَذا الحَدِيثَ لَهُ شاهِدٌ عِنْدَ الخَطِيبِ وابْنِ عَدِيٍّ مِن رِوايَةِ عُثْمانَ بْنِ خالِدٍ المَخْزُومِيِّ، عَنْ مالِكٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، كَما نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“ وغَيْرِهِ وهو يُقَوِّيهِ.

وَإنْ كانَ عُثْمانُ المَذْكُورُ ضَعِيفًا؛ لِأنَّ الضَّعِيفَ يُقَوِّي المُرْسَلَ، كَما عُرِفَ في عُلُومِ الحَدِيثِ، فالظّاهِرُ أنَّ حَدِيثَ جابِرٍ هَذا صالِحٌ، وأنَّهُ نَصٌّ في مَحَلِّ النِّزاعِ، وهو جَمْعٌ بَيْنَ هَذِهِ الأدِلَّةِ بِعَيْنِ الجَمْعِ الَّذِي ذَكَرْنا أوَّلًا، فاتَّضَحَ بِهَذا أنَّ الأحادِيثَ الدّالَّةَ عَلى مَنعِ أكْلِ المُحْرِمِ مِمّا صادَهُ الحَلالُ كُلَّها مَحْمُولَةٌ عَلى أنَّهُ صادَهُ مِن أجْلِهِ، وأنَّ الأحادِيثَ الدّالَّةَ عَلى إباحَةِ الأكْلِ مِنهُ مَحْمُولَةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَصِدْهُ مِن أجْلِهِ، ولَوْ صادَهُ لِأجْلِ مُحْرِمٍ مُعَيَّنٍ حَرُمَ عَلى جَمِيعِ المُحْرِمِينَ، خِلافًا لِمَن قالَ: لا يَحْرُمُ إلّا عَلى ذَلِكَ المُحْرِمِ المُعَيَّنِ الَّذِي صِيدَ مِن أجْلِهِ.

وَيُرْوى هَذا عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ - ﷺ: «أوْ يُصَدْ لَكم» ”، ويَدُلُّ لِلْأوَّلِ ظاهِرُ قَوْلِهِ في حَدِيثِ أبِي قَتادَةَ:“ «هَلْ مِنكم أحَدٌ أمَرَهُ أنْ يُحْمَلَ عَلَيْها، أوْ أشارَ لَها ؟ ”قالُوا: لا، قالَ:“ فَكُلُوهُ»، فَمَفْهُومُهُ أنَّ إشارَةَ واحِدٍ مِنهم تُحَرِّمُهُ عَلَيْهِمْ كُلِّهم، ويَدُلُّ لَهُ أيْضًا ما رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ دُعِيَ وهو مُحْرِمٌ إلى (p-٤٣٤)طَعامٍ عَلَيْهِ صَيْدٌ فَقالَ: ”أطْعِمُوهُ حَلالًا فَإنّا حُرُمٌ“، وهَذا مَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ عِنْدَ أصْحابِهِ مَعَ اخْتِلافِ قَوْلِهِ في ذَلِكَ.

* *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا تَجُوزُ زَكاةُ المُحْرِمِ لِلصَّيْدِ بِأنْ يَذْبَحَهُ مَثَلًا، فَإنْ ذَبَحَهُ فَهو مَيْتَةٌ لا يَحِلُّ أكْلُهُ لِأحَدٍ كائِنًا مَن كانَ، إذْ لا فَرْقَ بَيْنَ قَتْلِهِ بِالعَقْرِ وقَتْلِهِ بِالذَّبْحِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وبِهَذا قالَ مالِكٌ وأصْحابُهُ كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والقاسِمُ، وسالِمٌ، والأوْزاعِيُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْيِ، والشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، وقالَ الحَكَمُ، والثَّوْرِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ: لا بَأْسَ بِأكْلِهِ، قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: هو بِمَنزِلَةِ ذَبِيحَةِ السّارِقِ.

وَقالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ وأيُّوبُ السَّخْتِيانِيُّ: يَأْكُلُهُ الحَلالُ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“، وغَيْرُهُ.

واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِأنَّ مَن أباحَتْ ذَكاتُهُ غَيْرَ الصَّيْدِ أباحَتِ الصَّيْدَ كالحَلالِ، والظّاهِرُ هو ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ ذَبْحَ المُحْرِمِ لا يُحِلُّ الصَّيْدَ، ولا يُعْتَبَرُ ذَكاةً لَهُ؛ لِأنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ حَرامٌ عَلَيْهِ، ولِأنَّ ذَكاتَهُ لا تُحِلُّ لَهُ هو أكْلَهُ إجْماعًا، وإذا كانَ الذَّبْحُ لا يُفِيدُ الحِلَّ لِلذّابِحِ، فَأوْلى وأحْرى ألّا يُفِيدَ لِغَيْرِهِ؛ لِأنَّ الفَرْعَ تَبَعٌ لِلْأصْلِ في أحْكامِهِ، فَلا يَصِحُّ أنْ يَثْبُتَ ما لا يَثْبُتُ لِأصْلِهِ، قالَهُ القُرْطُبِيُّ، وهو ظاهِرٌ.

* *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الحَيَوانُ البَرِّيُّ ثَلاثَةُ أقْسامٍ: قِسْمٌ هو صَيْدٌ إجْماعًا، وهو ما كالغَزالِ مِن كُلِّ وحْشِيٍّ حَلالِ الأكْلِ، فَيُمْنَعُ قَتْلُهُ لِلْمُحْرِمِ، وإنْ قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الجَزاءُ، وقِسْمٌ لَيْسَ بِصَيْدٍ إجْماعًا، ولا بَأْسَ بِقَتْلِهِ، وقِسْمٌ اخْتُلِفَ فِيهِ.

أمّا القِسْمُ الَّذِي لا بَأْسَ بِقَتْلِهِ، ولَيْسَ بِصَيْدٍ إجْماعًا فَهو الغُرابُ، والحِدَأةُ، والعَقْرَبُ، والفَأْرَةُ، والكَلْبُ العَقُورُ.

وَأمّا القِسْمُ المُخْتَلَفُ فِيهِ: فَكالأسَدِ، والنَّمِرِ، والفَهْدِ، والذِّئْبِ، وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّها قالَتْ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِ خَمْسِ فَواسَقَ في الحِلِّ، والحَرَمِ: الغُرابُ، والحِدَأةُ، والعَقْرَبُ، والفَأْرَةُ، والكَلْبُ العَقُورُ» .

(p-٤٣٥)وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوابِّ لَيْسَ عَلى المُحْرِمِ في قَتْلِهِنَّ جُناحٌ»، ثُمَّ عَدَّ الخَمْسَ المَذْكُورَةَ آنِفًا، ولا شَكَّ أنَّ الحَيَّةَ أوْلى بِالقَتْلِ مِنَ العَقْرَبِ.

وَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ مُحْرِمًا بِقَتْلِ حَيَّةٍ بِمِنًى»، وعَنِ ابْنِ عَمْرٍو سُئِلَ: ما يَقْتُلُ الرَّجُلُ مِنَ الدَّوابِّ وهو مُحْرِمٌ ؟ فَقالَ: ”حَدَّثَتْنِي إحْدى نِسْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ كانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الكَلْبِ العَقُورِ، والفَأْرَةِ، والعَقْرَبِ، والحِدَأةِ، والغُرابِ، والحَيَّةِ»“ رَواهُ مُسْلِمٌ أيْضًا.

والأحادِيثُ في البابِ كَثِيرَةٌ، والجارِي عَلى الأُصُولِ تَقْيِيدُ الغُرابِ بِالأبْقَعِ، وهو الَّذِي فِيهِ بَياضٌ، لِما رَوى مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ في عَدِّ الفَواسِقِ الخَمْسِ المَذْكُورَةِ، والغُرابِ الأبْقَعِ. والمُقَرَّرُ في الأُصُولِ حَمْلُ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ، وما أجابَ بِهِ بَعْضُ العُلَماءِ مِن أنَّ رِواياتِ الغُرابِ بِالإطْلاقِ مُتَّفَقٌ عَلَيْها، فَهي أصَحُّ مِن رِوايَةِ القَيْدِ بِالأبْقَعِ لا يَنْهَضُ، إذْ لا تَعارُضَ بَيْنَ مُقَيَّدٍ ومُطْلَقٍ؛ لِأنَّ القَيْدَ بَيانٌ لِلْمُرادِ مِنَ المُطْلَقِ.

وَلا عِبْرَةَ بِقَوْلِ عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ بِمَنعِ قَتْلِ الغُرابِ لِلْمُحْرِمِ؛ لِأنَّهُ خِلافُ النَّصِّ الصَّرِيحِ الصَّحِيحِ، وقَوْلُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، ولا عِبْرَةَ أيْضًا بِقَوْلِ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ: إنَّ قَتْلَ الفَأْرَةِ جَزاءٌ، لِمُخالَفَتِهِ أيْضًا لِلنَّصِّ وقَوْلِ عامَّةِ العُلَماءِ، كَما لا عِبْرَةَ أيْضًا بِقَوْلِ الحَكَمِ، وحَمّادٍ: ”لا يَقْتُلُ المُحْرِمُ العَقْرَبَ، والحَيَّةَ“، ولا شَكَّ أنَّ السِّباعَ العادِيَّةَ كالأسَدِ، والنَّمِرِ، والفَهْدِ أوْلى بِالقَتْلِ مِنَ الكَلْبِ؛ لِأنَّها أقْوى مِنهُ عَقْرًا، وأشَدُّ مِنهُ فَتْكًا.

واعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالكَلْبِ العَقُورِ، فَرَوى سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ بِإسْنادٍ حَسَنٍ، أنَّهُ الأسَدُ، قالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ قالَ: وأيُّ كَلْبٍ أعْقَرُ مِنَ الحَيَّةِ.

وَقالَ زُفَرُ: المُرادُ بِهِ هُنا الذِّئْبُ خاصَّةً، وقالَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ: كُلُّ ما عَقَرَ النّاسَ، وعَدا عَلَيْهِمْ، وأخافَهم، مِثْلُ الأسَدِ، والنَّمِرِ، والفَهْدِ، والذِّئْبِ فَهو عَقُورٌ، وكَذا نَقَلَ أبُو عُبَيْدٍ عَنْ سُفْيانَ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: المُرادُ بِالكَلْبِ هُنا هو الكَلْبُ المُتَعارَفُ خاصَّةً، ولا يُلْحَقُ بِهِ في هَذا الحُكْمِ سِوى الذِّئْبِ، واحْتَجَّ الجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (p-٤٣٦)[المائدة: ٤]، فاشْتَقَّها مِنَ اسْمِ الكَلْبِ، وبِقَوْلِهِ ﷺ في ولَدِ أبِي لَهَبٍ: «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ، فَقَتَلَهُ الأسَدُ»، رَواهُ الحاكِمُ وغَيْرُهُ بِإسْنادٍ حَسَنٍ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: التَّحْقِيقُ أنَّ السِّباعَ العادِيَّةَ لَيْسَتْ مِنَ الصَّيْدِ، فَيَجُوزُ قَتْلُها لِلْمُحْرِمِ وغَيْرِهِ في الحَرَمِ وغَيْرِهِ. لِما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ مِن أنَّ العِلَّةَ تُعَمِّمُ مَعْلُولَها؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ”العَقُورُ“ عِلَّةٌ لِقَتْلِ الكَلْبِ، فَيُعْلَمُ مِنهُ أنَّ كُلَّ حَيَوانٍ طَبْعُهُ العَقْرُ كَذَلِكَ.

وَلِذا لَمْ يَخْتَلِفِ العُلَماءُ في أنَّ قَوْلَهُ ﷺ في حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: ”«لا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وهو غَضْبانُ“»، أنَّ هَذِهِ العِلَّةَ الَّتِي هي في ظاهِرِ الحَدِيثِ الغَضَبُ تُعَمِّمُ مَعْلُولَها فَيَمْتَنِعُ الحُكْمُ لِلْقاضِي بِكُلِّ مُشَوِّشٍ لِلْفِكْرِ، مانِعٍ مِنَ اسْتِيفاءِ النَّظَرِ في المَسائِلِ كائِنًا ما كانَ غَضَبًا أوْ غَيْرَهُ، كَجُوعٍ وعَطَشٍ مُفْرِطَيْنِ، وحُزْنٍ وسُرُورٍ مُفْرِطَيْنِ، وحَقْنٍ وحَقَبٍ مُفْرِطَيْنِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وإلى هَذا أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ قَوْلُهُ في مَبْحَثِ العِلَّةِ: [ الرَّجَزُ ]

؎وَقَدْ تُخَصَّصُ وقَدْ تُعَمَّمُ لِأصْلِها لَكِنَّها لا تُخْرَمُ

وَيَدُلُّ لِهَذا ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والإمامُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «سُئِلَ عَمّا يَقْتُلُ المُحْرِمُ فَقالَ: ”الحَيَّةُ، والعَقْرَبُ، والفُوَيْسِقَةُ، ويَرْمِي الغُرابَ ولا يَقْتُلُهُ، والكَلْبُ العَقُورُ، والحِدَأةُ، والسَّبُعُ العادِيُّ»“، وهَذا الحَدِيثُ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.

وَضَعَّفَ ابْنُ كَثِيرٍ رِوايَةَ يَزِيدَ بْنِ أبِي زِيادٍ، وقالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“ فِيهِ يَزِيدُ بْنُ أبِي زِيادٍ، وهو ضَعِيفٌ، وفِيهِ لَفْظَةٌ مُنْكَرَةٌ وهي قَوْلُهُ: «وَيَرْمِي الغُرابَ ولا يَقْتُلُهُ»، وقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: إنْ صَحَّ هَذا الخَبَرُ حُمِلَ قَوْلُهُ هَذا عَلى أنَّهُ لا يُتَأكَّدُ نَدْبُ قَتْلِ الغُرابِ كَتَأْكِيدِ قَتْلِ الحَيَّةِ وغَيْرِها.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: تَضْعِيفُ هَذا الحَدِيثِ، ومَنعُ الِاحْتِجاجِ مُتَعَقَّبٌ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ؛ لِأنَّ يَزِيدَ بْنَ أبِي زِيادٍ مِن رِجالِ صَحِيحِهِ وأخْرَجَ لَهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا، ومَنعُ الِاحْتِجاجِ بِحَدِيثٍ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ لا يَخْلُو مِن نَظَرٍ، وقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ في مُقَدِّمَةِ ”صَحِيحِهِ“، أنَّ مَن أخْرَجَ حَدِيثَهم في غَيْرِ الشَّواهِدِ والمُتابَعاتِ أقَلُّ أحْوالِهِمْ قَبُولُ الرِّوايَةِ فَيَزِيدُ بْنُ أبِي زِيادٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَقْبُولُ الرِّوايَةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ (p-٤٣٧)العِراقِيُّ في ألْفِيَّتِهِ: [ الرَّجَزُ ]

؎فاحْتاجَ أنْ يَنْزِلَ في الإسْنادِ ∗∗∗ إلى يَزِيدَ بْنِ أبِي زِيادِ

الوَجْهُ الثّانِي: أنّا لَوْ فَرَضْنا ضَعْفَ هَذا الحَدِيثِ، فَإنَّهُ يُقَوِّيهِ ما ثَبَتَ مِنَ الأحادِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْها مِن جَوازِ قَتْلِ الكَلْبِ العَقُورِ في الإحْرامِ وفي الحَرَمِ، والسَّبُعُ العادِيُّ إمّا أنْ يَدْخُلَ في المُرادِ بِهِ، أوْ يُلْحَقَ بِهِ إلْحاقًا صَحِيحًا لا مِراءَ فِيهِ، وما ذَكَرَهُ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِن أنَّ الكَلْبَ العَقُورَ يُلْحَقُ بِهِ الذِّئْبُ فَقَطْ؛ لِأنَّهُ أشْبَهُ بِهِ مِن غَيْرِهِ لا يَظْهَرُ؛ لِأنَّهُ لا شَكَّ في أنَّ فَتْكَ الأسَدِ والنَّمِرِ مَثَلًا، أشَدُّ مِن عَقْرِ الكَلْبِ والذِّئْبِ، ولَيْسَ مِنَ الواضِحِ أنْ يُباحَ قَتْلُ ضَعِيفِ الضَّرَرِ، ويُمْنَعَ قَتْلُ قَوِيِّهِ؛ لِأنَّ فِيهِ عِلَّةَ الحُكْمِ وزِيادَةً، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الإلْحاقِ مِن دَلالَةِ اللَّفْظِ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ الأُصُولِ، لا مِنَ القِياسِ، خِلافًا لِلشّافِعِيِّ وقَوْمٍ، كَما قَدَّمْنا في سُورَةِ النِّساءِ.

وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما نَصُّهُ: قُلْتُ: العَجَبُ مِن أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَحْمِلُ التُّرابَ عَلى البُرِّ بِعِلَّةِ الكَيْلِ، ولا يَحْمِلُ السِّباعَ العادِيَّةَ عَلى الكَلْبِ بِعِلَّةِ الفِسْقِ والعَقْرِ، كَما فَعَلَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، رَحِمَهُما اللَّهُ.

واعْلَمْ أنَّ الصَّيْدَ عِنْدَ الشّافِعِيِّ هو مَأْكُولُ اللَّحْمِ فَقَطْ، فَلا شَيْءَ عِنْدَهُ في قَتْلٍ ما لَمْ يُؤْكَلْ لَحْمُهُ، والصِّغارُ مِنهُ والكِبارُ عِنْدَهُ سَواءٌ، إلّا المُتَوَلِّدَ مِن بَيْنِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وغَيْرِ مَأْكُولِهِ، فَلا يَجُوزُ اصْطِيادُهُ عِنْدَهُ، وإنْ كانَ يَحْرُمُ أكْلُهُ، كالسَّمْعِ وهو المُتَوَلِّدُ مِن بَيْنِ الذِّئْبِ والضَّبُعِ، وقالَ: لَيْسَ في الرَّخَمَةِ، والخَنافِسِ، والقِرْدانِ، والحَلَمِ، وما لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ شَيْءٌ؛ لِأنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ الصَّيْدِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، فَدَلَّ أنَّ الصَّيْدَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِمْ، هو ما كانَ حَلالًا لَهم قَبْلَ الإحْرامِ، وهَذا هو مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ.

أمّا مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَذَهَبَ إلى أنَّ كُلَّ ما لا يَعْدُو مِنَ السِّباعِ، كالهِرِّ، والثَّعْلَبِ، والضَّبُعِ وما أشْبَهَها، لا يَجُوزُ قَتْلُهُ. فَإنْ قَتَلَهُ فَداهُ، قالَ: وصِغارُ الذِّئابِ لا أرى أنْ يَقْتُلَها المُحْرِمِ، فَإنْ قَتَلَها فَداها، وهي مِثْلُ فِراخِ الغِرْبانِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: أمّا الضَّبُعُ فَلَيْسَتْ مِثْلَ ما ذُكِرَ مَعَها لِوُرُودِ النَّصِّ فِيها، دُونَ غَيْرِها؛ بِأنَّها صَيْدٌ يَلْزَمُ فِيهِ الجَزاءُ، كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وَلَمْ يُجِزْ مالِكٌ لِلْمُحْرِمِ قَتْلَ الزُّنْبُورِ، وكَذَلِكَ النَّمْلُ، والذُّبابُ، والبَراغِيثُ، وقالَ: (p-٤٣٨)إنْ قَتَلَها مُحْرِمٌ يُطْعِمُ شَيْئًا، وثَبَتَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إباحَةُ قَتْلِ الزُّنْبُورِ، وبَعْضُ العُلَماءِ شَبَّهَهُ بِالعَقْرَبِ، وبَعْضُهم يَقُولُ: إذا ابْتَدَأ بِالأذى جازَ قَتْلُهُ، وإلّا فَلا، وأقْيَسُها ما ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ؛ لِأنَّهُ مِمّا طَبِيعَتُهُ أنْ يُؤْذِيَ.

وَقَدْ قَدَّمْنا عَنِ الشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، وغَيْرِهِمْ أنَّهُ لا شَيْءَ في غَيْرِ الصَّيْدِ المَأكُولِ، وهو ظاهِرُ القُرْآنِ العَظِيمِ.

* *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ المُحْرِمَ إذا صادَ الصَّيْدَ المُحَرَّمَ عَلَيْهِ، فَعَلَيْهِ جَزاؤُهُ، كَما هو صَرِيحُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلَكَ صِيامًا لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] .

اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾، أنَّهُ مُتَعَمِّدٌ قَتْلَهُ، ذاكِرٌ إحْرامَهُ، كَما هو صَرِيحُ الآيَةِ. وقَوْلُ عامَّةِ العُلَماءِ.

وَما فَسَّرَهُ بِهِ مُجاهِدٌ، مِن أنَّ المُرادَ أنَّهُ مُتَعَمِّدٌ لِقَتْلِهِ ناسٍ لِإحْرامِهِ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿وَمَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾، قالَ: لَوْ كانَ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ؛ لَوَجَبَتْ عَلَيْهِ العُقُوبَةُ لِأوَّلِ مَرَّةٍ، وقالَ: إنْ كانَ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ، فَقَدْ بَطَلَ حَجُّهُ لِارْتِكابِهِ مَحْظُورَ الإحْرامِ، غَيْرُ صَحِيحٍ، ولا ظاهِرٌ لِمُخالَفَتِهِ ظاهِرَ القُرْآنِ بِلا دَلِيلٍ؛ ولِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مُتَعَمِّدٌ ارْتِكابَ المَحْظُورِ، والنّاسِي لِلْإحْرامِ غَيْرُ مُتَعَمِّدٍ مَحْظُورًا.

إذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ قاتِلَ الصَّيْدِ مُتَعَمِّدًا، عالِمًا بِإحْرامِهِ، عَلَيْهِ الجَزاءُ المَذْكُورُ في الآيَةِ، بِنَصِّ القُرْآنِ العَظِيمِ، وهو قَوْلُ عامَّةِ العُلَماءِ، خِلافًا لِمُجاهِدٍ، ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ حُكْمَ النّاسِي، والمُخْطِئِ.

والفَرْقُ بَيْنَهُما: أنَّ النّاسِيَ هو مَن يَقْصِدُ قَتْلَ الصَّيْدِ ناسِيًا إحْرامَهُ، والمُخْطِئُ هو مَن يَرْمِي غَيْرَ الصَّيْدِ، كَما لَوْ رَمى غَرَضًا فَيَقْتُلُ الصَّيْدَ مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِقَتْلِهِ.

وَلا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّهُما لا إثْمَ عَلَيْهِما، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٥]، ولِما قَدَّمْنا في ”صَحِيحٍ مُسْلِمٍ“: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا (p-٤٣٩)قَرَأ: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أنَّ اللَّهَ قالَ: قَدْ فَعَلْتُ» .

أمّا وُجُوبُ الجَزاءِ عَلَيْهِما فاخْتَلَفَ فِيهِ العُلَماءُ.

فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: مِنهُمُ المالِكِيَّةُ، والحَنَفِيَّةُ، والشّافِعِيَّةُ إلى وُجُوبِ الجَزاءِ في الخَطَإ، والنِّسْيانِ؛ لِدَلالَةِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ غُرْمَ المَتْلَفاتِ لا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ العامِدِ وبَيْنَ غَيْرِهِ، وقالُوا: لا مَفْهُومَ مُخالَفَةٍ لِقَوْلِهِ مُتَعَمِّدًا؛ لِأنَّهُ جَرْيٌ عَلى الغالِبِ، إذِ الغالِبُ ألّا يَقْتُلَ المُحْرِمُ الصَّيْدَ إلّا عامِدًا، وجَرى النَّصُّ عَلى الغالِبِ مِن مَوانِعِ اعْتِبارِ دَلِيلِ خِطابِهِ، أعْنِي مَفْهُومَ مُخالَفَتِهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ صاحِبِ ”مَراقِي السُّعُودِ“ في مَوانِعِ اعْتِبارِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ: [ الرَّجَزُ ]

؎أوْ جَهِلَ الحُكْمَ أوِ النُّطْقُ انْجَلَبْ لِلسُّؤْلِ أوْ جَرى عَلى الَّذِي غَلَبْ

وَلِذا لَمْ يَعْتَبِرْ جُمْهُورُ العُلَماءِ مَفْهُومَ المُخالَفَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللّاتِي في حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]؛ لِجَرْيهِ عَلى الغالِبِ، وقالَ بَعْضُ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ، كالزُّهْرِيِّ: وجَبَ الجَزاءُ في العَمْدِ بِالقُرْآنِ العَظِيمِ، وفي الخَطَإ والنِّسْيانِ بِالسُّنَّةِ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: إنْ كانَ يُرِيدُ بِالسُّنَّةِ الآثارَ الَّتِي ورَدَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعُمَرَ فَنِعِمّا هي، وما أحْسَنَها أُسْوَةً.

واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ: بِأنَّهُ ﷺ «سُئِلَ عَنِ الضَّبُعِ، فَقالَ: ”هي صَيْدٌ»“، وجَعَلَ فِيها إذا أصابَها المُحْرِمُ كَبْشًا، ولَمْ يَقُلْ عَمْدًا ولا خَطَأً، فَدَلَّ عَلى العُمُومِ، وقالَ ابْنُ بُكَيْرٍ مِن عُلَماءِ المالِكِيَّةِ: قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: مُتَعَمِّدًا، لَمْ يُرِدْ بِهِ التَّجاوُزَ عَنِ الخَطَإ، وذِكْرُ التَّعَمُّدِ لِبَيانِ أنَّ الصَّيْدَ لَيْسَ كابْنِ آدَمَ الَّذِي لَيْسَ في قَتْلِهِ عَمْدًا كَفّارَةٌ.

وَقالَ القُرْطُبِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“: إنَّ هَذا القَوْلَ بِوُجُوبِ الجَزاءِ عَلى المُخْطِئِ، والنّاسِي، والعامِدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وطاوُسٍ، والحَسَنِ، وإبْراهِيمَ، والزُّهْرِيِّ، وبِهِ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأصْحابُهم.

وَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ النّاسِيَ، والمُخْطِئَ لا جَزاءَ عَلَيْهِما، وبِهِ قالَ الطَّبَرَيُّ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو ثَوْرٍ، وهو مَذْهَبُ داوُدَ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وطاوُسٍ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ القُرْطُبِيُّ.

واحْتَجَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِأمْرَيْنِ:

(p-٤٤٠)الأوَّلُ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ الآيَةَ، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَ المُتَعَمِّدِ لَيْسَ كَذَلِكَ.

الثّانِي: أنَّ الأصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ، فَمَنِ ادَّعى شَغْلَها، فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: هَذا القَوْلُ قَوِيٌّ جِدًّا مِن جِهَةِ النَّظَرِ والدَّلِيلِ.

* *

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском