Ash-ShinqitiAl‑Ma'idah · 5:96

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:96, continued

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إذا صادَ المُحْرِمُ الصَّيْدَ، فَأكَلَ مِنهُ، فَعَلَيْهِ جَزاءٌ واحِدٌ لِقَتْلِهِ، ولَيْسَ في أكْلِهِ إلّا التَّوْبَةُ والِاسْتِغْفارُ، وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ العُلَماءِ، وهو ظاهِرُ الآيَةِ، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ القائِلِ بِأنَّ عَلَيْهِ أيْضًا جَزاءَ ما أكَلَ، يَعْنِي قِيمَتَهُ، قالَ القُرْطُبِيُّ: وخالَفَهُ صاحِباهُ في ذَلِكَ، ويُرْوى مِثْلُ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَطاءٍ.

* *

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: إذا قَتَلَ المُحْرِمُ الصَّيْدَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، حُكِمَ عَلَيْهِ بِالجَزاءِ في كُلِّ مَرَّةٍ، في قَوْلِ جُمْهُورِ العُلَماءِ مِنهم مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وغَيْرُهم، وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ الآيَةَ؛ لِأنَّ تَكْرارَ القَتْلِ يَقْتَضِي تَكْرارَ الجَزاءِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالجَزاءِ إلّا مَرَّةً واحِدَةً، فَإنْ عادَ لِقَتْلِهِ مَرَّةً ثانِيَةً لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ، وقِيلَ لَهُ: يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنكَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ .

وَيُرْوى هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وإبْراهِيمُ، ومُجاهِدٌ، وشُرَيْحٌ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ القُرْطُبِيُّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ يَضْرِبُ حَتّى يَمُوتَ.

* *

المَسْألَةُ السّابِعَةُ: إذا دَلَّ المُحْرِمُ حَلالًا عَلى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ، فَهَلْ يَجِبُ عَلى المُحْرِمِ جَزاءٌ؛ لِتَسَبُّبِهِ في قَتْلِ الحَلالِ لِلصَّيْدِ بِدَلالَتِهِ لَهُ عَلَيْهِ أوْ لا ؟ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ، فَذَهَبَ الإمامُ أحْمَدُ، وأبُو حَنِيفَةَ إلى أنَّ المُحْرِمَ الدّالَّ يَلْزَمُهُ جَزاؤُهُ كامِلًا، ويُرْوى نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وبَكْرٍ المُزَنِيِّ، وإسْحاقَ، ويَدُلُّ لِهَذا القَوْلِ سُؤالُ النَّبِيِّ ﷺ أصْحابَهُ: ”«هَلْ أشارَ أحَدٌ مِنهم إلى أبِي قَتادَةَ عَلى الحِمارِ الوَحْشِيِّ» ؟“ .

فَإنَّ ظاهِرَهُ أنَّهم لَوْ دَلُّوهُ عَلَيْهِ كانَ بِمَثابَةِ ما لَوْ صادُوهُ في تَحْرِيمِ الأكْلِ؛ ويُفْهَمُ مِن (p-٤٤١)ذَلِكَ لُزُومُ الجَزاءِ، والقاعِدَةُ لُزُومُ الضَّمانِ لِلْمُتَسَبِّبِ إنْ لَمْ يُمْكِنْ تَضْمِينُ المُباشِرِ، والمُباشِرُ هُنا لا يُمْكِنُ تَضْمِينُهُ الصَّيْدَ؛ لِأنَّهُ حَلالٌ، والدّالُّ مُتَسَبِّبٌ، وهَذا القَوْلُ هو الأظْهَرُ، والَّذِينَ قالُوا بِهِ مِنهم مَن أطْلَقَ الدَّلالَةَ، ومِنهم مَنِ اشْتَرَطَ خَفاءَ الصَّيْدِ بِحَيْثُ لا يَراهُ دُونَ الدَّلالَةِ، كَأبِي حَنِيفَةَ، وقالَ الإمامُ الشّافِعِيُّ وأصْحابُهُ: لا شَيْءَ عَلى الدّالِ.

وَرُوِيَ عَنْ مالِكٍ نَحْوُهُ، قالُوا: لِأنَّ الصَّيْدَ يُضْمَنُ بِقَتْلِهِ، وهو لَمْ يَقْتُلْهُ وإذا عَلِمَ المُحْرِمُ أنَّ الحَلالَ صادَهُ مِن أجْلِهِ فَأكَلَ مِنهُ؛ فَعَلَيْهِ الجَزاءُ كامِلًا عِنْدَ مالِكٍ، كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ في ”مُوَطَّئِهِ“، وأمّا إذا دَلَّ المُحْرِمُ مُحْرِمًا آخَرَ عَلى الصَّيْدِ فَقَتَلَهُ، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: عَلَيْهِما جَزاءٌ واحِدٌ بَيْنَهُما، وهو مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما جَزاءٌ كامِلٌ، وبِهِ قالَ الشَّعْبِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحارِثُ العُكْلِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ، كَما نَقَلَهُ عَنْهم أيْضًا صاحِبُ ”المُغْنِي“ .

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الجَزاءُ كُلُّهُ عَلى المُحْرِمِ المُباشِرِ، ولَيْسَ عَلى المُحْرِمِ الدّالِّ شَيْءٌ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، ومالِكٍ، وهو الجارِي عَلى قاعِدَةِ تَقْدِيمِ المُباشِرِ عَلى المُتَسَبِّبِ في الضَّمانِ، والمُباشِرُ هُنا يُمْكِنُ تَضْمِينُهُ؛ لِأنَّهُ مُحْرِمٌ، وهَذا هو الأظْهَرُ، وعَلَيْهِ: فَعَلى الدّالِ الِاسْتِغْفارُ والتَّوْبَةُ، وبِهَذا تَعْرِفُ حُكْمَ ما لَوْ دَلَّ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا، ثُمَّ دَلَّ هَذا الثّانِي مُحْرِمًا ثالِثًا، وهَكَذا، فَقَتَلَهُ الأخِيرُ، إذْ لا يَخْفى مِنَ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ أنَّهم عَلى القَوْلِ الأوَّلِ شُرَكاءُ في جَزاءٍ واحِدٍ.

وَعَلى الثّانِي، عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم جَزاءٌ، وعَلى الثّالِثِ، لا شَيْءَ إلّا عَلى مَن باشَرَ القَتْلَ.

* *

المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: إذا اشْتَرَكَ مُحْرِمُونَ في قَتْلِ صَيْدٍ بِأنْ باشَرُوا قَتْلَهُ كُلَّهم، كَما إذا حَذَفُوهُ بِالحِجارَةِ والعِصِيِّ حَتّى ماتَ، فَقالَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ: عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم جَزاءٌ كامِلٌ، كَما لَوْ قَتَلَتْ جَماعَةٌ واحِدًا، فَإنَّهم يُقْتَلُونَ بِهِ جَمِيعًا؛ لَأنَّ كُلَّ واحِدٍ قاتِلٌ.

وَكَذَلِكَ هُنا كُلُّ واحِدٍ قاتِلٌ صَيْدًا فَعَلَيْهِ جَزاءٌ، وقالَ الشّافِعِيُّ ومَن وافَقَهُ: عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ جَزاءٌ واحِدٌ؛ لِقَضاءِ عُمَرَ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ، قالَهُ القُرْطُبِيُّ، ثُمَّ قالَ أيْضًا: ورَوى الدّارَقُطْنِيُّ: أنَّ مَوالِيَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ أحْرَمُوا فَمَرَّتْ بِهِمْ ضُبُعٌ فَحَذَفُوها بِعِصِيِّهِمْ فَأصابُوها، (p-٤٤٢)فَوَقَعَ في أنْفُسِهِمْ، فَأتَوُا ابْنَ عُمَرَ، فَذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ، فَقالَ: عَلَيْكم كُلُّكم كَبْشٌ، قالُوا: أوَعَلى كُلِّ واحِدٍ مِنّا كَبْشٌ ؟ قالَ: إنَّكم لَمُعَزَّزٌ بِكم عَلَيْكم كُلُّكم كَبْشٌ. قالَ اللُّغَوِيُّونَ: لَمُعَزَّزٌ بِكم أيْ لَمُشَدَّدٌ عَلَيْكم.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْمٍ أصابُوا ضَبُعًا فَقالَ: عَلَيْهِمْ كَبْشٌ يَتَخارَجُونَهُ بَيْنَهم، ودَلِيلُنا قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، وهَذا خِطابٌ لِكُلِّ قاتِلٍ. وكُلُّ واحِدٍ مِنَ القاتِلِينَ الصَّيْدَ قاتِلٌ نَفْسًا عَلى التَّمامِ والكَمالِ؛ بِدَلِيلِ قَتْلِ الجَماعَةِ بِالواحِدِ، ولَوْلا ذَلِكَ ما وجَبَ عَلَيْهِمُ القِصّاصُ، وقَدْ قُلْنا بِوُجُوبِهِ إجْماعًا مِنّا ومِنهم، فَثَبَتَ ما قُلْناهُ.

وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إذا قَتَلَ جَماعَةٌ صَيْدًا في الحَرَمِ وهم مُحِلُّونَ؛ فَعَلَيْهِمْ جَزاءٌ واحِدٌ، بِخِلافِ ما لَوْ قَتَلَهُ المُحْرِمُونَ في الحِلِّ أوِ الحَرَمِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَخْتَلِفُ.

وَقالَ مالِكٌ: عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم جَزاءٌ كامِلٌ؛ بِناءً عَلى أنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ مُحْرِمًا بِدُخُولِهِ الحَرَمَ، كَما يَكُونُ مُحْرِمًا بِتَلْبِيَتِهِ بِالإحْرامِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ قَدْ أكْسَبَهُ صِفَةً تَعَلَّقَ بِها نَهْيٌ، فَهو هاتِكٌ لَها في الحالَتَيْنِ.

وَحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ ما ذَكَرَهُ القاضِي أبُو زَيْدٍ الدَّبُّوسِيُّ، قالَ: السِّرُّ فِيهِ أنَّ الجِنايَةَ في الإحْرامِ عَلى العِبادَةِ، وقَدِ ارْتَكَبَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَحْظُورَ إحْرامِهِ.

وَإذا قَتَلَ المُحِلُّونَ صَيْدًا في الحَرَمِ، فَإنَّما أتْلَفُوا دابَّةً مُحْتَرَمَةً، بِمَنزِلَةِ ما لَوْ أتْلَفَ جَماعَةٌ دابَّةً؛ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم قاتِلٌ دابَّةً، ويَشْتَرِكُونَ في القِيمَةِ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وأبُو حَنِيفَةَ أقْوى مِنّا، وهَذا الدَّلِيلُ يَسْتَهِينُ بِهِ عُلَماؤُنا وهو عَسِيرُ الِانْفِصالِ عَلَيْنا. اهـ. مِنَ القُرْطُبِيِّ.

* *

المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ الصَّيْدَ يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ لَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ كَبَقَرَةِ الوَحْشِ، وقِسْمٌ لا مِثْلَ لَهُ مِنَ النَّعَمِ كالعَصافِيرِ.

وَجُمْهُورُ العُلَماءِ يَعْتَبِرُونَ المِثْلِيَّةَ بِالمُماثَلَةِ في الصُّورَةِ والخِلْقَةِ، وخالَفَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - الجُمْهُورَ، فَقالَ: إنَّ المُماثَلَةَ مَعْنَوِيَّةٌ، وهي القِيمَةُ، أيْ قِيمَةُ الصَّيْدِ في المَكانِ الَّذِي قَتَلَهُ فِيهِ، أوْ أقْرَبِ مَوْضِعٍ إلَيْهِ إنْ كانَ لا يُباعُ الصَّيْدُ في مَوْضِعِ قَتْلِهِ، فَيَشْتَرِي بِتِلْكَ القِيمَةِ هَدْيًا إنْ شاءَ، أوْ يَشْتَرِي بِها طَعامًا، ويُطْعِمُ المَساكِينَ كُلَّ (p-٤٤٣)مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ، أوْ صاعًا مِن شَعِيرٍ، أوْ صاعًا مِن تَمْرٍ.

واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِأنَّهُ لَوْ كانَ الشَّبَهُ مِن طَرِيقِ الخِلْقَةِ والصُّورَةِ مُعْتَبِرًا في النَّعامَةِ بَدَنَةً، وفي الحِمارِ بَقَرَةً، وفي الظَّبْيِ شاةً؛ لَما أوْقَفَهُ عَلى عَدْلَيْنِ يَحْكُمانِ بِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ عُلِمَ فَلا يُحْتاجُ إلى الِارْتِياءِ والنَّظَرِ، وإنَّما يَفْتَقِرُ إلى العَدْلَيْنِ والنَّظَرِ ما تَشَكَّلَ الحالُ فِيهِ، ويَخْتَلِفُ فِيهِ وجْهُ النَّظَرِ.

وَدَلِيلُ الجُمْهُورِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ: المُشابَهَةُ لِلصَّيْدِ في الخِلْقَةِ والصُّورَةِ مِنها، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الآيَةَ، فالمِثْلُ يَقْتَضِي بِظاهِرِهِ المِثْلَ الخِلْقِيَّ الصُّورِيَّ دُونَ المَعْنَوِيِّ، ثُمَّ قالَ: مِنَ النَّعَمِ، فَصَرَّحَ بِبَيانِ جِنْسِ المِثْلِ، ثُمَّ قالَ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾، وضَمِيرُ بِهِ راجِعٌ إلى المِثْلِ مِنَ النَّعَمِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِسِواهُ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ.

ثُمَّ قالَ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾، والَّذِي يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ هَدْيًا مِثْلَ المَقْتُولِ مِنَ النَّعَمِ، فَأمّا القِيمَةُ فَلا يُتَصَوَّرُ أنْ تَكُونَ هَدْيًا، ولا جَرى لَها ذِكْرٌ في نَفْسِ الآيَةِ، وادِّعاءُ أنَّ المُرادَ شِراءُ الهَدْيِ بِها يُعِيدُ مِن ظاهِرِ الآيَةِ، فاتَّضَحَ أنَّ المُرادَ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ، وقَوْلُهُ: لَوْ كانَ الشَّبَهُ الخِلْقِيُّ مُعْتَبَرًا لَما أوْقَفَهُ عَلى عَدْلَيْنِ ؟، أُجِيبَ عَنْهُ: بِأنَّ اعْتِبارَ العَدْلَيْنِ إنَّما وجَبَ لِلنَّظَرِ في حالِ الصَّيْدِ مِن كِبَرٍ وصِغَرٍ، وما لا جِنْسَ لَهُ مِمّا لَهُ جِنْسٌ، وإلْحاقُ ما لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ نَصٌّ بِما وقَعَ عَلَيْهِ النَّصُّ، قالَهُ القُرْطُبِيُّ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: المُرادُ بِالمِثْلِيَّةِ في الآيَةِ التَّقْرِيبُ، وإذًا فَنَوْعُ المُماثَلَةِ قَدْ يَكُونُ خَفِيًّا، لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلّا أهْلُ المَعْرِفَةِ والفِطْنَةِ التّامَّةِ، كَكَوْنِ الشّاةِ مَثَلًا لِلْحَمامَةِ؛ لِمُشابَهَتِها لَها في عَبِّ الماءِ والهَدِيرِ.

وَإذا عَرَفْتَ التَّحْقِيقَ في الجَزاءِ بِالمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ، فاعْلَمْ أنَّ قاتِلَ الصَّيْدِ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُ، وبَيْنَ الإطْعامِ، والصِّيامِ، كَما هو صَرِيحُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ؛ لِأنَّ ”أوْ“ حَرْفُ تَخْيِيرٍ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾، وعَلَيْهِ جُمْهُورُ العُلَماءِ.

فَإنِ اخْتارَ جَزاءً بِالمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ، وجَبَ ذَبْحُهُ في الحَرَمِ خاصَّةً؛ لِأنَّهُ حَقٌّ لِمَساكِينِ الحَرَمِ، ولا يُجْزِئُ في غَيْرِهِ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾، والمُرادُ الحَرَمُ كُلُّهُ، كَقَوْلِهِ: ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ [الحج: ٣٣]، مَعَ أنَّ المَنحَرَ الأكْبَرَ مِنًى، وإنِ اخْتارَ الطَّعامَ، فَقالَ مالِكٌ: أحْسَنُ ما سَمِعْتُ فِيهِ، أنَّهُ يُقَوَّمُ الصَّيْدُ (p-٤٤٤)بِالطَّعامِ، فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا، أوْ يَصُومُ مَكانَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا.

وَقالَ ابْنُ القاسِمِ عَنْهُ: إنْ قَوَّمَ الصَّيْدَ بِالدَّراهِمِ، ثُمَّ قَوَّمَ الدَّراهِمَ بِالطَّعامِ، أجْزَأهُ. والصَّوابُ: الأوَّلُ؛ فَإنْ بَقِيَ أقَلُّ مِن مُدٍّ تَصَدَّقَ بِهِ عِنْدَ بَعْضِ العُلَماءِ، وتَمَّمَهُ مُدًّا كامِلًا عِنْدَ بَعْضٍ آخَرَ، أمّا إذا صامَ، فَإنَّهُ يُكْمِلُ اليَوْمَ المُنْكَسِرَ بِلا خِلافٍ.

وَقالَ الشّافِعِيُّ: إذا اخْتارَ الإطْعامَ، أوِ الصِّيامَ، فَلا يُقَوَّمُ الصَّيْدُ الَّذِي لَهُ مِثْلٌ، وإنَّما يُقَوَّمُ مِثْلُهُ مِنَ النَّعَمِ بِالدَّراهِمِ، ثُمَّ تُقَوَّمُ الدَّراهِمُ بِالطَّعامِ، فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا، أوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، ويُتَمِّمُ المُنْكَسِرَ.

والتَّحْقِيقُ: أنَّ الخِيارَ لِقاتِلِ الصَّيْدِ الَّذِي هو دافِعُ الجَزاءِ.

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الخِيارُ لِلْعَدْلَيْنِ الحَكَمَيْنِ، وقالَ بَعْضُهم: يَنْبَغِي لِلْمُحَكِّمَيْنِ إذا حَكَما بِالمِثْلِ، أنْ يُخَيِّرا قاتِلَ الصَّيْدِ بَيْنَ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ.

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إذا حَكَما بِالمِثْلِ لَزِمَهُ، والقُرْآنُ صَرِيحٌ في أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ المِثْلُ مِنَ النَّعَمِ، إلّا إذا اخْتارَهُ عَلى الإطْعامِ والصَّوْمِ، لِلتَّخْيِيرِ المَنصُوصِ عَلَيْهِ بِحَرْفِ التَّخْيِيرِ في الآيَةِ.

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: هي عَلى التَّرْتِيبِ، فالواجِبُ الهَدْيُ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فالإطْعامُ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فالصَّوْمُ، ويُرْوى هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والنَّخَعِيِّ وغَيْرِهِما، ولا يَخْفى أنَّ في هَذا مُخالَفَةً لِظاهِرِ القُرْآنِ، بِلا دَلِيلٍ.

وَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدَّيْنِ يَوْمًا واحِدًا اعْتِبارًا بِفِدْيَةِ الأذى، قالَهُ القُرْطُبِيُّ. واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّهُ يَصُومُ عَدْلَ الطَّعامِ المَذْكُورِ، ولَوْ زادَ الصِّيامُ عَنْ شَهْرَيْنِ، أوْ ثَلاثَةٍ.

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا يَتَجاوَزُ صِيامَ الجَزاءِ شَهْرَيْنِ؛ لِأنَّهُما أعْلى الكَفّاراتِ، واخْتارَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ، ولَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ، ولَكِنْ ظاهِرُ الآيَةِ يُخالِفُهُ.

وَقالَ يَحْيى بْنُ عُمَرَ مِنَ المالِكِيَّةِ: إنَّما يُقالُ: كَمْ رَجُلًا يَشْبَعُ مِن هَذا الصَّيْدِ ؟؛ فَيَعْرِفُ العَدَدَ، ثُمَّ يُقالُ: كَمْ مِنَ الطَّعامِ يُشْبِهُ هَذا العَدَدَ ؟ فَإنْ شاءَ أخْرَجَ ذَلِكَ الطَّعامَ، وإنْ شاءَ صامَ عَدَدَ أمْدادِهِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ احْتاطَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَكُونُ قِيمَةُ الصَّيْدِ مِنَ الطَّعامِ قَلِيلَةً، فَبِهَذا النَّظَرِ يَكْثُرُ الإطْعامُ.

(p-٤٤٥)واعْلَمْ أنَّ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ، واحِدٌ مِنها يُشْتَرَطُ لَهُ الحَرَمُ إجْماعًا، وهو الهَدْيُ كَما تَقَدَّمَ، وواحِدٌ لا يُشْتَرَطُ لَهُ الحَرَمُ إجْماعًا، وهو الصَّوْمُ، وواحِدٌ اخْتُلِفَ فِيهِ، وهو الإطْعامُ، فَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّهُ لا يُطْعِمُ إلّا في الحَرَمِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ يُطْعِمُ في مَوْضِعِ إصابَةِ الصَّيْدِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ يُطْعِمُ حَيْثُ شاءَ، وأظْهَرُها أنَّهُ حَقٌّ لِمَساكِينِ الحَرَمِ؛ لِأنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الهَدْيِ، أوْ نَظِيرٌ لَهُ، وهو حَقٌّ لَهم إجْماعًا، كَما صَرَّحَ بِهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾، وأمّا الصَّوْمُ فَهو عِبادَةٌ تَخْتَصُّ بِالصّائِمِ لا حَقَّ فِيها لِمَخْلُوقٍ، فَلَهُ فِعْلُها في أيِّ مَوْضِعٍ شاءَ.

وَأمّا إنْ كانَ الصَّيْدُ لا مِثْلَ لَهُ مِنَ النَّعَمِ كالعَصافِيرِ؛ فَإنَّهُ يُقَوَّمُ، ثُمَّ يُعْرَفُ قَدْرُ قِيمَتِهِ مِنَ الطَّعامِ، فَيُخْرِجُهُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ، أوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا.

فَتَحَصَّلَ أنَّ مالَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ ثَلاثَةِ أشْياءَ: هي الهَدْيُ بِمِثْلِهِ، والإطْعامُ، والصِّيامُ، وأنَّ ما لا مِثْلَ لَهُ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَقَطْ: وهُما الإطْعامُ، والصِّيامُ عَلى ما ذَكَرْنا.

واعْلَمْ أنَّ المِثْلَ مِنَ النَّعَمِ لَهُ ثَلاثُ حالاتٍ:

الأُولى: أنْ يَكُونَ تَقَدَّمَ فِيهِ حُكْمٌ مِن - النَّبِيِّ ﷺ .

الثّانِيَةُ: أنْ يَكُونَ تَقَدَّمَ فِيهِ حُكْمٌ مِن عَدْلَيْنِ مِنَ الصَّحابَةِ، أوِ التّابِعَيْنِ مَثَلًا.

الثّالِثَةُ: ألّا يَكُونَ تَقَدَّمَ فِيهِ حُكْمٌ مِنهُ ﷺ ولا مِنهم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - فالَّذِي حَكَمَ ﷺ فِيهِ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ الحِكَمُ فِيهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وذَلِكَ كالضَّبُعِ، فَإنَّهُ ﷺ قَضى فِيها بِكَبْشٍ، قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”التَّلْخِيصِ“ ما نَصُّهُ: حَدِيثُ ”أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَضى في الضَّبُعِ بِكَبْشٍ»“ أخْرَجَهُ أصْحابُ السُّنَنِ، وابْنُ حِبّانَ، وأحْمَدُ، والحاكِمُ في ”المُسْتَدْرَكِ“ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي عَمّارٍ، عَنْ جابِرٍ بِلَفْظِ: سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الضَّبُعِ فَقالَ: «هو صَيْدٌ، ويُجْعَلُ فِيهِ كَبْشٌ إذا أصابَهُ المُحْرِمُ ”، ولَفْظُ الحاكِمِ:» جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الضَّبُعِ يُصِيبُهُ المُحْرِمُ كَبْشًا“، وجَعْلَهُ مِنَ الصَّيْدِ، وهو عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَقُلْ نَجْدِيًّا، قالَ التِّرْمِذِيُّ: سَألْتُ عَنْهُ البُخارِيَّ فَصَحَّحَهُ، وكَذا صَحَّحَهُ عَبْدُ الحَقِّ وقَدْ أعْلَّ بِالوَقْفِ، وقالَ البَيْهَقِيُّ: هو حَدِيثٌ جَيِّدٌ تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، ورَواهُ البَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ الأجْلَحِ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ، عَنْ عُمَرَ قالَ: «”لا أراهُ إلّا قَدْ رَفَعَهُ أنَّهُ حَكَمَ في الضَّبُعِ بِكَبْشٍ»“ . الحَدِيثَ، ورَواهُ الشّافِعِيُّ، عَنْ مالِكٍ عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ بِهِ مَوْقُوفًا، وصَحَّحَ وقْفَهُ مِن (p-٤٤٦)هَذا البابِ الدّارَقُطْنِيُّ، ورَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ مِن طَرِيقِ إبْراهِيمَ الصّائِغِ، عَنْ عَطاءٍ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «”الضَّبُعُ صَيْدٌ، فَإذا أصابَهُ المُحْرِمُ فَفِيهِ كَبْشٌ مُسِنٌّ ويُؤْكَلُ»“، وفي البابِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ، وقَدْ أعَلَّ بِالإرْسالِ.

وَرَواهُ الشّافِعِيُّ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا وقالَ: لا يَثْبُتُ مِثْلُهُ لَوِ انْفَرَدَ، ثُمَّ أكَّدَهُ بِحَدِيثِ ابْنِ أبِي عَمّارٍ المُتَقَدِّمِ، وقالَ البَيْهَقِيُّ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا أيْضًا.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: قَضاؤُهُ ﷺ بِكَبْشٍ ثابِتٌ كَما رَأيْتَ تَصْحِيحَ البُخارِيِّ وعَبْدِ الحَقِّ لَهُ، وكَذَلِكَ البَيْهَقِيُّ، والشّافِعِيُّ، وغَيْرُهم، والحَدِيثُ إذا ثَبَتَ صَحِيحًا مِن وجْهٍ لا يَقْدَحُ فِيهِ الإرْسالُ ولا الوَقْفُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى، كَما هو الصَّحِيحُ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ؛ لِأنَّ الوَصْلَ والرَّفْعَ مِنَ الزِّياداتِ، وزِيادَةُ العَدْلِ مَقْبُولَةٌ كَما هو مَعْرُوفٌ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ صاحِبِ ”مَراقِي السُّعُودِ“: [ الرَّجَزُ ]

؎والرَّفْعُ والوَصْلُ وزَيْدُ اللَّفْظِ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ إمامِ الحِفْظِ

... إلَخْ ...

وَأمّا إنْ تَقَدَّمَ فِيهِ حُكْمٌ مِن عَدْلَيْنِ مِنَ الصَّحابَةِ، أوْ مِمَّنْ بَعْدَهم، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يَتَّبِعُ حُكْمَهم ولا حاجَةَ إلى نَظَرِ عَدْلَيْنِ وحُكْمِهِما مِن جَدِيدٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقَدْ حَكَما بِأنَّ هَذا مِثْلٌ لِهَذا.

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا بُدَّ مِن حُكْمِ عَدْلَيْنِ مِن جَدِيدٍ، ومِمَّنْ قالَ بِهِ مالِكٌ، قالَ القُرْطُبِيُّ: ولَوِ اجْتَزَأ بِحُكْمِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - لَكانَ حَسَنًا.

وَرُوِيَ عَنْ مالِكٍ أيْضًا أنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الحُكْمَ في كُلِّ صَيْدٍ ما عَدا حَمامَ مَكَّةَ، وحِمارَ الوَحْشِ، والظَّبْيَ، والنَّعامَةَ؛ فَيَكْتَفِي فِيها بِحُكْمِ مَن مَضى مِنَ السَّلَفِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ: أنَّهُ حَكَمَ هو وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ في ظَبْيٍ بِعَنْزٍ، أخْرَجَهُ مالِكٌ، والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُما، ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وسَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُما حَكَما في الظَّبْيِ بِتَيْسٍ أعْفَرَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيٍّ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، ومُعاوِيَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِمْ أنَّهم قالُوا: ”في النَّعامَةِ بَدَنَةٌ“، أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ: أنَّ في حِمارِ الوَحْشِ والبَقَرَةِ بَقَرَةً، وأنَّ في الأيِّلِ بَقَرَةً.

(p-٤٤٧)وَعَنْ جابِرٍ: أنَّ عُمَرَ قَضى في الضَّبُعِ بِكَبْشٍ، وفي الغَزالِ بِعَنْزٍ، وفي الأرْنَبِ بِعَناقٍ، وفي اليَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ، أخْرَجَهُ مالِكٌ، والبَيْهَقِيُّ، ورَوى الأجْلَحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَذا الأثَرَ عَنْ جابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ والصَّحِيحُ مَوْقُوفٌ عَلى عُمَرَ كَما ذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ، وقالَ البَيْهَقِيُّ: وكَذَلِكَ رَواهُ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ، عَنْ عَطاءٍ، عَنْ جابِرٍ، عَنْ عُمَرَ مِن قَوْلِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ قَضى في الأرْنَبِ بِعَناقٍ، وقالَ: ”هي تَمْشِي عَلى أرْبَعٍ، والعَناقُ كَذَلِكَ، وهي تَأْكُلُ الشَّجَرَ، والعَناقُ كَذَلِكَ، وهي تَجْتَرُّ، والعَناقُ كَذَلِكَ“ رَواهُ البَيْهَقِيُّ.

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ قَضى في اليَرْبُوعِ بِحَفْرٍ أوْ جَفْرَةٍ، رَواهُ البَيْهَقِيُّ أيْضًا، وقالَ البَيْهَقِيُّ: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: قالَ أبُو زَيْدٍ: الجَفْرُ مِن أوْلادِ المَعْزِ ما بَلَغَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وفَصَلَ عَنْ أُمِّهِ، وعَنْ شُرَيْحٍ أنَّهُ قالَ: لَوْ كانَ مَعِي حَكَمٌ حَكَمْتُ في الثَّعْلَبِ بِجَدْيٍ، ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: في الثَّعْلَبِ شاةٌ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وأرْبَدَ - رَضِيَ اللَّهُ - عَنْهُما: أنَّهُما حَكَما في ضَبٍّ قَتَلَهُ أرْبَدُ المَذْكُورُ بِجَدْيٍ قَدْ جَمَعَ الماءَ والشَّجَرَ، رَواهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ.

وَعَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ حَكَمَ في أُمِّ حُبَيْنٍ بِجِلّانَ مِنَ الغَنَمِ، والجِلّانُ الجَدْيُ، ورَواهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ.

تَنْبِيهٌ

أقَلُّ ما يَكُونُ جَزاءً مِنَ النَّعَمِ عِنْدَ مالِكٍ شاةٌ تُجْزِئُ ضَحِيَّةً، فَلا جَزاءَ عِنْدِهِ بِجَفْرَةٍ، ولا عَناقٍ، مُسْتَدِلًّا بِأنَّ جَزاءَ الصَّيْدِ كالدِّيَةِ لا فَرْقَ فِيها بَيْنَ الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، وبِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الجَزاءُ يَصِحُّ هَدْيًا، فَفي الضَّبِّ واليَرْبُوعِ عِنْدَهُ قِيمَتُها طَعامًا.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: قَوْلُ الجُمْهُورِ في جَزاءِ الصَّغِيرِ بِالصَّغِيرِ، والكَبِيرِ بِالكَبِيرِ، هو الظّاهِرُ، وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهَذا صَحِيحٌ، وهو اخْتِيارُ عُلَمائِنا، يَعْنِي مَذْهَبَ الجُمْهُورِ الَّذِي هو اعْتِبارُ الصِّغَرِ، والكِبْرِ، والمَرَضِ، ونَحْوِ ذَلِكَ كَسائِرِ المُتْلَفاتِ.

* *

المَسْألَةُ العاشِرَةُ: إذا كانَ ما أتْلَفَهُ المُحْرِمُ بَيْضًا، فَقالَ مالِكٌ: في بَيْضِ النَّعامَةِ (p-٤٤٨)عُشْرُ ثَمَنِ البَدَنَةِ، وفي بَيْضِ الحَمامَةِ المَكِّيَّةِ عُشْرُ ثَمَنِ شاةٍ، قالَ ابْنُ القاسِمِ: وسَواءٌ كانَ فِيها فَرْخٌ أوْ لَمْ يَكُنْ، ما لَمْ يَسْتَهِلَّ الفَرْخُ بَعْدَ الكَسْرِ، فَإنِ اسْتَهَلَّ فَعَلَيْهِ الجَزاءُ كامِلًا كَجَزاءِ الكَبِيرِ مِن ذَلِكَ الطَّيْرِ، قالَ ابْنُ المَوّارِ بِحُكُومَةِ عَدْلَيْنِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ يَرَوْنَ في بَيْضِ كُلِّ طائِرٍ قِيمَتَهُ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وهو الأظْهَرُ، قالَ القُرْطُبِيُّ: رَوى عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضى في بَيْضِ نَعامٍ أصابَهُ مُحْرِمٌ بِقَدْرِ ثَمَنِهِ»، أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «فِي بَيْضَةِ نَعامٍ صِيامُ يَوْمٍ أوْ إطْعامُ مِسْكِينٍ»، قالَهُ القُرْطُبِيُّ، وإنْ قَتَلَ المُحْرِمُ فِيلًا فَقِيلَ: فِيهِ بَدَنَةٌ مِنَ الهِجانِ العِظامِ الَّتِي لَها سَنامانِ، وإذا لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الإبِلِ؛ فَيُنْظَرُ إلى قِيمَتِهِ طَعامًا، فَيَكُونُ عَلَيْهِ ذَلِكَ.

قالَ القُرْطُبِيُّ: والعَمَلُ فِيهِ أنْ يُجْعَلَ الفِيلُ في مَرْكَبٍ ويُنْظَرَ إلى مُنْتَهى ما يَنْزِلُ المَرْكَبُ في الماءِ، ثُمَّ يَخْرُجُ الفِيلُ، ويُجْعَلُ في المَرْكَبُ طَعامٌ إلى الحَدِّ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ والفِيلُ فِيهِ، وهَذا عَدْلُهُ مِنَ الطَّعامِ وأمّا إنْ نَظَرَ إلى قِيمَتِهِ، فَهو يَكُونُ لَهُ ثَمَنٌ عَظِيمٌ لِأجْلِ عِظامِهِ وأنْيابِهِ؛ فَيَكْثُرُ الطَّعامُ وذَلِكَ ضَرَرٌ اهـ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ في اعْتِبارِ مِثْلِ الفِيلِ طَعامًا فِيهِ أمْرانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ لا يُقْدَرُ عَلَيْهِ غالِبًا؛ لِأنَّ نَقْلَ الفِيلِ إلى الماءِ، وتَحْصِيلَ المَرْكَبِ، ورَفْعَ الفِيلِ فِيهِ، ونَزْعَهُ مِنهُ، لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ آحادُ النّاسِ غالِبًا، ولا يَنْبَغِي التَّكْلِيفُ العامُّ إلّا بِما هو مَقْدُورٌ غالِبًا لِكُلِّ أحَدٍ.

والثّانِي: أنَّ كَثْرَةَ القِيمَةِ لا تُعَدُّ ضَرَرًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ عَلَيْهِ إلّا قِيمَةُ ما أتْلَفَ في الإحْرامِ، ومَن أتْلَفَ في الإحْرامِ حَيَوانًا عَظِيمًا؛ لَزِمَهُ جَزاءٌ عَظِيمٌ، ولا ضَرَرَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ عِظَمَ الجَزاءِ تابِعٌ لِعِظَمِ الجِنايَةِ كَما هو ظاهِرٌ.

* *

المَسْألَةُ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ صَيْدَ الحَرَمِ المَكِّيِّ مَمْنُوعٌ، وأنَّ قَطْعَ شَجَرِهِ، ونَباتِهِ حَرامٌ، إلّا الإذْخِرَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إنَّ هَذا البَلَدَ حَرامٌ لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، ولا يُخْتَلى خَلاهُ، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، ولا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ، إلّا لِمُعَرِّفٍ ”. فَقالَ (p-٤٤٩)العَبّاسُ: إلّا الإذْخِرَ؛ فَإنَّهُ لا بُدَّ لَهم مِنهُ، فَإنَّهُ لِلْقُيُونِ والبُيُوتِ، فَقالَ:“ إلّا الإذْخِرَ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ قالَ: ”لا يُنَفَّرُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى شَوْكُها، ولا تَحِلُّ ساقِطَتُها إلّا لِمُنْشِدٍ“، فَقالَ العَبّاسُ: إلّا الإذْخِرَ؛ فَإنّا نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنا وبُيُوتِنا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: ”إلّا الإذْخِرَ“»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أيْضًا، وفي لَفْظٍ ”لا يُعْضَدُ شَجَرُها“، بَدَلَ قَوْلِهِ ”لا يُخْتَلى شَوْكُها“، والأحادِيثُ في البابِ كَثِيرَةٌ.

واعْلَمْ أنَّ شَجَرَ الحَرَمِ ونَباتَهُ طَرَفانِ، وواسِطَةُ طَرَفٍ، لا يَجُوزُ قَطْعُهُ إجْماعًا، وهو ما أنْبَتَهُ اللَّهُ في الحَرَمِ مِن غَيْرِ تَسَبُّبِ الآدَمِيِّينَ، وطَرَفٌ يَجُوزُ قَطْعُهُ إجْماعًا، وهو ما زَرَعَهُ الآدَمِيُّونَ مِنَ الزُّرُوعِ، والبُقُولِ، والرَّياحِينِ ونَحْوِها، وطَرَفٌ اخْتُلِفَ فِيهِ، وهو ما غَرَسَهُ الآدَمِيُّونَ مِن غَيْرِ المَأْكُولِ، والمَشْمُومِ، كالأثْلِ، والعَوْسَجِ، فَأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى جَوازِ قَطْعِهِ.

وَقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ الشّافِعِيُّ بِالمَنعِ، وهو أحْوَطُ في الخُرُوجِ مِنَ العُهْدَةِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنْ نَبَتَ أوَّلًا في الحَلِّ، ثُمَّ نُزِعَ فَغُرِسَ في الحَرَمِ جازَ قَطْعُهُ، وإنْ نَبَتَ أوَّلًا في الحَرَمِ، فَلا يَجُوزُ قَطْعُهُ، ويَحْرُمُ قَطْعُ الشَّوْكِ والعَوْسَجِ، قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“، وقالَ القاضِي، وأبُو الخَطّابِ: لا يَحْرِمُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ، والشّافِعِيِّ؛ لِأنَّهُ يُؤْذِي بِطَبْعِهِ، فَأشْبَهَ السِّباعَ مِنَ الحَيَوانِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: قِياسُ شَوْكِ الحَرَمِ عَلى سِباعِ الحَيَوانِ مَرْدُودٌ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ السِّباعَ تَتَعَرَّضُ لِأذى النّاسِ، وتَقْصِدُهُ، بِخِلافِ الشَّوْكِ.

الثّانِي: أنَّهُ مُخالِفٌ لِقَوْلِهِ - ﷺ: «لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ»، والقِياسُ المُخالِفُ لِلنَّصِّ فاسِدُ الِاعْتِبارِ، قالَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“: [ الرَّجَزُ ]

والخُلْفُ لِلنَّصِّ أوْ إجْماعٍ دَعا فَسادَ الِاعْتِبارِ كُلُّ مَن وعى

وَفَسادُ الِاعْتِبارِ قادِحٌ مُبْطِلٌ لِلدَّلِيلِ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، واخْتُلِفَ في قَطْعِ اليابِسِ مِنَ الشَّجَرِ، والحَشِيشِ، فَأجازَهُ بَعْضُ العُلَماءِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ؛ لِأنَّهُ كالصَّيْدِ المَيِّتِ، لا شَيْءَ عَلى مَن قَدَّهُ نِصْفَيْنِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ - ﷺ: «وَلا يُخْتَلى خَلاهُ»؛ لِأنَّ الخَلا هو الرَّطْبُ مِنَ النَّباتِ، فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ لا بَأْسَ بِقَطْعِ اليابِسِ.

(p-٤٥٠)وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا يَجُوزُ قَطْعُ اليابِسِ مِنهُ، واسْتَدَلُّوا لَهُ بِأنَّ اسْتِثْناءَ الإذْخِرِ إشارَةٌ إلى تَحْرِيمِ اليابِسِ، وبِأنَّ في بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: «وَلا يُحْتَشُّ حَشِيشُها»، والحَشِيشُ في اللُّغَةِ: اليابِسُ مِنَ العُشْبِ، ولا شَكَّ أنَّ تَرْكَهُ أحْوَطُ.

واخْتُلِفَ أيْضًا في جَوازِ تَرْكِ البَهائِمِ تَرْعى فِيهِ، فَمَنَعَهُ أبُو حَنِيفَةَ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مالِكٍ، وفِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ جَوازُهُ، واحْتَجَّ مَن مَنَعَهُ بِأنَّ ما حَرُمَ إتْلافُهُ، لَمْ يَجُزْ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْهِ ما يُتْلِفُهُ كالصَّيْدِ، واحْتَجَّ مَن أجازَهُ بِأمْرَيْنِ:

الأوَّلُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أقْبَلْتُ راكِبًا عَلى أتانٍ، فَوَجَدْتُ - النَّبِيَّ ﷺ - يُصَلِّي بِالنّاسِ بِمِنًى إلى غَيْرِ جِدارٍ، فَدَخَلْتُ في الصَّفِّ، وأرْسَلْتُ الأتانَ تَرْتَعِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، ومِنًى مِنَ الحَرَمِ.

الثّانِي: أنَّ الهَدْيَ كانَ يَدْخُلُ بِكَثْرَةٍ في زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وزَمَنِ أصْحابِهِ، ولَمْ يُنْقَلْ عَنْ أحَدٍ الأمْرُ بِسَدِّ أفْواهِ الهَدْيِ عَنِ الأكْلِ مِن نَباتِ الحَرَمِ، وهَذا القَوْلُ أظْهَرُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وَمِمَّنْ قالَ بِهِ عَطاءٌ، واخْتُلِفَ في أخْذِ الوَرَقِ، والمُساوِيكِ مِن شَجَرِ الحَرَمِ، إذا كانَ أخْذُ الوَرَقِ بِغَيْرِ ضَرْبٍ يَضُرُّ بِالشَّجَرَةِ، فَمَنَعَهُ بَعْضُ العُلَماءِ؛ لِعُمُومِ الأدِلَّةِ، وأجازَهُ الشّافِعِيُّ؛ لِأنَّهُ لا ضَرَرَ فِيهِ عَلى الشَّجَرَةِ، ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ: أنَّهُما رَخَّصا في ورَقِ السَّنا لِلِاسْتِمْشاءِ بِدُونِ نَزْعِ أصْلِهِ، والأحْوَطُ تَرْكُ ذَلِكَ كُلِّهِ، والظّاهِرُ أنَّ مَن أجازَهُ اسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقِياسِهِ عَلى الإذْخِرِ بِجامِعِ الحاجَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском