Ash-ShinqitiAl‑Hadid · 57:1–21

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

الحديد

Al-Hadid

The Iron · Medinan · 29 ayahs

57:1Page 537

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١

Whatever is in the heavens and earth exalts Allāh,1 and He is the Exalted in Might, the Wise.

(p-٥٤٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الحَدِيدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .

قَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ التَّسْبِيحَ هو تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ الإبْعادُ عَنِ السُّوءِ، مِن قَوْلِهِمْ سَبَحَ إذا صارَ بَعِيدًا، ومِنهُ قِيلَ لِلْفَرَسِ: سابِحٌ، لِأنَّهُ إذا جَرى يَبْعُدُ بِسُرْعَةٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ عَنْتَرَةَ في مُعَلَّقَتِهِ:

؎إذْ لا أزالُ عَلى رِحالَةِ سابِحٍ نَهْدٍ تَعاوَرُهُ الكُماةُ مُكَلَّمِ

وَقَوْلُ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ السُّلَمِيِّ:

؎لا يَغْرِسُونَ فَسِيلَ النَّخْلِ حَوْلَهُمُ ∗∗∗ ولا تَخاوَرُ في مَشْتاهُمُ البَقَرُ

؎إلّا سَوابِحَ كالعِقْبانِ مُقْرَبَةً ∗∗∗ في دارَةٍ حَوْلَها الأخْطارُ والفِكَرُ

وَهَذا الفِعْلُ الَّذِي هو ”سَبَّحَ“ قَدْ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ بِدُونِ اللّامِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٢]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦]، وقَدْ يَتَعَدّى بِاللّامِ كَقَوْلِهِ هُنا: سَبَّحَ لِلَّهِ، وعَلى هَذا فَسَبَّحَهُ وسَبَّحَ لَهُ لُغَتانِ كَنَصَحَهُ ونَصَحَ لَهُ. وشَكَرَهُ وشَكَرَ لَهُ، وذَكَرَ بَعْضُهم في الآيَةِ وجْهًا آخَرَ، وهو أنَّ المَعْنى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾، أيْ أحْدَثَ التَّسْبِيحَ لِأجْلِ اللَّهِ أيِ ابْتِغاءَ وجْهِهِ تَعالى، ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو حَيّانَ، وقِيلَ: سَبَّحَ لِلَّهِ أيْ صَلّى لَهُ.

وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ التَّسْبِيحَ يُطْلَقُ عَلى الصَّلاةِ، وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ أهْلَ السَّماواتِ والأرْضِ يُسَبِّحُونَ لِلَّهِ، أيْ يُنَزِّهُونَهُ عَمّا لا يَلِيقُ - بَيَّنَهُ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِهِ

• كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الحَشْرِ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ الآيَةَ [الحشر: ١]،

• وقَوْلِهِ في الصَّفِّ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ الآيَةَ [الصف: ١]،

• وقَوْلِهِ في الجُمُعَةِ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ الآيَةَ [الجمعة: ١]،

• وقَوْلِهِ في التَّغابُنِ ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الآيَةَ [التغابن: ١] .

وَزادَ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ السَّماواتِ السَّبْعَ والأرْضَ يُسَبِّحْنَ لِلَّهِ مَعَ ما فِيهِما (p-٥٤١)مِنَ الخَلْقِ وأنَّ تَسْبِيحَ السَّماواتِ ونَحْوِها مِنَ الجَماداتِ يَعْلَمُهُ اللَّهُ ونَحْنُ لا نَفْقَهُهُ أيْ لا نَفْهَمُهُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ تَسْبِيحَ الجَماداتِ المَذْكُورَ فِيها وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، ونَحْوِ ذَلِكَ تَسْبِيحٌ حَقِيقِيٌّ يَعْلَمُهُ اللَّهُ ونَحْنُ لا نَعْلَمُهُ.

والآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيها الرَّدُّ الصَّرِيحُ عَلى مَن زَعَمَ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ تَسْبِيحَ الجَماداتِ هو دَلالَةُ إيجادِها عَلى قُدْرَةِ خالِقِها، لِأنَّ دَلالَةَ الكائِناتِ عَلى عَظَمَةِ خالِقِها يَفْهَمُها كُلُّ العُقَلاءِ، كَما صَرَّحَ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، وأمْثالُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ.

وَقَدْ قَدَّمْنا إيضاحَ هَذا في سُورَةِ الرَّعْدِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ الآيَةَ [الرعد: ١٥]، وفي سُورَةِ الكَهْفِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٧٧]، وفي سُورَةِ الأحْزابِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٧٢]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.

وَقَدْ عَبَّرَ تَعالى هُنا في أوَّلِ الحَدِيدِ بِصِيغَةِ الماضِي في قَوْلِهِ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ الآيَةَ [الحديد: ١]، وكَذَلِكَ هو في الحَشْرِ، والصَّفِّ، وعَبَّرَ في الجُمُعَةِ والتَّغابُنِ، وغَيْرِهِما بِقَوْلِهِ: يُسَبِّحُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ.

قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّما عَبَّرَ بِالماضِي تارَةً وبِالمُضارِعِ أُخْرى لِيُبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ التَّسْبِيحَ لِلَّهِ هو شَأْنُ أهْلِ السَّماواتِ وأهْلِ الأرْضِ، ودَأْبُهم في الماضِي والمُسْتَقْبَلِ. ذَكَرَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو حَيّانَ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الحديد: ١]، قَدْ قَدَّمْنا مَعْناهُ مِرارًا، وذَكَرْنا أنَّ العَزِيزَ هو الغالِبُ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، وأنَّ العِزَّةَ هي الغَلَبَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨]، وقَوْلُهُ: ﴿وَعَزَّنِي في الخِطابِ﴾، أيْ: غَلَبَنِي في الخِصامِ، ومِن أمْثالِ العَرَبِ: مَن عَزَّ بَزَّ، يَعْنُونَ: مَن غَلَبَ اسْتَلَبَ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ:(p-٥٤٢)

؎كَأنْ لَمْ يَكُونُوا حِمًى يُخْتَشى ∗∗∗ إذِ النّاسُ إذْ ذاكَ مَن عَزَّ بَزّا

والحَكِيمُ: هو مَن يَضَعُ الأُمُورَ في مَواضِعِها ويُوقِعُها في مَواقِعِها.

وَقَوْلُهُ: ﴿ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الحديد: ١]، غُلِّبَ فِيهِ غَيْرُ العاقِلِ، وقَدْ قَدَّمْنا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ تَعالى تارَةً يُغَلِّبُ غَيْرَ العاقِلِ، في نَحْوِ: ”ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ“ لِكَثْرَتِهِ، وتارَةً يُغَلِّبُ العاقِلَ لِأهَمِّيَّتِهِ. وقَدْ جَمَعَ المِثالُ لِلْأمْرَيْنِ، قَوْلُهُ تَعالى في البَقَرَةِ: ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١١٦]، فَغَلَّبَ غَيْرَ العاقِلِ في قَوْلِهِ: ﴿ما في السَّماواتِ﴾، وغَلَّبَ العاقِلَ في قَوْلِهِ: ﴿قانِتُونَ﴾ .

57:2Page 537

لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٢

His is the dominion of the heavens and earth. He gives life and causes death, and He is over all things competent.

No commentary for this ayah

57:3Page 537

هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٣

He is the First1 and the Last,2 the Ascendant3 and the Intimate,4 and He is, of all things, Knowing.

No commentary for this ayah

57:4Page 538

هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۖ وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٤

It is He who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne.1 He knows what penetrates into the earth and what emerges from it and what descends from the heaven and what ascends therein; and He is with you2 wherever you are. And Allāh, of what you do, is Seeing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ [الحديد: ٤]، قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ فُصِّلَتْ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ الآياتِ [التوبة: ١٢]، وفي سُورَةِ الأعْرافِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٥٤] .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الحديد: ٤]، قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ بِكَثْرَةٍ في سُورَةِ الأعْرافِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٥٤]، وذَكَرْنا طَرَفًا صالِحًا مِن ذَلِكَ في سُورَةِ القِتالِ في كَلامِنا الطَّوِيلِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] .

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها﴾ . قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ في أوَّلِ سُورَةِ سَبَأٍ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو الرَّحِيمُ الغَفُورُ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٢] .

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهو مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ .

قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ وبَيَّنّا الآياتِ القُرْآنِيَّةَ الدّالَّةَ عَلى المَعِيَّةِ العامَّةِ والمَعِيَّةِ الخاصَّةِ، مَعَ بَيانِ مَعْنى المَعِيَّةِ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: (p-٥٤٣)﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٢٨] .

⁕ ⁕ ⁕

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

(p-٤٠٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الحَدِيدِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ .

يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ عالٍ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [ ٥٧ ]، يُوهِمُ خِلافَ ذَلِكَ.

والجَوابُ أنَّهُ تَعالى مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ كَما قالَ بِلا كَيْفٍ ولا تَشْبِيهٍ، اسْتِواءً لائِقًا بِكَمالِهِ وجَلالِهِ، وجَمِيعُ الخَلائِقِ في يَدِهِ أصْغَرُ مِن حَبَّةِ خَرْدَلٍ، فَهو مَعَ جَمِيعِهِمْ بِالإحاطَةِ الكامِلَةِ والعِلْمِ التّامِّ، ونُفُوذِ القُدْرَةِ سُبْحانَهُ وتَعالى عُلُوًّا كَبِيرًا، فَلا مُنافاةَ بَيْنَ عُلُوِّهِ عَلى عَرْشِهِ ومَعِيَّتِهِ لِجَمِيعِ الخَلائِقِ.

ألا تَرى ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى أنَّ أحَدَنا لَوْ جَعَلَ في يَدِهِ حَبَّةً مِن خَرْدَلٍ أنَّهُ لَيْسَ داخِلًا في شَيْءٍ مِن أجْزاءِ تِلْكَ الحَبَّةِ مَعَ أنَّهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ أجْزائِها ومَعَ جَمِيعِ أجْزائِها، والسَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِما في يَدِهِ تَعالى أصْغَرُ مِن حَبَّةِ خَرْدَلٍ في يَدِ أحَدِنا، ولَهُ المَثَلُ الأعْلى سُبْحانَهُ وتَعالى عُلُوًا كَبِيرًا، فَهو أقْرَبُ إلى الواحِدِ مِنّا مِن عُنُقِ راحِلَتِهِ بَلْ مِن حَبْلِ ورِيدِهِ، مَعَ أنَّهُ مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن عَمَلِ خَلْقِهِ، جَلَّ وعَلا.

57:5Page 538

لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٥

His is the dominion of the heavens and earth. And to Allāh are returned [all] matters.

No commentary for this ayah

57:6Page 538

يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۚ وَهُوَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٦

He causes the night to enter the day and causes the day to enter the night, and He is Knowing of that within the breasts.

No commentary for this ayah

57:7Page 538

ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَأَنفَقُواْ لَهُمۡ أَجۡرٞ كَبِيرٞ ٧

Believe in Allāh and His Messenger and spend out of that in which He has made you successive inheritors. For those who have believed among you and spent,1 there will be a great reward.

No commentary for this ayah

57:8Page 538

وَمَا لَكُمۡ لَا تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ لِتُؤۡمِنُواْ بِرَبِّكُمۡ وَقَدۡ أَخَذَ مِيثَٰقَكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨

And why do you not believe in Allāh while the Messenger invites you to believe in your Lord and He has taken your covenant, if you should [truly] be believers?

No commentary for this ayah

57:9Page 538

هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦٓ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لِّيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٩

It is He who sends down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] verses of clear evidence that He may bring you out from darknesses into the light. And indeed, Allāh is to you Kind and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هو الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ هو الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ آياتٍ بَيِّناتٍ، أيْ واضِحاتٍ. وهي هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ؛ لِيُخْرِجَ النّاسَ بِهَذا القُرْآنِ العَظِيمِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالآياتِ البَيِّناتِ، مِنَ الظُّلُماتِ: أيْ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ والمَعاصِي إلى نُورِ التَّوْحِيدِ والهُدى، وهَذا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُبَيَّنّا في قَوْلِهِ تَعالى في الطَّلاقِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ياأُولِي الألْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ الآيَتانِ [الطلاق: ١٠ - ١١]، وآيَةُ الطَّلاقِ هَذِهِ بَيَّنَتْ أنَّ آيَةَ الحَدِيدِ مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ، وأنَّهُ لا يَخْرُجُ بِهَذا القُرْآنِ العَظِيمِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ إلّا مَن وفَّقَهُمُ اللَّهُ لِلْإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، فَقَوْلُهُ في الحَدِيدِ: ﴿لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُّلُماتِ﴾ [الحديد: ٩]، أيْ بِشَرْطِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ﴾ الآيَةَ [الطلاق: ١١] .

فالدَّعْوَةُ إلى الإيمانِ بِالقُرْآنِ والخُرُوجِ بِنُورِهِ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ عامَّةٌ، ولَكِنَّ التَّوْفِيقَ إلى الخُرُوجِ بِهِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ خاصٌّ بِمَن وفَّقَهُمُ اللَّهُ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتُ الطَّلاقِ المَذْكُورَةُ، واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - يَقُولُ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] .

وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِ القُرْآنِ نُورًا يُخْرِجُ اللَّهُ بِهِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ يَهْدِي ﴿بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ [التغابن: ٨]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ الآيَةَ [الشورى: ٥٢] .

57:10Page 538

وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٠

And why do you not spend in the cause of Allāh while to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth? Not equal among you are those who spent before the conquest [of Makkah] and fought [and those who did so after it]. Those are greater in degree than they who spent afterwards and fought. But to all Allāh has promised the best [reward]. And Allāh, of what you do, is Aware.

(p-٥٤٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .

قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ مَرْيَمَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ الآيَةَ [مريم: ٤٠] .

57:11Page 538

مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُۥٓ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١١

Who is it that would loan Allāh a goodly loan so He will multiply it for him and he will have a noble reward?

No commentary for this ayah

57:12Page 539

يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۖ بُشۡرَىٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢

On the Day you see the believing men and believing women, their light proceeding before them and on their right, [it will be said], "Your good tidings today are [of] gardens beneath which rivers flow, wherein you will abide eternally." That is what is the great attainment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .

ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ، وهو جَمْعُ يَمِينٍ، وأنَّهم يُقالُ لَهم: ﴿بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الحديد: ١٢] .

وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِمّا ذَكَرْنا - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ، أمّا سَعْيُ نُورِهِمْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ، فَقَدْ بَيَّنَهُ تَعالى في سُورَةِ التَّحْرِيمِ، وزادَ فِيها بَيانَ دُعائِهِمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾ الآيَةَ [التحريم: ٨] .

وَأمّا تَبْشِيرُهم بِالجَنّاتِ فَقَدْ جاءَ مُوَضَّحًا في مَواضِعَ أُخَرَ، وبَيَّنَ اللَّهُ فِيها أنَّ المَلائِكَةَ تُبَشِّرُهم وأنَّ رَبَّهم أيْضًا يُبَشِّرُهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١ - ٢٢]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿نُزُلًا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

57:13Page 539

يَوۡمَ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ قِيلَ ٱرۡجِعُواْ وَرَآءَكُمۡ فَٱلۡتَمِسُواْ نُورٗاۖ فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ ١٣

On the [same] Day the hypocrite men and hypocrite women will say to those who believed, "Wait for us that we may acquire some of your light." It will be said, "Go back behind you1 and seek light." And a wall will be placed between them with a door, its interior containing mercy, but on the outside of it is torment.

No commentary for this ayah

57:14Page 539

يُنَادُونَهُمۡ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمۡ فَتَنتُمۡ أَنفُسَكُمۡ وَتَرَبَّصۡتُمۡ وَٱرۡتَبۡتُمۡ وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ١٤

They [i.e., the hypocrites] will call to them [i.e., the believers], "Were we not with you?" They will say, "Yes, but you afflicted yourselves1 and awaited [misfortune for us] and doubted, and wishful thinking deluded you until there came the command of Allāh. And the Deceiver [i.e., Satan] deceived you concerning Allāh.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكم قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ وغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ .

الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في ”يُنادُونَهم“ راجِعٌ إلى المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ راجِعٌ إلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ إذا رَأوْا نُورَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ، قالُوا لَهُمُ: انْظُرُوا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم، وقِيلَ لَهم جَوابًا لِذَلِكَ: ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا (p-٥٤٥)نُورًا، وضُرِبَ بَيْنَهم بِالسُّورِ المَذْكُورِ أنَّهم يُنادُونَ المُؤْمِنِينَ: ألَمْ نَكُنْ مَعَكم، أيْ في دارِ الدُّنْيا، كُنّا نَشْهَدُ مَعَكُمُ الصَّلَواتِ ونَسِيرُ مَعَكم في الغَزَواتِ ونَدِينُ بِدِينِكم ؟ قالُوا: بَلى، أيْ كُنْتُمْ مَعَنا في دارِ الدُّنْيا، ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم.

وَقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا مَعانِيَ الفِتْنَةِ وإطْلاقاتِها في القُرْآنِ، وبَيَّنّا أنَّ مِن مَعانِي إطْلاقاتِها في القُرْآنِ الضَّلالَ كالكُفْرِ والمَعاصِي، وهو المُرادُ هُنا أيْ فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم: أيْ أضْلَلْتُمُوها بِالنِّفاقِ الَّذِي هو كُفْرٌ باطِنٌ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩]، أيْ لا يَبْقى شِرْكٌ كَما تَقَدَّمَ إيضاحُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ [الحديد: ١٤]، التَّرَبُّصُ: الِانْتِظارُ، والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا تَرَبُّصُ المُنافِقِينَ بِالمُؤْمِنِينَ الدَّوائِرَ أيِ انْتِظارُهم بِهِمْ نَوائِبَ الدَّهْرِ أنْ تُهْلِكَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى في مُنافِقِي الأعْرابِ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ [التوبة: ١٠١]، ﴿وَمِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨] .

وَقَوْلُهُ تَعالى: وارْتَبْتُمْ أيْ شَكَكْتُمْ في دِينِ الإسْلامِ، وشَكُّهُمُ المَذْكُورُ هُنا وكُفْرُهم بِسَبَبِهِ بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ عَنْهم: ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥] .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٤]، الأمانِيُّ جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ، وهي ما يُمَنُّونَ بِهِ أنْفُسَهم مِنَ الباطِلِ، كَزَعْمِهِمْ أنَّهم مُصْلِحُونَ في نِفاقِهِمْ، وأنَّ المُؤْمِنِينَ حَقًّا سُفَهاءُ في صِدْقِهِمْ، أيْ في إيمانِهِمْ، كَما بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ قالُوا إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١١ - ١٢]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا كَما آمَنَ النّاسُ قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٣] .

وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِ الأمانِيِّ المَذْكُورَةِ مِنَ الغُرُورِ الَّذِي اغْتَرُّوا بِهِ - جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣ - ١٢٤] .

وَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٤]، الأظْهَرُ أنَّهُ المَوْتُ لِأنَّهُ يَنْقَطِعُ بِهِ العَمَلُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَغَرَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ [الحديد: ١٤]، هو (p-٥٤٦)الشَّيْطانُ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ الَّتِي هي المَفْعُولُ لِكَثْرَةِ غُرُورِهِ لِبَنِي آدَمَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤] .

وَما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن أنَّ الشَّيْطانَ الكَثِيرَ الغُرُورِ غَرَّهم بِاللَّهِ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ لُقْمانَ: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥]، وقَوْلِهِ في أوَّلِ فاطِرٍ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٥ - ٦] .

وَقَوْلُهُ تَعالى في آيَةِ لُقْمانَ وآيَةِ فاطِرٍ المَذْكُورَتَيْنِ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [يونس: ٥٥] وتَرْتِيبُهُ عَلى ذَلِكَ النَّهْيِ عَنْ أنْ يَغُرَّهم بِاللَّهِ الغَرُورُ - دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ مِمّا يَغُرُّهم بِهِ الشَّيْطانُ أنَّ وعْدَ اللَّهِ بِالبَعْثِ لَيْسَ بِحَقٍّ، وأنَّهُ غَيْرُ واقِعٍ. والغُرُورُ بِالضَّمِّ الخَدِيعَةُ.

57:15Page 539

فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُؤۡخَذُ مِنكُمۡ فِدۡيَةٞ وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ مَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُۖ هِيَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٥

So today no ransom will be taken from you or from those who disbelieved. Your refuge is the Fire. It is most worthy of you, and wretched is the destination."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكم فِدْيَةٌ ولا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .

قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٩١]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.

57:16Page 539

۞ أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ١٦

Has the time not come for those who have believed that their hearts should become humbly submissive at the remembrance of Allāh and what has come down of the truth? And let them not be like those who were given the Scripture before, and a long period passed over them, so their hearts hardened; and many of them are defiantly disobedient.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ ولا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهم وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ .

قَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ كُلَّ فِعْلٍ مُضارِعٍ في القُرْآنِ مَجْزُومٌ بِـ ”لَمْ“ إذا تَقَدَّمَتْها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ كَما هُنا - فِيهِ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعْرُوفانِ.

الأوَّلُ مِنهُما: هو أنْ تُقْلَبَ مُضارَعَتُهُ ماضَوِيَّةً، ونَفْيُهُ إثْباتًا، فَيَكُونَ بِمَعْنى الماضِي المُثْبَتِ، لِأنَّ ”لَمْ“ حَرْفٌ تَقْلِبُ المُضارِعَ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ إلى مَعْنى المُضِيِّ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ إنْكارِيَّةٌ، فِيها مَعْنى النَّفْيِ، فَيَتَسَلَّطُ النَّفْيُ الكامِنُ فِيها عَلى النَّفْيِ الصَّرِيحِ في ”لَمْ“ فَيَنْفِيهِ، ونَفْيُ النَّفْيِ إثْباتٌ، فَيَرْجِعَ المَعْنى إلى الماضِي المُثْبَتِ. وعَلَيْهِ فالمَعْنى ”ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ“ أيْ: آنَ لِلَّذِينِ آمَنُوا.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الِاسْتِفْهامَ في جَمِيعِ ذَلِكَ لِلتَّقْرِيرِ، وهو حَمْلُ المُخاطَبِ عَلى أنْ (p-٥٤٧)يَقِرَّ فَيَقُولَ: بَلى. وقَوْلُهُ: ”يَأْنِ“: هو مُضارِعُ ”أنى يَأْنى“ إذا جاءَ إنّاهُ أيْ وقْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

وَلِقَدْ أنى لَكَ أنْ تَناهى طائِعًا أوْ تَسْتَفِيقَ إذا نَهاكَ المُرْشِدُ فَقَوْلُهُ: أنى لَكَ أنْ تَناهى طائِعًا، أيْ جاءَ الإناهُ الَّذِي هو الوَقْتُ الَّذِي تَتَناهى فِيهِ طائِعًا، أيْ حَضَرَ وقْتُ تَناهِيكَ، ويُقالُ في العَرَبِيَّةِ: آنَ يَئِينُ كَباعَ يَبِيعُ، وأنى يَأْنِي كَرَمى يَرْمِي، وقَدْ جَمَعَ اللُّغَتَيْنِ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ألَمّا يَئِنْ لِي أنْ تُجَلّى عَمايَتِي وأُقْصِرَ عَنْ لَيْلى بَلى قَدْ أنى لِيا

والمَعْنى عَلى كِلا القَوْلَيْنِ أنَّهُ حانَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وأنى لَهم أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهم لِذِكْرِ اللَّهِ، أيْ جاءَ الحِينُ والأوانُ لِذَلِكَ، لِكَثْرَةِ ما تَرَدَّدَ عَلَيْهِمْ مِن زَواجِرِ القُرْآنِ ومَواعِظِهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]، المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن ”أنْ“ وصِلَتِها في مَحِلِّ رَفْعِ فاعِلٍ بِـ ”أنْ“، والخُشُوعُ أصْلُهُ في اللُّغَةِ السُّكُونُ والطُّمَأْنِينَةُ والِانْخِفاضُ، ومِنهُ قَوْلُ نابِغَةَ ذُبْيانَ:

؎رَمادٌ كَكُحْلِ العَيْنِ لَأْيًا أُبِينُهُ ∗∗∗ ونُؤْيٌ كَجَذْمِ الحَوْضِ أثَلَمُ خاشِعُ

فَقَوْلُهُ: ”خاشِعٍ“ أيْ مُنْخَفَضٍ مُطْمَئِنٍ، والخُشُوعُ في الشَّرْعِ خَشْيَةٌ مِنَ اللَّهِ تُداخِلُ القُلُوبَ، فَتَظْهَرُ آثارُها عَلى الجَوارِحِ بِالِانْخِفاضِ والسُّكُونِ، كَما هو شَأْنُ الخائِفِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿لِذِكْرِ اللَّهِ﴾، الأظْهَرُ مِنهُ أنَّ المُرادَ خُشُوعُ قُلُوبِهِمْ لِأجْلِ ذِكْرِ اللَّهِ، وهَذا المَعْنى دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، أيْ خافَتْ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ، فالوَجَلُ المَذْكُورُ في آيَةِ الأنْفالِ هَذِهِ، والخَشْيَةُ المَذْكُورَةُ هُنا مَعْناهُما واحِدٌ.

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِذِكْرِ اللَّهِ القُرْآنُ، وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: ﴿وَما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦] مِن عَطْفِ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ مَعَ اخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ١ - ٣]، كَما أوْضَحْناهُ مِرارًا.

وَعَلى هَذا القَوْلِ فالآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٥٤٨)﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣] . فالِاقْشِعْرارُ المَذْكُورُ ولِينُ الجُلُودِ والقُلُوبِ عِنْدَ سَماعِ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِأحْسَنِ الحَدِيثِ - يُفَسِّرُ مَعْنى الخُشُوعِ لِذِكْرِ اللَّهِ، وما نَزَلَ مِنَ الحَقِّ هُنا كَما ذُكِرَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَكُونُوا كالَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]، قَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٧٤] بَعْضَ أسْبابِ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ، فَذَكَرْنا مِنها طُولَ الأمَدِ المَذْكُورِ هُنا في آيَةِ الحَدِيدِ هَذِهِ، وغَيْرَ ذَلِكَ في بَعْضِ الآياتِ الأُخَرِ.

وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَثْرَةِ الفاسِقِينَ، مِن أهْلِ الكِتابِ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٧]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

57:17Page 539

ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٧

Know that Allāh gives life to the earth after its lifelessness. We have made clear to you the signs; perhaps you will understand.1

No commentary for this ayah

57:18Page 539

إِنَّ ٱلۡمُصَّدِّقِينَ وَٱلۡمُصَّدِّقَٰتِ وَأَقۡرَضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعَفُ لَهُمۡ وَلَهُمۡ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١٨

Indeed, the men who practice charity and the women who practice charity and [they who] have loaned Allāh a goodly loan - it will be multiplied for them, and they will have a noble reward.

No commentary for this ayah

57:19Page 540

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ وَنُورُهُمۡۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١٩

And those who have believed in Allāh and His messengers - those are [in the ranks of] the supporters of truth and the martyrs, with their Lord. For them is their reward and their light.1 But those who have disbelieved and denied Our verses - those are the companions of Hellfire.

No commentary for this ayah

57:20Page 540

ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ٢٠

Know that the life of this world is but amusement and diversion and adornment and boasting to one another and competition in increase of wealth and children - like the example of a rain whose [resulting] plant growth pleases the tillers; then it dries and you see it turned yellow; then it becomes [scattered] debris. And in the Hereafter is severe punishment and forgiveness from Allāh and approval. And what is the worldly life except the enjoyment of delusion.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا﴾ .

قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ الزُّمَرِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا﴾ الآيَةَ [الزمر: ٢١]، وبَيَّنّا هُناكَ الآيَةَ الدّالَّةَ عَلى سَبَبِ اصْفِرارِهِ.

57:21Page 540

سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢١

Race [i.e., compete] toward forgiveness from your Lord and a Garden whose width is like the width of the heavens and earth, prepared for those who believed in Allāh and His messengers. That is the bounty of Allāh which He gives to whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском